مسألة: قال الشافعي: "والاخْتِيَارُ في السُّنَّةِ لِكُلُ مَنْ أَرَادَ الْجُمْعَةِ الاغْتِسَالُ لَهَا".
وهذا كما قال: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة. قال الشافعي ﵀:" ما تركته قط ولا يجب عندنا". وقال مالك:"هو واجب يقضي بتركه إلا أن صلاة الجمعة تصح بدونه" وقيل: هذا مذهب داود ولا يصح عنه. وروى عن الحسن أنه قال:"هو واجب". وقال كعب الأحبار:"لو لم أجد ماء إلا بدينار في يوم الجمعة لاشتريته واغتسلت به".
واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري﵁- أن النبي ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". ومعناه كل بالغ، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
(٢٥٧ ب/ ١) وقوله فبها، أي بالفريضة أخذ. ونعمت: يعنى الخلة الفريضة. وقيل: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة السنة. وقال والدي ﵀: يحتمل أنه أراد به الضوء من الحدث بنية رفع الحدث والجمعة، ويحتمل أنه أراد الوضوء المجدد بنية التجديد والجمعة فيبقى للجمعة اختصاص من هذا الوجه، كالجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة والجمعة تجوز عنهما، ويحتمل أن يقال: إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة للجمعة، وإن كان دون الفضل. وإذا نوى ذلك قياسًا على أحد القولين في الجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة يصح الغسل عنهما.
قلت: ويحتمل أن يقال: أراد به التجديد للجمعة على الاختصاص، وهذا أشبه عندي؛ لأنه مدحه على ذلك لكونه في يوم الجمعة. وقد روى أبو سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال:" إذا أتى أحدكما الجمعة فليتوضأ بنيتها" وروى أنس﵁- أن
النبي ﷺ قال:"من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل أفضل" والغسل من السنة.
[ ١ / ٣٠١ ]
وأيضًا فقد قال علي- رضي الله (٢٥٨ أ/ ١) عنه: أمرنا رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة وليس بواجب".
وروى ابن عباس﵄- أن النبي ﷺ قال:"الوتر علَّى فريضة وهو لكم تطوع".
وروى جابر أن النبي ﷺ قال:"من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن لم يغتسل فيها ونعمت".
وروى عن أنس أن النبي ﷺ قال:"من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت". وهي تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فهو أفضل وهي من السنة.
وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:"إن من السنة الغسل يوم الجمعة ".
وأيضًا روى عن عائشة﵂- أنها قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكان مسجد رسول الله ﷺ على عرش، فيفرقون فتفوح منهم رائحة الضأن، فقال رسول الله ﷺ:"لو اغتسلتم" وهذا لفظ ندب وإرشاد لا لفظ إيجاب، وروى أنها قالت: كان الناس مهَّان أنفسهم. والمهان جمع الماهن وهو الخادم، تريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم.
واحتج الشافعي عن عمر وعثمان﵄- وعام الخبر ما روى أن عمر بن الخطاب﵁- كان يخطب (٣٦٩ ب/ ١) على المنبر يوم الجمعة فدخل عثمان﵁- فقطع الخطبة وقال لعثمان: آية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما زدت على أن توضأت وحضرت. فقال عمر: والوضوء أيضًا أي واقتصرت على الوضوء، وقد علمت
أن النبي ﷺ كان يأمرنا بالغسل.
فقال الشافعي:"لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ عُثْمَانَ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ" فهذا دليل من فعلهما جميعًا على ما ذكرنا.
وقال القفال: في هذا دليل من فعلهما دليل على أنه يجوز للمحتشم الذي يوسع الناس له أن يتخطى رقاب الناس، وإنما يكره لمن لا يرى له هذا الإيجاب، وهو كما خرج رسول الله ﷺ يُهادي بين اثنين فخرقوا له الصفوف حتى وصل إلى المحراب، لأن الطهارة تراد الصلاة، فلو كانت واجبة لما صحت الصلاة دونها، أو يقول: لأنها طهارة مأمور بها من غير حدث فلا يجب كالغسل للإحرام وأما خبرهم: قلنا: أراد به وجوب الاختيار، كما يقال: حقك علَّي واجب، ونحو ذلك. والدليل على هذا ما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". والسواك لا يجب بالإجماع (٢٥٩ أ/ ١).
[ ١ / ٣٠٢ ]
فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن فيمن يستحب له الغسل، فاعلم أن القصد من هذا الاغتسال التنظيف وقطع الرائحة الكريهة، ولهذا خص الشافعي به من أراد صلاة الجمعة، ولا يستحب لمن لم يحضرها بخلاف غسل يوم العيد فإنه يستحب لمن يريد الحضور ولمن لا يريد؛ لأن ذلك للزينة وإظهار السرور، ولا يسن للمسافر إذا لم يرد أن يصليها.
وقال أبو ثور: يسن هـ ذلك، واحتج بقوله ﷺ:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم. وهذا غلط؛ لقوله ﷺ:"من جاء إلى الجمعة فليغتسل"، وهذا أخص.
فرع
قال أصحابنا: ويستحب للصبيان أن يقتدوا بهم إذا أرادوا حضور الجمعة وإن قال ﷺ""على كل محتلم".
فرع آخر
إذا أرادت المرأة أن تحضر الجمعة يستحب لها الغسل. وقال أحمد: لا يستحب؛
لأنها غير مخاطبة بالجمعة. وهذا غلط للخبر الذي ذكرناه. وأما ما ذكر فإنه ينتقض بالعيد.
فرع آخر
غسل الجمعة هل يستحب على من كان من أهلها ولكن ممنوع بعذر؛ فيه وجهان: أحدهما سنة، لأن زوال عذره مجوّر، ولزم الجمعة له ممكن.
والثاني: لا يسن، ذكره في "الحاوي"، والأول أظهر عندي، وبه قال جمهور أصحابنا.
فرع آخر
(٢٥٩ ب/ ١) إذا اغتسل للجمعة بعد الفجر ثم أجنب لم ينتقض، ولو استأنفه ناويًا كان أولى. وقال الأوزاعي: يعيد غسل الجمعة. وهذا غلط؛ لأنغسل الجمعة تنظيف، فإذا تعقبه غسل الجنابة زاده تنظيفًا فلا يعيد.
فرع آخر
قال القفال: فإن لم يجد الماء فتيمم حاز الفضيلة ويتصور في قوم في بلد توضأوا
[ ١ / ٣٠٣ ]
ثم نفذ ماؤهم وانقطع، فتيمموا. ويتصور في الجريح في غير مواضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
فرع آخر
قال في "الأم": وعلى قياس هذا أحب التنظيف لكل من أراد حضور وطن يتجمعون فيه الناس، للطاعة والقربة بالاغتسال والسواك وحلق الشعر والتطيب.
مسألة: قال:" وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعٌدَ الْفَجْرِ".
وهذا كما قال. الكلام الآن في وقت غسل الجمعة، وله وقتان: وقت استحباب ووقت جواز. فالاستحباب هو وقت الوراح إلى الجمعة.
وأما وقت الجواز: فهو ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الفجر لا يجوز. وقال الأوزاعي: لو اغتسل قبل طلوع الفجر يوم عيد الفطر،
وهذا غلط؛ لأن غسل (٣٦٠ أ/ ١) للجمعة قبل الفجر فلا يجوز كما لو راح بعد طلوع الفجر.
وأما في العيد: إذا اغتسل قبل الفجر، قد قيل: فيه قولان: وإن سلمنا بالفرق أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر، فجوزنا قبله بخلاف الجمعة فإنها بعد الزوال. وقال مالك: يحتاج أن يغتسل بعد الفجر ويروح، فإن أخر الرواح لم يجر. وقال القفال: رأيت مالك في الموطأ مثل مذهبنا، والدليل على قوله ﷺ:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" فاعتبر اليوم ولم يفصل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنه". ثم للتراض قلا يجب عقيبه.
مسألة: قال:"وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَل إنما أَجْزَأَهُ".
وبه قال أبو حنيفة وجماعة، وحكى عن مالك: لا يجوز حتى يفرد كل واحد منهما لاختلاف موجبهما، وهذا غلط، لأنه يكفي لغسل الجنابة والحيض غسل واحد، كذلك هاهنا، وقد روى نافع عن ابن عمر﵄- أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غسلًا واحدًا. وإن نوى بغسله الجنابة أجزأه عن الجنابة.
وأما عن الجمعة: قال أبو إسحاق: قال المزني في" الجامع الكبير" (٢٦٠ ب/ ١): يجزيه عن الجمعة والجنابة؛ لأن القصد من غسل الجمعة التنظيف وقد حصل. وقال الربيع: قال في "الإملاء": لا يجزيه عن الجمعة، ولأنه
[ ١ / ٣٠٤ ]
نوى التبرد لا يجوز عنه، وإن حصل المقصود كذلك هنا، وإن اغتسل ولم ينو الجنابة ولا الجمعة لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأن كلها قربة تفتقر إلى النية، وإن اغتسل بنية الجمعة دون الجنابة، قال أصحابنا: لا تجزيه عن الجنابة قولًا واحدًا، وليس كالمحدث توضأ لقراءة القرآن ظاهرًا، أو الجنب اغتسل للعبور في المسجد يجوز له أن يصلي به في أضعف الوجهين، لأن المقصود من غسل الجمعة النظافة دون رفع الحدث بخلاف ذلك، فإنه
يتضمن رفع الحدث. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه وجهان، والمذهب أنه يجزيه؛ لأنه نواها. والوجه الآخر لا يجزيه، لأنه لا تحصل النظافة. مع الجنابة. ومن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي وهو غلط.
وقال في "الحاوي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزي عنهما. والثاني: يجزي عنهما. والثالث يجزيه عن الجمعة وحدها (٢٣١ أ/ ١) وهو اختيار جمهور أصحابنا.
والمستحب إذا كان جنبًا يوم الجمعة أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل للجمعة حتى يكون قد فعل أكمل الوجوه، ذكره أصحابنا.
فرع
لو اغتسل بنية العيد حصل بعد غسل الجمعة، ولو اغتسل بنية الجمعة حصل به غسل العيد قولًا واحدًا بخلاف المسألة قبلها في أحد الطريقتين؛ لأن ذلك جنسان نفل وفرض، وهاهنا هما نقلان.
مسألة: قال:"وَأَحِبُّ الْغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب. وقال في التقديم: أوجبه للاختيار فيه. وقال في موضع من "الجديد": لو ثبت الخبر قلت به. يعني بوجوبه، وأراد به ما روى أبو هريرة﵁- أن النبي ﷺ قال:"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ".
وقال النبي ﷺ لعلي﵁- بعد ما غسل أباه "اغتسل" ولم يفرق بين غسل الميت والمسلم والكافر في هذا، وإنما قال: "إن صح الخبر". لأن في إسناده ضعفاء. وقيل: إنه موقوف على أبي هريرة. ومن أصحاب الجديد من خرج لصحته مائة وعشرون طريقًا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهن من قال قول واحد أنه (٢٦١ ب/ ١) لا يجب، وإن صح الخبر، ولفظه يحمل على الاستحباب والاختيار. وقيل: معنى قوله: "فليتوضأ" أي ليكن على وضوء لتتهيأ له الصلاة على الميت. ومنهم من قال: فيه قولان. فإذا قلنا: يجب، فقد قيل: إنه غير معقول المعنى، ويؤمر به تعبدًا للشرع وهو الصحيح.
وقيل: إنما وجب لأن الميت نجس والماء الذي يلاقيه نجس، فلا ينفك من يغسله عن نجاسة تصيبه، منه، ولا يعرف مكان فيلزمه غسل كل بدنه.
وقيل: إن لم نقل الميت نجس فلا نأمن أن تصيبه نجاسة مما يخرج منه، فأمر بالغسل للاحتياط. أو لما جاز أن يجب علينا أن نغسله جاز أن يجب علينا الغسل لغسله. وهذه وجوه ضعيفة.
وأما الوضوء بمسه فلا يجب، وتأويله كما ذكرنا كما قال: "ومن حمله فليتوضأ" على معنى أن يكون على وضوء عند حمله لئلا تفوته الصلاة عليه. وقيل: أراد مس ذكره. وقيل: أراد غسل اليد، فكذا في الوضوء من حمله أراد إذا باشر الحامل شيئًا من بدنه يغسل يده.
وروى عن أحمد أنه قال: يجب الوضوء من مسه، والغسل لا يجب إن شاء الله. وهذا غلط؛ لقوله ﷺ: "الماء من الماء". فدل أنه لا يجب الغسل من غير خروج الماء بحق الظاهر، ولأن غسل (٢٦٢ أ/ ١) آدمي فلا يوجب الغسل، كما لو غسله حيًا، ولأنه مس آدميًا لا يقصد به الشهوة فلا وضوء عليه كما لو مس حيًا. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يسن الغسل من غسله، ولا الوضوء من مسه. وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
مسألة: "وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ للأَعْيَاَدِ هو سُنَّةٌ اخْتِيَارًا".
وهذا كما قال: غسل العيد والجمعة سواء في الأحكام إلا في شيئين. أحدهما: أنه يستحب ذلك لجميع الناس، كالغسل للإحرام دون هذا. والثاني: يجوز قبل الفجر في قول.
وقال في "البويطي": ويغتسل للعيدين قبل الفجر وبعده. وقال القاضي الطبري: لا أعرف للشافعي غير هذا، فالمسألة على قول واحد بخلاف غسل الجمعة. وقال أبو حامد:
قال في "الأم": لا يجوز الغسل لها قبل الفجر كالجمعة. فالمسألة على قولين، وجملة مسنونات الغسل في غير الحج أربعة: غسل الجمعة، وغسل العيد،
[ ١ / ٣٠٦ ]
والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم. ولم يذكر الشافعي في هذا الباب الأخير، وقد ورد به الخبر، وإن لم يكن لزمه الغسل أصلًا.
مسألة: قال: "وَأَوْلَى الغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسلُ الْمَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: ليس بعد الغسل الواجب من غسلين (٢٦٥ ب/ ١) غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت، ثم اختلف في قوله في الأوكد بعد الغسل الواجب، فقال في القديم: واجبًا، وبين أن لا يصح فيكون مستحبًا. وقيل: فيه وجه ثالث: هما سواء. واحتج المزني بأن الخبر إذا لم يثبت في الغسل من غسل الميت وثبت في غسل الجمعة فهو آكد، ثم أكد بأن من مس خنزيرًا أو ميتة لا غسل عليه ولا وضوء، فكيف يجب في أخيه المؤمن ذلك.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه لو ثبت الخبر في الميت وجب، لأن اللفظ أمر مطلق، فيخاف إذا تركه أن يكون تاركًا للواجب، وهناك يتيقن أنه لا يترك واجبًا، وليس كمس الخنزير، ولأن للآدمي من الحرمة ما ليس لغيره، ولا ينكر وجوب الغسل والوضوء من مماسة ما له حرمة كما لو مس فرجخ، فإنه يلزمه الوضوء بخلاف ما لو مس خنزيرًا أو فرجه. والجواب عن هذا أنه لم يثبت الخبر فيه، ولا ذهب أحد من السلف إلى وجوبه، ومذهب مالك وجوب الغسل للجمعة فلا يكون ذلك آكد منه.