قال الشافعي: أَخْبَرَنَا الثَّقةُ عَنْ الْوّلِيدِ بْنِ كَثِير، وَذَكرَ الْخَبَر» وهذا كما قال، وقد ذكرنا حك الماء إذا ورد على النجاسة، والكلام الآن في النجاسة إذا وردت على الماء، وفي بيان القدر الذي ينجس، والذي لا ينجس، فلا خلاف بين العلماء في الماء إذا تغير بمخالطة النجاسة أنه ينجس، وإن كان كثيرًا راكدًا أو جاريًا، وأما إذا لم يتغير اختلفوا فقال ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبن أبي ليلى، وحماد بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، والأوزعي، والثوري﵃:- لا ينجس قليلًا كان أو كثيرًا. وبه قال داود، وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر، وهو اختياري واختيار جماعة من العلماء الذين رأيتهم بخراسان والعراق.
وحكى عن داود أنه قال: إذا بال في الماء الراكد ولم يتغير فإنه لا ينجس، ولا يجوز أن يتوضأ منه للخبر، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه، وإذا تغوط فيه ولم يتغير لا ينجس ويتوضأ هو منه وغيره، وإن بال على الشط فجرى البول إلى الماء جاز له التوضئ منه إذا لم يتغير،
وخطأه في هذا بين لا يحتاج إلى الدلالة عليه. واحتجزوا بما روى، عن النبي ﷺ أنه قال: "خلق الله (٢١٢ أ/ ١) الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى أبو أمامه أن النبي ﷺ قال: لا ينجس الماء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى عن أبي سعيد الخدري﵁- قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بغدير فيه شاة ميتة فامتنعنا أن نشرب منه، أو نتوضأ فقال:
[ ١ / ٢٥٧ ]
" (توضؤوا) واشربوا فإنه لا ينجس الماء شيء". وقال خبر القلتين ضعيف لأنه رواه محمد بن جعفر.
وقال يحي بن معين: كان محمد هذا مغفلًا، ولو صح فقد ورد مورد التقريب لا التحديد، بدليل ما روى أنه ﷺ قال: "إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاثة فإنه لا ينجس" ويقيسون على الكثير. واحتج الشافعي عليهم بالخبر وهو قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا وروى "خبثًا" فدل على أن ما دون القلتين ينجس.
وروى أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء خوفًا من النجاسة على يده. فدل على أنه لو تيقن النجاسة يفسد الماء به.
وأما خبرهم الذي ورد في بئر بضاعة وماؤها وكانت قلالًا كثيرة. وقد روى أبو سعيد الخدري أنه قيل (٢١٢ ب/ ١): يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن. فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء ". وري أنه قيل: يا رسول الله: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض، ولحوم الكلاب، وما ننجي الناس الغائط. وقال أبو داود: قدرت بئر بضاعة برداي- أي مددته عليها- ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت من أدخلني إليها هل غير بناؤها عما كانت عليها؟ فقال: لا،
وسألت قمها عن عمقها، فقال: تكون عند الكثرة إلى الغاية، وإذا نقص تكون دون العورة، أو نحمله على الكثير بدليل ما ذكرناه، ولا يصح القياس على الكثير، لأنه قوي بكثرته، فقدر على دع النجاسة عن نفسه، وقد يكون الكثير قوة ليست للقليل كالشاهدين لا يثبت بأحدهما ما يثبت بهما. وقال أكثر العلماء: يفضل بين الماء القليل والكثير في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في التفصيل. فقال ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو عبيد.
وروى بعض أصحابنا هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأحمد، وإسحاق. وفيه نظر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يحد بأربعين قلة، والقلة منها كالجرة (٢١٣ أ/ ١). وقال محمد بن سيرين، ومورق بن الأجدع، ووكيع بن الجراح يحد بكر، والكر عندهم: هو أربعون قفيز اثنان وثلاثون رطلًا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقال أبو حنيفة في الصحيح في الروايات: كل ما خالطه نجاسة نجس حتى لو وقع في بحر نجاسة فإنه نجس ما يلي موضع وقوع النجاسة، وما لا تخلص إليه النجاسة فإنه طاهر، ومنهم من قال: إذا بلغ الماء عشرًا في عشر في عمق بئر لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، وإن كان دونه تنجس، ومنهم من قال: إذا بلغ قدرًا لو حرك أحد جوانبه لم يتحرك الجانب الآخر لا ينجس، وإلا نجس، وهذا ليس بتحديد حقيقة بل جعله أمارة على وصول النجاسة إليه، وهذا كله غلط لما ذكرنا من الخبر المعروف. وقوله في خبر ابن عمر: "لم يحمل خبثًا" أو قال: "نجسًا" شك الراوي وقوله: في بشر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض تطرح في بطن الوادي فيسل بها السيل إلى البئر. وقيل: معناه أن المنافقين والمشركين كانوا يطرحونها فيه علمًا منهم بأن رسول الله ﷺ يتوضأ بمائها، ثم قال الشافعي: ومعنى قوله: "لا ينجسه شيء" إذا كان كثيرًا قصد به الرد على مالك وجماعة، وذكر في الخبر الطعم والريح، ولم يذكر اللون فذكره الشافعي وألحقه بهما (٢١٣ ب/ ١)، لأنه في معناهما، ثم ذكر بعد هذا موضع آخر حجة أبي حنيفة، وهي ما يروى عن ابن عباس﵁ "أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها"، وأجاب عنه بخمسة أجوبة نقلها المزني في سطرين على الاختصار: أحدهما قوله: لا نعرفه وزمزم عندنا يعني نحن من أهل مكة، وزمزم بمكة فلا نعرف هذا الخبر، فكيف عرفه أهل الكوفة بالكوفة.
والثاني: قوله: وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يجنب فذكر الماء منها. قال
صاحب "الإفصاح" معناه: لا ينجس فكأنه عارض تلك الرواية بهذه، إلا أنه قد قيل: هذه المعارضة لا تصح؛ لأن ابن عباس أراد به لا ينجس من الجبث، ولا الثوب الذي يلاقيه، ولا المكان الذي هو عليه، ولا الماء الذي يماسه. وقيل معناه: لا ينجنب منهن بالشك في نجاستين.
والثالث: قوله: وهو لا يخالف النبي ﷺ أراد: أنَّا روينا عن ابن عباس ما روينا في بئر بضاعة بابن عباس أنه يخالفه.
والرابع: قوله: وقد يكون الدم ظهر فيها فنزحها إن كان فعلها، وهذا تأويل منه للخبر إن ثبت، كأنه يقول يحتمل أن الزنجي لما سقط في البئر دمى بعض بدنه (٢١٤ أ/ ١) منه وظهر لون دمه في الماء فلذلك نزح.
والخامس: قوله: "أو ننظف لا واجبًا" يريد تأويلًا آخر، وهو أنه نزع لا لنجاسة بل تنظفًا وتطييبًا للنفوس؛ لأنه ماءه يعد للشرب غالبًا.
فإذا تقرر هذا فذكر حد القلتين. قال الشافعي: روى في الخبر بِقِلاّلِ هَجِر، قال ابن جريح: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا. وقال الشافعي: والاحتياط أن نجعل قربتين ونصفًا؛ لأن الشيء هو عبارة عن أقل من النصف، فالقلتان خمس قرب، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل من الماء، فيكون ماء القلتين
[ ١ / ٢٥٩ ]
خمسمائة رطل بالبغدادي، وأول من حد كل قرية بمائة رطل من أصحابنا إبراهيم بن جابر، وأبو عبيد ابن حربوية وتابعهما سائر أصحابنا، وإنما قال: بقلال هجر لأنهما تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها عملت على مثال قلال هجر، كما يقال ثوب مروى، وإن عمل بالعراق وهذه القلة تعمل بالمدينة ولكنها تنسب إلى هجر؛ لأن ابتداء عملها كان يهجر كما يسمى الثوب مرويًا لأن ابتداءه حمل من مرو، وهل هو تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان: أحدها: أنه تقريب، فإن نقص منه رطل أو رطلان لا يؤثر؛ لأن الشافعي (٢١٤ ب/١) قال: والاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق أنه تحديدًا؛ لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفًا احتياطيًا وجب استيفاؤه، كما انه لما وجب أن يغسل شيء من الرأس عند غسل الوجه احتياطيًا وجب استيفاؤه لغسل الوجه، صار ذلك فرضًا وهذا أظهر، فعلى هذا لو نقص منه شيء، وإن قيل: تنجس لوقوع النجاسة فيه وقال أبو عبد الله الزبيري: القلتان ثلثمائة منا وهو اختيار القفال؛ لأن القلة هي ما يستقله حمار، وكذلك الوسق. وقيل: بعير العرب ضعيف لا يحمل أكثر من وسق، ولا خلاق أن الوسق هو ستون صاعًا، وذلك مائة وستون
منًا، فالوسقان ثلثمائة وعشرون منًا، فتصرف للأوعية والحبال عشرون منًا فيبقى ثلثمائة منًا.
وقال القفال: لم يذكر الشافعي مقدار كل قربه، ومن أصحابنا من قال: كل قربة مائة من، فجملته خمسمائة منًا. ومنهم من قال: مائتان وخمسون منًا وهو قول الأكثرين، وهذا أصح، ولا يصح ما ذكره القفال، لأن الشافعي نص وقال: "القربة بالحجاز تسع مائة رطل".
فرع
لو وقع رطل بول في قلتين من الماء فالماء طاهر، والمذهب أنه لا يجوز جميعه، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان (٢١٥ أ/ ١). أحداها: هذا، والثاني: يتوضأ بجميعه حتى يبقى رطل ثم يتركه لأنه يتيقن حينئذ استعمال النجاسة، وشبه هذا بما لو حلف لا يأكل تمره فاختلطت بثمرات له أكل كلها إلا تمره، وهذا ليس بشيء لأن التمر جامدة لا تختلط، ويجوز أن تكون الباقية هي المحلوف عليها بخلاف مسألتنا؛ لأن البول اختلط بأخر الماء، ولا يجوز أن يكون الرطل الباقي في جملة البول.
مسألة: قال: وَإِنْ كَانَ المَاءِ قِرَبِ مِنْ قَرِبَ الْحِجَازِ".
الفصل
وهذا كما قال فرع الشافعي على الأصل الذي ذكرناه ثلاث مسائل:
[ ١ / ٢٦٠ ]
(إحداها): الماء الكثير إذا لم يتغير بالنجاسة، والثانية: إذا تغير بماذا يطهر؟ والثالثة: إذا كان قليلًا فنجس من غير تغير بماذا يطهر؟ وهو قوله:"وإذا كان قلتين فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه" إلى آخر الفصل.
وذكر الشافعي في "الأم" الماء الراكد والماء الجاري، فنقل المزني حكم الماء الراكد وترك حكم الماء الجاري، ونحن نذكرهما، وجملته أن الماء ضربان راكد، وجاري، فالراكد أن يكون في مصنع أو بئر، فإذا وقعت فيه نجاسة لا تخلو، إما أن تكون نجاسة جامدة أو مائعة، فإن كانت جامدة كالفأرة والعصفور، وقطعة لحم من الميت أو عظمه فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون فوق (٢١٥ ب/ ١) القلتين، أو وفق القلتين، أو دون القلتين.
فإن كان فوق القلتين لا يخلو، إما أن يكون بتغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير فهو على الطهارة، وإن تغير نجسه وهو يطهر بأحد أربعه أشياء.
إحداهما: أن يزول تغيره بطول المكث بمرور الزمان، أو هبوب الرياح به.
قال القفال: أو بنبات شيء فيه مقل الكلأ ونحوه، وحكى عن الأصطخري أنه قال: إذا زال تغيره بنفسه لا يطهر، لأن نجاسته ثبتت بوارد فلا تزول إلا بوارد بخلاف نجاسة الخمر إذا صار خلًا.
والثاني: أن يصب عليه ماء،
والثالث: أن ينبع الماء فيه.
والرابع: أن يستقي بعضه حيث لا ينقص عن قلتين، وهذا لأن كل حكم تعلق بعلة زال بزوالها، والعلة في نجاسته التغير ههنا، وقد زال ذلك، وإن صب فيه تراب أو جص أو ثورة فزال به التغير، فيه قولان نص عليهما في رواية حرملة.
أحداهما: يطهر وهو اختيار المزني وهو القياس؛ لأنه لو كان في الابتداء ماء كدرًا فلم يتغير لونه لمخالطة النجاسة لتكدره، ثم ننجس فكذلك إذا تغير لونه بالنجاسة عند صفائه، ثم زال التغير بالتكدر وجب أن يطهر؛ ولأن التغير زال فأشبه إذا زال بنفسه وتفارق هذا إذا زال التغير بالكافور والمسك، وهذا أصح عند (٢١٦ أ/ ١) جماعة أهل العراق.
والثاني: لا يطهر نصف عليه في "الأم" لأنه أزال التغير بوارد لا يزيل النجاسة، فأشبه إذا طرح فيه المسك وهذا أصح عند جماعة أصحابنا بخراسان؛ ولأنه يجوز أن يكون التغير باقيًا، ولكن التراب أخفاه.
وقال أبو حامد: القولان فإما تغير التراب فلا يطهر قولًا واحدًا. والأول أصح، ونقل المزني وحرملة النورة صريحًا، وذكرًا فيه القولين. وقال بعض أصحابنا: إذا طرح فيه التراب فإنه صفًا ولم يكن تغير يحكم بطهارته؛ لأن التراب جذب النجاسة إلى نفسه، وفارق أجزاء الماء، وقيل: إن يصفوا هل يحكم بطهارته؛ وجهان، والأصح أنه لا يطهر لأن زواله لم يتحقق، فإن لون التراب غلبه، وربما إذا صفًا كان متغيرًا، ولا
[ ١ / ٢٦١ ]
يحكم بالإباحة إذا وقع الشك في سببها.
فرع
لو لم يكن للنجاسة ريح، ولا لون، ولا طعن، فوقعت في قلتين من الماء نعتبر قدرًا
لو كان لها أحد الأوصاف فظهر بخلاف العين الطاهرة إذا خالطته يعتبر فيها الغلبة على أحد الوجهتين، لأن الطاهر لا يضاد الماء بخلاف النجاسة فلا يمكن اعتبار الغلبة فيها، ولهذا لو تغير النجاسة أدنى تغير يعتبر ذلك، وأدنى التغير بالظاهر لا يمنع الطهارة، وإن كان الماء وفق القلتين نُظر، فإن لم يتغير فهو طاهر، وإن كان متغيرًا فهو (٢١٦ ب/ ١) نجس، ويطهر بأحد ثلاثة أشياء، أن يزول بغيره بطول المكث أو بأن ينبع فيه ماء أو يصب فيه ماء، أو يصب عليه الماء، وإن صب فيه تراب أو جص ففيه قولان، ولا يجئ أن يسقي بعضه أنه ينقض عن قلتين، وإن كان الماء دون القلتين فهو نجس تغير أو لم يتغير، فإذا أخرجت النجاسة عنه طهر بأحد أمرين، فغنه ينبع فيه ماء أو يصب عليه فيكاثره حتى يغلبه، والمكاثره بأن يقلب فوقه من الماء سبعة أضعافه فيطهر، وغن لم يبلغ قلتين لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، وهذا لأن الماء إذا نبع فيه أو صب عليه، فقد ورد الماء على النجاسة، ولا فرق بين وروده من فوقها، أو من تحتها. ذكره ابن شريج.
ومن أصحابنا من قال فيه وجهان:
أحدهما: لا يطهر ما لم يبلغ قلتين؛ لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، لأن الماء ينزل عنه فيطهره، وهذا اختيار القفال.
والثاني: يطهر، وقال أبو حامد: والصحيحان ههنا يطهر وجهًا واحدًا بخلاف الإناء؛ لأنه يمكنه أن يريق ما فيه بخلاف هذا، وهذا لا يقوى، لأن ها هنا أيضًا يمكنه أن يبلغ قلتين. فإذا قلنا: يطهر وهو المذهب المشهور فهذا الماء طاهرًا غير طهور؛ لأنه مستعمل في إزالة النجاسة (٢١٧ أ/ ١)، ويجيء فيه قول ابن خيران أنه يجوز التوضيء، وإن كان كاثره حتى يبلغ قلتين جاز استعمال جميعه.
ومن أصحابنا من قال: يبقى به القدر النجاسة وليس بشيء، وإن كان الماء دون قلتين متغيرًا، فالنجاسة اعتبرنا زوال التغيير والمعاودة بالماء معًا وإذا لم يكن متغيرًا اعتبرنا المكاثره فقط على ما ذكرنا.
فرع
لو وقعت النجاسة في ماء وفق القلتين فأزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن أراد أن يأخذ منه الماء للاستعمال مع بقاء النجاسة فيه، قال أبو العباس، وأبو إسحاق: لا يمكن ذلك لأنه إذا غرق فيه بقيت النجاسة فما بقى بالمأخوذ نجس أيضًا؛ لأنه ماء واحد فلا يكون بعضه طاهرًا وبعضه نجسًا، والمذهب أنه يمكن ذلك. وبه قال الأصطخري، وحكاه القاضي الطبري عن أبي العباس- وهو الأظهر عنه- وذلك حكاه
[ ١ / ٢٦٢ ]
أبو حامد عنه، وهذا لأن الكل
طاهر، وهناك عين نجاسة قائمة، فإذا رغب الإناء في الماء، فالكل طاهر، فإذا غرف الإناء بعضه لا يخلو إما أن تكون النجاسة في الدلو أو في البئر، فإن كانت في البئر وغرف الماء غرف لا شيئًا فشيئًا فالماء الذي في الدلو طاهر وباطن الدلو طاهر، وظاهر الدلو وما بقى في البئر طاهر، فإن قطر منه ماء نظرات، فإن كان من ظاهر الدلو لم (٢١٧ ب/ ١) يضره، وإن كان من باطن الدلو نجس كله.
فرع
لو كان الدلو نجسًا مثل أن يكون متخذًا من جلد كلب أو جلد ميتة غير مدبوغ أو مدبوغ وعليه شعر، والشعر إلى ظاهر الدلو، فالماء كله نجس لأنه وإن غرف النجاسة فيه نجس ما بقى بظاهر الدلو، وهكذا الوجهان فيه إن كان هذا الماء في إناء ينجس كجلد كلب أو نحوه، وأراد أن يستعمل شيئًا منه.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق: فلا سبيل إليه، وإن قلنا بالمذهب والدلو طاهر نُظر، فإن غرف النجاسة في الدلو فالكل تنجس، لأن الباقي في إناء نجس، وإن لم تغرف النجاسة فيه فباقي الدلو طاهر والباقي نجس.
فرع آخر
لو أدلى دلوًا في قلتين من الماء، وفي باطن الدلو بلل نجس، فإن انغمس في الماء طهر كله لأنه صار باقي الدلو، وما في البئر واحد فيصير البلل مستهلكًا، وإن دخل الماء في الدلو قليلًا قليلًا ولم ينغمس فيه فما في الدلو نجس، وإن تقاطر منه إلى البئر فما في البئر هو نجس أيضًا، وعلى هذا الذي ذكرناه. لو ولغ الكلب في إناء ماء أقل من قلتين نجس الماء والإناء، فإن صب فيه ماء آخر حتى بلغ قلتين فإن الماء طاهر، والإناء نجس، لأن الماء قد بلغ حدًا لا يحمل النجاسة، والإناء لا يطهر إلا بأن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (٢١٨/ ١) على الصحيح من المذهب، فإن أخذ بعضه فنقص عن القلتين، فإن ما بقى في الإناء تنجس بلا خلاف، والماء الذي أخذه هل هو نجس أم لا؟ على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو غمس جرة من الماء النجس في ماء ناقص عن قلتين واتصل الماء بالماء والكل قلتان، هل يحكم بطهارة ماء الجرة؟ وجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته لأن الاتصال قد وجد.
والثاني: لا يحكم بطهارته، لأن ماء الجرة كالمفردة عنه ولهذا لو كان جاز إلا نزول جراته، وهكذا لو كان الجرة طاهرًا وغمسه في قلتين من الماء النجس إلا قدر جره هل يحكم بطهارته؟ وجهان.
فرغ
لو كان الماء فوق القلتين نُظر، فإن أزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن ترك
[ ١ / ٢٦٣ ]
فيه النجاسة فغرف منه نُظر، فإن كان بين النجاسة وبين موضع الغرف قلتان فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان بينهما. دون القلتين.
قال أبو إسحاق: ما غرف نجس ولا سبيل إلى استعمال ما يغرف إلا أن يكون الماء في موضع واسع مثل البول الكبار والمصالع من كل جانب من النجاسة القائمة قلتين، ثم يأخذ الماء وراء ذلك، فأما في الآبار الضيقة لا يمكن ذلك، والمذهب أنه طاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل الماء طاهر فيأخذ بعضه فيكون نجسًا، ويجوز أن يأخذ من أي موضع أراد قرب من النجاسة (٢١٨ ب/ ١) أو بعد عنها ما لم ينقص الماء عن قلتين، فإذا نقص لا يجوز استعماله؛ لأنه صار نجسًا بالنجاسة القائمة فيه.
وقال القفال: فيه قولان أحدهما: قاله في "القديم" ماء غرفه طاهر وهو الصحيح وعليه الفتوى. والثاني: قاله في "الجديد" أنه نجس، وقال القفال: لم أسمع لذلك حدًا وكيفيته في اعتبار القلتين والذي أذهب إليه أنه يعتبر ما بينه وبين موضع النجاسة في مثله من الغرض، وفي مثله من العمق، فإن بلغ قلتين وإلا تباعد شيئًا وزاد في العرض والعمق مثله، فإن بلغ قلتين وإلا زاد لذلك أيضًا، وإن لم يكن له عمق زاد في العرض والطول بالسوية في جميع ما عد من العرض إذا لم يفعل كذلك، فالقليل من الماء إذا أخذ في جميع عمقه البحر بلغ قلالًا.
فرع آخر
قال في "الأم": ولو أخرج النجاسة منها في دلو وأريق الماء الذي معهما لأنه أقل من خمس قرب واجب إلى لو غسل الدلو، فإن لم يغسل ورد في الماء الكثير طهره الماء الكثير.
فرع آخر
لو نجس البئر بتغير الماء بالنجاسة فنزح فنقص عن القلتين ولم يذهب التغير، فعليه أن ينزح كل الماء ويغسل قعر البئر، وكل ما أصابه هذا الماء النجس من حوالي البئر، ولا
يلزمه أن ينزح الغسالة لو غسل أرضًا (٢١٩/ ١) بالغسالة طاهرة لا يلزم إزالتها، وإن لم ينزح ولكن زاد فيه الماء حتى ذهب التغير وبلغ قلتين، فقد بينّا أنه طاهر، وإن كانت النجاسة مانعة فالحكم فيه لو كانت جامدة فأزالتها منه حرفًا بحرف على ما مضى إلا في موضع واجد وهو أنه إذا كان الماء في موضعين وهما قلتان فحصلت فيهما نجاسة مانعة فقد نجسا بحصولها فيهما، فإذا جمعا وصارا قلتين طار الماء طاهرًا مطهرًا، فإن فرقنا بعد ذلك لم ينجسا بعدما طهرا إلا بنجاسة تحدث فيها، فإن كانت النجاسة جامدة فإذا جمعتا عادتا طاهرتين، فإذا فرقا بعد ذلك، فإن الماء الذي مع النجاسة نجس، لأنه دون القلتين وفيه نجاسة قائمة، وقول الشافعي في المسألة الثالثة فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه، لأنه أراد أن يرتب عليه هذا الحكم، وهو إذا فرق الماء بعد ذلك. وقال أصحاب أحمد: لا يحكم بطهارة الماء فإن تجمعا؛
[ ١ / ٢٦٤ ]
لأن كل واحد منهما نجس، فإذا اجتمعا لم تتولد بينهما الطهارة كالولد المتولد من بين الكلب والخنزير لا يحكم بطهارته بحال، وهذا غلط لخبر القلتين؛ ولأن هذا ما بلغ قلتين ولم تغيره النجاسة فكان طاهر، كما لو وقعت فيه وهو قلتين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه إذا اجتمع وجد فيه كثرة أجزاء الماء (٢١٩ ب /١) إلى تمنع النجاسة، وهو كاجتماع الأوصاف الموجبة للحكم لو انفرد كل واحد منهما لا نوجبه، وبالجميع نوجبه، وليس كالمتولد بين الكلب والخنزير لأنه لا يوجد هناك عليه الطاهر بخلاف ها هنا.
فرع آخر
لو كان الماء قلتين إلا كوز ماء فصب عليه كوز بول نجس كله، فإن صب بعد ذلك فيه كوز ماء ولم يكن متغيرًا طهر كله؛ لأنه بلغ بالماء الصافي قلتين، ولو صب في الابتداء كوز من ماء ورد، ثم وقعت فيه نجاسة ينجس، وإن لم يتغير؛ لأن ما فيه من الماء هو ناقص عن قلتين ولو أكمل القلتين يكون من ماء الزعفران، وذهب التغير الذي كان فيه، ثم وقعت فيه نجاسة كان طاهرًا؛ لأنه ماء بخلاف ماء الورد، وهكذا لو أكمل بكوز من ماء نجس طهر الكل.
فرع آخر
لو وجد الماء الراكد متغيرًا، فإن علم أنه لطول المكث أو لترك الاستقامة فهو طاهر طهور، وإن علم أنه لنجاسة فهو نجس، وإن أشكل أمره فهو على أصل الطهارة، نص عليه في "الأم"، و"البويطي".
فرع
لو علم كون الماء قلتين، فرأى كلب ولغ فيه فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم نقصه ويكون طاهرًا ذكره في "الحاوي "وهو صحيح.
وأما الجاري [٢٢٠ أ/١] ذكره الشافعي في "الأم "وحرملة مستوفى وجملة ما قال فيهما أنه إذا كان يجري كله لا يقف منه شيء أن لكل جزء من الماء حكم بنفسه، ولكل جريه حكم نفسها. والجرية: عبارة عن جزء من الماء ما بين حافتي النهر كلما جرى جزء ما بين الحافتين فو جريه، بيانه أن يكون على النهر خيط ممدود ما بين حافتيه، فالماء الذي تحت الخيط جريه وما بعد ذلك الماء هو جريه مثله، وما بعده جري مثله، وذكر في الكتابين أربع مسائل:
إحداها: إذا كانت النجاسة جامدة تجري مع الماء كالفأرة والبقرة، فالماء الذي
[ ١ / ٢٦٥ ]
أمامها طاهر وبعدها طاهر؛ لأن لكل جرية حكم نفسها والماء الذي أمامها وبعدها غير الماء الذي هي فيه، أو يقول: ما بعدها ما وصلت إليه والذي قبلها ما وصل إليها، وأما التي هي فيه فهو الجريه، وما عن يمينها وشمالها إلى حافتي النهر فينظر، فإن كانت الجرية أقل من قلتين فهي نجسة، وإن كانت قلتين فصاعدًا في طاهرة.
قال القفال: إلا أن تكون بهذا لها عرض كبير، فالماء الذي في جابينه هو طاهر إذا كان متباعدًا عنها، وإنما ينجس منه قدر ما ينسل إليها، وكذلك لو تغير الماء الجاري بنجاسة خالطته فأتت جرية متغيرة وجرية غير متغيرة، فالمتغيرة نجسة [٢٢٠ ب/١] وغير المتغيرة طاهرة، وهذه الجرية المتغيرة هي بمنزلة نجاسة قائمة.
وقال ابن القاض في "المفتاح "قال الشافعي في "القديم ": لا ينجس الماء الجاري إلا بالتغيير. قال أصحابنا: العلة فيه أن الماء الجاري هو بمنزلة الماء الوارد على النجاسة؛ لأنه يحملها يجريانه عليها، والماء الوارد على النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، والصحيح قوله الجديد، لأن ما لاقته نجاسة لا حاجة به إليها فتعتبر فيه القلتين كالماء الراكد.
الثانية: إذا كانت الجيفة راكدة في قرار الماء، والماء يجري عليها فالماء الذي قبلها طاهر والواصل إليها ينظر فيه، فإن كانت كل جرية تمر بالجيفة قلتين فصاعدًا فالكل طاهر، وإن كانت كل جرية أقل من قلتين فكل جرية يمر بها فهي نجسة، ولا يطر ما لم تمر بها ما دام جاريًا حتى ينتهي إلى موضع يركد فيه، فإذا اجتمع الراكد قلتين فهو طاهر، وهذا لأن هذه الجرية قد جرت بالنجاسة فنجست بها، وكل جرية بعدها مثلها، والماء الجاري عند الشافعي لا يكون كالمختلط، ولكل جزء منه حكم نفسه.
قال أبو العباس: فإن ورد هذا الماء الجاري على الجيف على ماء راكد واجتمعا وبلغا قلتين ولم يختلط طهرتا وإنما تبين هذا بأن يكون أحد الماءين صافيًا والآخر كدرًا [٢٢١ أ/١]؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير لا بالمخالطة، ألا ترى أنه لو وقع رطل ماء نجس في قلتين طاهرتين فالكل طاهر، وإن لم يخلط يجميعه، وسئل أبو إسحاق عن هذه المسألة فقال: إن كان الماء شديد الجرية، فالماء الذي هو أمام الجيفة يجوز أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين الجيفة مقدار القلتين، وبه قال ابن أبعن النجاسة بقدر قلتين، فأشبه إذا كان الماء راكدًا، والأول هو المذهب الظاهر، والفتوى عندي على ما قال أصحابنا الثلاثة والله أعلم.
والثالثة: أنه لو ورد الماء الجاري على ماء راكد في مفيص من هذا النهر وفي الراكد نجاسة، فإن كان متغيرًا فهو نجس، وإن كان غير متغير فهو نجس أيضًا حتى يبلغ قلتين، فيكون الكل طاهرًا، ولو وقفت الجيفة في الماء الجاري وسكون الموضع ردت الماء فلم يجر من فوقها، ولا من تحتها، فإن الماء الذي اجتمع وتراد وإن كان
[ ١ / ٢٦٦ ]
قبلها بمنزلة الماء الراكد يعتبر فيه قلتين.
والرابعة: إذا كان في جانب النهر موضع منخفض زايغ عن مستوى جري الماء، وفيه ماء راكد فيه نجاسة قائمة لم تغيره نظر، فإن كان قلتين فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان أقل من قلتين [٢٢١ ب/ ١]، فإن كان كل جرية تمر به من هذا الجاري يبلغ قلتين فالكل طاهر، وإن كان لا يبلغ قلتين بكل جرية تمر به تنجس به فيكون نجسًا ما دام جاريًا حتى يبلغ موضعًا يركد فيه ويبلغ قلتين على ما ذكرنا.
ويجئ فيه قول أبي إسحاق أيضًا، وعلى هذا لو كان حوض له مخرجان يدخل الماء من أحدهما ويخرج من الآخر، وفي الحوض أقل من قلتين فوقعت فيه نجاسة فحكمه حكم الماء الراكد لا الجاري.
فرع
لو كانت النجاسة رأسية في أسفل الماء وقراره فلا تمر بها الطبقة العليا من الماء، وإنما تمر بها السفلى، فانتهى الماء إليها، فالطبقة السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وفي نجاسة الطبقة العليا وجهان:
أحدهما: طاهرة؛ لأنها لم تجر على النجاسة ولا لاقتها فصار كالماء المتقدم.
والثاني: هي نجسة؛ لأن جرية الماء إنما يمنع من اختلاط ما تقدم وتأخر، فأما ما
علا منه وسفل من طبقاته فهو الراكد أشبه والراكد لا يتميز حكم علاه ولا ينتهي إلى قراره كانت الطبقة العليا التي انتهى إليها نجسة، وفي نجاسة الطبقة السفلى منها وجهان على هذا.
فرع
لو كان الماء راكدًا في موضع رقد تغير بالنجاسة وكل [٢٢٢ أ/ ١] جرية تمر به قلتان، فقياس المذهب يقتضي أن كل جرية تنجس به لأنها معه كالماء الواحد، فإذا انفصلت عنه زال حكم النجاسة؛ لأن الجرية انفردت عنه وهي قلتان غير متغيرة بالنجاسة ذكره في الشامل. وعندي أنها لا تنجس به كما لو جرت على جيفة واقعة لا تنجس بها لبلوغها حدًا لا يقبل النجاسة بنفسها.
مسألة: قال: "وإذا وقع في الماء القليل ما لا يختلط به مثل العود أو العنبر أو الدهن الطيب فلا بأس لأنه ليس مخوضًا فيه ".
وهذا كما قال: أراد لأنه ليس بمختلط به لكنه مجاوز له فلا بضره، كما لو وقع ماء البئر لمجاورة جيفة على حافته لا يضره، ومفهوم لفظه أن الكثير منه يسلب حكم التطهر؛ لأنه يصير مخوضًا به. وقد ذكرنا شرحه فيما تقدم.
مسألة: قال: "وإن كان معه إناءان في السفر يستيفن أن أحدهما قد نجس والآخر
[ ١ / ٢٦٧ ]
لم ينجس تأخى".
الفصل
وهذا كما قال إذا كانت معه أوان في بعضها ماء طاهر وفي بعضها ماء نجس، واشتبه عليه يجزئ سواء كان عدد الطاهر أقل أو أكثر، وسواء، وكذلك الثياب. وقال المزني، وأبو ثور: لا يجوز التحري بحال لئلا يتوضأ بالنجس ويصلي بالتميم. وبه قال أحمد، وعنه في وجوب إراقتهما قبل التيمم روايتان [٢٢٢ ب/ ١] وقال في الثياب: أنه لا يتحرى بل يصلي في كل واحد منهما. وقال ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضا بالآخر ويغسل ما أصابه الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي. وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق ولا يتحرى في الأواني إلا أن يكون عدد الطاهر أكثر، وهذا غلط لأن كل جنس يجوز فيه التحري إذا كان الطاهر يجوز إذا كان
عدد النجس أكثر أو ساواه كالثياب، والدليل على بطلان قول المزني أن ما هو شرط في الصلاة إذا اشتبه أمره جاز طلب صوابه بالاجتهاد كالقبلة، ولأن في الإناء الواحد إذا وقع الشك في نجاسته بناه على أصل الطهارة فجاز في الإناءين أن يبنى أمر أحدهما على الطهارة بالاجتهاد، ولأن القاضي يجتهد في الأحكام فيطلب الحق باجتهاده إذا اشتبه عليه كذلك هنا.
واحتج المزني بأنه لا يتحرى في إناء ماء وغناء بول، ولا في ميتة ومزكاة، ولا في امرأتين إحداهما محرمة عليه كذلك ههنا، وأيضًا التحريم يغلب على التحليل، كما لو اختلط النجس بالطاهر. قلنا: الفرق أنه ليس له اصل في افباحة لأنه لا يستباح الحيوان إلا بالذبح، وقد شك في وجود الريح، ولا يستباح الفرج إلا بالنكاح الصحيح [٢٢٣ أ/ ١]، والأصل تحريم الفرج ولا أصل للبول في الطهارة بخلاف الماء النجس فيرده بالتحري إلى الأصل.
وأما إذا اختلط النجس بالطاهر فقد نجس بحيث لا يمكن التمييز. وههنا يمكن التمييز بالتحري. فإذا تقرر هذا، فاصل ما يمكن التحري فيه أن يكون الشيئان طاهرين، ثم ينجس أحدهما، كالماءان والمائعين غير الماء من اللبن والعسل، والثوبين: فإما بين طاهر ومحظور الأصل كالبول والماء والزكاة والميتة لا يجوز التحري فيه بحالٍ. وعند أبي حنيفة: يجوز التحري في الماء واللبن غذا كان عدد الطاهر أكثر كما قال في الماء، ووافقنا في المزكاة والميتة أنه لا يجوز التحري، وإن كان عدد المزكاة أكثر، فإن قيل: لم جوزتم التحري في غير الماء ولا ضرورة إليه للتطهير؟ قيل: لأنه يؤدي إلى غضاعة المال وفيه مشقة، ولأن الكل سواء في الطهارة قبل وقوع النجاسة فكذلك يستوي الكل في جواز التحري.
فرع
كيفية التحري أن يطلب النجس بالعلامات من انكشاف الإناء وحركة الماء وتغير
[ ١ / ٢٦٨ ]
صفته، وأثر الكلب بقربه وبلل حواشيه وهذا هو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا غلب على ظنه طهارة أحدهما أو نجاسته من غير دليل يدله عليه له العمل فيه بغالب ظنه؟ اختلف [٢٢٣ ب/ ١] أصحابنا فيه، فمنهم من جوزه وتعلق بظاهر قوله: تآخر، وأراق النجس على الأغلب عنده، واعتبر الغلبة على ظنه، وعلل بأن الطهارة ممكنة والماء على أصله طاهر، يعني أن غلبة ظنه تتقوى بما ينضم إليه من طهارة أصل الماء وطهوريته، فعلى هذا لا يجوز التحري والعمل، فعليه الظن من غير دليل إذا كان أحد الإناءين بولًا؛ لأنه لا أصل له في الطهارة يتقوى به عليه ظنه، وبالدليل يجوز،
وكذلك إذا كان أحدهما ماء ورد ولا يجوز التحري؛ لأنه لا أصل له في الطهورية، وفي الماء المستعمل، والماء المطلق يجوز لأنه أصله على الطهورية فتتقوى به غلبة الظن، وعلى هذا القياس. ومنهم من قال: لا يجوز العمل بغالب الظن فيه من غير دليل أو اثر يدل عليه، فعلى هذا تتقوى فيه المسائل كلها، ويجوز التحري في كل ذلك حتى يجوز في الميتة والمزكاة والأجنبية والمحرم، وهذا خلاف المنصوص.
وقد قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه لا يتحري في الزوجة والأجنبية؛ لأنه يحتاط في الفرج ما لا يحتاط في غيره.
فرع آخر
لو اختلطت شاته بشاة الغير أو ثوبه بثوبه واشتبه، فإن قلنا: لابد في الاجتهاد من دلالة يجتهد ها هنا ويأخذ [٢٢٤ أ/ ١] بما يؤدي إليه اجتهاده، لأنه دلالة الملك تكفي في حل الأخذ، وإذا قلنا: يكفي فيه غلبة الظن لا يأخذ منهما ما يؤدي غليه اجتهاده؛ لأن الأموال ليست على الإباحة حتى يكفي فيها عليه الظن
فرع آخر
إذا كان معه إناءان أحدهما طاهر، والآخر نجس اشتبها عليه، ومعه إناء ثالث طاهر بيقين هل له أن يتحرى؟ فيهما وجهان:
أحدهما: يجوز، وهو الصحيح، لأن استعمال الماء الطاهر في الطاهر يجوز مع وجود الماء الطهار بيقين، كمن ترك ماء دجلة واستعمل ماء في كوز يجوز أن يكون قد ولغ فيه الكذب يجوز.
والثاني: لا يجوز التحري بل يتوضأ بالطاهر؛ لأن الشافعي شرط السفر في صورة هذه المسألة، ولأن الآخذ بالاجتهاد مع وجود اليقين محال كالكم بالاجتهاد في موضع النص.
وقد قال ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "وعلى هذا لا يجوز التحري في الحضر؛ لأنه يوجد فيه ماء طاهر بيقين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن الشافعي
[ ١ / ٢٦٩ ]
شرط السفر لوجوب التحري، فإنه قال: إذا كان قادرًا على ماء طاهر بيقين، وهذا يكون في
الحضر غالبًا هو بالخيار، وإن شاء اجتهد فيما، وإن شاء ترك الاجتهاد، وهما محلان فلا يمنع وجود النص في أحد المحلين الاجتهاد [٢٢٤ ب/ ١] في المحل الآخر، والخبر محمول على الاحتياط.
فرع
لو كان معه ماءان طهور، ومستعمل فأشكل عليه، هل له أن يتحرى؟ ينبني على الوجهين السابقين، فإن قلنا هناك: لا يتحرى فههنا لا يتحرى، بل يتوضأ بكل واحد منهما، وإن قلنا هنا يتحرى يجري ههنا أيضًا ولا شك أنه لو لم يتحرى وتوضأ بكل واحد منهما جاز.
فرع
لو كان معه مزادتان من ماء في كل واحدة منهما قلة فاشتبه النجس من الطاهر، فيه وجهان. أحدها: يتحرى، والثاني: أنه لا يتحرى لأنه يمكنه أن يتوصل إلى اليقين، بأن يصب إحداهما في الأخرى حتى يصير قلتين.
فرع آخر
لو كان معه ثوبان أحدهما نجس، ومعه ثوب ثالث قد تيقن طارته، أو معه من الماء ما يغسل به ادهما هل له أن يجتهد فيهما من غير غسل؟ وجهان: أحدها: ليس له ذلك لأنه يمكنه أن يغسل أحد الثوبين ويصلي فيه، والثاني: له ذلك وهو الصحيح.
فرع آخر
لو كان ماء طهور ومائع من ماء ورد قد انقطعت رائحته، أو ماء عرق لا يتحرى بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز التوضئ بأصل كل واحد منهما ولكنه يتوضأ بكل واحد منهما على الانفراد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وهو غلط.
فرع آخر
لو كان معه ثوب واحد حلته نجاسة [٢٢٥ أ/ ١] نظر، فإن عرف محلها غسل المحل، وإن أشكل المحل غسل كله، لأنه صار على أصل نجاسته، فلا يزول بغلبة الظن، وفيه وجه آخر يتحرى وليس بشيء.
فرع آخر
لو كان قميص تنجس أحد كميه في وجهان: أحدها: يتحرى كما في الثوبين.
والثاني: لا يتحرى وهو الأصح، لأن الأصل نجاسة القميص فلا يزول بغلبة الظن.
ومن قال بهذا القول، قال في الثوبين: إذا تحرى فيهما ثم غسل النجس منهما ثم جمع بينهما، وصلى فيهما لا يجوز؛ لأنه على يقين المنع، وفي شك من ارتفاعه وهو
[ ١ / ٢٧٠ ]
اختيار أبي إسحاق، وعلى الوجه الأول يجوز، وهو اختيار ابن سريج وهو الصحيح عندي.
فرع آخر
لو كان معه ماء طاهر، وماء نجس، واشتبها عليه وهو يخاف العطش ولا يجوز أن يحبس الطاهر للعطش ويتيمم؛ لأنه لا تجوز الصلاة بالتيمم مع القدرة على الماء الطاهر، وخوف العطش أمر مظنون ربما يكون وربما لا يكون، فإن كان فليقتصر على شرب النجس، فإن قيل: لا يجوز شرب الماء النجس، قلنا: يجوز للضرورة وهذا موضع الضرورة.
فرع آخر
لو كان معه إناءان طاهر ونجس، فتحرى في وقت صلاة الظهر فأدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به، وبقيت منه بقية يستحب [٢٢٥ ب/ ١] له أن يريق الإناء الآخر حتى لا يختلف اجتهاده للصلاة الثانية، فإن لم يرقه حتى دخل وقت العصر يلزمه أن يتحرى ثانيًا، فإن تحرى فأدى اجتهاده إلى طهارة الأولى، فقد قوى به اجتهاده الأول، وكذلك إن تيقين أن الذي توضأ به هو الطاهر، فقد قوى به الأمر الأول وهو بالخيار بين استيفاء ذا النجس وبين إراقته وإن أدى اجتهاد على أن الذي تركه هو الطاهر والذي استعمله هو النجس.
روى المزني عن الشافعي أنه لا يتوضأ بواحد منهما ويتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم لأنه تيمم ومعه ماء مستيقن.
ومنن قال: لا تلزمه إعادة الصلاة لأنه ممنوع من استعمال الماء شرعًا، فهو كما لو كان ممنوعًا من الماء لخوف العطش أو العدو فتيمم، لا تلزمه الإعادة وهذا وإن كان له وجه إلا أنه يخالف النص ويمكن أن يفارق بينهما، فإن هذا مفرط في ترك إراقته ومفرط في اجتهاده؛ لأنه لو وضع الاجتهاد في موضعه لم يختلف بخلاف ما إذا تركه لخوف الضرر من العطش أو العدو.
وحكى الداركي عن أبي الطيب بن سلمة، عن ابن سريج أنه قال: يتوضأ بالماء الثاني
ويصلي، ولا يلزمه أن يعيد واحدة من [٢٢٦ أ/ ١] الصلاتين، ولا أن يغسل ما أصابه الأول، وإن علم أنه صلى إحداهما بماء نجس كما لو صلى إلى جهتين مختلفتين صلاتين بالاجتهاد يجوز كلاهما. قال: والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي في ئ من كتبه.
قال ابن سلمة: وغلط ابن سريج في هذا، والجواب كما نقل المزني، ونص علي الشافعي في حرملة، والفرق بينه وبين القبلة أنه يجوز أن يكون مصيبًا ولا يكون على خطأ في القبلة بيقين، وههنا إذا تؤضأ بالثاني صلى وهو نجس بيقين فلا يجوز، وهذا فرق ظاهر. وقال صاحب "الإفصاح "فيه وجه ثالث أنه يستعمل الثاني ويغسل كل
[ ١ / ٢٧١ ]
موضع أصاب بدنه من الماء الأول ويعيد الصلاة الأولى.
قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أقرب الوجوه. وقال القاضي الطبري: هذا غلط ظاهر مع مخالفة نص الشافعي، وذلك أنه نقص الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني وهذا لا يجوز ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا أنه يستعمل الثاني ويصلي ويعيد الصلاتين جميعًا. قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أولى.
وقال القاضي الطبري: هذا الوجه الرابع أقوى مما اختاره؛ لأن هذا القائل لم ينقص الاجتهاد بالاجتهاد، بل أمره أن يعمل في الصلاة الثانية [٢٢٦ ب/ ١] على اجتهاد الثاني من غير أن ينفض الاجتهاد الأول، ثم إذا صلى علم إن إحدى الصلاتين صلاها بماء نجس ولا يعرف عنها فيلزم إعادتهما، كمن علم أنه ترك صلاة من صلاتين نلزمه إعادتهما، وهذا أيضًا فاسد لما ذكرنا من الدليل.
ومن أصحابنا من قال على قول ابن سريح: يغسل بالثاني ما أصابه الأول في غير مواضع الوضوء، فإن في مواضع الوضوء تطهرها للوضوء من الحدث، ومن النجاسة ولا تلزمه إعادة الصلاتين، وهذا أحسن مما ذكرنا عنه أو لا، حتى لا يكون مصليًا بالنجاسة يقينًا، ولا يؤدي إلى نقص الاجتهاد بالاجتهاد، فإنا لا نحكم ببطلان طهارته الأولى، وصلاته يوم يغسل ما على بدنه من الماء الذي غلب على ظنه أنه نجس، ويكون ذلك بمنزلة ما منعناه من استعمال بقية الماء، وحكمنا بنجاسته، ولا يقال هو نقص الاجتهاد بالاجتهاد، ولو كانت لمسألة بحالها إلا أن الماء الأول قد فنى، أو صبه فأدى اجتهاده إلى [أن] الماء الذي تركه هو الطاهر، والذي استعمله أنه النجس، قال أبو إسحاق: لا يتوضأ به ويتيمم ويصلي، وهل يعيد هذه الصلاة؟ وجهان: أحدها: لا يعيدها لأنه تيمم وليس معه ماء طاهر [٢٢٧ أ/ ١] بيقين، وذا مقتضى تعليل الشافعي. والثاني: يعيدها لأنه تيمم ومعه ماء عنده أنه طاهر، ولو كانت المسألة بحالها إلا أنه علم يقينًا أن الذي استعمله كان نجسًا والذي
تركه هو الطاهر. قال في "الأم "يتوضأ به، ويغسل كل ما أصابه الماء الأول وأعاد الصلاة الأولى؛ لأنه تيقن أنه صلى محدثًا وعليه نجاسة.
فرع آخر
لو تحرى فيهما فلم يغلب على ظنه طهارة إحداهما. قال الشافعي: لا يزال يجتهد حتى يغلب على ظنه طهارة إحداهما ولا يجوز له أن يتيمم ومعه ماء طاهر، فإن خاف فوت الصلاة. قال الشافعي في الأعمى إذا تحرى ولم يكن عنده دلالة على الأغلب ولم يكن معه أحد يتآخى له: تآخى على أكثر ما يقدر عليه، ثم يتوضا ويصلي، وقال صاحب "الإفصاح ": فيه وجه آخر أنه إذا لم يجد دليلًا بدله على الطاهر وخاف فوت الوقت يتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها، وعاد إلى الاجتهاد في طلب الطاهر حتى
[ ١ / ٢٧٢ ]
يغلب على ظنه ما يعمل عليه، وهذا أقيس ولكنه خلاف النص؛ لأنه لم يثبت الماء لا بعلم ولا ظن، وإذا قلنا بالمنصوص لم يذكر الشافعي إعادة الصلاة.
وقال القاضي الطبري: عندي أنه يلزمه إعادتها لأنه توضا به على التخمين من غير [٢٢٧ ب/ ١] دلالة تدل على طهارته عنده، ولو صب إحداهما أو كلاهما لم يكن معه حينئذ ماء طاهر بيقين فله التيمم ولا إعادة عليه، وكذلك لو صب أحدهما على الآخر بخلاف ما لو صب الماء متعمدًا فإنه تجب الإعادة في أحد الوجهين؛ لأن هناك لا عذر وههنا عذر إذ لا يقدر على استعماله لو أمسكه ولم يصبه.
فرع آخر
لو انقلب أحد الماءين قبل التحري ففيه وجهان: أحدها: يتحرى في الباقي كما لو كانا باقيين، والثاني، لا يتحرى بل يتوضأ بهذا الباقي من غير تري وهذا اختيار ابن سريج؛ لأن الأصل هي الطارة في كل واحد منهما، فإذا كانا قائمين لم يعلم عين الطاهر، وإذا ذهب أحدهما صار معه ماء طاهر الأصل وهو شاك في نجاسته، فيبنى على الأصل وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى هو موجود قبل أن يصب أحدهما وهو يشك في نجاسة كل واحد منهما فلا يصح ما ذكره وقال القاضي أبو حامد: إذا قلنا: لا يتحرى ههنا بتيمم وفعلى؛ لأن حكم الأحد قد زال فيه بوجوب التحري ومنعنا إياه من استعماله، فغذا تعذر التحري لم يجز استعماله.
فرع آخر
لو كان مع الأعمى إناءان طاهر ونجس، وأشكل عليه الطاهر من النجس، قال في
"الأم ": "تحرى كالبصير "وقال في حرملة: لا يتحرى [٢٢٨ أ/ ١] كما لا يتحرى في طلب القبلة، والأول اصح لأنه يمكنه أن يقف على بعض إمارات النجاسة وهو ما يتعلق بالتيمم واللمس والحس فله التحري كما لو التحري في دخول وقت الصلاة لأنه يمكنه الوقوف عليه بورده ويحمله بخلاف القبلة لأن إماراتها كلها متعلقة بالبصر ولا بصر للأعمى، فإذا قلنا: لا يتحرى تحرى ل غيره ويحمل على ما يخبر به كالقبلة سواء، وإذا قلنا: ينحرى. قال الشافعي في "الأم " "لو كان الأعمى لا يعرف ما يدله على الأغلب ومعه بصير يصدقه وسعه أن يستعمل الأغلب عند البصير "، فأجاز له الشافعي الاجتهاد والتقليد، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: لا يجوز له التقليد؛ لأن من هو من أهل الاجتهاد في شيء لا يقلد فيه وكلام الشافعي- رحمة الله عليه- في "الأم "محمول على أن البصير أخبره بما شاهده أو سمعه فيلزمه قبوله، وهذا اختيار أبي حامد، ومنهم من قال: يجوز له التقليد؛ لأن من أماراتها ما يدركه الأعمى وهو التيمم واللمس، ومنها ما لا يدركه الأعمى لتعلقها بالمشاهدة مثل أثر الكلب
[ ١ / ٢٧٣ ]
واضطراب الماء، فجاز له التقليد كما في القبلة، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح فإن لم يغلب على ظنه ولا على ظن البصير فما يفعل؟ قد ذكرناه [٢٢٨ ب/ ١].
فرع آخر
لو أخبره واحد بأن الكلب ولغ في هذا الإناء وجب عليه قبوله إذا كان عدلًا رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا، نص عليه في حرملة، وهكذا إذا أخبره رجل بأن القبلة هكذا، صلى إليها وهو بمنزلة الإخبار.
فرع
قال: لو أخبره أعمى بأن هذا الماء نجس، وبين سبب النجاسة بأن قال: ولغ فيه الكلب أو وقع فيه بول قبل خبره؛ لأنه يجوز أن يكون سمع بصيرًا يقوله أو هو الذي نجسه.
فرع آخر
لا يلزمه قبول قول الصبي والمجنون فيه لأنه لا حكم لقولهما، إلا أن في الصبي الذي يعقل عقل مثله الأولى أن يحتاط ويحترز عنه.
ومن أصحابنا من قال: يقبل فيه قول الصبي المراهق، وهو خلاف النص ولا يلزمه قبول قول الكافر والفاسق فيه.
فرع آخر
لو أخبر رجل أن هذا الماء نجس مطلقًا، قال الشافعي: لا يلزمه قبوله لأنه قد يرى سؤر الحمار والبغل والفهد نجسًا، وقد يرى الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة نجسا، إلا أن يعلم اعتقاده أنه لا ينجسه بهذا فيلزمه قبول خبره.
فرع آخر
لو كان معه طاهر فتغير فغلب على ظنه أنه لنجاسة لا يحكم بنجاسته، وكذلك إذا كان [٢٢٩ أ/١] معه ماء نجس فغلب على ظنه طهارته كان على نجاسته، ويفارق هذا إذا علم النجاسة في أحد الإناءين فغلب على ظنه طهارة. أحدهما أو نجاسته يحمل عليه، لأنه لم يثبت نجاسته. بغينه والأصل في كل واحد منهما الطهارة، وإنما يجدد الشك فتي كل واحد منهما فيزول بالظن.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بأن الكلب ولغ قي هذا الإناء ولم يعرف هذا لإناء، وشهد آخر بأنه ولغ في هذا الإناء ولم يعرف هذا الإناء.
قال الشافعي -رحمة الله عليه- لا يجوز أن يتوضأ بواحد منهما؛ لأته يجوز أن يكون قد ولغ في هذا الإناء كلب، ولم يقرب من الإناء الآخر، وولغ كلب آخر في الإناء الآخر،؛ولم يقرب من هذا الإناء ويكون الشهود كلهم صادقين.
قال أصحابنا: ولو كانت الشهادتان هما متعارضتين مثل أن شهد شاهدان أن الكلب
[ ١ / ٢٧٤ ]
ولغ في هذا في وقت كذا، ولم يلغ في الآخر وشهد آخران أن الكلب ولغ في ذلك الإناء الآخر في ذلك الوقت، ولم يلغ في الإناء الآخر.
فإن قلنا: إن الشهادتين إذا تعارضتا سقطتا فههنا تسقطان، ويجوز له: أن يستعمل رأي الإناءين شاء؛ لأن نجاسة واحد منهما لم تثبت] ٢٢٩ ب/١]. وإن قلنا: إنهما يستعملان ففيه ثلاث أقوال؛ القسمة، والقرعة، والوقف. ولا يجيء هنا إلا الوقف فيتوقف عن الإناءين.
وقال القاضي الطبري﵀: وعندي أنه يلزمه أن يتيمم ويصلي، ثم يعيد كل صلاة يا لتيمم، لأنه صلى بالتيمم ومعه ماء مستيقن؛ لأن أحل الإناءين طاهر بتيقن وإحدى الشهادتين كاذبة
فرع
لو اخبره من يثق بخبره آن هذا الكلب بعينه ولغ في إنائه هذا في ونت كذا من يوم كذا، وشهد عنده عدلان، أن ذلك الكلب في ذلك الزمان في بلد آخر فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر لأنهما تعارضتا فسقطتا، والثاني: نجس لأن الخبر الأول تنجيسه والشهادة المعارضة له محتملة؛ لأن الكلاب قد تشتبه ولأن تعيين الكلاب في الولوغ لا يلزم ذكره في «الحاوي».
فرع
لو أخبره فخبر بان أحد هذين تنجس وبين السبب فإنه يلزمه قبوله ويتحرى فيهما، وإن اختلف المخبران عليه يلزمه آن يأخذ بقول أصدقهما وأورعهما عنده بخلاف الشهادات لا يرجح قول شاهدين، وإن كان أحدهما أعدل لأن هذا كرواية الأخبار يتعمل فيه الترجيح.
فرع أخر
لو كان هناك ماءان ورجلان فنجس [٢٣٠ أ/١] أحد الماءين فاجتهدوا فيه فنظر، فإن أدى اجتهادهما إلى طهارة أحدهما توضأ به، ولكل واحد منهما أن يأتم لصاحبه، وإن آبى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر توضأ كل واحد منهما بالطاهر عنده، ولكل واحد منهما أن يصلي لتفه وليس له آن يأتم بصاحبه؛ لأنه يعتقد أن أمامه محدث نجس وهذا أصيل كل من اعتقد بإمامه هذا لم تصح صلاته، وكل من غلب على ظنه أن إمامه طاهر متطهر جاز له أن يأتم به، وهذا كما يقول في القبلة إذا اجتهد اثنان فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر لا يجوز لأحدهما أن يأتم بالآخر خلافًا لأبي ثور.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فرع أخر
لو (كانت) المياه ثلاثة والرجال ثلاثة فادى اجتهاد كل واحد منهما إلى واحد منها خفيه مسألتان نجستان وطاهر، وطاهران ونجس، فإن كان النجس اثنين صلى كل واحد منهم بنفسه ولا يأتم بغيره، لأنه يعتقد أن كل واحد منهما محدث نجس، وإن كان الطاهر اثنين فلكل واحد منهم أن يأتم بأحد الآخرين ولا يأتم بهما معًا؛ لأنه يعتقد أن أحدهما محدث نجس، فإن صلوا ثلاث صلوات جماعة وقدموا في كل صلاة منها [٢٣٠ ب/١] واحدًا منهم، فإن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة في الصلاة الأولى؛ لأن صلاة الإمام لا تبطل يبطلان صلاة المأموم، وكل واحد من المأمومين يقول: يجوز أن يكون قد استعمل النجس
صاحبي وأنا والإمام طاهران، فلا تبطل صلاة واحد منهم، وأما الصلاة الثانية: فإن صلاة الإمام صحيحة، وصلاة من كان إمامًا في الصلاة الأولى صحيحة؛ لأنه لم يصل إلا خلف هذا الإمام،. وأما صلاة الآخر. فإنها باطلة؛ لأنه لما. صلى خلف الإمام في الصلاة الأولى فقد أقر بأنه طاهر، وأنه في نفسه طاهر، فلم يبق عنده نجس غير الإمام في الصلاة الثانية فتبطل صلاته خلفه. وأما الصلاة الثانية فهي صحيحة للإمام وباطلة للمأمومين؛ لأن كل واحد منهما يعتقد أن إمامه محدث نجس، وأصل هذا أن ينظر إلى عدد، المياه والرجال، فإن كان الطاهر واحدًا صلى كل واحد منهم لنفسه، ولا يجوز أن يأتم بغيره، وإن كان الطاهر اثنين صلى كل واحد خلف واحد ولا يصلي خلف الثاني، وإن كان الطاهر ثلاثة صلى كل واحد خلف اثنين ولا يصلي خلف الثالث، وعلى هذا ابتدأ ينظر إلى عدد الطاهر فيتبقي واحدًا لنفسه وينظر إلى ما بقي من عدد] ٢٣١ أ/١] الطاهر فيصلي بعددها من الأئمة.
فرع أخر
لو كانت المياه أربعة وهم أربعة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أخذ خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين فصلى واحد منهم الصبح وآخر الظهر، وآخر العصر وآخر المغرب، صح الصبح لكل واحد منهم، وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح ولم يصح للباقين، وصح العصر لإمامه وحده، وصح المغرب لإمامه وحده، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح لجماعتهم والظهر لجماعتهم؛ لأن لكل واحد منهم أن يصلي خلف اثنين، ولم يصح لأمام المغرب؛ لأنه صلى خلف اثنين فلا تصح صلاته خلف ثالث، وصح الغرب لإمامه وحده.
فرع
لو كانت المياه خمسة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أحد خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين صح الصبح لكل وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح، وبطل في حق الباقين، وصح العصر والمغرب والعشاء لإمامها وحدهم، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح. والظهر للكل، وصح العصر لإمامه وإمام الصبح والظهر؛ لأن كل واحد ما
[ ١ / ٢٧٦ ]
صلى خلف ثالث، وصح المغرب والعشاء لامعهما لا غير، وإن كان الطاهر أربعة صح الصبح والظهر: والعصر للكل؛ لأن كل واحد ما صلي خلف واحد، وصح المغرب لإمامه. وأما الصبح والظهر والعصر] ٢٣١ ب/١] دون إمام العشاء وصحت العشاء لإمامه وحده؛ لأن كل واحد من الباقين صلى خلف ثلاثة فلا يصلي خلف رابع، ولو كانوا خمسة على الظهر فأحدث واحد ولم يعرف عينه أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فالحكم في صلاة بعضهم يبعض كالأواني سواء حرفا بحرف.
وحكي القفال وجهًا آخر عن صاحب التلخيص أنه لا يمح اقتداء بعضهم ببعض في هذه المسائل؛ لأن كل واحد يقول صاحبي قد استعمل النجس، وربما يكون هو الإمام.
قال: وأصل الوجهين أنه هل يجوز الاجتهاد في حدث الغير وبناء أمره على أصل الطهارة، كما يجوز في حدث نفسه ذلك فلم يجوزه صاحب التلخيص وجوزه غيره وهو الأصح.
فرع أخر
لو كان هناك إناءان من لبن أحدهما نجس وأشكل، قد ذكرنا أنه يجوز التحري، ولو كان هناك له إناء ثالث من لبن طاهر بيقين. قال أبو حامد: هل يجوز التحري في المشكل؟ وجهان كما في الماء. وهذا لا معنى له؛ لأن في الماء إنما اختلف الحكم وجود غيرهما وبين عدمه لأنه يحتاج إليه لاستعماله في الصلاة ويجب عليه ذلك، وها هنا لا يلزمه شيء فلا يختلف الحكم به.
فرع أخر
لو كانت صبرة من التراب وقعت عليها ذرة من النجاسة، واشتبه محلها لا يجوز أن يتيم [٢٣٢ أ/١] منها قبل التحري، وإن كانت المبرة كبيرة ولو تحرى في جوانبها ثم تيمم صح.
فرع أخر
ذكره القاضي الإمام الحسين - ﵀ - لو كان زق دبس وزق خل في بيت مظلم فدخل البيت واعترف غرفة من زق الخل وصبه في قصعة، واغترف غرفة أخرى من الدبس وصبه قي الخل ثم أخرجها من البيت، فإذا في القصعة فأرة ميتة، وهو لا يدري خرجت من أي الزقين يلزمه التحري؛ لأن أصل كل واحد منهما على الطهارة، وكتف يتحرى؟ قيل: يلقى الفأرة بين يدي النور فإن أكل بان أنها وقفت قي الدبس، وإن لم يأكل بان أنها كانت في الخل، لا لأن الاعتبار بأكل النور، ولكن يغلب على الظن به، وأما الرقان فإنه اغترف، بمغرفتين، فقد ذكرنا حكمه، وإن اغترف بغرفة واحدة إن أدى اجتهاده إلى أن الفارة كانت في الثاني فالأول طاهر، وإن أدى إلى أنها وقعت قي الأول فكلامًا نجسان.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فروع متفرقة
لو توضأ رجل وصلى الظهر، ثم أحدث وتوضأ وصلى العصر في وقتها، فلما فرغ
منها تيقن أنه ني مسح الرأس بين إحدى الطهارتين يلزمه إعادة الصلاتين؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول؛ فتكون صلاة الظهر باطلة والعصر [٢٣٢ ب/ا] صحيحة، ويجوز أن يكون نسى من الوضوء الثاني فتكون صلاة العصر باطلة وصلاة الظهر صحيحة، فإذا لم يتعين له ذلك لزمه أن يعيد الصلاتين، كمن نسى صلاة من صلاتين، ولا يعلم عينها فإنه يلزمه إعادتهما.
وأما الطهارة إن قلنا: لا يجوز تفريق الوضوء استأنف الوضوء، وإن قلنا: يجوز ذلك فإنه يعيد مسح الرأس، وعند الرجلين، ويجزيه ذلك لأنه إن كان نسى من الأول، والثاني صحيح، وإن كان قد نسي من الثاني فغل الوجه واليدين صحيح، وعليه مسح الرأس وغسل الرجلين.
فرع آخر
لو توضأ لصلاة الظهر ولم يحدث حتى لمحل وقتا العمر وجدن الوضوء ثم صلى العصر، فلما فرغ منها تيقن أنه نسي مسح الرأس من إحدى الوضوءين ولا يعلم أبه، فإنه يلزمه أن يعيد صلاة الظهر قولًا واحدا؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول فتكون صلاة الظهر باطلة، فيلزمه أن؛ يعيدها حتى يؤديها بيقين، وأما صلاة العصر فإن قلنا: إن نية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث فصلاة الخصر صحيحة؛ لأنه إن أكان قد نسي من الوضوء الأول فإن وضوؤه للعصر قد صح، وإن كان قد نسي من الوضوء الثاني فيكون الظهر [٢٣٣ أ/] باطلة والعصر باطلة أيضا؛ لأن الوضوء الأول لم يصح، والوضوء الثاني الذي هو تجديد لا يرتفع الحدث والطهارة علن هذا على ما ذكرنا من البناء على تفريق الوضوء.
فرع أخر
إذا مات اثنا ن أحدهما بعد الآخر وهناك ما يكفي أحدهما، فالأول أولى بذلك الماء؛ لأن غسله وجب عند موته فلا يتغير حكمه بموت الآخر يعده، ولو كان وجود الماء بعد موتهما لم يقدم الأول منهما بل يجب الرجوع إلى معرفة أفضلهما وأوزعهما، يكون أولى من الآخر؛ لأن غسل الأول ألم يكن وجب عند موته لفقد الماء في ذلك الوقت، فإل كانا في الفضل سواء تقدم من شاء؛ منهما. ذكره والدي - ﵀.
فرع أخر
قال والدي - ﵀ الصبي هل يجمع بين صلاتي فرض يتيمم واحد؟ فيه وجهان: أحدها: يجمع لأن صلاته ناقلة، والثاني: وهو الأصح لا يجمع لأن مجلاته ملحقة بالفرائض
لأنها لا تجوز بنية النقل ويلزمه تعيين النية فيها، ولا يجوز له أن يصلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا على الراحلة، وإذا سافر له آن يقصرها، وإن
[ ١ / ٢٧٨ ]
كان القصر لا يدخل في النوافل.
فرع أخر
إذا غسل وجهه ثم فرق حتى مضى فصل طويل، وقلمنا له البناء صلى وضوئه فاستأنف اختيارًا، لا يجوز إلا أن] ٢٣٣ ب/١] ينويه عند غسل يديه، لأنه يلزمه إعادة النية عند البناء في أحد الوجهين لقطع النية الأولى بالفصل الطويل، فإذا استأنف الطهارة ونوى عند غسل الوجه فقد قدم إلية على الغسل الذي يلزمه الإتيان به، فلا يجوز. ذكره والدي﵀.
فرع
الأذن الملصقة بالدم هل يلزم غسلها في الجنابة؟ مبني على طهارة هذه الأذن، والأصل أن الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، فإذا قلنا: إنه لا ينجس هل ينجس هذه الأذن؟ وجهان، وإذا قلنا بالنجاسة فغسل هذه الأذن في الجنابة لا يجب، وإن قلنا بالطهارة فيحتمل وجهين؛ أحدها؛ يلزم لأن الاتصال مع الطهارة موجود كالأصلية، والثاني؛ لا يلزم لأن حكم الاتصال الحادث يفارق حكم الاتصال الأصلي، ألا ترى أنهما يفترقان في الطلاق، ذكره والدي - ﵀ - وعندي إذا قلنا بنجاستها يلزم إزالتها أو إمرار الماء على موضع القطع.
فرع أخر
إذا قال رجل: هذا الماء نجس مطلقًا، ثم توضأ به وتقدم ليصلي هل يجوز لمن سمع منه أن يملي خلفه؟ وهل يصح وضوءه؟ تال والدي - ﵀؛ يحتمل عند وجهين: احدها: يجوز وضوءه لأنه لما جاز التوضاء به للغير جاز لهذا القائل [٢٣٤ أ/١] أيضًا، والثاني: لا يجوز لأنه اعتقد نجاسة الماء حقًا كان أو باطلًا، فإذا توضأ به تضمن ذلك الاعتقاد بطلان الوضوء المعقول فبطل باعتقاده كالمتوضئ إذا اعتقد ونوى إبطال الوضوء، وهو فيه صار باطلًا في أحد الوجهين، وهذا إذا لم يرجع المخبر، فإن رجع وقال؛ كان ذلك سؤر الحمار، وقد رجعت عن اعتقادي نجاسته ثم توضأ به صح وضوءه بالإجماع.
وأما الصلاة خلفه ني المسألة الأولى لا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأنه يعتقد بطلان صلاته لبطلان طهارته، فلا تصح الصلاة خلفه مع العلم بحاله.
فرع أخر
إذا اختلطت آنية البول بأواني أهل بلد أو ميتة بمزكيات أهل بلد، فله التوضيء ببعض الأواني وأكل بعض المزكيات، لأن المنع منه يؤيدي إلى المشقة وإلى أي حد يتوضأ؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن تبقي آنية واحدة كما لو حلف لا يأكل تمرة بعينها لما فاختلطت بتمرات له أن يأكلها كلها إلا واحدة. والثاني: يتوضأ إلى أن يبقى من الأواني القدر الذي لو كان الاختلاط به في الابتداء منع التوضاء الجميع، ثم لا يتوضأ وهذا أوضح.
[ ١ / ٢٧٩ ]
فرع أخر
لو أمر غيره يصب الماء عليه في وضوءه وغسله، فصب البعض عليه ونوى المتطهر ثم صب علميه الباقي في حال كر [٢٣٤ ب/] والمتوضئ فيها الصب، إما لبرودة الماء أو لاشتغاله بتنقية مكان من بدنه، إلا أنه لم ينه ولا أمر هل يسقط الفرض؟ يجب، أن يقال يسقط؛ لأن الكراهة لا تأثير بها بعد سبوق الأمر، ولو نوى الطهارة وغسل البعض، ثم صب عليه غيره الماء بغير أمره وهو لا يشعر به بل علم بعد ما صبه عليه، وفيه الطهارة عنه في تلك الحالة لا يجوز، لأن ب النية تناولت فعله لا فعل غيره، ولو أمر يصب الماء عليه في كل وضوءه، ثم نسي الأمر به عليه بعد ما غسل بعض أعضائه بنفسه يصح، ولا يقدح فيه النسيان. ذكره والدي - ﵀.
فرع أخر
لو نام قاعدًا في خلال وضوءه على القول الذي يقول: لا يتبعض وضوءه، فأنتبه في البناء هل مدة يسيرة هل تلزمه إعادة النية؟ وجهان. وهو كما قلنا في التفريق الطويل عند يلزمه تجديد النية؟ وجهان.
فرع أخر
إذا نام قاعدًا بعد غسل وجهه فصب الماء على يديه في حال نومه، ثم انتبه فغسل الوجه صحيح، أما غسل يديه فيحتمل أن يقال: يجوز لأن عزوب النية لا تؤثر في الطهارة.
فرع
إذا نوى بوضوئه قراءة القرآن حفظًا أو صلاة الجنازة، ولم يقطع نيته؛ بأحدهما، هل يجوز أداء الصلاة به على الوجه الذي يقول الوضوء [١٢٣٥ أ/١ [لقراءة القرآن حفظًا لا يجوز
أداء الفرض به، يحتمل أن يقال لا يجوز لأنه لم يقطع النية بما يجوز، ولو قال: نويت به قراءة القرآن حفظًا إن كانت هذه النية كافية في جواز أداء الفرض به، وإن لم تكن كافية نويت أداء الصلاة به يحتمل أن يقال: يجوز كما لو قال هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا، وإن لم يكن سالمًا فهو نافلة يجوز عن الزكاة إذا كان سالمًا، ولو نوى به قراءة القرآن حفظًا ما لم تزل الشمس والصلاة به بعد الزوال هل يجوز أداء صلاة النفل به قبل الزوال؟ يجب أن يقال: يجوز لأنه نوى أداء الصلاة به في الجملة فارتفع به حدثه في الحال، ولو نوى أداء الصلاة به في مكان نجس لا يعفى عنه، يحتمل أن يقال؛ لا يجوز لأنه نوى أداء ما هو معمية بها، ولم ينو أداء ما يتيقن صحته وجوازه إليها.
فرع آخر
لو توضأ فصار باطلًا في اثنائه بحدث أو غيره، هل له الثواب في القدر المفعول؟ يحتمل أن يقال: له الثواب كالصلاة إذا بطلت في أثنائها، ويحتمل أن يقال: إن أبطل
[ ١ / ٢٨٠ ]
باختياره فلا ثواب له، وإن كان بغير اختياره فله الثواب.
وقال بعض أصحابنا: لا ثواب له بخلاف الصلاة؛ لأنه يراد لغيره ولا يرتبط بعضه [٢٣٥ ب/] ببعض حتى يصير كالشيء الواحد مثل الصلاة.
فرع أخر
خنثيان مشكلان مش رجل فرج أحدهما ومست امرأة ذكر الآخر، ثم مس الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكر الخنثى الآخر، ثم مس الخنثى الذي مست المرأة ذكره فرج الخنثى الآخر، ثم تقدم الرجل في صلاة الصبح وأم فيها بالخنثيين والمرأة، ثم تقدم في الظهر الخنثى الذي مس الرجل فرجه وصلى بالمرأة والخنثى الآخر، ثم تقدم في الخمر الخنثى الآخر، وأم فيها بالمرأة والخنثى الذي كان إمامًا في الظهر. فجوابه على القول الذي يقول: إنه لا وضوء على المأموميين أن صلاة الرجل جائزة وعلى المرأة إعادة الظهر والعصر دون الصبح، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر إعادة الصبح والعصر وظهره صحيح له، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في العصر إعادة الظهر وصبحه وعصره صحيحان له، ووجهه أن أحوال الخنثيين أربع أحوال: إما أن يكونا ذكرين وإما أن يكون أنثيين، وإما أن يكون الذي مس الرجل فرجه ذكرا والآخر أنثى، وإما أن يكون الذي مست المرأة ذكره ذكرًا والآخر أنثى ولا خامس [٢٣٦ أ/١] لهذه الأقسام، فإن كانا ذكرين بطلت طهارة المرأة، وطهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه، وطهارة الرجل مع طهارة الخنثى الذي مست المرأة
ذكره باقيتان، وإن كانا أنثيين بطلت طهارة الرجل وطهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره، وطهارة المرأة مع طهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه باقيتان، وإن كان الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكرًا، والآخر أنني بطلت طهارة كل واحد من الخثثين، وطهارة الرجل مع طهارة المرأة باقيتان، وإن كان الذي مست المرأة ذكره ذكرا، والآخر أنثي يطلب طهارة الجمع من الرجل والمرأة والجنثيين معًا، فإذا صح ذلك كانت صلاة الرجل، صحيحة، لأنه لم ينتقض حدثه، واحتمل انتقاض طهارته، واحتمل الجواز فبقيناها على الأصل، ولم يأتم أيضًا بالغير حتى تبطل صلاته انتقاص طهارة الإمام وأتباعه له. وأما المرأة فلا تلزمها إعادة الصبح لعدم التقين بانتقاض طهارتها، وانتقاض طهارة الرجل أيضًا، ولا يصح طهرها لأنه لا يجوز أن يكون الرجل وإمامها في الظهر على الطهارة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة، فإذا حكمنا لها بصحة الصبح خلف الرجل لم يصح منها صلاة الظهر خلف إمامها [٢٣٦ ب/١] لما لم يحتمل ركونهما علي الطهارة، ونظره أن يعلم الرجل انتقاص طهارة زيد أو عمرو ولا يعرف غير من انتقضت طهارته منهما فصلى المح خلف أحدهما والظهر خلف الآخر صح له الصبح دون الظهر للمعنى الذي ذكرناه؛ فإن قيل ت لماذا جوز تم الصبح دون الظهر؟ قلنا: لأن المرأة لما صليت الصبح خلف الرجل صححنا صلاتها لجواز أن تكون هي وإمامها على الطهارة، وقد أربحنا أن الأصل ثبوتها، فإذا كان تصحح صلاتها محكومًا به لم يرتفع بصلاتها خلف أحذ الخنثيين في
[ ١ / ٢٨١ ]
الطهر لاستحالة ورود (الفساد) بعد الفراغ من الصلاة، ومنافاة الثاني الأول كما قلنا في المثال الذي ذكرناه، وهذا واضح، ولا يصح عصرها أيضًا؛ لأن الأحوال الأربعة التي ذكرناها تمنع كون العصر محسوبا لها فتأملها. وأما الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر فظهره جائز بجواز كونه على الطهارة، ولم يأتم فيه بأحد فصح له. وأما الصبح نلا يصح لأنه لا يحتمل أن يكون هو والرجل الذي هو إمام الصبح على الطهارة في شيء من هذه الأحوال، فلا ينبغي له أن يأثم به، فإذا: فعل ذلك بطلت صلاته. وأما العصر فلا يجوز لأن صلاة الخنثى [٢٣٧ أ/١] خلف الخنثى لا تجوز، فإن قيل: على قول بعض أصحابنا لجواز صلاة الخنثى خلف الخنثى هل تصح صلاة العصر منه؟ قيل: لا يجوز العصر على قول هذا القائل أيضًا، لأنه لا يحتمل أن يكونا على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة، وإنما كان يصح ذلك على قوله: لو احتفل ذلك فإذا لم يحتمل وجبت الإعادة.
وأما الخنثى الذي كان إماما في العصر فصبحه صحيح له، لجواز أن كون الرجل على الطهارة، وعصره جائزًا أيضًا لأنه كان إمامًا في العصر مع جواز كونه على الطهارة وطهره لا يصح، لأن صلاة الخنثى خلقي الخنثى لا يصح، وعلى قول القائل الآخر لا تصح أيضًا،
لأنه لا يجوز أن يكون هو والخنثى الآخر الذي هو إمامه في الطهر على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة وإذا قلنا بالقول الذي يوجب الوضوء على الملموس لم تصح صلاة الخنثيين ولا واحد منهما لبطلان طهرهما، وحكم الرجل والمرأة على ما ذكرنا في القول الأول ذكره والدي - ﵀.