قال (٨): وإذا بادَلَ إبٍلًا أو غَنَمًا بغَنَمٍ.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٨).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٨).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢١، ٤٥)، وأبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٥/ ٣٧)، وابن ماجه (١٧٩٠).
(٤) أخرجه الشافعي في "المسند" (٦٣٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ٣٢٧).
(٥) أخرجه الحميدي (٥٤)، وابن أبي سيبة (٣/ ١٥٢)، وعبد الرزاق (٦٨٨٠).
(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٧/ ٥٥. نووي).
(٧) أخرجه الطبراني في "الصغير" (١/ ٦٧).
(٨) انظر الأم (١/ ٢١٩).
[ ٣ / ٨٩ ]
الفصل
وهذا كما قال: كل مال يجب في عينه الزكاة كالإبل والبقر والغنم، والأثمان فبادله بنصاب يجب فيه الزكاة استأنف الحول سواء كانا جنسًا واحدًا إبلًا بإبل أو بقرًا ببقر أو جنسين كإبل ببقر أو بقر بغنم أو ذهب بفضة، وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك ي الأثمان لا يستأنف الحول، وإن كان في غير الأثمان استأنف الحول وهذا على أصله أن وجوب الزكاة في الأثمان في معانيها لا في أعيانها ولهذا [٩٦ أ/٤] قال يضم الذهب إلى الفضلة، وقال مالك: إن بادل جنسًا بجنس آخر يستأنف الحول، وإن بادل جنسًا بجنسه يبنى على الحول الأول وهذا غلط، لأنه بادل ما يجب الزكاة في عينه بما تجب الزكاة في عينه فوجب أن يستأنف الحول قياسًا على موضع الوفاق ولو بادل بعض النصاب بمثله حتى كان الباقي في ملكه أقل من النصاب انقطع الحول، وقال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول بناء على أصله أن نقصان النصاب في خلال الحول لا يضر وأن المستفاد يبني على حول الأصل.
فرع
اختلف أصحابنا في مال الصيارفة فمنهم من قال يستأنفون الحول كلما بادلوا دراهم بدنانير وهو الصحيح، ونص في "الأم": على استئناف الحول ولم يفرق بين الصيارفة وغيرهم، وقال ابن سريج في هذا بشروا الصيارفة في أنه لا زكاة عليهم والتعليل ما ذكرناه ويؤكده أن الحلاب إذا اشترى بدراهم أربعين شاة استأنف الحول، وإن كان ذلك عارية لا يختلف المذهب فيه ومنهم من قال: لا ينقطع حولهم بالمبادلة لأن مقصودهم التجارة، فالنقود في حقهم كالعروض للتجارة لسائر الناس، قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب وهذا غلط، لأنا لو أوجبنا الزكاة هاهنا بحول الأصل يوجب في عين المال [٩٦ ب/٤] بخلاف مال التجارة، وقال القفال وأبو حامد: هذا مبني على أصل وهو أنه إذا اجتمعت زكاة العين وزكاة التجارة هل تغلب زكاة العين أم زكاة التجارة قولان فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة فلا ينقطع الحول هاهنا، لأن حول التجارة لا ينقطع بالمبادلة، وإن قلنا: تغلب زكاة العين ففيه وجهان، إحداهما: ينقطع، والثاني: لا ينقطع لأنه عدم بالمبادلة شرط زكاة العين وهو دوام الملك في العين حولًا كاملًا فصار إلى زكاة التجارة كما لو كان له ثلاثون من الغنم للتجارة وبلغت قيمتها نصابًا يجب زكاة التجارة قولًا واحدًا والله أعلم.
مسألة: قال (١): وأكرَهُ الفِرَارَ منَ الصَّدَقَةِ.
وهذا كما قال: إذا قارب تمام الحول أو لم يقارب فأراد أن يسقط الزكاة عن نفسه ببيعه فهذا فرار من الصدقة فيكره ذلك فإن فعل فالبيع صحيح ولا يكون عاصيًا به،
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٩).
[ ٣ / ٩٠ ]
وقال مالك وأحمد: هو محرم ولا يسقط فيه الصدقة وهذا غلط، لما قال الشافعي، وإنما تجب الصدقة بالملك والحول لا بالفرار يعني أن النبي ﷺ قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وهذا المال بعد المبادلة لم يحل عليه الحول، وإن لم يقصد به الفرار بل كله أو بعضه بحاجة من قضاء دينه أو أهداه لم يكره [٩٧ أ/٤] ولا زكاة بلا إشكال.
مسألة: قال (١): "ولو رَدَّ إحداهما بعيبٍ قَبْلَ الحَوْلٍ".
الفصل
وهذا كما قال: المبادلة في الحقيقة هي بيع يثبت فيه الرد بالعيب فإذا تراد بعيب أو غيره استأنف كل واحد منهما حوله من ذلك الوقت لتبدل الملكين وهذا لأن الرد بالعيب هو فسخ في الحال، وليس بدفع للعقد من الأصل، وقال أبو حنيفة: إن رد بالعيب وإن وجد العيب بعد تمام الحول فإن كان أخرج الزكاة من غيرها كان له الرد بالعيب قولًا واحدًا سواء قلنا: إن الزكاة في الذمة أو قلنا: إنها في العين ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يرد إذا قلنا: إن الزكاة في العين لأنه زال ملكه ثم عاد الملك بأداء الزكاة من غيرها كما لو اشترى وباع ثم ملك ثم وجد عيبًا قديمًا لا يرد في أحد الوجهين وهذا لا يصح، لأنه استدرك الظلامة بالبيع ولم يستدرك هاهنا، وقد تحقق زوال الملك هناك حتى لا يعود إلا بالرضا من آخر أو بسبب يوجب الملك وهاهنا لا يتحقق لأن له أداء الزكاة من موضع آخر، وقال القفال: إن قلنا: إنَّ الزكاة في الذمة أو تتعلق بالعين تعلق الجناية فله الرد كما لو رهنه ثم فكه ثم وجد به عيبًا آخر أو جنى العبد ففداه السيّد ثم وجد به عيبًا [٩٧ ب/٤] فله الرد فإن قلنا: على معنى الشركة ففيه وجهان، إحداهما: الرد لأن هذه الشركة لا تتحقق على ما ذكرنا، والثاني: لا يرد لأنه زال ملكه عن شاة لا بعينها ثم عاد ملكها، ومن أصحابنا بخراسان من قال: وإن قلنا: يتعلق تعلق الجناية وجهان أيضًا، لأن في مسألة الجناية وجهين وهو ضعيف، فإذا قلنا: يرد رد الكل واستأنف الحول فيما عاد إليه وإذا قلنا: لا يرد شيئًا هاهنا قولًا واحدًا سواء قلنا: الصفقة تفرق أو لا تفرق لأن التي سقط ردها بالعيب غير متعينة فلا يمكن رد ما عداها ويمتنع الرد في الكل، ومن أصحابنا من قال: يرد ما عدا الزكاة إذا قلنا: الصفقة تفرق وهو غلط ظاهر وإن كان قد أخرج الزكاة من عينها قال الشافعي: لم يكن له ردها ناقصة كما أخذه ويرجع بأرش العيب من أصل الثمن وهذا إذا قلنا: إن الصفقة لا تفرق، فأما إذا قلنا: إن الصفقة تفرق رد ما بقي بقسطه من الثمن فحصل قولان فإن اختلفا في قيمة التالف قال الشافعي القول قول البائع لأنه هو المأخوذ منه الثمن، قال الربيع: في قول آخر: إن القول قول المشتري لأنَّ الشيء تلف في يده فكان القول قوله، والأول أصح، وأجود فإذا قلنا: لا يرد يرجع [٩٨ أ/٤]
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٩).
[ ٣ / ٩١ ]
بأرش العيب كما نص عليه هاهنا لأنه لحقه الضرر بالعيب والرد متعذر في الحال وهذا دليل لأحد الوجهين في مسألة اختلف فيها أصحابنا وهي أن الرجل إذا اشترى عبدًا ومات وخلف اثنين فوجدا بالعبد عيبًا فأراد إحداهما رد نصيبه بالعيب وأبى الآخر هل لمريد الرد وجهان، فإذا قلنا: ليس له ذلك هل يرجع بالأرش لهذا النص فإنه أثبت له الأرش مع توهم العود إلى ملكه، ومن أصحابنا من قال: إن تلفت الشاة في يد المساكين يرجع بالأرش، وإن كانت باقية لا ترجع بالأرش لأنه لا ييأس من الرد لتوهم رجوع الشاة المخرجة إلى ملكه فيتمكن من رد الكل وهذا اختيار كثير من أصحابنا، وإن لم يكن إخراج الزكاة أصلًا لا منها ولا من غيرها وأراد ردها ليس له ذلك لأن بعضها مستحق لغيره أو مرتهن بحق غيره كما لو رهن المبيع ثم وجد به عيبًا لا يرد وهو ظاهر "المختصر"، قال: لم يكن له ردها ناقصة عمَّا أخذه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة له ردها لأنه ردها كما أخذ وهذا غلط، لما ذكرنا وأيضًا لا يؤمن أن يتعلق به الساعي فيأخذ منه الزكاة إذا لم يقدر على المشتري فهو عيب [٩٨ ب/٤] من هذا الوجه.
فرع
لو رضي البائع بها فردها عليه صح ويطالب الساعي المشتري بزكاتها لأنها وجبت عليه في ملكه نص عليه في "الأم" (١)، فإنه لم يقدر على المشتري قد ذكرنا.
فرع آخر
لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العيب حتى يتخلص عن حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد فيه وجهان، إحداهما: يرد لقرب الوقت ووجود الرد عقيب العيب، والثاني: لا يرد لأن إخراج الزكاة هو اشتغال بغير الرد وهذا كله إذا كانت المبادلة صحيحة، فإن كانت المبادلة فاسدة فكل واحد منهما يزكي مال نفسه لأن ملكه لم يزل وهو قادر على انتزاعه من يد صاحبه، وإن كان قد سلم إليه ويخالف المغصوب لأنه محول دونه بيدٍ غالبةٍ، وقال أبو حنيفة: إذا باع وأقبض انقطع حول بناء على أصله أن البيع الفاسد يوقع الملك إذا اتصل بالقبض.
فرع
ذكره بعض أصحابنا بخراسان أنه لو أسامها المشتري بشرًى فاسد هل يلزم فيها الزكاة؟ وجهان: كالغاصب فإذا قلنا: يلزم هل يرجع على المشتري بها وجهان، بناء على الحلال إذا حلق شعر المحرم تلزم الفدية وهل يغرمها المحرم ثم يرجع بها على الحالق أم يطالب [٩٩ أ/٤] الحالق بها ابتداء قولان، وفي هذا نظر.
مسألة: قال (٢): ولو حَالَ الحوْلُ عَلَيْهَا ثمَّ بادَلَهَا أو بَاعَهَا.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢١).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٢٠).
[ ٣ / ٩٢ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له مال يجب الزكاة في عينه فباعه رب المال بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في الكل أم في البعض؟ هذه المسألة هي مبنية على أصلين، إحداهما: أن تجب الزكاة وقد ذكرنا ذلك، والثاني: تفريق الصفقة فإذا جمعت بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بطل البيع فيما لا يجوز وهل يجوز في الباقي قولان، فإذا تقرر الأصلان رجعنا إلى المسألة فلا يخلو إما أن يبيع الكل أو يبيع البعض فإن باع الكل اختلف أصحابنا في ترتيب المسألة فقال ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن الزكاة في العين لا تجوز في قدر الزكاة لأن المساكين ملكوا ذلك القدر فقد باع ملك الغير بلا إذن وهل يجوز في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فإذا قلنا: يفرق يجوز في الباقي، وإذا قلنا: لا يفرق لا يجوز في الباقي فإذا قلنا: يجوز فالمشتري بالخيار بين أن ينقص البيع لنقصانه وبين أن يجيزه فإن أجاز بكم نأخذ قولان إحداهما: بكل الثمن، والثاني: بحصته من الثمن وعلى هذا هل يثبت للبائع الخيار لانتقاض الثمن،؟ وجهان، وإن [٩٩ ب/٤] قلنا: الزكاة في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها صح البيع في الكل وإن أخرجها منها بطل البيع في ذلك القدر وهل يبطل فيما عداه قولان، على ما قدمناه، وقال أبو إسحاق: إن قلنا: الزكاة في العين هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان إحداهما: باطل لما ذكرنا وعلى هذا لو أخرج البائع الزكاة من غيرها لا يصح البيع لأنه ملكها من هذا الوقت فلا يصح البيع السابق الذي صادف ملك غيره وهل يصح البيع في الباقي؟ قولان، بناء على تفريق الصفقة.
والثاني: وبه قال أحمد البيع جائز لأن المساكين لم يملكوا ملكًا مستقرًا وهو على ملك رب المال، ولهذا له أن يدفع إليهم حقهم من موضع آخر من غير رضى أحد فإن أدى الزكاة من غيره علمنا أن ملكه لم يزل عن شيء منه، وإن البيع صحيح ولا خيار للمشتري لأنه بمنزلة عيب وجده ثم ارتفع ذلك قبل فسخ البيع وهذا القول هو الذي نص عليه هاهنا، وإن قلنا: إن الزكاة في الذمة والعين مرهونة بها ففيه قولان مخرجان إحداهما: البيع في مقدار الزكاة باطل لأنه بمنزلة من باع شيئًا مرهونًا ثم قضي الدين لا يصح البيع حتى يجدده بعد فك الرهن، والثاني: أنه صحيح لأن حق المساكين [١٠٠ أ/٤] تعلق بغير اختيار رب المال، فلا يمنع صحة البيع كبيع العبد الجاني يجوز في أحد القولين، وعلى هذا يكون موقوفًا فإن أدّى من غيره تم البيع وإن أدى من غيره بطل البيع في قدر الصدقة وهل يبطل في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فسّوى أبو إسحاق بين القول الذي يقول: الزكاة في العين والقول الذي يقول: الزكاة في الذمة في أن في إفساد البيع في قدر الزكاة قولين، وقال بعض أصحابنا: إذا جوّزنا البيع ثم أدى الزكاة من عينها أبو بطل البيع في مقدار الزكاة لا يبطل في الباقي قولًا واحدًا لأن هذا فساد طرأ بعد صحة العقد والفساد الطارئ بعد القبض هل يجعل في حكم الفساد الموجود عن العقد وجهان، فإن قلنا: لا يجعل يصح البيع هاهنا في الباقي قولًا
[ ٣ / ٩٣ ]
واحدًا، ومن أصحابنا بخراسان من قال: في محل الزكاة طريقان إحداهما: قولان إحداهما: تجب في الذمة ولها تعلق بالعين، والثاني: يتعلق بالعين وفي كيفيته ثلاثة أقوال، أحدها: على معنى الشركة، والثاني: كتعلق الجناية، والثالث: كتعلق حق المرتهن بالرهن، والطريقة الثانية ذكرها ابن سريج قول واحد يتعلق بالعين وفي كيفيته قولان، فإما أن تجب في [١٠٠ ب/٤] الذمة فليس بمذهب الشافعي هذا إذا كانت الزكاة من جنس المال فإن كانت من جنس آخر كالشاة في خمس من الإبل فإن قلنا هناك أنها تجب في الذمة فهاهنا أولى وإلا فقولان فإذا قلنا: في الذمة فبيع كل المال لصح وللمشترى الخيار فلو أخرج رب المال الزكاة من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، إحداهما: يسقط لأنه لم يزل ملكه. والثاني: لا يسقط لأنه يقول لا آمن أن أخرج ما أخرج مستحقا فيرجع إلّي الساعي ويأخذ من الواجب وإن قلنا يتعلق بالعين على معنى الشركة بطل البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلا أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلى أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الكل لأن الواحد المستحقة هي غير متعينة، وإن قلنا: كتعلق أرش الجناية هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان، كبيع العبد الجاني فإذا قلنا يصح له الخيار فلو أخرج من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، على ما ذكرنا. وإن قلنا كتعلق حق المرتهن لا يصح البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي على ما ذكرنا وهذا كله في المواشي فأما المعشرات فكل موضع أجزنا البيع في المواشي فهاهنا أولى وكل موضع أبطلنا البيع هناك فهاهنا قولان بناء على التعليلين [١٠١ أ/٤] في منع تفريق الصفقة فإن قلنا: العلة أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام لا يجوز هاهنا أيضًا في الكل وإن قلنا إن العلة أنه يؤدي إلى جهالة الثمن حالة العقد يجوز هاهنا لأن ما يقابل قدر الزكاة من الثمن معلوم وهو العشر فإن الأجزاء لا يختلف ثمنها.
فرع
لو وجبت الزكاة في ماله فباع بعضه فإن قلنا بيع الكل يجوز فهاهنا أولى أن يجوز وإن قلنا لا يجوز هناك فهاهنا وجهان، إحداهما: يجوز لأن قدر الزكاة غير مبيع. والثاني: لا يجوز لأن حق المساكين متعلق بكل المال وشائع فيه لا يختصر ببعض دون بعض كحق الجناية يشيع في رقبة العبد وهذا أصح عندي.
فرع آخر
لو وجبت الزكاة في أربعين شاة فقال بعتك هذه الأربعين إلا شاة منها ولم يشر إليها فإن اختلفت الشياه فالبيع باطل للجهل وإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الأوصاف ففيه وجهان، إحداهما: يجوز البيع لأنَّها إذا كانت بهذا الوصف شابهت الحبوب. والثاني: وهو الأظهر لا يجوز لأنها تختلف في السمن والحبوب متماثلة الأجزاء. وهذان الوجهان هما مخرجان من اختلاف قولي الشافعي في جعل إبل الدية صداقا
[ ٣ / ٩٤ ]
ذكره في "الحاوي" (١).
مسألة: قال (٢): ولو [١٠١ ب/٤] قال أصدقها أربعينَ شاةٍ.
الفصل
وهذا كما قال إذا أصدق امرأته أربعين شاة معينة فقبضتها أو لم تقبضها فقد ملكتها بعقد النكاح ملكًا صحيحًا فإذا حال الحول عليها وهي في يدها أو في يده وجبت عليها فيها شاة، وقال أبو حنيفة لا زكاة في الصداق غير المقبوض لا عليها ولا على الزوج قبل الدخول ووافقنا أنه لو اشترى أربعين شاة فلم يقبضها حتى حال الحول وهي في يد البائع تجب الزكاة فيقيس عليه. ومن أصحابنا من قال في المبيع قولان كالمال المغصوب لأنه لا يتمكن من التصرف فيه وهذا غلط لأنه يمكن التصرف فيه بدفع الثمن كالوديعة، فليس فيه إلا قول واحد وحكي عن القفال أنه قال: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه ناقص الملك فيه بدليل أنه لو تصرف فيه بإذن البائع أو أذن للبائع بالتصرف فيه لا يجوز بخلاف المغصوب فإنَّه لو أذن المالك الغاصب بالتصرف فيه يجوز، وكذلك لو باعه ممن تقدر عليه يجوز وهذا خلاف النص. فإذا تقرر هذا فلو طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الغنم فإن كانت المرأة أخرجت الشاة من غيرها رجع بنصفها قولًا واحدًا. فإن قيل: قلتم إذا وهب لابنه شيئًا فخرج عن ملكه ثم عاد إليه [١٠٢ أ/٤] ملكها لما أخرجت الزكاة من غيرها قيل: هاهنا لو قلنا لا يرجع بنصفها فلا حاجة أن يرجع بنصف قيمتها والعين أقرب إلى حقه من القيمة لأن طريق القيمة هو الاجتهاد وقد يخطئ المجتهد ويصيب فكانت العين أولى وليس كذلك الواهب لأنَّه إذا لم يرجع لم يحتج أن يرده إلى القيمة فافترقا، ولأن حق الزوج في الرجوع لأنه لو تلفت العين لا يسقط حقه وحق الوالد يسقط بالتلف فافترقا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا تتعلق الزكاة على طريق الشركة هل يبطل حقه من العين وجهان، بنًاء على ما لو زال ملكها ثم عاد الملك إليها ثم طلقها هل ترجع بنصف العين وجهان، ألا أن الشاة التي أعادها إلى ملكه غير متعينة فأحد الوجهين حقه في نصف قيمة الكل. والوجه الثاني: حقه في نصف العين باق وإن أخرجت الشاة منها فبماذا يرجع عليها، فاعلم أن الشافعي قال: في رجل أصدق امرأته عبدين فهلك إحداهما ثم طلقها بماذا يرجع قولان، إحداهما: يرجع بالموجود ويكون التالف من ملكها. والثاني: نقله الربيع أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف. وقال لو أصدقها إناءين فانكسر إحداهما [١٠٢ ب/٤] ثم طلقها قبل الدخول فيه قولان، إحداهما: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف أو يرد ويأخذ نصف القيمة من الموجود والتالف، فحصل في مسألتنا ثلاثة أقوال: أحدها: يرجع الزوج بعشرين شاة وهو ظاهر النص هاهنا وهذا إذا كانت قيمة الشياه متساوية، فأما إذا تفاوتت فإنه يرجع بنصف الشياه من الموجودة على التقسيط
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ١٩٩).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٢٠).
[ ٣ / ٩٥ ]
بالقيمة. والثاني: يرجع بتسع عشرة شاة ونصف شاة ونصف قيمة شاة وهي التي أخرجتها لأن الصداق كله لو كان موجودًا لأخذ نصفها، ولو كان مفقودًا كله لأخذ نصف قيمتها فإذا كان بعضه موجودًا وبعضه تالفًا يكون حكم كل واحد منهما كما لو انفرد. والثالث: أنه بالخيار بين أن يرجع بنصف قيمة الجميع ويترك الكل أو يرجع بنصف الموجود من الشياه ونصف قيمة التالف لأنه قد مضت الصفقة عليه فكان الخيار وإن طلقها ولم يكن أخرجت الزكاة منها ولا من غيرها واقتسماها نصفين فإن قلتا إن الزكاة استحقاق جزء من العين فهي بمنزلة المال بين ثلاثة شركاء اقتسمه شريكان دون الثالث فلا تصح القسمة فعلى هذا يصير كأنهما لم يقتسما ويصير الحكم موقوفًا على أداء الزكاة منها أو من [١٠٣ أ/٤] غيرها على ما بيناه. وإن قلنا إن الزكاة تجب في الذمة والمال مرهون بها فالقسمة صحيحة لأن قسمة المال المرهون تصح إذا لم يدخل بها ضرر على المرتهن وليس على الفقراء ضرر في ذلك فإذا جاء الساعي أخذ من نصيب المرأة لأنها وجبت عليها فإن لم يجد في يدها شيئًا ووجد في يد الزوج ما أخذه فإنه يأخذ منه شاة لأن الجميع كان مرهونًا به، فإذا أخذها فهل تبطل القسمة وجهان، إحداهما: لا تبطل وهو الصحيح لأن هذا الاستحقاق طارئ بعد القسمة الصحيحة فعلى هذا يرجع الزوج عليها بقيمة الشاة. والثاني: تبطل القسمة لأنه استحق ذلك بسبب سابق فيصير الاستحقاق حال القسمة فتبطل القسمة ويصير كأنه وجد تسع عشرة شاة. فالحكم على ما ذكرنا ولو طلقها قبل الدخول قبل عام الحول ولكن لم يقتسما حتى تم الحول فعليها نصف شاة لأن ما بقي بها كان مخالطًا في بعض الحول بملكها وفي البعض بملك الزوج. والزوج يستأنف حولًا من يوم عاد إليه النصف بالطلاق، وهكذا لو أصدقها نصابًا من سائر ما يجب في عينه الزكاة.
فرع
لو أصدقها أربعين شاة بغير أعيانها لا صدقة عليها لأنه لا زكاة [١٠٣ ب/٤] في الحيوان إلا بشرط السوم وذلك لا يوجد فيما في الذمة. ولو أصدقها نصابًا من النقد فحال الحول وجبت الزكاة عليها لأنه يثبت في الذمة على الوصف الذي يجب فيه الزكاة فكان كالغير.