قال الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، وذكر الخبر. وهذا كما قال جملته: أن المسح على الخفين جائز، وبه [٢٣٧ ب/١] قال عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس - ﵃ - وقال الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه أنه مسح على الخفين، وقال النخعي: من رغب عن المسح على الخفين، نقد رغب عن سنة محمد ﷺ وبه قال عامة الفقهاء، وقالت الشيعة، والخوارج: لا يجوز المسح على الخفين.
وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود، وهو رواية ابن أبي ذنب، عن مالك أنه أبطل المح على الخفين في آخر أيامه. وروى الشافعي عنه أنه قال: يكره ذلك، وعنه رواية ثالثة أنه يمسح في السفر دون الحضر، وهو الصحيح عنه، ويحتج بأن النبي ﷺ والصحابة محسوا في السفر درن الحضر، وعنه رواية خامسة أنه يمسح أبدًا من غير تأتيت، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه رواية سادسة مثل قولنا، والدليل على كلهم
[ ١ / ٢٨٢ ]
ما روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن أمية الضمري، أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
وروى أبو داود في سننه، عن جرير بن عبد الله أنه بال، ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له [٢٣٨ أ/١] أتقول هذا فقال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله. مسح. فقيل قبل نزول المائدة أو بعدها فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وروى بلال أن رسول الله ﷺ ترنحا فغل وجهه ويديه مسح برأسه ومسح على خفيه وروى أبو بكر أن رسول الله ﷺ. أرخص للماخر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن
يمسح عليهما. ويدل على خبر صفوان بن غسال المرادي، وقد تقدم ذكره.
وروي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: سكبت الماء على يدي رسول الله ﷺ فتوضأ إلى أن قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان" ثم مسح عليهما.
واحتجوا بما روى ابن مسعود - ﵁ - أن النبي ﷺ مسح على الخفين فقال له علي بن أبي طالب - ﵁ - قبل نزول المائدة أو بعدها، فسكت ابن مسعود، وهذا يدل على أن علي بن أبي طالب - ﵁ - كان يعتقد أنه لا يجوز. وروى عن علي ﵁ - أنه قال: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر الغير. قلنا: أما قول علي استفهام لا تعجب وإنكار [٢٣٨ ب/١] بدليل أنا روينا عنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه خطوطًا بالأصابع. ويحتمل أنه ذكر ذلك امتحانًا وكان تأخر عن بيعته فقصده. وأما قول عائشة: لعلها أرادت بعد ما نزع الخف المنزوع وظهر الغير سواء، فإن قاسوا على البرقع والقفازين، قلنا: لم يجز العادة بهما غالبًا، ولا يشق تنحية العمامة قليلًا، ويشق نزع الخف عند كل وضوء فافترقا.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ".
[ ١ / ٢٨٣ ]
الفصل
وهذا كما قال نص الشافعي في الجديد: أن المسح على الخفين مؤقت فالمقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وبه قال علي، وابن عباس، وعطاء، وشريح، وجماعة الفقهاء، وقال مالك: يمسح المسافر بلا توقيت في الرواية الصحيحة والمقيم كذلك في الرواية الضعيفة، وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، والليث، وربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي وحكي الزعفراني أن الشافعي كان يقول بهذا: إلا أن يجب عليه غسل الجنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر، فقيل: في المسألة
قولان، وقيل: قول [٢٣٩ أ/١] واحد أنه مؤقت، واحتجوا بما روي عن أبي عمارة، وكان قد صلى مع النبي ﷺ القبلتين - ﵁ - أنه قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين، قال: نعم قلت: يومًا. قال: نعم. قلت: وثلاثة أيام، قال: نعم وما شئت. وروي: وما بدا لك قلت وروي أبو داود في هذا الحديث حتى بلغ سبعًا، وقال أنس - ﵁ - قلت: يا رسول الله لم أمسح على الخفين فقال: ما دامتا في رجليك.
وروي عن عمر - ﵁ - أن وفدًا قدموا عليه فقال لهم: منذ كم تمسحون على الخف؟ فقالوا: منذ جمعة. فقال: أصبتم سنة نبيكم. وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: رخص رسول الله ﷺ للمسافر أن يمسح ثلاث أيام ولو استزدناه لزادنا. ولأنه مسح بالماء فلا يتعدر كمسح الرأس قلنا: نقابل بخبر أبي بكرة على ما ذكرنا فحد يحد، والتحديد يمنع النقصان والزيادة، ولم يمنع النقصان ههنا فدل أنه يمنع الزيادة، وروى علي - ﵁ - أن النبي ﷺ "جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم" وأما خبر أبي عمارة فرواه محمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، وهما ضعيفان إذ لم يرويه في مدة واحدة، بل أراد بتجديد الوضوء عند [٢٣٩ ب/١] انقضاء كل مدة وهذا كقوله ﷺ "التراب كافيك ولو لم يجد الماء عشر حجج" أراد إذا تيمم كل مرة.
وأما حديث خزيمة فوهم منه ولا حكم للوهم، وأما مسح الرأس أصل لا يشبه البدل بخلاف هذا، بدليل أنه لو نزع الخف بطل المسح.
فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن ما قيل من الحدث من وقت اللبس لا يحتسب من وقت المسح. وأما ما بعد الحدث اختلف العلماء فيه، فعندنا أنه يعتبر ابتداء المدة من وقت الحدث، فإذا مضت المدة من ذلك الوقت انقطع حكمه، ولا يجوز له بعد ذلك
[ ١ / ٢٨٤ ]
أن يمسح سواء كان قد مسح أو لم يمسح، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وقال الحسن: ابتداؤه من وقت لباس الخفين، وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود يعتبر ابتداء المدة من وقت المسح هو الحدث.
وحكي القفال، عن أبي ثور أنه قال: الاعتبار بخمس صلوات، فلو قضي المقيم خمس صلوات في مكان واحد انقضى حكمه، وإن صلاها في أوقاتها، فإذا صلى آخر الصلوات انقطع حكم المسح.
واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" فلو اعتبر من وقت الحدث لم يمكنه أن يستوعب هذه المدة بالمسح، ولأن الاعتبار في [٢٤٠ أ/١] اختلاف المدة بالسفر والحضر. يفعل المسح لا بالحدث، لأنه لو مسح في الحضر، ثم سافر فإنه لا يمسح إلا مسح المقيم، ولو أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح له أن يمسح ثلاثة أيام، فكذلك اعتبار المدة بالمسح، وهذا غلط، لأن الله تعالى أمر بغسل الرجل، فظاهره أن غسل الرجل واجب بكل حال قام الدليل على جواز المسح من وقت الحدث، وما بعد ذلك على الظاهر، وروي القاسم ابن زكريا المطرز في حديث صفوان بن عسال من الحدث إلى الحدث لأن العبادة يدخل وقتها بالزمان وبمضي الوقت، فإن لم يكن منه فعل العبادة ألا ترى أن في الجمعة جوز الاقتصاد على ركعتين في وقتها، ولو ذهب الوقت زال هذا الحكم كذلك ههنا، ولأن بعد الحدث زمانًا يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح.
وأما الخبر الذي ذكر، وقلنا لم يرد به أنه يستعمل المسح طول هذه المدة؛ لأن بين المستحين مدة محسوبة بالإجماع، كذا قبل المسح الأول.
وأما الدليل الآخر قلنا: لا يمتنع الفرق كما لو شرع في الصلاة ثم جرت السفينة إلى السفر صلى صلاة الحضر، ولو سافر بعد دخول وقت الصلاة ثم افتتح الصلاة صلى صلاة المسافر، ثم إن دخول الوقت بالزمان لا بالفعل كذلك ها هنا.
وأما قول أبي ثور [٢٤٠ ب/١] وينسب إلى داود فباطل، لأن النبي ﷺ ذكر المدة ولم يذكر الصلوات. فإذا تقرر هذا، فالمقيم يصلي بطهارة المسح خمس صلوات في العادة، لأنه إذا أحدث مع الزوال، ثم مسح صلى الخمس، فإذا جاء وقت الزوال من غده انتهت المدة، وقد يصلي ستًا بأن يكون وقت الحدث عبد الزوال بساعة ثم يمسح، ويصلي الظهر والعصر والصلوات بعدها. فإذا زالت الشمس من غده له أن يصلي الظهر بطهارة المسح، لأن وقت الحدث ماجاء بعد فتكون الصلوات ستًا، وقد يكون سبعًا لعذر المطر، فإن تقدم العصر إلى وقت الظهر في اليوم الثاني فيصليهما معًا قبل وقت الحدث بالأمس، والمسافر يصلي في العادة خمس عشرة، وست عشرة من غير جمع، وعند الجميع سبع عشرة على ما فصلناه.
فرع
لو أحدث، ومسح، وصلى، ثم شك هل كان وقت الحدث مع الزوال إذا دل وقت
[ ١ / ٢٨٥ ]
العصر. قال في "الأم" أخذ بالاحتياط فتعتبر المدة من حين الزوال.
وقال المزني في الجامع: تعتبر المدة من وقت العصر، لأن الأصل المسح فلا يزول بالشك، وهذا غلط لأن الأصل وجوب غسل الرجلين والمسح رخصة، فلا تجوز الرخصة بالشك.
فرع آخر
قال في "الأم": لو استيقن أنه مسح [٢٤١ أ/١] وصلى ثلاث صلوات وشك هل صلى الرابعة أم لا؟ لم يكن له إلا أن يجعل نفسه كأنه صلى بالمسح الرابعة لا يصلى بمسح مشكوك فيه، وصورته أنه شك هل كان أحدث في وقت الظهر ومسح وصلى الظهر بالمسح، أو لم يحدث وقت الظهر ولم يصل الظهر، وإنما أحدث وقت العصر، ومسح وصلى العصر بالمسح، ونسي فعل الظهر فيلزمه أن يحتسب مدة المسح من وقت الظهر، لا من وقت العصر، ويعيد الظهر احتياطًا، لأن الأصل أنه لم يصل الظهر، والأصل وجوب غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا باليقين.
فإن قيل: إذا كانت صورته هذا فلم قال الشافعي وشك أصلى الرابعة أم لا، وإنما الشك في الصلاة الأولى؟ قلنا: الشافعي: لم يعدها على ترتيب أوقاتها وإنما سماها رابعة من طريق العدد.
مسألة: "فَإِنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى بَعْدَ ذِهَابِ وَقْتِ الْمسح أَعَادَ غُسْلَ رِجْلَيْهِ والْصَّلاَةِ".
وهذا كما قال: إذا مضت مدة المسح في حق المقيم أو المسافر انتقض مسحه، فإن كان في الصلاة بطلت صلاته، وإن كان في غير الصلاة أو فيها فنزع خفين فهو كما لو نزع قبل انقضاء المدة، هل عليه استئناف الوضوء؟ قولان على ما نذكره إن شاء الله. وقال الحسن البصري: له أداء [٢٤١ ب/١] الصلاة بالمسح السابق إلى أن يحدث، وقال داود: ليس له أداء الصلاة بالمسح بعد انقضاء المدة ما دامت الرجل في الخف، فإن نزع الخف يجوز أن يصلي حينئذ، وإن لم يغسل الرجلين ما لم يحدث وهذا غلط لخبر صفوان بن
عسال فإنه قال في آخره: لكن من بول، أو غائط، أو نوم، ثم يحدث بعد ذلك وضوءًا، ولأن هذه الطهارة لما انتهت إلى حالة لو أحدث لم يجز أن يبتديها لم يجز استدامتها كما لو وجد المتيمم الماء.
مسألة: قال "وَلَوْ مَسَحَ في الْحَضَرِ يُمَّ سَافَر أَتَّمَ مَسْحَ مُقِيٍم".
وهذا كما قال الكلام الآن فيما لو اجتمع الحضر والسفر، فإذا تطهر فلبس خفيه ثم سافر لا يخلو، إما أن يسافر قبل الحدث أو بعده، فإن سافر قبل الحدث، ثم أحدث في السفر فابتدأ المدة من الحدث فيمسح مسح مسافر ثلاثة أيام من الحدث، وإن سافر
[ ١ / ٢٨٦ ]
بعد الحدث لا يخلو إما أن يسافر قبل المسح أو بعده، فإن سافر قبل المسح نُظر، فإنه كان قبل فوات وقت الصلاة مثل إن أحدث مع الزوال وسافر قبل خروج وقت الظهر، ثم مسح في السفر مسح مسح مسافر. وقال المزني. يمسح مسح مقيم، لأن ابتداء المدة كان في حال الإقامة.
وقال القاضي [٢٤٢ أ/١] الطبري: لا يوجد هذا عن المزني، وله يدل على خلاف هذا، والدليل عليه أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، فكان كيفية فعلها معتبرًا بحال الفعل لا بابتداء وقتها كالصلاة، وينكسر معناه بهذا، وإن سافر بعد خروج وقت الظهر ثم مسح في السفر، فإنه يصلي الظهر صلاة حضر لأنها صارت قضاء، والمسح يكون مسح مسافر. وقال أبو إسحاق، والمزني: يمسح، مسح مقيم، لأن خروج وقت الصلاة هو بمنزلة التلبس بفعل الصلاة في وجوب إتمامها، فكذلك في المسح، وهذا غلط لأنه سافر قبل التلبس بالمسح فيمسح مسح المسافر كم لو سافر في الوقت، ويفارق الصلاة لأنها تفوت بانقضاء وقتها ويستقر قضاؤها في الذمة، والقضاء مثل الأداء، والمسح لا يقضي بل كل حال يؤتي به يكون أداء فاعتبر بحال فعله، وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم يومًا وليلة من الحدث، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: والثوري: يمسح مسح مسافر، وهذا غلط لأنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كالصلاة [٢٤٢ ب/١] إذا دخل فيها مقيمًا، ثم سافرت السفينة، وصار مسافرًا يصلي صلاة المقيم، وقال المزني: يبني إحدى المدتين على الأخرى ويقسط ذلك على الزمان، فإن كان مقيمًا فمضى من هذه الإقامة ثلثها من حين الحدث إلى أن سافر فله أن يمسح من السفر يومين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقي من مدة الحضر، وهو ثلثا يوم وليلة، وهذا غلط لأنه إذا اجتمع السفر والحضر في العبادة، إما أن يغلب حكم الحضر
دون السفر أو السفر دون الحضر، والجمع بينهم محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يصلى المسافر ركعة من الظهر، ثم نوى الإقامة فيضيف إليها ركعتيه فيصلي الظهر ثلاثًا وهو خلاف الإجماع، ولو لبس الخفين مسافرًا، ثم أقام يغلب حكم الحضر، ويمسح مسح المقيمين، فإن أقام قبل انتهاء يوم وليلة أكملها، وإن أقام بعد انتهائها بطل حكمه، وبه قال جماعة الفقهاء، وقال المزني: ههنا أيضًا يبني إحدى المدتين على الأخرى، فإن كان قد مضى يوم وليلة، ثم أقام، فقد مضى ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا اليوم في الحضر ثلثي هذه المدة فيصلي بعد ذلك المسح [٢٤٣ أ/١] ثلثي يوم وليلة.
فرع
لو سافر، ثم شك ها أنشأ المسح في الحضر أو في السفر أخذنا بالاحتياط، وهو أنه أنشأه في الحضر، فإن ذكر أنه أنشأه في الحضر فقد تحقق ذلك، وإن ذكر أنه أنشأه في السفر كان له إكمالها ثلاثًا من الحدث، وليس هذا كمن شك في صلاته، هل نوى القصر أم لا؟ يلزمه الإتمام، فول زال شكه في الحال لم يجز له إلا الإتمام؛ لأن الصلاة يرتبط بعضها ببعض، فإذا لزمه الإتمام في بعضها لزمه في كلها، والمسحات
[ ١ / ٢٨٧ ]
بخلاف ذلك، لأنه لو حصلت مسحة بماء نجس أو بغير نية لم تؤثر في غيرها، فإن صلى بعد يوم وليلة، وشكه قائم، فالصلاة باطلة وعليه إعادتها سواء بقي على الشك أو زال، وعرف أنه أن له مسح المسافر، لأنه صلى بالشك فصار كما لو شك في الزوال فصلى الظهر، ثم بان له دخول الوقت حين الصلاة لم يجز. قال القفال: وعلى هذا الذي ذكرنا، قال الشافعي: المستحاضة إذا توضأت، ثم شكت في انقطاع دمها ليس لها أن تصلي ما لم تتوضأ ولا يقال الأصل أن الدم سائل بل يقال: الأصل أن من أحدث عليه الوضوء إلا أنه جوز لهذه أن تصلي مع الحدث للضرورة، فإذا شكت في زوال الضرورة أو بقائها [٢٤٣ ب/١] فالأصل عدم الضرورة ووجوب الوضوء، وكذلك قال الشافعي: إذا سافر بنية بلده فدخل بعض البلاد، فلم يدر أنها البلدة التي قصدها أو لا يقصر، لأن الأصل أن الصلاة أربع فلا يجوز دونها إلا بيقين.
فرع آخر
الماسح على الخفين إذا لم يبق من وقت مسحه مقدار ركعتين فافتتح الصلاة ركعتين هل يصح الافتتاح، ثم يبطل عند انقضاء المدة أو لا يصح أصلًا؟ قال والدي - ﵀ -: فيه وجهان، وفائدة الوجهين أنه لو افتتح الرجل خلفه وفارقه عند انقضاء المدة هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَوَضَّأَ فَغسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ ثم أَدْخَلَهَا الْخُف".
الفصل
وهذا كما قال: المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على كمال الطهارة، وهو أن يفرغ بين وضوءه ويستبح الصلاة، ثم ابتدأ بلبس الخفين، فإن لبس خفيه قبل غسل رجليه، ثم غسلهما في خفيه لا يجوز المسح، ولذلك لو غسل إحدى رجليه، فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى فأدخلها الخف لا يجوز له المسح إذا أحدث، لأنه ابتدأ بلبسه قبل كما الطهارة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، والمزني، وابن المنذر [٢٤٤ أ/١] وداود: يجوز له المسح في كلا الموضعين. قال المزني: كيف ما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي، وهذا هو الحجة عليه، وعلى أبي حنيفة؛ لأن النبي ﷺ إنما أرخص في المسح لمن تطهر فلبس خفيه، وها هنا تطهر بعد لبس الخفين، أو لبس الخف الأول قبل كمال الطهارة. فإذا تقرر هذا، فلو نزع الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عند الشافعي؛ لأن الثانية صارت أولى بعد كمال الطهارة، وقال ابن سريج: إذا نزع الأول يلزمه نزع الثاني كما لو لبسا على الطهارة وأحدث ثم نزع أحدهما يلزمه نزع الآخر وبه قال أحمد وهذا غلط كما ذكرناه ومثاله ما نقول في المحرم إذا اصطاد
[ ١ / ٢٨٨ ]
صيدًا، فإنه يؤمر بإرساله لحرمة إحرامه، فلو لم يرسل حتى حل من إحرامه فالأمر بالإرسال باق أخذه في وقت لم يكن له أخذه فيه، فإن أرسله، ثم أخذه في الحال حل له حينئذ؛ لأن هذا أخذ جديد بعد الإرسال والإحلال، فكذلك ها هنا إذا نزع الأول ثم لبسه بعد حصول غسل الرجل فهذا اللبس حصل منه على كمال الطهارة، وفي الأول كان قبل إكمال الطهارة [٢٤٤ ب/١] فلا يحتاج إلى نزع الثاني وجاز له المسح.
مسألة: قال: "وَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّ شَيْءٌ بَانَ مِنْهُ الْرَّجُلٍ، وَإٍنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ".
وهذا كما قال. الكلام الآن في صفة الخف الذي يجوز المسح عليه، وهو الذي يواري به قدميه، وقوله: مقدم الخف، أراد به موضع القدم، ولم يرد به المقدم الذي هو ضد المؤخر، فإن تخرق منه شيء نُظر، فإن كان مقابلًا لمحل الفرض. قال في "الجديد": لا يجوز المسح قليلًا كان الخرق أو كبيرًا من موضع أو من غيره، وبه قال أحمد،
والحسن بن صالح، وقال في "القديم": يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي فيه، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
وقال مالك: إن كثر الخرق وتفاحشه لم يجز وإلا جاز، وبه قال الليث: وقيل: هو قول الشافعي في "القديم" وهو قريب مما تقدم. وحكي عن مالك والقديم أنه يجوز إن كان يقع عليه اسم الخف، ويروي هذا عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع إذا كثر لا يجوز المسح وإلا فيجوز. قال أبو يوسف قال أبو حنيفة: لأن الثلاث هي أكثر الأصابع [٢٤٥ أ/١] وهذا كله غلط؟ لأنه خف غير ساتر لجميع القدم فلم يجز المسح عليه، كما لو زاد على ثلاث أصابع، فإن قيل: اسم الخف يقع عليه ورود الشرع لجواز المسح على الخف. قيل: أراد به خفًا يستر جميع القدم، بدليل أنه لو زاد على ثلاث أصابع لا يجوز، وإن كان يسمى خفًا.
فرع
لو انفق منه شيء غير مقابل لمحل الفرض، مثل إن قابل الساق أو ما جاوز الكعبين لم يمنع المسح، وإن قطع الخف من فوق الكعبين نُظر، فإن كان واسعًا شاهد الكعبان لم يجز، وإن كان ضيقًا لا يشاهد لضيقه أو كان واسعًا فشده جاز المسح، ولو كان يظهر القدم لمن نظر في الساق لسعة الساق من الأعلى.
قال القفال: لا يضره ويجوز المسح، كما لو بدا من عورته شيء كخرق في قميصه، فإنه لا تجوز الصلاة، ولكن لو صلى على طرف سطحه بحيث لو نظر ناظر من تحته رأي عورته تجوز صلاته، لأنه لا يجب عليه ستر عورته من الأرض.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فرع
لو كان في الخف خرق وفيه جورب يواري القدم لم يجز المسح؛ لأن الخف ليس هو بجورب، ولولا الجورب بدا رجله نص عليه في "الأم".
فرع آخر
قال: لو انفتقت ظهارة الخف وبطانته صحيحة لا يرى [٢٤٥ ب/١] منها قدمه جاز المسح له، لأن هذا خف كله. وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا كانت البطانة صفيقة، مثل أن يكون جلدًا أو خرقًا ألصق بعضها ببعض، فأما إن كانت البطانة رقيقة لا يمكن متابعة المشي عليها لا يجوز المسح عليه.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نص الشافعي وما يوجب تعليله، ولهذا لو كان الخف طباقًا واحدًا فتشقق ظاهره ولم ينفذ فإنه يجوز المسح عليه ويخالف اللفافة، لأنها منفردة عنه، وقال الشافعي بعد هذا: "وكذلك كل شيء ألصق بالخف فهو منه".
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ إَلاَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبانِ مُجَلَّدَتِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ".
وهذا كما قال ساتر الرجل يحتاج إلى ثلاثة شرائط ليجوز المسح عليه: أحدهما: أن يكون ساترًا لجميع القدم إلى ما فوق الكعبين. والثاني: أن يكون صفيقًا لا يشف الماء لصلابته وصفاقته حين يصب عليه بل يرد الماء. والثالث: أن يمكن متابعة المشي عليه في الحوائج ولا يشترط أن يمكن مشي الفراسخ عليه، ولا يعتبر بمن في رجله علة تمنعه من ذلك. فإن تقرر هذا ينظر في الجوربين، فإن كان رقيقين غير مجلدين ولا منعلين لم يجز [٢٤٦ أ/١] المسح عليهما، وقال أحمد وإسحاق: يجوز المسح إذا كان صفيقًا، وبه قال عمر، وعلي - ﵄ - وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، وداود، واحتجوا بما روي هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أن النبي ﷺ بال وتوضأ ومسح على الجوربين والنعلين. وروي أبو موسى أن النبي ﷺ كان يمسح الجوربين، وروي أنس أنه مسح على قلنسوته وعلى جوربيه. وهذا غلط؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه كالخرقة الملفوفة على الرجل.
وأما خبر الغيرة قلنا: طعن فيه عبد الرحمن بن مهدي، وقال: المعروف عن الغيرة المسح على الخفين ثم نحمله على النعل، ولأنه ذكر فيه النعلين ولا يقولون به، وأما خبر أبي موسى قال أبو داود: ليس بالقوي ونحمله على ما ذكرنا، وإن كانا مجلدي القدمين إلى فوق الكعبين منعلين من أسفل يجوز المسح عليهما قولًا واحدًا، وإن كانا غير مجلدين، ولكنهما صفيقان ظاهر ما نقل المزني أنه لا يجوز
[ ١ / ٢٩٠ ]
المسح عليهما. وقال في "الأم": ونقله الربيع: إنه يجوز إذا كان أعلاهما صفيقًا لا يشف [٢٤٦ ب/١] لأنه لا يصل تلك المسح عليه لصفاقته، ويمكنه متابعة المشي عليه، فمن أصحابنا من قال فيه قولان،
والصحيح أنه يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، والاعتبار بأن يكون صفيقًا منعلًا، وبينه الشافعي في "الأم" صريحًا، وأراد به المزني: الجور بين المعتادين وهو أن يكونا رقيقين، وإن كان مجلدين غير منعلين. قال القفال: إن كانا تجليدًا غليظًا يمكن متابعة المشي عليه وإلا فلا، وقال الإمام أبو محمد الجويني: لا يختلف المذهب في المنع من ذلك حتى يكونا منعلين فظاهر لفظ المزني يوهم أنه يجوز، وإن لم يكونا منعلين ولكنه استدرك هذا بآخر كلامه حين قال: حتى يقوما مقام الخفين. وهو ظاهر ما ذكره أهل العراق، وعلى هذا لو كان الجورب متخذًا من السختيان كجورب الصوفية إن كانا ملصقًا بالنعلين ينزعه بنزعهما يجوز وإلا فلا يجوز، الأمر عندي على ما ذكره القفال - ﵀ - ولعل غيره شرط أن يكون منعلًا لإمكان متابعة المشي عليه، وهذا يؤخذ على ما صوره فليس فيه خلاف في الحقيقة.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز المسح على الجوربين أصلًا، وهذا غلط لأنه في معنى الخف على [٢٤٧ أ/١] ما ذكرنا، وحكي عن بعض العلماء أنه لا يجوز المسح على الخفين إذا لم يكن له ساق وهو غلط أيضًا كما ذكرناه.
فرع
لو لبس خفًا بشرج وهو الذي يكون قدمه كقدم الخف وما علامته جلود قال في "الأم": إن كان الشرج فوق الكعبين جاز المسح عليه سواء شرحه أو لم يشرحه، لأن عدمه لا يمنع المسح فوجوده مشترطًا أولى أن لا يمنه، وإن كان الشرج على موضع الغسل. قال الشافعي: فإن كان فيه خلل يرى شيء من القدم أو من اللفافة فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل فإنه يجوز المسح عليه، لأنه إذا مشي أو تحرك انفرج وظهرت اللفافة.
فرع آخر
لو كان له شرج يفتح ويغلق فمسح عليه، وهو مغلق، ثم فتحه بطل المسح، وإن لم يبن شيء من اللفافة؛ لأنه إن لم يبن في الحال، فإذا مشى بان منه ذلك،
مسألة: قال: "وَمَا لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبِّ ومَا قَامَ مَقَامَهُ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال. السنة وإن قدرت في الخف المعتاد فغيره مقيس عليه، فإذا لبس خفًا من خشب رقيق يمكن متابعة المشي عليه لغلظه ثم يجزأ، إذ لا فرق بين أن لا يمكن متابعة
المشي عليه لرقته ولغلظه، وكذلك الخف من اللبد أو الخرق، إذا كان منعلًا
[ ١ / ٢٩١ ]
وأعلاه صفيقًا يجوز المسح [٢٤٧ ب/١] عليه، وإلا فلا يجوز، لأنه يكون جوربًا، وقال القفال: أكثر يتقرر خف الخشب المقطوع، فإن كان مقطوعًا من فوق الكعبين لا فرص عليه، فلو لبس في رجله الآخر خفًا، ومسح عليه جاز، وإن كان بعض موضع الفرص باقيًا فلبس خف خشب ما ذكرناه، وفي الرجل الأخرى خف أدم يجوز المسح عليهما، وإن لم يلبس في المقطوعة شيئًا لم يجز، ولو كان الخف المتخذ من الخشب محدد الأسفل كما يكون في الغالب خف الأقطع لا يجوز المسح عليه، أو لا يمكن كل لابس متابعة المشي عليه، فلا يسمى باسم الخف. وقال القفال: إن كان خفه من زجاج فإنه يجوز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل وليس هو كمن ستر عورته بزجاج وظهر من تحته لون العورة لم تجز صلاته؛ لأن القصد منه ستر العورة عن أعين الناظرين، والقصد من الخف اللبس، وقد حصل، وعندي أنه أراد أن يكون الزجاج في غير أسفل القدم حتى يمكن متابعة المشي عليه، فإنه إذا كان في أسفل القدم، وإن كان في الجلد يخاف من متابعة المشي على الغالب في التردد في حوائجه انكساره وجراحة الرجل به، ولا يوجد فيه معنى الخف، ورأيت بعض أصحاب [٢٤٨ أ/١] أبي حنيفة ينسب هذا إلى الشافعي ويشنع به على المذهب، وهو يرتفع بما ذكرت إن صح عنه هذا اللفظ ولا يصح عنه ذلك، وأطلق سائر أصحابنا، وقالوا: لا يجوز المسح على الخف من حديد أو زجاج، وهو صحيح على ما ذكرنا أنه لا يمكن متابعة المشي عليه إذا كان كله من حديد أو زجاج.
فرع
لو لبس خفًا صفيقًا لا يمكنه متابعة المشي معه، فالمذهب أنه يجوز المسح عليه، لأن الخف صالح للمسح عليه في خف صغير القدم، وإنما منعه من المشي كبر رجله.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز المسح عليه؛ لأن المشقة هناك هي في ترك النزع لا في النزع، وهو جوز للرفق ولا رفق هنا، وهذا أقيس وأصح عندي.
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى خُرْمُوقَيْنِ".
الفصل
وهذا كما قال الجرموق هو شيء عل مثال الخف كبير يلبس في البلدان الباردة من
شدة البرد فوق الخف، فإذا لبسه على الخف أو لبس خفًا على خف، فإن كان السفلاني. متخرقًا جاز المسح على الفوقاني، وصار السفلاني كاللفافة، وإن كان الفوقاني متخرقًا، أو لم يكن منعلًا بحيث يجوز المسح عليه لو انفرد لا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، وصار الفوقاني كاللفافة على الخف، وإن كانا صحيحين بحيث يجوز المسح على كل [٢٤٨ ب/١] واحد منهما على الانفراد ففيه قولان، قال في "الجديد":
[ ١ / ٢٩٢ ]
لا يمسح عليهما، وبه قال مالك في رواية، ووجهه أنه لا يخلو هذا الفوقاني إما أن يكون بدلًا عن الرجل، أو عن التحتاني لا يجوز أن يكون بدلًا عن التحتاني؛ لأن البدل لا يكون له بدل في الطهارة كالتيمم وليس هو ببدل عن الرجل؛ لأنه لو كان بدلًا عن الرجل لكان إذا نزعه لا يبطل المسح؛ لأن الرجل لم تطهر. وقال في "القديم" و"الإملاء": يمسح عليهما. وهكذا لو لبس خفًا ثالثًا على الثاني مسح على الثالث، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق واختاره المزني، وروي ذلك عن مالك، ووجهه ما روي أن النبي ﷺ مسح على الموق وهو الجرموق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الموق هو الخف، ولكن ساقه إلى القصر، واحتج المزني بأن في الجرموق مرفقًا. قلنا: هو مرفق نادر غير عام فلا حكم له كالقفازين والقلنسوة، فإذا قلنا: لا يجوز المسح عليه قال في "الأم": عليه أن يطرح الجرموقين ثم يمسح على الخفين. وظاهره أنه إذا أدخل يده في جوف الجرموق ومسح على الخف السفلاني لا يجوز وليس هذا كما لو أدخل يده [٢٤٩ أ/١] فضعف أمره فلم يجز المسح عليه مع استتاره، واختص بأكمل صفات المسح هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القاضي الطبري: هذا غلط قبيح، والمذهب أنه يجوز لأنه أوصل الطهور إلى محله، فصار كما لو غسل الرجلين في وسط الخفين الواسعين يجوز، والذي قال في "الأم" محمول على الغالب من الجرموق، فإنه لا يتأتى المسح على ما تحتهما من الخف إلا بطرحهما، وهذا هو الصحيح الذي لا يخل أن يقال غيره، والفرق الذي ذكره لا معنى له في تأثير المسح.
وإذا قلنا: يجوز المسح فهل له أن يمسح على الخفين بأن يدخل يده ويمسح عليهما. قال القاضي الطبري: يحتمل وجهين. أحدهما: لا يجوز لأنه إذا جاز المسح على الظاهر لم يجز له أن يمسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف، ومسح على ظاهر الجلد الذي يلي رجله لا يجوز. والثاني: يجوز لأن كل واحد منهما هو محل للمسح، بدليل أنه لو نزع الفوقاني جاز له أن يمسح على التحتاني، فجاز له المسح على كل واحد منهما،
وهذا الوجه أصح، ويفارق هذا إذا مسح على ظهر الجلد؛ لأن المأخوذ عليه أن يمسح على ما جرى مجرى القدم في الطهور وناب عنه، ولا يوجد هذا المعنى في [٢٤٩ ب/١] ظهر الجلد بخلاف مسألتنا، فإن الخف التحتاني جار مجرى القدم في الظهور وإنما ستره غيره، فجرى ذلك مجرى غسل الرجلين في الخف، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ابن سريج قال: على أي معنى يجوز المسح على الجرموقين؟ ذكر أصحابنا ثلاث معان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة إلا على بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل. والثاني: أن الأسفل كاللفافة والثالث: أن الأعلى مع الأسفل كالبطانة مع الطهارة، وعلى هذه المعاني مسائل منها: إذا مسح على
[ ١ / ٢٩٣ ]
الجرموقين ثم نزعهما، فإن قلنا بالمعنى الأول وقلنا: فيمن نزع خفيه بعد المسح بغسل قدميه فقط يمسح على الأسفل ويجوز، وإن قلنا هناك أنه يستأنف الوضوء فههنا يستأنف الوضوء ويمسح على الأسفل.
وقال القاضي الطبري: المسح على الجرموقين لا يجوز إلا على القول القديم وفي القديم إذا نزع الخفين يُجدد الوضوء فإذا نزع الجرموق يلزمه أن يجدد ويمسح على الخفين، وفي قوله الجديد: لا يجوز المسح على الجرموقين، فإذا خلعهما بعد المسح يمسح على الخفين، ولا يصح البناء على القولين. وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الأسفل أيضًا، ثم فيه [٢٥٠ أ/١] قولان: أحدهما: يغسل الرجلين والثاني: يعيد الوضوء.
وإن قلنا بالمعنى الثالث: لا يلزمه شيء، كما لو نشر موضعًا من خفه أو جميع خفه ونفى ما يمكنه متابعة المشي عليه جاز.
والمسألة الثانية: لو نزع أحد الجرموقين، فإن قلنا بالمعنى الأول يلزمه نزع الآخر، ثم مسح الأسفل أو يستأنف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الكل، وغسل الرجلين أو استئناف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثالث فلا يلزمه شيء وبه قال زفر.
والمسألة الثالثة: لو أراد في الابتداء أن يلبس أحد الخفين وأحد الجرموقين ويمسح عليه، وعلى الخف، فإن قلنا بالمعنى الأول أو الثاني لا يجوز، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز كما لو كان أحد خفيه أغلظ من الآخر.
والمسألة الرابعة: لو لبس الخفين ثم أحدث وتوضأ ومسح عليهما، ثم مسح الجرموقين، فإن جعلناه بدل البدل جاز له أن يمسح عليهما إذا أحدث، وكذلك إن قلنا بالمعنى الثالث لمن أحدث ثم رفع خفه برقعة له المسح على الرقعة، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يجوز ذلك. وقال القاضي الطبري: قال الداركي: الذي عندي أن لا يمسح لأن طهارة المسح ناقصة.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر [٢٥٠ ب/١] أنه يجوز؛ لأن المستحاضة تمسح على الخفين فوضوءها وطهارة الماسح هي آكد من طهارة المستحاضة، والصحيح ما قاله الدراكي؛ لأن مدة المسح لا تخلو إما أن تعتبر من حين الحدث الذي كان قبل لبس الجرموق، أو من الحدث الذي بعد لبسهما، فإن كان يعتبر من الثاني يؤدي إلى أن يستبيح أكثر من مدته، وإن كان من الأول لا يجوز؛ لأن أول المدة لا يجوز أن يكون سابقًا للبس الخف الذي يمسح عليه، فإذا أبطل القسمان بطل جواز المسح عليهما، وهذه العلة أولى مما ذكره الداركي، فإن قيل: يعتبر من الحدث الأول وتكون مدة المسح على الجرموقين مبنية على مدة المسح على الخفين قبل المسح على الجرموقين ليس ببدل عن المسح على الخفين على هذا القول، ولا نائب منابه، وإنما هو بدل عن الغسل، ونائب عنه فلا يجوز اعتباره بغيره، ولا بناء مدة المسح عليه على
[ ١ / ٢٩٤ ]
مدة المسح على غيره. وقيل: هذا بناء على القولين أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث عن الرجلين، فإن قلنا يرفع فيجوز وإلا فلا يجوز، ولأنه ليس على حدث.
والمسالة الخامسة: لو أحدث ولم يمسح على الخف حتى لبس الجرموق، فأراد أن يمسح [٢٥١ أ/١] عليه. قال القفال: فإن قلنا بالمعنى الأول والثاني: لا يجوز، لأن من يجوز المسح أيضًا، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز لأن من لبس خفًا ثم أحدث ثم رقع الخف يجوز له المسح عليه، وقال غيره: لا يجوز المسح عليه بحًال قولًا واحدًا، لأنه لبسه على حدث، وهو الصحيح ولو تطهر ولبس الخف، ثم لبس الجرموق على طهر يجوز المسح قولًا واحدًا.
فرع
لو لبس خفًا على الجبائر فهو كالجرموق على الخف، ولا يجيء على المذهب غيره ذكره أهل العراق.
فرع آخر
لو تيمم عند عدم الماء ولبس الخفين بعد كمال التيمم، ثم رأي الماء بطل تيمهه، وعليه الطهارة، وغسل الرجلين ولا يجوز له المسح على الخفين؛ لأنهما طهارة ضرورة فزالت بزوالها. وبه قال عامة أصحابنا، وقال ابن سريج في زيادة الطهارة إذا تيمم للظهر بعد دخول وقتها ولبس الخف، ثم وجد الماء قبل أن يصلي الظهر ثم توضأ ومسح على الخفين، وصلى الظهر والنوافل، قال: ولو صلى الظهر ثم وجد الماء توضأ ومسح على
الخفين، وصلى ما شاء من النوافل والأول أصح [٢٥١ ب/١].
قال القفال: وكذا الوجهان فيمن ببعض أعضائه جراحة يغسل الصحيح ويتيمم للجريح ولبس الخف، ثم أحدث فأراد المسح على الخفين للفريضة الأولى التي تيمم لها، هل يجوز أم لا؟ فأما من توضأ وتيمم ولبس الخف، ثم برأ جراحه، ولزمه غسله فغسله، ثم أحدث فلا يمسح على الخف إذا توضأ وجهًا واحدًا؛ لأنه لما برأ جراحه بكمال طهارته بغسل الموضع الذي برأ فيحصل لابسًا للخف قبل كمال الطهارة.
فرع آخر
لو تطهرت المستحاضة ولبست الخفين، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين، وصلت الفريضة الواحدة، وما شاءت من النوافل، وإن كانت صلت الفرض، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين وصلت ما شاءت من النوافل، فإن أرادت أن تقضي فائته أو دخل عليها وقت فريضة أخرى يلزمها نزع الخفين وغسل الرجلين. والنكتة في ذلك هو أن المستحاضة استباحت بوضوئها فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فجاز لها أن تمسح على الخفين إذا أحدثت للصلاة التي استباحها بوضوءها الذي لبست عليه الخفين. وأما الصلاة التي لم
[ ١ / ٢٩٥ ]
تستبح بوضوءها لم يجز لها أن تصليها بالمسح [٢٥٢ أ/١] على الخفين. وقال القفال: فيه وجهان أحدها: هذا، والثاني: ليس لها أن تمسح على الخفين أصلًا؛ لأن جواز صلاتها مع الحدث الدائم رخصة جوزت للضرورة، ولا حاجة إلى تجوير مسح الخف في خفها، والرخصة في مسح الخف، وردت لمن كملت طهارته لا لمن نقصت طهارته، والأول أصح. وقال زفر: لها أن تمسح على الخفين يومًا وليلة؛ لأنها لبست الخف طاهرة، وهذا غلط كما ذكرنا.
فرع آخر
لو انقطع دمها قبل أن تصلي أو بعد ما صلت الفريضة عليها نزع الخفين واستأنف الوضوء بغسل الرجلين، وهذا هو الدليل على بطلان قول ابن سريج؛ لأنه جوز للمتيمم أن يمسح على الخفين إذا وجد الماء، ولم يجوز ذلك للمستحاضة إذا انقطع دمها، فإن قيل: الفرق أن طهارتها تتبعض من أصلها بانقطاع دمها ويتبين أن وضوءها لم يكن صحيحًا بخلاف المتيمم إذا وجد الماء، فإن التيمم يبطل في الحال قبل انقطاع دم المستحاضة يوجب بطلان وضوءها في الحال، ولا يتبين به بطلانه من أصله فلا يسلم، فإن قيل: انقطاع دم المستحاضة في الصلاة تبطل صلاتها فجاز أن يمنع انقطاع الدم المسح على الخفين دون وجود [٢٥٢ ب/١] الماء للمتيمم. قيل: إنما افترقا في الصلاة لأن وجود الماء مع الحائل
لا يمنع الصلاة، والصلاة حائل بخلاف انقطاع الدم، وههنا الانقطاع، ورؤية الماء سواء في بطلان الطهارة التي لبس الخف عليها فيجب أن يستوى هذا الحكم فيهما.
فرع
لو مسح على الخفين، ثم أخرج قدميه أو أحدهما من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح، نص عليه في "الأم" في باب ما ينقض مسح الخفين. ويستحب أن يبتدئ الوضوء، ولو غسل رجليه فأدخلهما الخف، ثم أحدث قبل أن يستقر القدم في قدم الخف، لم يجز له المسح، والفرق أن الاستدامة هي أكد من الابتداء، كما يقول في العدة والإحرام يمنعان ابتداء النكاح ولا يمنعان استدامته، ولأن الأصل في المسألة الأولى استباحة المسح، فلا يزول حكمه إلا بالنزع التام والأصل في المسألة الثانية أن لا يستباح المسح، فلا يستباح إلا باللبس التام، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر صاحب "الإفصاح": أن الشافعي ذكره في "القديم" ولم يحك عن الجديد شيئًا، وبه قال الأوزاعي.
وقال القاضي أبو حامد في جامعه: إذا أخرج قدميه من الخف أو أزالهما عن موضعهما مخرجًا [٢٥٣ أ/١] لهما حتى صارتا غير مستقرين في قدم الخف، وصار
[ ١ / ٢٩٦ ]
إلى حال لو لم يكن ساق الخف طويلًا رئي بعض ما عليه الوضوء، أو فعل ذلك بإحدى رجليه، وبطل المسح، وقال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح عندي، وما قاله في "الأم" محتمل للتأويل؛ لأنه قال فيه: "أحببت أن يبتدئ الوضوء" ولا يبين أن ذلك عليه وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهذا لأن استقرار الرجل في الخف هو شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل المسح كاستئثار الرجل في الخف لما كان شرطًا إذا ظهر بطل.
فرع
قال في "البويطي": ينزع الخف لغسل الجمعة والعيدين والإحرام، وسائر الغسلات، وإذا حضرت المرأة الجمعة اغتسلت ونزعت خفيها، وتنزع لغسل العيدين حضرت أو لم تحضر، ولسائر غسلاتها. وجملته أن في الغسل لا يجوز المسح على الخفين، والرجال، والنساء في ذلك سواء.
فرع آخر
لا يجوز المسح على خف من جلد الكلب والخنزير وجلد ميتة إلا أن يكون مدبوغًا، ولو دميت القدمان في الخفين أو وصلت إليهما نجاسة يجب خلع الخفين [٢٥٣ ب/١]
وغسل القدمين نص عليه في "الأم": ولو غصب خفًا أو سرقه فلبسه، قال عامة أصحابنا: يجوز المسح عليه، وقال ابن القاضي في "التلخيص" لا يجوز، وهو قول داود؛ لأن اللبس معصية والمسح رخصة ولا تستباح الرخصة بالمعصية، وهذا غلط؛ لأن المعصية لا تتعلق باللبس بل تتعلق بالغصب، فأشبه الذبح بسكين مغصوب والتوضاء بماء مغصوب، فإن قيل: يقضى باللبس أكثر من الإمساك لأنه استعمال فالمعصية تختص باللبس، ولأنه إنما يجوز المسح لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع فلا ينبغي أن يعذر فيه، قلنا: وإذا توضأ بالماء المغصوب فقد استعمل أيضًا، وزاد في التعدي فينبغي أن لا يجوز. وأما المشقة فحاصله في تكليف غسل الرجلين، وهو عاص بأصل الغصب ويؤمر بترك الغصب ولا يختص ذلك بالنزع وتركه.
فرع آخر
لو لبس خفًا من ذهب، هل يجوز المسح عليه؟ قال: فيه وجهان كما في المغصوب.
مسألة: قال: "وَلَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وقال في "القديم" وكتاب أبي ليلى يَتَوَضَّأُ".
وهذا كما قال: إذا نزع خفيه بعد المسح هل يلزمه غسل الرجلين فقط أو يلزمه استئناف الوضوء؟ قال في "الأم" [٢٥٤ أ/١] و"القديم": يستأنف الوضوء. ورواه
[ ١ / ٢٩٧ ]
المزني عن كتاب ابن أبي ليلى، وقيل: لم يقطع به في كتاب ابن أبي ليلى بل ذكر فيه قولين، وإنما قطع به في "القديم" فالمزني أخل بالنقل. وقال في "البويطي"، وحرملة: أحببت أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن لم يفعل وغسل رجليه أجزأه، وهذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور واختاره المزني، وبالقول الآخر. قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك والليث بن سعد: إن تطاولت المدة يلزمه الاستئناف، وإن غسل قدميه وجب النزع جريًا على أصلها في وجوب الموالاة، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا مبني على جواز تفريق الوضوء، والذي قال في "الأم" وكتاب ابن أبي ليلى أنه يتوضأ، أراد استحبابًا؛ لأن مذهبه في هذين الكتابين جواز التفريق، وبين أصحابنا هذا غير مبني على هذا، لأن الشافعي أمر بالوضوء في "الأم" ونص فيه على جواز تفريق الوضوء، وإنما فيه القولان سواء مسح على الخف، ونزع في الحال، أو نزع بعد لمدة وتفريق الوضوء إذا كان قليلًا لا يضر، ولأنه تفريق بعذر فلا يبطل الوضوء قولًا واحدًا، فصح أنهما قولان بأنفسهما
ومعناهما [٢٥٤ ب/١] أن الحدث ارتفع عن الرجل بالمسح أولًا، فإن قلنا: لم يرتفع لم يلزمه عند نزع الخف ألا يتيمم الوضوء الأول بغسل الرجلين، وإن قلنا: ارتفع فلما نزع الخف انتقض الطهر في الرجلين، وانتقاض الطهر لا يتبعض كما لو أحدث فبطل في الكل، ووجه قول من قال: يرفع الحدث عن الرجل أنه مسح بالماء، فرفع الحدث كمسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع بين فريضتين، وبه فيرفع الحدث، ووجه قولنا لا يرفع الحدث أنه يبطل حكمه بظهور الأصل فلا يرفع الحدث كالتيمم، وقيل: البناء على هذين المعنيين لا يصح أيضًا؛ لأن مسح الخفين، وإن لم يرفع الحدث عن الرجلين منذ كملت به الطهارة، فإذا بطل فقد انتقص بعضها وجرى ذلك مجرى انتقاضها في الكل لأنها لا تتبعض منهما قولان بأنفسهما من غير البناء على هذين المعنيين، ووجه قولنا يلزمه الوضوء ما ذكرنا، ووجه قولنا: يكفيه غسل الرجلين ما قال المزني مسح الخفين باب غسل الرجلين خاصة فظهورهما يبطل النائب دون غيره كما يبطل التيمم برؤية الماء، ويجب ما ناب عنه التيمم، فإن قيل: أليس المقيم يستوعب الأعضاء عند وجود الماء الذي هو الأصل، [٢٥٥ أ/١] فكذلك الماسح إذا نزع الخف وجب أن يستوعبها. قلنا: لأن التيمم ناب عن كلها بخلاف المسح فإنه ناب عن الرجلين فقط فافترقا.
فرع
لو نزع الخف وأخر غسل الرجلين طويلًا، فإذا قلنا: إذا لم يؤخر استأنف الوضوء فههنا أولى، وإن قلنا: لا يستأنف ويكفيه غسل الرجلين فيه قولان للتفريق الحاصل، وهذا لأن التراخي الذي وقع من ساعة المسح إلى ساعة النزع كان معذور، وكان المسح فيه نائبًا عن الغسل، فكأنه لم يفرق، وبعد النزع ذهب حكم المسح فتأخير غسل الرجلين يكون تفريقًا بغير عذر فيكون فيه قولان.
[ ١ / ٢٩٨ ]