مسألة: قال (٢): وإذا وَلي الرَّجلُ إخراجَ زَكاتِهِ لم يُجْزِهِ إلاَّ بنِيَّةِ أنَّهُ فَرَضٌ.
وهذا كما قال الزكاة تفتقر إلى النية كسائر العبادات إلا أنه تجري النيابة في نيتها كما تجري في إخراجها، وقال الأوزاعي: لا تفتقر الزكاة إلى النية أصلًا كالدين وهذا غلط، لأنها عبادة تسوغ نقلًا وفرضًا كالصلاة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول فيمن ينوي وفي وقت النية وكيفية النية، فأما الناوي فإن كان يخرجها رب المال نوى، وإن كان يخرجها ولي المحجور عليه لصغر أو جنون نوى وليه، وإن كان الوالي
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٤).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٥).
[ ٣ / ٨١ ]
يخرجها نوى الوالي، وأما وقت النية فالعبادات على أربعة أضرب، منها: ما لا يجوز تقديم النية عليه ومن شرطه، إن تقارن النية أوله كالصلاة والطهارة والحج والعمرة، ومنها: ما يجوز تقديمها على أوله ولا يجوز تأخيرها عن أوله وهو صيام الفرض، ومنها: ما يجوز تقديمها وتأخيرها عنه وهو صيام التطوع، ومنها: ما اختلف القول فيه وهو الكفارة والزكاة فقد قال في كتاب الأيمان: ولا تجزيه [٨٧ ب/٤] كفارة حتى يقدم قبلها النية أو معها ولا فرق فيها بين الكفارة والزكاة، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إن قدم النية عليها واستصحبها إلى وقت إخراجها يجوز، وإن غربت عنه لا يجوز وأراد الشافعي بما قال في الكفارة: أن ينوي قبلها ويستصحبها قال القاضي الطبري: وهذا أشبه بمذهب الشافعي في "الأم"، لأنه لا يتعذر عليه أن ينوي عند ابتدائها فيلزم، ومن أصحابنا من قال: يجوز فيهما كما نص عليه في الكفارة، لأنه يدخلهما النيابة فلو قلنا: لا يجوز تقديم النية لما جاز أن يوكل في إخراجهما لأنه إذا وكل كانت نيته متقدمة عليها، والاعتبار بنية الموكل دون الوكيل وهذا أصح عندي واختاره مشايخ خراسان، وكما يمكنه أن ينوي في ابتدائهما يمكنه أن لا يوكل في أدائهما حتى لا تقدم النية أو تعتبر نية الوكيل عند ابتدائهما، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا: أنه يعتبر نية الوكيل عند الدفع لتقارن النية إخراج الزكاة ذكره القاضي الطبري وهو ضعيف عندي، فإن قيل في الحج: تدخل النيابة أيضًا ثم لا يجوز تقديم النية عليه، قلنا: هناك نية النائب شرط فلا يعرى أوله عن النية ونية الوكيل في الزكاة ليست بشرط وربما لا يعرف الوكيل [٨٨ أ/٤] أنها زكاة، ولا تصح منه النية بأن يكون كافرًا بخلاف الحج فدل على الفرق، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز أن يوكل كافرًا في أداء الزكاة ويجوز أن يوكل صبيًا لأنَّ نيته صحيحة، وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز لأنه غير مكلف كالمجنون حكاه والدي ﵀ وهو ضعيف.
وأما كيفية النية فهي: أن ينوي نية يتميز المخرج عن النافلة مثل أن ينوي أنه زكاة ماله أو فرض تعلق بماله فإنه نية الزكاة في الحقيقة نص عليه في "الأم"، ولو قال: هذه زكاتي مطلقًا قال أصحابنا: يجوز وذكر بعض أهل خراسان: أنه لا يجوز، والأول أصح، لأن هذه عبارة عن الفريضة، ولو قال: فرضي ظاهر ما نص عليه الشافعي أنه يجوز وليس على ظاهره بإجماع أصحابنا، ومعنى النص إذا قال: صدقة مالي فريضة ولو نوى بقلبه ولم يتلفظ بلسانه لا شك أنه يجوز ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه قال في "الأم" (١): سواء نوى في نفسه أو تكلم بأن ما أعطى فرضي فأقام الكلام مقام النية كما أقام أخذ الإمام مقام النية وعلل في "الأم" فقال: وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما إذ يجوز الزكاة قبل وقتها ويجوز أن يأخذها [٨٨ ب/٤] الوالي من غير طيب نفسه فتجزي عنه وهذا لا يجوز في
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٩).
[ ٣ / ٨٢ ]
الصلاة، وهذا اختيار القفال وجماعة أصحابنا، واستدلوا بأن إخراج الزكاة يجوز في حال الردة والمرتد ليس من أهل نية القوية فدل أنه يكفي القول فيه، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار صاحب "التقريب" يحتاج أن ينوي بقلبه وأولوا النص بأنه أراد بقول هذا مع النية بالقلب لأن محل النية في جميع العبادات القلب وهذا التأويل خطأ لما ذكر من صريح العلة.
فرع
لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم يحزه عن الزكاة، وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزيه استحسانًا وهذا لا يصح لأنه لم ينو الفرض كما لو صلى مائة ركعة بنية التطوع لا يجزيه عن الفرض ولو تصدق ببعضه قال محمد: أجزأه عن زكاة ذلك البعض، وقال أبو يوسف: لا يجزيه لأنه لم يزل ملكه عن جميعه.
مسألة: قال (١): ولا يُجْزِئهُ ذَهَبٌ عن وَرِقٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أخرج غير ما وجب عليه باعتبار القيمة لا يجوز سوًاء أخرج الدراهم عن الدنانير أو الدنانير عن الدراهم، أو ما لا إخراج عنهما بالقيمة، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخرج بقيمته كل مال، وقال مالك: يجوز الذهب عن الورق والورق عن الذهب [٨٩ أ/٤] ولا يجوز غير ذلك من الأموال وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط، لما قال الشافعي، لأنه غير ما وجب عليه فلا يجوز كما لو أخرج السكني لا يجوز.
مسألة: قال (٢): ولو أَخَرَجَ عشرةَ دراهمٍ فقالَ: إنْ كان مالي الغائبُ سَالمًا فهذه من زكاتُهُ أو نافِلةٌ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له مال غائب زكاته عشرة دراهم فأخرج العشرة إلى أهل السهمان، وقال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته أو نافلة فكان ماله سالمًا لم يجزه ذلك عن زكاته وكانت الزيادة باقية عليه لأنه جعل النية مشتركة بين النفل والفرض، ولو رتب النية فقال: إن كان مال الغائب سالمًا فزكاته، وإن كان تالفًا فنافلة، صحت النية فإن كان سالمًا كان عن فرضه، وإن كان تالفًا كان نافلة، قال الشافعي (٣): لإن أعطاه عن الغائب هكذا وإن لم نقله يعني لو قطع في نيته بأن هذا عن مالي الغائب لا يكون إلا هكذا فيكون عنه إن كان سالمًا وإلا فيكون نافلة، فإذا لم يقطع بنية يجوز أيضًا فإن قيل: أليس نقل الصدقة لا يجوز عندكم في أحد القولين،
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٥).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٥).
(٣) انظر الأم (١/ ٢١٦).
[ ٣ / ٨٣ ]
وجوزتم هاهنا نقل الصدقة عن بلد المال، قيل: الشافعي ذكر هذا على القول الذي جوّز نقل الصدقة أو إذا كانت [٨٩ ب/٤] المسافة قريبة أو لم يكن في بلده أهل السهمان.
فرع
لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، وإن لم يكن سالمًا فهذه زكاة مالي الحاضر يجوز لأنه قطع نية الفرض وإنما رتب المال فلم يمنع ذلك جوازها، ولو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا ولم يزد عليه فكان ماله تالفًا فأراد أن يصرفها إلى الحاضر لم يجز، لأنه عينها في مال بعينه فلا يجوز أن يصرفها إلى غيره، وقال في "الشامل": يحتمل أن يجوز لأنها لم تصر زكاة بعد.
فرع آخر
لو أخرج خمسة ونوى بكلها الزكاة والتطوع لم يجزه عن الزكاة وكانت تطوعًا وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: يجزيه عن الزكاة وهذا غلط، لأنه يشرك بين النفل والفرض.
فرع
لو لم يعلم أن ماله الغائب ذهب أو ورق أو ماشية فأخرج خمسة دراهم أو نصف دينار أو شاة على الظن لم يجز، وإن أخرج جميع ذلك ونوى به الزكاة جاز، وإن لم يعين.
فرع آخر
لو كانت له مائتا درهم وعرض للتجارة بمائتي درهم فأخرج خمسة ونوى فرض الزكاة ولم يعين إحدى المائتين يجوز، وكذلك لو قال: هي عن الدراهم فإن كانت تالفة فعن الفرض فإنه يجوز، وإن قال هي عن [٩٠ أ/٤] إحداهما ثم عين بعد ذلك بقلبه أو لم يعين يجوز وهذا لأنه لا يحتاج إلى تعيين النية كالكفارة سواء.
مسألة: قال (١): ولو أخرَجَها وهيَ خمسةُ دراهم لتقسيمها فهَلَكَ مالُهُ - يعني المخرج منه قبل إمكان الأداء - كانَ لهُ حبسُ الدَّراهم.
وهذا على القول الذي يقول إمكان الأداء هو من شرائط الوجوب وقد تقدمت هذه المسألة، وكذلك ما ذكر بعد هذه المسألة إذا تلفت هذه الخمسة بقي أصل المال ولو أخرجها إلى الوالي ثم بان له أن المال كان هالكًا ليس له الرجوع إلا أن يكون باقيًا عنده لم يصرفها إلى أهل السهمان فيستردها منه أو يصرفها في زكاة مال سواه.
مسألة: قال (٢): وإذا أخذَ الوالي منْ رجلٍ زكاةَ بلا نيةٍ في دفعها إليه أجزأت عنه.
وهذا كما قال: إذا أراد إخراج الزكاة فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يليها بنفسه أو يدفعها إلى وكيله أو إلى الساعي فإن وليها بنفسه فقد ذكرنا النية، وإن دفعها إلى وكيلة فإن نويا معًا رب المال عند الدفع والوكيل عند الإيصال أجزأه، وإن لم ينو واحد منهما لم يجز، وإن نوى الوكيل دون الموكل لم يجز، وإن نوى الموكل دون
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٦).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٦).
[ ٣ / ٨٤ ]
الوكيل ففيه طريقان، قيل: قوله واحد يجوز وقيل: هو بناء على [٩٠ ب/٤] ما ذكرنا من جواز تقديم النية على الدفع فإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هاهنا، وإن دفعها إلى الوالي فإن نويا معًا أو نوى رب المال دون الوالي أجزأه قولًا واحدًا، لأن يد الإمام يد المساكين فإنه يسقط فرضه بالدفع إليه، ولو دفع الزكاة إلى المساكين ولم ينو المساكين جاز فكذلك إذا لم ينو الإمام وإن نوى الوالي دون رب المال المذهب أنه يجوز، لأنه لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفي بالظاهر عن النية، ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس لا يجوز لأن الإمام كالوكيل في أنه نائب الفقراء، وتأؤل هذا القائل نص الشافعي على أن من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرًا فإنها تجزيه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته، ومن أصحابنا من قال: في الحكم يجوز وفي الباطن لا يجوز وهو ضعيف، وإن لم ينو الإمام ولا رب المال نص في "الأم": أنه يجوز لأنه قال: وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نية من الرجل في دفعها إليه طائعًا كان الرجل أو مكرهًا ولا نية للوالي الأخذ في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية تجوز وهذا لأن أخذ الإمام أو دفعه إلى الإمام الظاهر منه أنه [٩١ أ/٤] فرضه لأنه لا يأخذ إلا الواجب ولا يدفع إليه إلا الصدقة الواجبة فقام ذلك مقام النية بخلاف ما إذا وكل ولم ينو لا الوكيل ولا الموكل لا يجوز لأنه ليس في دفعه إلى الوكيل ظاهر يدل على أنه فرضه، فلابد من نية الموكل وهذا النص يمنع التأويل السابق، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا لأنه نفذت النية المشروطة في الأداء، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا أخذ بالإكراه لا يجوز فيما بينه وبين الله تعالى وهل يجوز في الحكم وجهان، وهذا خلاف النص، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الإمام الزكاة من الممتنع بل يحبسه حتى يؤدي، قال الشافعي (١): كما ينوب عنه في القسم ينوب عنه في النية.
مسألة: قال (٢): وأُحِبُّ أنْ يَتَوَلَّى الرَّجلُ قسمَتَهَا عنْ نَفْسِهِ.
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة تنبني على أصل وهو أن المال ضربان، باطن وظاهر، وإن شئت قلت: صامت وناطق فالباطن يجوز أن يقسم زكاته بنفسه، وأما الظاهر فهل له أن يقسم زكاته بنفسه؟ فيه قولان، قال في القديم: ليس له ويجب دفعه إلى الإمام فإن فرقها بنفسه ضمن لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال في الجديد: له ذلك وبه قال الحسن [٩١ ب/٤] والنخعي ومكحول: لأنها زكاة واجبة كزكاة أمواله الباطنة، فإذا قلنا بقوله القديم لا يقال في هذا أفضل ولا غير أفضل، لأنه لا يجوز إلا وجهًا واحدًا، فإذا قلنا بقوله الجديد: هل للإمام المطالبة؟ منهم من قال: لا يطالب إذا علم أنهم يؤدونها بأنفسهم كما لو علم أنهم يصلون لا يطالبهم بها، ومنهم من قال: له المطالبة إذا أدى اجتهاده إليه لا على
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٩).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٦).
[ ٣ / ٨٥ ]
وجه الولاية بل جهة النيابة عن المستحقين وحثا عن الخروج عن حقوقهم لأنهم من أهل الرشد ولا تثبت عليهم الولاية وهل الأفضل أن يفرقها بتقسط أم يدفعها إلى غيره ليفرقها عنه؟ ينظر فإن كان ذلك الغير وكيلًا فالأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه على يقين من فعل نفسه وهو في شك من فعل غيره ومعناه أن فعل الدفع إلى من هو مستحق لها في الظاهر يقين، فأما أن تكون وقعت موقعًا يقينًا فلا لأنه يعمل فيها بغالب الظن في الظاهر وزاد الشافعي في قسم الصدقات فقال: يجوز لأنه المحاسب بها والمسئول عنها، وإن كان الغير هو الإمام لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عادلًا أو جائرًا فإن كان عادلًا، فالمذهب إن دفعها إليه أفضل لأن ذمته تبرأ [٩٢ أ/٤] بذلك عن الزكاة قطعًا والإمام أبعد من الخطأ في قسمها وأعرف بحال المستحقين وأراد الشافعي بما ذكر هاهنا إذا أراد الدفع إلى الوكيل أو أراد أن يتولى الدفع إلى الإمام بنفسه ولا يكله إلى غيره، ومن أصحابنا من قال: الأفضل تفريقها بنفسه أيضًا كما نص عليه هاهنا ليكون له إجراء التفريق والتكلف، كذلك بنفسه وهذا ليس بشيء لأنه علل فقال: لأنه على يقين من أدائها وهذا في الدفع إلى الإمام موجود وزيادة على ما ذكرنا، وإنما يقع الشك في الدفع إلى الوكيل، ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي هاهنا زكاة أمواله الباطنة فأما زكاة أمواله الظاهرة فالأفضل دفعها إلى الإمام، لأن الشافعي قال في آخر قسم الصدقات: ويعطي الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمر والزرع والمعدن والماشية، فإن أعطاهم زكاة التجارة والفطر والركاب أجزأتهم إن شاء الله.
وإن كان الإمام جائرًا فاسقًا. قال صاحب "الإفصاح": فيه وجهان، إحداهما الأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه ليس بموضع الأمانة لما ظهرت منه الجناية، والثاني: يدفعها إليه أيضًا وليس عليه من إثمها شيء لأن النبي ﷺ [٩٢ ب/٤] قال: "سيكون بعدي أمورًا تنكرونها فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا قال: أدوا حقهم وسلوا الله حقكم" (١) وقال في "الحاوي" (٢): للإمام أربعة أحوال، أحدها: أن يكون عادلًا في الزكاة وفي غيرها، فالأفضل دفعها إليه، والحالة الثانية: أن يكون عادلًا في الزكاة جائرًا في غيرها فيه وجهان، إحداهما: دفعها إليه أولى أيضًا لأنه روى عن سهل بن صالح عن أبيه أنه قال: سألت سعيد بن مالك وقلت: عندي مال مجتمع يعني من مال الصدقة وهؤلاء القوم كما ترى فما أصنع به؟ قال: ادفعه إليهم، قال: وسألت أبا سعيد الخدري فقال مثل ذلك، وسألت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وسألت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، والثاني: يفرقها بنفسه أولى، وإن كان جائرًا في الزكاة وغيرها أو جائرًا في الزكاة عادلًا في غيرها لا يجوز دفعها إليه وتفريقها بنفسه فإن دفعها إليه لم يجز، لأنه لم يصل إلى المستحق وهذا حسن.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ٢٤١)، وأحمد (١/ ٣٨٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٦٦١٥).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ١٨٦).
[ ٣ / ٨٦ ]
فرع
إذا قلنا بقوله القديم: فلم يبعث الإمام الساعي أو لم يقدر على الإمام يجب على رب المال أن يفرقها بنفسه وهو المذهب، لأنه حق الفقراء والإمام نائبهم [٩٣ أ/٤] فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز أن يترك أداءه، ومن أصحابنا من قال: أنه يتوقف حتى يطالبه الإمام لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام فإذا لم يطلبه الإمام لم يفرق هو كالخراج.
فرع
إذا علم الإمام أنه لا يؤدي الزكاة فقاتل فقتل إنما يقاتل لأن الزكوات كلها كانت تحمل إلى النبي ﷺ إلا أن عثمان فرض إلى أرباب الأموال باجتهاده فإذا ظهر منهم التقصير كانت له المطالبة، وقيل: لأن الزكاة حق الله تعالى وهو نائب الله تعالى ويتفرع على هذا أنه لو كان عليه كفارة أو منذور فامتنع من الأداء هل يطالبه الإمام وجهان مبنيان على هاتين العلتين.