قال الشافعي (١):أخبرنا مالِكٌ عن زيدٍ بن أسلَمَ الخبر [٧٥/أ ٤].
وهذا كما قال: كل زكاة تجب بحول ونصاب وهي زكاة الإيمان والتجارات والمواشي يجوز تقديمها بعد وجود النصاب قبل الحول وبه قال: كأنه أنفقها، وهكذا يجوز عندنا تقديم الكفارة بالمال على الحنث قياسًا على الزكاة، وقال ربيعة وداود وأبو عبيد بن حربويه: لا يجوز كلاهما، وقال مالك: يجوز تقديم الكفارة دون الزكاة، وروي عن مالك أنه قال: يجوز تعجيلها في قرب الحول بيوم أو يومين واحتج الشافعي بما روى أبو رافع أن النبي ﷺ:"أستسلف" يعني: استقرض من رجل بكرًا وهو الفتى من الإبل فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضيه إياه قال والعلم يحيط أنه لا يقضي من إبل الصدقة فالصدقة لا تحل إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم يعني ما ثبت أن الصدقة لا تحل لرسول الله ﷺ فلا يظن به أنه يستقرض شيئًا لنفسه، ثم يقضي ذلك من مال الصدقة فثبت أنه إنما استقرض لأهل الصدقات ما يقضيه من مال الصدقات فإن قيل في الخبر: "أنه اقترض بكرًا فرد رباعيًا " وذلك زيادة لا تجوز من الصدقة قلنا: [٧٥ ب/٤] يجوز أن يكون النقص في الجودة فيقابله زيادة السن أو يجوز أن يكون الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه، أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه، أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الناس في قرض الفقراء، ويجوز للإمام أن يفعل هذا للمصلحة العامة، فإذا تقرر هذا فأعلم أن من أصحابنا من قال: ليس في هذا الخبر دليل على جواز تعجيل الصدقة ولا استدل به الشافعي كما أوهمه المزني، بل استدل به على جواز استقراض الحيوان خلافًا لأبي حنيفة فإنه لا يجوزه، وأما حجة تعجيل الزكاة فغير هذا، وقد ذكره بعد ذلك من جهة الأثر والنظر، أما الأثر فقد روى أن ابن عمر ﵁ "كان يبعث
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١١، ٢١٢).
[ ٣ / ٧٠ ]
بصدقة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين" (١). فإن قيل: أنا أجوز هذا القدر من التقديم قيل: إذًا نقيس ما لا يسلم على ما يسلم فإنه ليس في هذا الفرق معه خبر ولا فيما روينا من الأثر في قريب التقديم منع من بعيده، وإذا ثبت القريب بالأثر أو بتسليمهم ثبت البعيد ولا فرق، وأما النظر فهو أنه قاسه على كفارة اليمين فقال: وقال النبي ﷺ في الحالف بالله: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (٢) فأمر بالحنث [٧٦ أ/٤] قبل التكفير لأن سبب وجوبها اليمين والحنث هو وقت لوجوبها، كما أن سبب وجوب الزكاة نصاب والحول وقت لوجوبها فكما جاز ذلك جاز هذا، وروي عن بعض الصحابة أنه كان يحلف فيكفر عن يمينه ثم يحنث ويقيس مع أبي حنيفة الكفارة على الزكاة كما قسنا مع ملك الزكاة على الكفارة، ومن أصحابنا من يستنبط منه الاستدلال على تعجيل الصدقة فقال: لما جاز أن يستعمل ممن لا تلزمه الزكاة قبل استحقاق هذا المسكين الزكاة ليقضي ما استعجل له مما يستحقه بعد ذلك من الزكاة فلأن يجوز أن يستعجل له الزكاة ممن تلزمه الزكاة ليحتسب ذلك عليه عند وجوب الزكاة، واستحقاقه أيامًا أولى، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب له حقه قبل استحقاقه بأن يستقرض له ليقضي من ماله فكذلك يجوز أن يستعجل من الموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا الفرض المعجل هو بدل والزكاة مُبدل فلما جاز تعجيل البدل عن الزكاة كان تعجيل المبدل وهو الزكاة أولى لأن المبدل أكمل حالًا من البدل فكان في هذا الخبر دلائل جواز تعجيل الصدقة وجواز قرض الحيوان والسلم، وأنه يجب عند القرض رد مثله ثم اعلم أنه [٧٦ ب/٤] المزني استبعد هذه الدلائل فقال: ونجعل في هذا الموضع ما هو أولى به أي: ما هو أقرب إلى الدلالة من أن رسول الله ﷺ استسلف صدقة العباس قبل حلولها (٣) فقال له: هذا الخبر استدل به الشافعي في هذه المسألة وسبقك إليه وتمامه ما روي أن رسول الله ﷺ كان قد بعث عمر بن الخطاب ﵁ ساعيًا على الصدقات فلما رجع إليه شكا من ثلاثة نفر من عمه العبّاس وخالد بن زيد ﵄ وعبد الله بن جميل فذكر أنهم منعوا الزكاة، فقال النبي ﷺ: "إن العباس عمي استسلفنا منه صدقة عامين"، وروى له علي مثلها وأراد صدقة عامين، "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا فإنه قد حبس أذراعه وأفراسه في سبيل الله" يعني أنه وقفها وكان ذلك مال زكاة يتجر فيها فلما وقفها لم تلزمه الزكاة بعد فيها، وأما ابن جميل فما ينقم من الله إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٨٥)، والشافعي في "المسند" (٦٨٢)، والدارقطني (٢/ ١٥٢)، وابن حبان (٣٢٨٨)، والبيهقي (٤/ ١٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٧/ ١٦٥١)، وأحمد (٢/ ١٨٥، ٢٠٤، ٢١١)، وابن حبان (٤٣٣٢).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٩٩٨٥)، والبراز (١٤٨٢) - البحر
[ ٣ / ٧١ ]
وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات، فلما بلغه نزول الآيات في شأنه أتى بصدقته فلم يقبلها رسول الله ﷺ ثم أتى [٧٧ أ/٤] بها أبا بكر الصديق فلم يقبلها ثم أتى بها عمر فلم يقبلها ومات في خلافته منافقًا، وروى على بن أبي طالب ﵁ أن العبَّاس ﵁ سأل رسول الله ﷺ ليعجل زكاة ماله فرخص له (١).
فرع
هل يجوز تقديم زكاة عامين وأكثر أصحابنا اختلفوا فيه قال أبو إسحاق: وهو ظاهر المذهب يجوز لما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ تسلف من العباس ﵁ صدقة عامين، ولأن ما جاز تعجيل حق العامين كدية الخطأ، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز، لأنَّ تعجيل زكاة الحول الثاني تقديم لها على السببين الحول والنصاب، إذ هذا المال لزكاة هذا المقام فلا يجوز ذلك وتأويل الخبر أراد أنا استعجلنا مرتين منه صدقة مالين مختلفي الحول (٢) استعجلنا مرتين، استعجلنا وتم الحول ثم استعجلنا ثانيًا لعام آخر.
فرع آخر
مسألة: لو كانت له مائتا شاة فعجل عنها وعما يتوالد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجرأته زكاة المائتين وفي زكاة السخال وجهان، إحداهما: لا يجوز لأنه تقديم زكاة على النصاب، والثاني: يجوز لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في [٧٧ ب/٤] تعجيل زكاتها والأول أصح، ومن أصحابنا من قال: هذا مرتب على المسألة المتقدمة، فإن قلنا: بوجوب تعجيل زكاة عامين فهذا أولى، وإن قلنا: لا يجوز ذلك بقي هذا وجهان، والفرق أنه انعقد الحول على نصابين لأن النتائج إذا حدثت يبني حولها على حول الأصل ولم ينعقد الحول الثاني قبل تمام الحول الأول.
فرع آخر
لو ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وتماوتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزيه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال فيه وجهان، إحداهما: لا يجزيه عن زكاة السخال لأنه يؤدي إلى تقديم الزكاة على النصاب وهذا أقرب، والثاني: يجزيه لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكات السخال، ولو كان معه نصاب فعجل زكاة نصابين لم يجز فيما زاد على النصاب
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٠٤)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، والحاكم (٣/ ٣٣٢)، والدارقطني (٢/ ١٢٣)، والبيهقي (٤/ ١١١).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٧٢ ]
الموجود وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز بناء على أصله بضم المستفاد إلى ما عنده في الحول وهذا غلط، لأنه عجل زكاة مالٍ ليس في ملكه.
فرع آخر
لو أشترى بمائتي درهم عرضًا للتجارة ثم أخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول (١) تساوي أربعمائة (٢) لأن [٧٨ أ/٤] الاعتبار في زكاة التجارة تأخر الحول وينعقد الحول في الابتداء على ما دون النصاب بخلاف زكاة العين وخالفه ابن سريج فقال: لا يجوز لأنه يعتبر النصاب في عرض التجارة من أول الحول إلى آخره.
فرع آخر
إذا أراد تعجيل عشر الثمار والزروع قال ابن أبي هريرة: يجوز إذا علم أن فيها على غالب العادة خمسة أوسق وهذا إذا كان الزرع قصيلًا، أو كان الثمار بلحًا أو طلعًا لم يتشقق، وقال أبو إسحاق: وهو المذهب الصحيح لا يجوز لأنه يجب زكاتها بسبب واحد وسائر الزكوات تجب بسببين، ولأن في الحال قصيل أو بلح وليس من مال الزكاة بخلاف غيرهَا.
فرع آخر
مسألة: يجوز تقديم زكاة الفطر على هلال شوال إذا دخل شهر رمضان وأول وقت جوازها بعد طلوع الفجر من اليوم الأول من رمضان، وقيل: فيه وجه أنه لا يجوز تعجيلها وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز تقديمها على شهر رمضان وهذا غلط، لأنه لم يوجد سببها بوجه فلا يجوز.
فرع آخر
إذا نذر أضحية لا يجوز ذبحها قبل وقتها بلا خلاف، لأن ذبحها عمل البدن وهو مقصود لأنه لو فرق اللحم لم يجز.
فرع آخر [٧٨ ب/٤]
لو أحرم بالحج ثم أراد تقديم الجزاء على قتل العبد، فإن كان خرجه فالمذهب أنه يجوز ذلك وبه قال أبو حنيفة لأن وجود سبب القتل هو بمنزلة وجود القتل، وإن لم يكن خرج فالمذهب أنه لا يذهب لأنه لم يوجد شيء من أسبابه، والإحرام ليس بسبب لوجوب الجزاء، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر: وهو ضعيف وعلى ما ذكرنا لو جرح آدميًا ثم قدم الكفارة على موته يجوز، وإن لم يكن جرحه لا يجوز.
فرع
يجوز تقديم كفارة الظهار على العود ولا يجوز تقديمها على الظهار، وقيل: فيه وجه آخر لا يجوز تقديم كفارة الجماع في صوم رمضان على الجماع بلا خلاف.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ٣ / ٧٣ ]
مسألة: قال (١): وإن تَسَلَّفَ الوالي لَهُمْ فهَلَكَ منهُ قَبْلَ دفعِهِ إليهِمْ وقد فَرَّطَ أو لمْ يُفَرَّطْ فهُوَ ضَامِنٌ.
وهذا كما قال: إذا استقرض الوالي للمساكين من لا يلزمه أو استعجل لهم قبل الحلول ممن يلزمه الزكاة بالحول لا يخلو من أربعة أحوال، أحدها: أن يكون من غير مسألة رب المال وغير مسألة أهل السهمان، ولكنه رأى بأهل السهمان حاجة وفاقة فلا يخلو إما أن يتلف في يده أو يدفعها إليهم فإن تلفت في يده فهي من ضمانه يلزمه في خاص ماله ويستقر عليه [٧٩ أ/٤] الضمان ولا يرجع الإمام به على المساكين فرّط أو لم يفرّط فيه لأن المساكين هم أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز أن يتعجل لهم حقهم برأيه إلا بشرط السلامة والضمان، وليس لولي اليتيم إذا استقرض له عند علمه بحاجته فهلك في يده من غير تفريط فلا ضمان لأنه مولى عليه ولهذا يتصرف فيه له ولا يتصرف الإمام في مال الزكاة للمساكين من غير ضرورة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يضمن لأن حاجاتهم كمسألتهم من الإمام ذلك وليس بشيء، وإن دفعها إليهم فإن حال الحول ولم يتغير الحال فقد وقعت الزكاة موقعها وإن حال الحول وقد تغير حال الدافع أو المدفوع إليه، رجع رب المال على الإمام ورجع الإمام على المساكين، وقال أبو حنيفة: الضمان على المساكين فقط وهذا غلط به ما كان له أن يحل لهم حقهم برأيه.
فرع
لو رأى الإمام بأطفال المساكين حاجة إلى التعجيل وكانوا يتامى فاستسلف لهم فتلف في يده من غير تفريط ففيه وجهان، إحداهما: وبه قال أبو إسحاق: ليس له ذلك فإن فعل كان ضامنًا لأن لهم حقًا في خمس الخمس وسهمًا فيه يستغنون به غن غيره، [٧٩ ب/٤] والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: له ذلك ولا ضمان عليه لأنهم ممن يستحقون الزكاة عند وجوبها وهم في ولايته والحالة الثانية: أن يكون ذلك التسلف بمسألة أهل السهمان دون رب المال، فتغيرت حالهم أو حاله فإن بلغها من ضمان المساكين سوًاء تلف في يد الإمام أو في أيديهم لأنه وكيلهم ولكن رب المال يطالب الإمام لأنه هو الآخذ منهم حتى يطالب الإمام المساكين، وقال القفال: إذا علم المالك أنه أخذ بمسألة المساكين لا يطالب الإمام بحال بخلاف الوكيل يطالبه التابع بالثمن، لأنه طريقه والتزم ذلك بالعقد بخلاف الإمام وهذا أقيس، والحالة الثالثة: أن يكون ذلك بمسألة أرباب الأموال دون المساكين، فالإمام وكيل أرباب الأموال دونهم فإن تلفت في يده فهي من ضمان رب المال، فإن تلفت في أيديهم رجع عليهم ولا يرجع على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا فأيهما تغلب فيه وجهان، إحداهما: تغلّب جنبة رب المال لأن جانبه (٢) لأنه
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٣).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٧٤ ]
يملك الدفع والمنع. والثاني: تغلب جنبة المساكين، لأن المنفعة ترجع إليهم وقد ذكرنا حكمها فإن قيل: إذا ضمن الإمام في الحالة الأولى [٨٠ أ/٤] وجب أن لا يجوز له القبض أصلًا، قلنا: إنما جاز لأن اختياره يؤدي إلى ذلك لما رأى بهم من الفاقة والخلة فيجوز ذلك على شرط السلامة، كما لو كانت عند رجل وديعة فجاء رجل وقال: أنا وكيل فلان يقبضها منك فصدقه يجوز له تسليمها إليه بشرط السلامة حتى لو أنكر المالك الوكالة فإنه يضمن، كذلك هاهنا فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا: يرجع إليهم فإن كانت تالفة استرجع قيمتها هكذا أطلق أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بالعراق: إن خرج المدفوع إليه من استحقاق الزكاة يسترجع منه مثلها وجهًا واحدًا، وإن خرج الدافع ممن تجب عليه الزكاة فيه وجهان، كوجهي أصحابنا فيمن أقرض حيوانًا هل يجب على المستقرض رد مثله؟ أو قيمته ويفارق المسألة قبلها، لأن هناك يسترجع في حق الفقراء فيسترجع المثل لأنه لا يجوز في حق الزكاة غير الحيوان وهاهنا يسترجع في حق نفسه فتجب القيمة ذكره في "الحاوي" (١) ثم إذا رجع بالقيمة حتى يقوم فيه وجهان:
إحداهما: حين الدفع إليهم لأنهم ملكوا حينئذٍ كما يقول في الصداق وهو الصحيح.
والثاني: حين التلف كالعارية وهذا لأنه لو كان موجودًا رجع به فإذا كان تالفًا رجع بقيمته في تلك الحالة، وإن كانت باقية بحالها [٨٠ ب/٤] لم تزد ولم تنقص يسترجع عنها ثم إن كان العارض موت المسكين فرأى الرائي أن يرده على وارثه وهو جاز، وإن كانت زائدة فإن كانت الزيادة غير متميزة رجع بها مع الزيادة فإن كانت الزيادة متميزة كانت الزيادة لوارث المسلمين لأنه ملك بالقبض، وإن كانت ناقصة فإن كان النقصان غير متميز كالهزال رجع بها ناقصة ولا يستحق أرش نقصانها كالمفلس إذا انتقص المباع في يده لا يضمن النقصان عند رجوع البائع في المبيع بعيب الإفلاس، نص عليه في "الأم"، وقيل: هل يغرم النقص؟ وجهان:
إحداهما: يغرم لأن ما يضمن عينه يضمن نقصه هو غلط، فإن رأى الوالي أن يرده على وارثه لم يجز للنقص إلا أن يكون بعد النقص على وصف مال الدافع فيجوز، وإن كان النقصان متميزًا كبعيرين تلف إحداهما وبقي الآخر يرجع بالباقي وبمثل الثالث في أحد الوجهين، وبقيمته في الوجه الآخر، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: هو كالقرض يملك يوم الإتلاف في أحد القولين فيغرم النقصان ويرد الزيادة مع الأصل على هذا القول وهذا غلط.
فرع
لو استعجل مسألة رب المال وهي باقية في يد الوالي له أن يسترجع قبل الحول ما لم يفرقها الوالي، فإن فرقها فلا [٨١ أ/٤] رجوع إلا أن يتغير الحال على ما ذكرنا ولو
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ١٦٦).
[ ٣ / ٧٥ ]
استعجل بمسألة المساكين وكانت باقية في يد الإمام ليس لرب المال استرجاعها، لأن يد الوالي هاهنا يد أهل السهمان، وهناك يده يد رب المال.
فرع آخر
لو تعدى الإمام فيها يضمن قيمة الحيوان وجهًا واحدًا لأنه يضمنها ضمان غصب بخلاف ما تقدم.
فرع آخر
.. (١) رب المال أن يتعجل الزكاة منه لهم ففعل وصرفها إليهم ثم عند الحول كان الدافع من يجب عليه الزكاة والمدفوع إليه من لا يستحق الزكاة قد ذكرنا أنه يسترجع فإذا استرجع هل يتعين عليه دفعها في الزكاة فيه وجهان، إحداهما: يتعين لأنه عينها بالتعجيل، والثاني: هو بالخيار بين دفعها أو دفع غيرها لأنها بعد الاسترجاع من جملة ماله هذا أصح عندي.
مسالة: قال (٢): ولو استَسْلَفَ لرجُلَيْنِ بَعِيرًا فأتلَفَاهُ وماتَا قَبْلَ الحَوْلِ فَلَهُ أنْ يأخُذَ منْ أموالِهِمَا لأهلِ السَّهمَانِ.
وهذا كما قال: اعلم أن في تعجيل الزكاة يعتبر ثلاثة أشياء صفة المعجل له وهو المسكين وصفة المعجل هو رب المال وصفة المعجل منه وهو النصاب فأما صفة المعجل له فهي معتبرة في حالين: حالة الدفع وهي حالة التعجيل لصلة النية، وحالة احتساب المدفوع [٨١ ب/٤] عن القرض لهذين، وأما صفة لمعجل منه فهي معتبرة من وقت التعجيل إلى وقت الاحتساب في مسائل ذكرها هاهنا منها هذه المسألة، وأراد به لو استسلف الإمام لرجلين من المساكين بغير أمر رب المال قبل الحول ولا تأثير لذكر الرجلين إلا تحسين العبارة به في لسان العرب، وقوله: فأتلفاه وماتا قبل الحول لا تأثير للإتلاف أيضًا في هذه المسألة إلا المبالغة في بيان حكم المسألة، فله أن يأخذ من أموالها أي: الإمام أن يأخذ هذا البعير المعجل إليهما إن كان قائمًا وقيمته إن كان تالفا من أموالهما بغيرهما من أهل السهام للعلة التي ذكرها وهي أنهما لمّا لم يبلغا الحول (٣) أنه لا حق لهما في صدقة خلت في حول لم يبلغاه أي: وإن وجد فيهما منعة الاستحقاق عند الدفع إذا لم يوجد وقت الاحتساب عن الفرض لم يكن لهما حق في هذه الصدقة تطوع وهذا غلط، لأنه دفع الزكاة على أن تقع موقع الفرض [٨٢ أ/٤] فإذا لم تقع استرجع كما لو دفع إلى من
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) انظر الأم (١/ ٢١٣).
[ ٣ / ٧٦ ]
ظاهره الإسلام ثم بان له كفره استرجع، ويؤكده أن المقصود بتعجيلها إسقاط الفرض، فإذا لم يسقط استرجع.
فرع
لو شك في موته هل كان قبل الحول أم بعده ففيه وجهان، إحداهما: يسترجع اعتبارًا بالنفس في التعجيل والشك في الجواز، والثاني: لا يسترجع اعتبارًا بأنه ملك بالقبض فلا يجوز الاسترجاع بالشك، فعلى هذا يجزي عن فرض رب المال لأن الاسترجاع إذا لم يجب الإخراج ثانيًا، وهذا أقرب.
مسألة: قال (١): ولو أيْسَرا قَبْلَ الحَوْلِ.
الفصل
وهذا كما قال: أبدل الشافعي ها هنا تصوير موتهما بيسارهما قبل الدخول فينظر فإن كان اليسار مما دفع هؤلاء يسترجع شيئًا لأنا دفعنا إليه ذلك يستغني به، هكذا لو تصرف فيه واستغني بذبحه ونمائه لا يسترجع منه ووقعت الصدقة موقعها، وإن كان اليسار من غير ما دفع هو إليه إما بميراث أو هبة من الغير تسترجع منه ذلك، لأنه خرج عن أن يكون مستحقًا للصدقة قبل تمام الحول فصار كما لو مات.
فرع
لو أيسر ثم افتقر فحال الحول وهو فقير فيه وجهان، إحداهما: يسترجع لأنه خرج بالغني من أن يكون من أهل الصدقة فبطل الدفع الأول، والثاني: وهو الصحيح لا يسترجع لأن الاعتبار [٨٢ ب/٤] بآخر الحول.
فرع آخر
لو عجل إلى غني على أنه إن افتقر عند الحول كان عن زكاته وإلا استرجعها منه لا يجوز ذلك، لأن الزكاة إنما رخص في تعجيلها رفقًا بالفقراء، ولا فرق في تعجيلها للغني وإنما هو عبث ولهو فلم يسقط به الفرض، فإن قيل: إذا كان الاعتبار بآخر الحول يجب أن يجوز هاهنا كما قلتم: إذا أوصى لوارثه ثم صار غير وارث تصح الوصية لأن الاعتبار في الوصية بحالة الموت، قلنا: بالوصية يقصد الرفق بعد الموت لأنه حالة زوال ملكه عنه وها هنا القصد من التعجيل الرفق بالفقراء حال إخراجه وتعجيله، فإذا كان غنيًا فلا رفق فيه فلا يجوز.
مسألة: قال (٢): ولو عَجَّلُ زكاةَ مائَتَي دِرْهَمٍ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ هَلَكَ مالهُ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ المُعطي لمْ يَكُنْ لهُ الرُّجوعُ بهِ.
وهذا كما قال: إذا تولى رب المال تعجيل زكاته إلى الفقير قبل تمام الحول ثم تغير حاله فإن كان شرط أن عجلها رجع عليه بها، وإن لم يكن شرط تعجيلها لم يكن له أن
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٢٣).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٤).
[ ٣ / ٧٧ ]
يسترجعها، لأنه متهم في قوله: إني كنت عجلتها ويجوز أن يكون قد أدى واجبًا عليه أو تطوع به ويفارق الإمام، فإن له أن يسترجع، وإن لم يقل ذلك لأنه وليهم ثابت الولاية عليهم ولا يتهم في بابهم، فإن قيل: [٨٣ أ/٤] أليس إذا دفع إلى رجل مالًا ثم اختلفا؟ فقال الدافع أقرضتك وعليك مثله، وقال المدفوع إليه: وهبته فالقول قول الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة واجبة في الحال أو صدقة واجبة أو صدقة تطوع، فإنما ادعى أنه عجلها لم يقبل وليس كذلك إذا دفع إليه مالًا وقال: تصرف فيه فإنه لا ظاهر يدل على أنه هبة فرجعنا إلى قول الدافع في ذلك ولا يعتبر أن يشترط الرجوع بل يكفي أن يذكر التعجيل، لأن حكم التعجيل الرجوع عند تلف ماله، ولو لم يذكر التعجيل ولكن صدقه الفقير أنه كان تعجيلًا فله الاسترجاع أيضًا، فإن لم يصدقه وقال: لا أعلم ذلك فالقول قوله إن كان حيًّا وقول وارثه إن كان ميتًا وهل عليه اليمين أنها واجبة عليه فهو مكذب لنفسه فيه الآن فلا يجب عرض اليمين لأجل. والثاني: وبه قال أبو يحي البلخي: يلزمه اليمين لأن الدعوى محتملة وما في يده مدع فافتقر دفع الدعوى إلى يمين فعلى هذا يحلف هو أو رارثه على نفي العلم ولو اختلفا في الشرط فقال رب المال: شرطتُ التعجيل فلي الرجوع [٨٣ ب/٤] فأنكر الفقير الشرط فيه وجهان، إحداهما: القول قول رب المال مع يمينه وله الرجوع لأنه على أصل ملكه لم يقر بما يزيله عنه والمدفوع إليه هو مقر له بالملك مدع لما يزيله، والثاني: القول قول الفقير مع يمينه على البت وجهًا واحدًا: لأنه ملك الأخذ وادعى عليه الاستحقاق فكان على أصل تملكه ما لم يُقم بينة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من ذكر فيه طريقة أخرى فقال: نص في "الأم" أنه يسترجع ونص في رب المال أنه لا يسترجع، وعلق القول فيه في حرملة ولم يفصل بين الإمام ورب المال ففيه ثلاث طرق، إحداها: كلتا المسألتين على قولين، والثانية: الفرق على ما ذكرنا، والثالثة هما على حالين فحيث قال في "الأم": يسترجع هو إذا أعلم المسكين أنها صدقة مفروضة وهذا الحكم لو أعلم رب المال وحيث قال: ليس لرب المال الاسترجاع أراد إذا لم يعلمه ذلك وهكذا الإمام قال هذا القائل وهذه الطريقة هي أصح والأمر عندي على ما تقدم، ذكره وهذا كله غير صحيح.
فرع
لو عجل خمسة دراهم عن مائتي درهم فلما قرب الحول أتلف درهمًا منها لم تلزمه الزكاة، وهل له أن يسترجع ما عجله فإن لم يكن شرط التعجيل لم يكن له استرجاعه [٨٤ أ/٤] وإن كان شرط الاسترجاع فقد خرّج أبو سعيد الإصطخري فيه وجهين، إحداهما: له أن يسترجع كما لو تلف بنفسه لأن الزكاة سقطت عنه في الحالتين، والثاني: ليس له ذلك لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة.
[ ٣ / ٧٨ ]
مسألة: قال (١): ولو ماتَ المُعطي قَبْلَ الحَوُلِ وفي يَدِ رَبِّ المالِ مائتا دِرهمٍ إلاَّ خَمْسَةَ دَرَاهمٍ فلاَ زَكَاةَ عليه.
وهذا كمًا قال: إذا عجل زكاة ماله فمات المعطي قبل الحول فإن لم يكن اشترط أنه زكاة ماله عجلها لم يكن له أن يسترجعها عي ما ذكرنا، ورجع إلى ما بقي من ماله فإن كان نصابًا زكى، وإن كان دونه فلا زكاة عليه.
قال الشافعي (٢): وما أعطى كما يصدق به أو أنفقه في هذا المعنى يعني كما لا يسترد في حياته لأنه تطوع به، فكذلك بعد وفاته، وإن كان قد شرط أن زكاة ماله عجلها قبل وجوبها استرجعها فإن كان أقل من النصاب وقد تمَّ بهذا الذي استرجع النصاب قال أصحابنا: هل يستأنف الحول؟ وجهان:
إحداهما: لا يستأنف لأن الزكاة المعجلة في الحكم كأنها عى ملكه بدليل جوازها عن فرضه في آخر الحول ولأن حكم الحول ثابت بحاله كما كان لم ينقطع بتعجيلها فكيف يجوز أن يقال يستأنف الحول.
والثاني: إن كان المال دراهم أو دنانير لا يستأنف [٨٤ ب/٤] الحول، وإن كان حيوانًا يستأنف لأن الحيوان الذي عجله يصير بمنزلة ما في الذمة ولا زكاة في الحيوان الذي في الذمة بخلاف النقد وهذا غلط، لأنه لا فرق على ما ذكرنا أن حكم الحول جاز عليها، ومن أصحابنا من قال: إن كان ما استرجعه دراهم عن دراهم فعليه الزكاة سوًاء استرجع عين ماله أو مثله لأن التعجيل لما لم يحز صار فرضًا في ذمة الفقير والقرض ومن يجب ضمه إلى المال الناقض ويزكيان، وإن كان ما استرجعه ماشية عن ماشية فإن استرجع مثله أو قيمته فلا زكاة ويستأنف الحول، لأن البدل المأخوذ عن التعجيل هو كالبدل المأخوذ عن المبيع ولو كان باع منها شاة بشاة استأنف الحول، وإن استرجع ما عجله في وجوب الزكاة وجهان:
إحداهما: يجب لأن ما عجله مضموم إلى ما بيده على ما ذكرناه.
والثاني: يستأنف الحول لأن ما عجله، إما أن يكون زكاة لا ترتجع أو قرضًا يرتجع فلما بطل كونه زكاة ثبت كونه قرضًا، ومن أقرض حيوانًا لم يلزمه زكّى به بخلاف من أقرض الدراهم وهذا لأن زكاة الماشية لا تجب إلا بالسوم والسوم لا يتصور فيما في الذمة والأول أصح.
مسألة: قال (٣): ولو كانَ لرجلٍ مالٌ لا تَجِبُ في مِثِلهِ الزَّكاة.
الفصل
وهذا كما قال: [٨٥ أ/٤] إذا أخرج خمسة دراهم ولا نصاب عنده فقال: إن ملكت مائتي درهم فهذه زكاتها لم يجز لأن الزكاة تتعلق بالحول والنصاب وقدمها في السببين
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٤).
(٢) انظر الأم (١/ ٢١٤).
(٣) انظر الأم (١/ ٢١٤).
[ ٣ / ٧٩ ]
فلا يجوز كما لو قدم الكفارة على اليمين والحنث لا يجوز.
فرع
لو شك هل استفاد مالًا من أنبيه الغائب بموته فأخرج خمسة دراهم فقال: إن كان مائتي درهم حصلت في ملكي عنه فهذه زكاته لم يجز لأنه شاك في حصول السبب فنيته لا تصح، بخلاف ما لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، فإنه يجوز لأن الأصل بقاء المال، وفي المسألة الأولى الأصل العدم.
فرع آخر
لو عجل زكاة ماله ثم مات قبل الحول قال في القديم: تبنى الوراثة حولهم على حول الميت لأنهم يردون المال بما تتعلق به الحقوق كما يرثون التبعض بما تتعلق به من حقوق الشفعة وغيرها، وقال في الجديد: وهو الصحيح يستأنفون الحول لأنه يجدد ملكهم كما لو ملك بسائر وجوه الملك، فإذا قلنا: بالأول يجزي ما أخرجه عن زكاتهم، وإن قلنا بالثاني فهل يجزي ما أخرجه الميت عن زكاتهم، قال في "الأم": وبه قال أصحابنا: يجزيهم لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا: يجزيه لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا من [٨٥ ب/٤] قال: لا يجزيهم لأنهم لما استأنفوا الحول يصير تعجيلًا قبل وجود النصاب والحول، ثم على المذهب إن كان نصيب كل واحد منهم نصابًا أجزاهم ولا كلام، وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من النصاب فإن اقتسموا قبل الحول سقطت الزكاة عنهم ونظر فيما عجله المورث، فإن كان قد شرط أنه زكاة عجلها قبل الوجوب كان لهم الاسترجاع، وإن لم يشرط ذلك لم يكن لهم الاسترجاع وهذا حكم الاسترجاع، إذا قلنا: لا يجوز ما أدى عن الوارث وإن لم يقتسموا مال الميت حتى تم الحول فإن كان حيوانًا يثبت فيه حكم الخلطة قولًا واحدًا والزكاة واجبة عليهم فيه، وإن كان غير الحيوان ففي ثبوت حكم الخلطة قولان، فإذا قلنا: لا يثبت سقطت الزكاة وحكم الاسترجاع على ما ذكرنا، وإن قلنا: يثبت فما عجله الميت يجزي عنهم.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀: لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل ولم يكن عنده بنت مخاض فجوز له إخراج ابن لبون فمات قبل إخراجه فأراد الوارث ابن لبون وعنده بنت مخاض جاز له ذلك، لأنَّ الزكاة وجبت على المورث وهو نائب عنه في الإخراج فلم يعتبر حال الوكيل [٨٦ أ/٤] بخلاف ما لو حال الحول بعد موته.
فرع آخر
ذكر والدي ﵀: لو عجل زكاة خمس وعشرين فأخرج ابن لبون لأنه لم يكن في ملكه ابنة مخاض ثم استفادها قبل تمام الحول جاز ذلك ولا يلزمه دفع بنت مخاض، ولا استرجاع ابن لبون لأن الاعتبار بوقت الإخراج بدليل أنه لو حدث عيب
[ ٣ / ٨٠ ]
يمنع الجواز ابتداء في ابن لبون الذي أخذه المسكين قبل الحول جاز، وإن لم يجز دفع المعيب ابتدأ عن الزكاة، قال ويحتمل وجهًا آخر: عليه إخراج ابنة مخاض والأولى أولى، وقال القاضي الإمام الحسين: الأصح الوجه الثاني، لأن الإبدال لا يصار إليها قبل وجوب المبدل كالتيمم لا يجوز قبل دخول الوقت.
مسألة: قال (١): ولو عَجَّل شاتَيْن مِنْ مائَتَيْ شاةٍ فحَالَ الحَوْلُ وقد زَادَتْ شاهٌ أَخَذَ مِنها شاةً ثالثةً.
وهذا كما قال جملة هذا الفصل أنه إذا وجد سبب وجوب الزكاة فأخرجها معجلا فلا اعتبار في قدر ما يجب عليه من الزكاة بوقت الاحتساب والمعجل في هذا الاعتبار هو في حكم القائم في ملكه المضموم إلى ما له فإذا عجل شاتين من مائتي شاة فحال الحول وقد زادت شاة أخذت منها شاة ثلاثة، لأن الشاتين المعجلتين كالقائمتين في ملكه بدليل احتسابهما عن [٨٦ ب/٤] الفرض وقت الحول وإذا كان كذلك فيكون له عند الحول مائتا شاة وشاة ففيها ثلاث شياه وقد عجل شاتين فعليه شاة ثالثة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تقديمه الشاتين يسقط عنه وجوب الشاة الثالثة لأنه ليست في يده وقت الحول إلا مائة وتسع وتسعون شاة وفيها شاتان، وقد عجلهما فرد عليه الشافعي فقال: لا يسقط تقديمه الشاتين الحق عليه في الشاة الثالثة لأن الحق إنما يجب بعد الحول ويحتسب له ذلك المعجل عن الواجب عليه بعد الحول فدل أن ذلك المعجل كالقائم في ملكه وقت الحول، وإن كان تالفًا مشاهدة فيجعل كالقائم في وجوب الثالثة حكمًا أيضًا، ثم استشهد بالعكس فقال: كما لو أخذ منها يعني من المائتين قبل الحول شاتين فجاء الحول وليست فيها إلا شاة فإن تلفت منها مائة ردت عليه شاة اعتبارًا بوقت الاحتساب لا بوقت التعجيل، وإنما لم يعجله في هذه المسألة متطوعًا بما عجل من الشاة الثانية لأنه صور المسألة في الإمام دفع إليه الشاتين، والإمام في الظاهر لا يأخذ إلا الفرض، ولا يدفع إليه إلا الفرض، فلهذا كان له استرداد إحدى الشاتين عند تلف نصف ماله وأيضًا لو قلنا: لا يلزمه شاة أدى إلى الضرر [٨٧ أ/٤] بالمساكين وقد جوز التعجيل رفقًا لهم فيستحيل أن يكون مؤديًا إلى هذا الضرر.