(٢٦٣ أ/ ١) قال: قال الله تعالى: ﴿َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
(البقرة: ٢٢٢)، الآية وهذا كما قال.
اعلم أن الحيض دم يرخيه الرحم عند بلوغها في أوقات معتادة، وأوصله من قولهم: حاض السيل إذا أفاض وسال. وحاضت الشجرة: إذا أخرجت صمغها حتى سال منها. والأصل فيه هذه الآية.
قال الشافعي: أراد المحيض الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، كما يقال: سار سيرًا ومسيرًا ويكون تقديم الكلام: فاعتزلوا النساء في زمن حيضهن. وقيل: المحيض عبارة عن الفرج لأنه موضع الحيض، كما يسمى موضع البيتوتة مبيتًا، وموضع القيلولة مقيلًا، ويكون تقديره: اعتزلوهن فلا تجامعوهن في الفرج. وما قاله
[ ١ / ٣٠٧ ]
الشافعي أولى؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه أذى، والأذى هو الدم لا الفرج ولا الزمان. ولهذا قال: " حَتَّى يَطْهُرْنَ" (البقرة:٢٢٢)، وأراد يطهرن منه، وإنما يطهرن من الدم.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يتعلق بالحيض أربعة عشر حكمًا يوجب حكمين ويمنع الباقي. فالذي يوجب البلوغ به، والغسل. ويتعلق بالرفع حكمان: المنع من الاستمتاع والطلاق. ويتعلق بالعدة حكمان: يمنع الاعتداد بالشهور ويمنع الدخول في العدة الشرعية ويختص (٢٦٣ ب/ ١) ويتعلق بالمسجد ثلاثة أحكام: اللبث فيه، والاعتكاف، والطواف. ويتعلق بالصلاة ثلاثة أحكام تمنع وجوبها، وفعلها، وقراءة القرآن. ويبقى حكمان: حمل المصحف، والمنع من الصوم دون وجوبه. وقيل: خمسة عشر، وذلك أنه يمنع صحة الغسل؛ لأن الجنب إذا حاضت لا يصح غسلها عن الجنابة، وهذا يرجع إلى تعليق الغسل به؛ لأن الغسل لا يفيد شيئًا لوجوبه بالحيض. وقيل: يتعلق به اثني عشر حكمًا، ولم يحسب هذا القائل البلوغ، والغسل به، وصحة الغسل، وما ذكرناه أصح.
وقال القفال: جملته أن ما منعت الجناية منه منع الحيض منه وزيادة أربعة أشياء: وجوب الصلاة، وجواز الصوم، وإتيان الزوج، وكون الطلاق سببًا، قلت: ويمنع الاعتداد بالأشهر، والدخول في العدة الشرعية فالزيادة هي ستة لا أربعة.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحيض إذا وجد ممن قد بلغت تسع سنين حكمنا ببلوغها؛ لأنه زمن تحيض له الجارية ويبلغ فيه الغلام بالاحتلام. قال الشافعي في "الأم": وأعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحيض لتسع، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة ولم يذكر الجدة تحديدًا أقل سن تكون فيه جدة. وإنما (٢٦٤ أ/ ١) أخبر عما رآه، فقد تكون جدة لها تسع عشرة سنة تحمل ولها تسع، وتضع بعد ستة أشهر ثم تحمل هذه الجارية لتسع وتضع بعد ستة أشهر، فيكون تسع عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: إذا رأت الدم وقد دخلت في تسع سنين ولم تكمل التاسعة، هل نحكم بكونه حيضًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم لأنه يقال لها بنت تسع والثاني: لا نحكم وهو الأصح.
وتسع سنين هل هي حد تقريب أو حد تحقيق؟ وجهان: أحدها: أنه تحقيق يتعين الحكم بنقصان يوم. والثاني: تقريب فلا يضر نقصان يوم أو يومين، وهذا أقرب عندي.
ومن أصحابنا: قال: حد القرب هو أن لا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يسع لحيض أو طهر، ولو رأت قبل الستع موصولًا بالتسع، وقلنا: إنه تحديد فإن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة، وبعد التسع قدر يوم وليلة، فإنا نجعل الكل حيضًا. وإن رأت
[ ١ / ٣٠٨ ]
قبل التسع يومًا وليلة وبعده دون يوم وليلة لم يجعل حيضًا. وإن كان المجموع يبلغ قدر أقل الحيض بعضه قبل التسع وبعضه بعد التسع هل يجعل حيضًا؟ وجهان.
وأما الغسل فقد ذكرنا حكمه كيف يجب بالحيض. وأما الطلاق فلا يحل (٢٦٤ ب/ ١) في حال الحيض بغير عوض. وأما العدة قفلا تدخل المقعدة في العدة الشرعية ما دامت حائضًا حتى تطهر. وأما الاعتداد بالشهود فلا يكون إلا في حق من لا تحيض. وأما اللبث في المسجد فلا يجوز لها كالجنب. وأما العبور ففيه كلام سنذكره إن شاء الله، وأما الاعتكاف فيه فهو عين اللبث في المسجد، وكذلك الطواف. ويفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها. وأما الصلاة فقد روى أن امرأة سألت عائشة﵄- عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: لا. فقالت لها: فمال بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت كنا ندع الصوم والصلاة على عهد رسول الله ﷺ فنقضي الصوم دون الصلاة. وقولها:" أحرورية أنت" تعني من أهل حروراء أنت؟ وأكثر أهل حروراء خوارج، وإنما زجرتها ولم يتبين لها دليلًا؛ لأن تلك المرأة لم تكن أهلًا لذلك، ولم تكن ممن تقيم الحجة، وتمنع القراءة لأنها أسوأ حالًا من الجنب، ويمنع الصوم دون وجوبه. والفرق بين الصوم والصلاة من حيث المعنى: هو أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه ربما يفسد من شهر رمضان خمسة عشر يومًا ولا يشق قضاء ذلك في باقي السنة. والصلاة تتكرر (٢٣٦٥ أ/ ١)، فإذا قضت في كل شهر أدي إلى المشقة، ولأن الصوم لم تبن على أن تؤخر ثم تقضى، بل لا تجنب في مواضع، ومتى وجبت لم يجز تأخيرها بعذر.
والصوم بنى على ترك بعذر المرض، أو السفر والقضاء بعده، فجاز لها أن تترك أيضًا ثم تقضيه، ولهذا يترك المسافر ركعتين لا إلى القضاء ويترك الصوم إلى القضاء.
وأما الاستمتاع بها فهو على ثلاثة أضرب؛ محظور، ومباح، ومختلف فيه فالمحظور: هو الوطء في الفرج، كقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وروى أن اليهود كانوا يعتزلون الحيض أشد الاعتزال فلا يواكلوهن، ولا يشار بوهن، ولا يساكنونهن في بيت واحد، ولا يتناولونهن الطعام إلا برأس خشبة. والنصارى كانوا يخالطون الحيض أكثر من مخالطة الطاهرات، يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فلما جاء الإسلام سئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فظن المسلمون أنهم أمرور بمثل ما تفعله اليهود، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال:" وأكلوهن وشاربوهن وضاجعوهن، وافعلوا بهن كل شيء إلا الجماع ". فقالت اليهود: لا يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فسمعه سعد بن عبادة، فأراد مغايظتهم، فأتى [٢٦٥ ب/١]
[ ١ / ٣٠٩ ]
رسول الله ﷺ وقال: إن اليهود قالت كذا وكذا، فأذن لنا في جماعهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليه.
وروى أبو داود في سننه أن سيد بن حضير وعباد بن بشر سالا ذلك منه فتمعر وجه رسول الله ﷺ قال أنس ﵁: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، قال: فخرجنا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ، فبعض في آثارهما فسقاهما، وظننا أنه لم يجد عليهما.
وهذا أصح عندي. وقوله:"تغير" هو مصحف، ومعنى تمعر أي تغير، والأصل في التمعر قلة النظارة.
وقوله:"فظننا أنه لم يجد عليها" أراد علمنا، فالظن الأول حسبان والظن الآخر علم ويقين، فأن بادر فوطئ فإن كان جاهلًا بالتحريم أو الحيض، أو بوجوب الكفارة فلا كفارة عليه، وإن كان عالمًا بع ففيه قولان، قال في"الجديد": "لا كفارة عليه ويتوب إلى الله تعالى ويستغفر الله تعالى منه" وقال في"القديم":"إن كان في إقبال الدم تصدق بدينار، وإن كان في إدباره تصدق بنصف دينار" وذلك يجب على الزوج في ماله، ويصرفها إلى الفقراء والمساكين، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، [٢٦٦ أ/١] وإسحاق.
وحكي عن أحمد أنه قال:"يتخير بين الدينار ونصف الدينار". ووجهه ما روى مقسم عن ابن عباس﵁- أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي أهله وهي حائض:"يتصدق بدينار أو نصف دينار".
وروى": من أتى امرأة حائضًا فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار". وقيل: قال الشافعي في مواضع:" إن صح هذا الحديث قلت به".
وروي:" ومن أتاها بعد ما رأت الطهر ولم تغتسل فعليه دينار". وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال:"من جامع امرأة وهي حائض في أو الدم فليتصدق بدينار، وإن جامعها في لآخر الدم وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
ووجه قوله الجديد وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ما روى أبو هريرة﵁- أن النبي ﷺ قال:" من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقوله، أو أتى امرأة في دبرها، أو حائضًا، فقد برئ مما جاء به محمد" ولم يذكر الكفارة.
[ ١ / ٣١٠ ]
وروي أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في منامي كأنني أبول دمًا. فقال: يوشك أن تطأ امرأتك وهي حائض، قال: [٢٦٦ ب/١] استغفر الله ولا تعد. ولم يوجب الكفارة، ولأنه وطء حرم لأجل الأذى فلا تجب به الكفارة كالوطء في الدبر.
وأما الخبر الذي ذكروه وروي موقوفًا على ابن عباس ولا يثبت مرفوعًا، وألفاظه مختلفة، ويحتمل الاستحباب، ولهذا إنه حير بين الدينار ونصفه.
وروي عن عمر﵁- أنه قال:" يجب إعتاق رقية"، وبه قال سعيد بن جبير. وروى عن الحسن البصري أنه قال:" يلزمه نا يلزم من المجامع في نهار رمضان"، وبه قال عطاء الخراساني، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفراييني:" أراد بإدبار الدم انقطاع دمها ووطئها قبل الاغتسال فيتصدق بنصف دينار. وأما قبل الانقطاع فيجب دينار وإن كان في آخره" وسائر أصحابنا قالوا: إدبار الدم هو أن يقل ويقرب الانقطاع فإذا تقرر هذا، فإذا انقطع دمها لا يحل له وطئها أيضًا، وسواء انقطع لأكثر الحيض أو لأقله، أو لما بينهما حتى تصير إلى صفة تسبيح الصلاة بالغسل عند وجود الماء، وبالتيمم عن عدمه. وبه قال الزهري وربيعه، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لعشرة أيام-وهي أكثر مدة الحيض عنده-[٢٦٧ أ/١] حل وطئها وإن لم يغتسل. وإن انقطع دمها لدون العشر لا يحل وطئها ما لم تغتسل أو يمر عليها وقت الصلاة. وعندنا مرور وقت الصلاة لا يبح الوطء بحالٍ. وقال أيضًا: لا يحل وطئها بالتيمم حتى تصلي بالتيمم. وقال مكحول: لا يحل وطئها بالتيمم أصلًا. وقال طاوس ومجاهد: إذا لم تجد الماء يحرم وطئها حتى تتوضأ ثم تحل.
واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، يعني من الحيض، وهو انقطاع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعنى اغتسلن بالماء ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، يعني في القبل دون الدبر، وقد قرنت هذه الآية (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء، يعني يغتسلن.
وأما الاستمتاع المباح فهو مباشرتها فوق الإزار، والإزار عبارة عما بين السرة والركبة، وهو قدر عورة الرجل.
وأما المختلف فيه فمباشرتها بما تحت الإزار ما دون الفرج، نص الشافعي أنه حرم خوفًا أن يصيبه منها أذي. ذكره في أحكام القرآن و"الأم" وبه قال مالك: وأبو حنيفة، وأبو يوسف. قال أبو إسحاق بن خيران وحكاه صاحب"الحاوي" عن مالك هو
[ ١ / ٣١١ ]
حلال. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واختاره ابن المنذر. وروي ذلك عن الشعبي والنخعي.
وقال [٢٦٧ ب/١] بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان. قال في "القديم": لا يحرم ذلك، وهذا غريب. وقيل وجهان، والصحيح ما ذكرت. ووجه القول الثاني ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:"اصنعوا كل شيء غير النكاح".
وروى عن عائشة﵂- أنها قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في الخميلة،
فحضت فانسللت، فقال ﷺ:"مالك؟ أنفست"؟ قلت: نعم. فقال:" ائتزري وعودي إلى مضجعك". فائتزرت وعدت، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع.
وقال عائشة﵂-:" كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوج حيضتنا أن نَتَّزِرَ ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه". وفوج الحيض هو معظمه وأوله، يقال: فاج وفاع بمعنى واحد. والإرب: مكسورة الألف، والأرب مفتوحة الألف والراء كلاهما واحد، ومعناه: وطر النفس وحاجتها.
ووجه القول الصحيح ما روي عن عائشة﵂- قالت قيل لرسول الله ﷺ: ما الذي يحل للرجل من امرأته الحائض؟ فقال:" ما فوق الإزار:.
وقال أبو [٢٦٨ أ/١] الفياض من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أنه كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج، وأما لضعف شهوته أو لقوة تحرجه، جاز الاستمتاع بذلك، وإن لم يضبط نفيه فلا يجوز، لقول عائشة:" وأيكم يملك إربه" الخبر.
فرع
لو تلوث بدم الحيض ما عدا ما بين السرة والركبة هل يحل مباشرتها في موضع تلوثها بالدم؟ هذا لا فيه للشافعي، وقال أصحابنا: لو قيل يحرم ذلك كما يحرم ما تحت الإزار لم يبعد. ولو قيل: لا يحرم لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرح بغير واسطة بلم يبعد أيضا، وهذا أصح وهو فرق واضح، فصار ذلك بمنزلة سائر النجاسات إذا أصابها لا يمتنع الاستمتاع.
فرع آخر
لو قصد رحل غشيان زوجته فزعمت أنها حائض، وهكذا كلما رغب فيها قالت هكذا، ولا يعرف الرجل ميقات حيضها وطهرها، فكل مكان يصدقها فأنها حائض لا يحوز له
[ ١ / ٣١٢ ]
وطئها، وكل زمان لا يصدقها فله وطئها ولا يقبل قولها، ويفارق هذا إذا قال: أما إن حضت فأنت طالق، فقالت حضت يقع الطلاق وإن كذبها؛ لأن التقصير من جهته حيث علق الطلاق بأمر لا يعرف إلا بالقول منها، وأما الإباحة [٢٦٨ ب/١] والتحريم بالحيض فهو أمر شرعي، ولم يحد من جهة الزوج تقصير فلا يلزمه قولها فيه.
فرع آخر
الحائض هل هي مخاطبة بصوم رمضان؟ وجهان: احدهما: أنها مخاطبة بدليل وجوب القضاء. والثاني: أنها لا تكون مخاطبة؛ لأنها ممنوعة منه بسبب عي غير مفرطة ولا لها قدره على إزالة المانع والقضاء وحب بأمر ثان.
مسألة: قال:" وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَّمُ نَظَرَتْ".
الفصل
وهذا كما قال. أراد أنه اتصل دم الحيض بدم الاستحاضة، والاستحاضة تخالف الحيض اسمًا وحكمًا ومحملًا، ولا يمنع الاستحاضة ما يمنع الحيض، وخروجه من عرق خارج الرحم، يقال له: العاذل، في أدنى أول الرحم، وخروج الحيض من الرحم، ثم الاستحاضة تنفصل من الحيض، فإن يكون في حال نقصان السن أو لنقصان القدر، بأن يكون دون يوم وليلة، وقد يتصل بالحيض دم الاستحاضة بأن يجاوز الدم أكثر مدة الحيض، فيعرف أن بعضه حيض، وبعضه استحاضة. والأصل في هذا أن الشافعي﵀- رجع في أقل الحيض وأكثره، وفي أقل الحمل وأكثره، وأقل سن تحيض فيه الجارية، وأقل سن تيأس به المرأة من الحيض وأقل [٢٦٩ أ/١] الطهر، وأكثر النفاس إلى الوجود، ومعنى الوجود ما جرى به عرف العادة، وهذا لأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولا تقدير له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، كالإحراز، وكالقبض والتفرق في البيع.
فإذا ثبت هذا وجد الشافعي﵀- أقل سن تحيض له الجارية لتسع سنين. فإن رأت قبل التسع فهو دم فساد ولا يتعلق به حكم الحيض. وإن رأت لتسع سنين فإن لم يتصل يومًا وليلة فهو دم فساد أيضًا، وإن اتصل يومًا وليلة فهو حيض، فإن زاد على ذلك لا يخلو إما أن يتجاوز خمسة عشر أو لا يتجاوزها فإن لم يتجاوزها مثل إن انقطع لتمامها أو لما دونها فهي حائض. وإن غير خمسة عشر فهي مستحاضة ودخلت الاستحاضة في الحيض، ولا تمنع الاستحاضة صحة الحيض؛ لأن الاستحاضة مرض وسقم، والحيض عادة وصحة، والسقم يطرأ على الصحة، والصحة على السقم، فإذا صارت مستحاضة نذكر حكم المستحاضة.
وجملته: أن المستحاضة على أربعة أضرب: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تميز
[ ١ / ٣١٣ ]
لها، ومن لها تميز وعادة، ومن لا تمييز لها ولا عادة. والأصول منها ثلاثة مميزة ومعتادة [٢٦٩ ب/١] ومن لا تمييز لها ولا عادة، وكلها في المختصر على هذا الترتيب، والتي لها تمييز وعادة فرع من هذه الأصول، لأنها جمعت ضفة أصلين، ولكل أصل من هذه الثلاثة أصل في الشريعة ثبت به، فالأصل في المميزة حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﷺ:"إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي".
وروي أنه قال:" إنما هو داء عرض أو عرق انقطع، توضئي لكل صلاة" وروى أنه قال لها:" إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما عو عرق". أو ردها إلى التمييز.
وروى أن النبي ﷺ قال لأم حبيبة بنت جحش:"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي". وقد استحيضت سبع سنين، ولا يقول لها ﷺ هذا إلا ويعرف إقبالها وإدبارها بعلامة ينفصل لها من الأمرين، وهي بأن تراه زمانًا أسود ثخينًا فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقًا مشرقًا [٢٧٠ أ/١] فذلك إدبارها.
وروى عن ابن عباس﵁- أنه قال:"إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي". وأراد البحراني: الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الدم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته.
والأصل في المعتادة: ما روى عن أم سلمةرضي الله عنها- أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال:"لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر ثوب ثم لتصل" الاستثفار
هو: أن تشد توبًا تحتجر به تمسك موضع الدم لتمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر، قالت عائشة -﵂-: رأيت مركنها ملآن دمًا. والمركن: شبه الجفنة الكبيرة.
والأصل في التي لا تمييز لها ولا عادة: ما روى عن حبيبة بنت جحش، قالت:
[ ١ / ٣١٤ ]
كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت رسوله الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش [٢٧٠ ب/١] فقلت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، وإنه لحديث ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال:" ما هو يا هنتاه"؟ فقلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها معنى الصوم والصلاة. فقال:"فإني أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم"، وقيل:" أبعث لك الكرسف" وهو مصحف عندي. قلت: هو أكثر من ذلك، قال:"فتلجمي" قلت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قلت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًا، قال:"سأمرك بأمرين أيهما فعلت أجزاك عن الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، إنما عي ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعة وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرني الظهر وتعجلي العصر فتغسلي وتجمعي بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك". قال [٢٧١ أ/١] رسول الله ﷺ:"وهذا أحب الأمرين إلي".
قال الشافعي: واحتمل هذا أمرين:
أحدهما: أنه كان لها عادة، فردها رسول الله ﷺ إلى عادتها إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا، فلا تكون المستحاضة إلا أصلان مميزة ومعتادة.
والثاني: أنه لم يكن لها عادة، بل كانت مبتدأة، فردها رسول الله ﷺ إلى غالب عادة النساء إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا وهو أخد قولي الشافعي فيكون هذا أصلًا ثالثًا في التي لا تمييز لها ولا عادة وقد بين النبي ﷺ حكمها.
وقال أصحابنا: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها
على ما تيقنه، من أحد العددين، وحكاه صاحب الشامل هذا عن الشافعي. والدليل على هذا أنه قال:" في علم الله"، أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وقد ترك بعض أصحابنا القول بهذا الخبر، لأن في رواية كلامًا، وصار في المبتدأة التي لا تمييز لها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين، فلا تترك الصلاة إلا أقل مدة الحيض وهو يوم وليلة [٢١٧ ب/١] ثم تغتسل وتصلي سائر الشهور وهذا أحد قولي الشافعي. وقوله:" أنعت لك الكرسف" يعني: القطن وقوله:" أثج ثجًا": فإن الثج شدة السيلان. وقوله:
[ ١ / ٣١٥ ]
" إنما هو ركضة من ركضات الشيطان": فأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتضرب برجلها، ومعناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبس عليها في أمر دينها، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا على فعل الشيطان، كهو في قوله تعالى: ﴿َأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ﴾ [يوسف:٤٢].
وقد روى أصحابنا في المستحاضة الناسية للوقت المتحيرة في أمرها: أن حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة، وروت زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي. وروت عائشة﵂- أن سهلة بنت سُهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب [٢٧٢ أ/١] والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح. والشافعي﵀- لا يقول بهذا الجمع، فإذا تقرر هذا، بيني كل واحدة منهن ويذكر حكمها.
فالمميزة: هي التي لا إعادة لها، هي المبتدأة ترى الدم ثم يتصل بها وينفصل بعضه عن بعض ما يقع التمييز به، وذلك يكون بلون وريح ورقة. فاللون يكون الأول أسود، ثم يتغير إلى الحمرة. قال الشافعي: يكون أسود محتدمًا وأرد بالمحتدم: الحار كأنه محترق. يقال: احتدم النهار إذا اشتد حره. وأما الريح: يكون الأول رائحة، ثم تزول. وأما الرقة: أن يكون الأول ثخينًا، ثم يرق فيصفر أو يشرق، فإذا تميز شيء من هذا، فإنما يتعلق حكم التمييز إذا اجتمع شرطان: أحدهما: أن لا يزيد الأسود أو الأحمر على أكثر الحيض.
والثاني: أن لا ينتقص عن أقل الحيض؛ لأنه إذا زاد على أكثر الحيض لا يجوز أن يجعل جميع الأسود حيضًا. وإذا نقص عن اليوم والليلة لا يجوز أن يكون حيضًا. فإذا وجد هذان الشرطان رددناها على الدم السود، وجعلناه حيضًا، وقضت ما زاد عليه من الصلوات هذا في الشهر الأول. فأما في الشهر الثاني تترك الصلاة في الدم الأول، فإذا تغير وصار بعد السواد أحمر تغتسل وتصلى ولا تنتظر إلى آخر [٢٧٢ ب/١] خمسة عشر، وإنما تنتظر في الشهر الأول فقط إلى خمسة عشر لتنظر هل ينقطع لتمام الخمسة عشر أو يختلط به دم الاستحاضة. فأما الشهر الثاني فقد حكمنا بأنها مستحاضة وعرفت أمر نفسها فلا تؤخر الصلاة.
وأما المعتادة التي لا تمييز لها: هي أن يكون لها عادة مستقرة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر اتصل الدم وزاد على العادة على لون واحد، وقول الشافعي: وكان مشتبهًا إلى لون الدم مشتبهًا شبه بعضه بعضَا، فإنها تؤخر الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لخمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة تغتسل حين عبر، ثم تقضي ما بعد العادة، وتقعد في كل شهر بعد الأول عن الصلاة في أيام
[ ١ / ٣١٦ ]
العادة، وتغتسل عقيبها وتصلي ولا تؤخر، وتكون على يقين الطهر، ولا يجئ فيه قول الاحتياط.
وأما التي لها تمييز وعادة: مثل إن كان لها عادة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر زادت العادة وتغير الدم، فإنها تقعد عن الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لتمام خمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة فتنظر عقيبه فإن تغير عند انتهاء العادة واتصل فهذه امرأة قدر عادتها وتمييزها [٢٧٣ أ/١] واحد تغتسل حين يعبر وتقضي ما بعد الأول، وإن تغير بعد أن جاوز العادة، مثل إن كانت العادة خمسة أسود فاتصل في هذا الشهر الأسود عشرة، ثم تغير إلى الحمرة واتصل، فالمنصوص أن التمييز مقدم على العادة. وبه قال جمهور أصحابنا، وهذا لأن التميز اعتبار صفة الدم في الوقت، والعادة هي اعتبار صفة ما مضاى فالصفة في الوقت أولى. وقال ابن خيران، والاصطخري: العادة مقدمة على التمييز، وبه قال أحمد: لأن العادة أسبق فلا تبطل بالتأخير، ولأن العادة لا تختلف والتمييز يختلف، وهذا لا يقوى؛ لأن العادة تختلف أيضًا في الشهور كالتمييز. وإذا قلنا العادة مقدمة قضت ما بعد العادة. وإذا قلنا التمييز مقدم قضت ما بعد التمييز. فأما ما بعد هذا من الشهر فلا تؤخر الصلاة عقيب العادة إن اعتبرنا العادة، ولا بعد التمييز إن اعتبرنا التمييز.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز وإنما الاعتبار بالعادة. قال: فإن لم يكن لها تمييز وكان لها عادة استظهرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام، وإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، ثم
بعد ذلك هي مستحاضة لا حيض لها. وروى عنه أنه قال: إذا انقضى الدم الأسود فقعد [٢٧٣ ب/١] ثلاثة أيام استظهارًا.
فأما التي لا تمييز لها ولا عادة: فهي المبتدأة إذا طبق بها الدم بصفة واحدة أو بصفتين، إلا أن السواد يزيد على خمسة عشر أو ينتقص عن يوم وليلة، فيكون ذلك تمييزًا فاسدًا لا اعتبار به، فتتوقف عن الصلاة. فإن انقطع لجون خمسة عشر ولتمامها فهو حيض، وإن غير فهي مستحاضة.
وفي مقدار حيضها قولان:
أحدهما: اليقين، وهو يوم وليلة، وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وزفر، وهذا لأن الزيادة على اليوم والليلة مشكوك فيها فلا يعمل فيها.
والثاني: غالب عادة النساء، وهي ست أو سبع والباقي طهر، وبه قال عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد في رواية. ووجهة خبر حمنة بنت جحش وظاهره أنها كانت مبتدأة لأنه لم ينقل أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، وروي البويطي قولًا ثالثًا: أنها ترد إلى أقل الحيض وأقل الطهر وليس بمشهور.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنها تقعد خمسة عشر يومًا حيضًا. وروي ذلك عن
[ ١ / ٣١٧ ]
أحمد. وعن أحمد رواية رابعة أنها ترد على عادة نسائها. وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض. وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة [٢٧٤ أ/١] بالأقل، وفي وطء الرفع بالأكثر. فإذا قلنا بالقول الأول اغتسلت وقضت ما بعد يوم وليلة. وإذا قلنا بالقول الثاني قضت ما بعد ست أو سبع. وأما في الشهر الثاني إذا مضى وقت حيضها تغتسل وتصلي ولا تتوقف عن الصلاة. فإذا قلنا ترجع إلى غالب عادة النساء فالست والسبع علي التخيير أو على الاجتهاد؟ وجهان:
أحدهما: على التخيير أي العددين شاءت؛ لأن كل واحد منهما قد ثبت لا لعرف فيه، وعلم الرسول أن كل واحد منهما عادة غالبة في النساء فخيرها.
والثاني: أنه على الاجتهاد فتجتهد في الأغلب منهما وتعمل على ما ثبت عندها أنه أغلب، وهذا هو المذهب، والرسول ﷺ عرف أن أحدهما هو الغالب فأمرها بالاجتهاد في أغلبهما، قال ابن سريج: وعلى هذا الوجه يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تجتهد في الغالب من هذين العددين في عادة نسائها من قبيلتها وعشيرتها، ولا تعتبر نساء العصبات كما في مهر المثل، بل تعتبر بجملة نساء أهل بيتها من
طرفي نسبها وهو المذهب، وهذا لأن طبعها إلى طباعهن أقرب. وذكر بعض أصحابنا نساء العصبات، وهو غلط ظاهر.
الثاني: تعتبر نساء الدنيا في بلدها خاصة، فإذا [٢٧٤ ب/١] قلنا: ترد إلى يوم وليلة فما حكمها وبعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان: أحدهما: لها من للطاهرات تتوضأ لكل صلاة.
وثانيهما: زوجها، ويصح صومها وصلاتها فيها. ولفظ الشافعي في"الأم": يحل لزوج المستحاضة وطئها إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تستعمل للاحتياط فلا يأتيها زوجها في ذلك الوقت، وتغتسل لكل صلاة، ولو صامت فيها أو طاقت قضت؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك زمان الحيض، والأصل بقاء الفرض فالاحتياط، هكذا نص عليهما في"الأم" والصحيح الأول؛ لأن حكمنا بأنه زمان طهر، فلا يجوز أن لا يكون لها فيه حكم الطاهرات بخلاف المتحيرة؛ لأن هناك لم يتقدم طهرها المشكوك حيض بيقين. وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز وطء المستحاضة وبه قال أحمد، إلا أن بخاف العنت على نفسه؛ لأن بها أذى، وهذا غلط لأن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها طلحة﵁- يجامعها، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكان يطأها مستحاضة، والظاهر أن ذلك كان بإذن رسول الله ﷺ.
وأما قول الشافعي في"المختصر": لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] ٢٧٥ أ/
[ ١ / ٣١٨ ]
١] قرئ بالظاء المعجمة، وقرئ بالطاء، وقصد به مالكًا -﵀- فبالطاء غير المعجمة: هو اشتقاق من الطهارة، وهو طلب الطهر. وبالظاء المعجمة: اشتقاق من الاستظهار وهو الاستعانة بها لاستيقان الطهر والاحتياط. والدليل على بطلان قوله: إنما لم يجعل بعض الدم طهرًا مع أن الاحتياط فيه أبلغ، فلأن لا تجعل بعض الدم الأضعف حيضًا أولى. واحتج بأن الدم الأسود لا ينقطع ثمره بل يرق ويشرق ويصفر، ثم ينقطع. فلينظر ثلاثة أيام كذلك، قلنا: هذا لا يوجد في المعتادة وأنت تأمرها بالاستظهار ثلاثة أيام.
فإذا تقرر هذا، فنذكر الآن حكم الصفرة والكدرة، ثم نشتغل بالتفريع.
قال الشافعي هاهنا: والصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ
واختلاف أصحابنا في معنى ذلك، فقال عامة أصحابنا: المراد به أيام الإمكان وإن لم تكن عادة كالدم السود. وبه قال سعيد بن المسيب، وربيعة ومالك، والثوري، والأوزاعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد، وقال الإصطخري: المراد به أيام العادة دون أيام الإمكان، فإن ذات الصفرة في غير أيام العادة ويكون دم الاستحاضة، وإن أمكن فيه الحيض. وبه قالت عائشة، وعطاء رضي [٢٧٥ ب/١] الله عنهما.
قال أبو إسحاق المروزي: إلى هذا كنت أذهب، حتى رأيت الشافعي يقول في أول كتاب"العدة": الصفرة والكدرة حيض، والمبتدأة فيهما سواء. فدل أنه لا فرق بين العادة وغيرها، وحكى ابن أبي هريرة زجهًا ثالثًا عن بعض أصحابنا، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، أنه إن تقدم دم أسود ولو بعض يوم، فالصفوة التي بعده هي حيض مع الأسود. وإن لم يتقدم دم أسود لا يكون حيضًا، قال القفال: وإلى هذا الوجه الثالث أشاء الشافعي في"كتاب العدة"، قال لو اعتدت امرأة قرءين ثم رأت في القرء الثالث دفعة سواء، ثم رأت صفرة أو كدرة حتى جمد يومًا وليلة ثم انقطع قدرًا انقضت عدتها. يعني بالطعن في هذه الدفعة التي كملت بالصفوة يومًا وليلة. فحصل من هذا أن لصفوة والكدرة حيض في أيام العادة بالاتفاق. وقيل: إن مراد الشافعي به أن لا ترى المرأة في أيام عادتها دمًا سائلًا، ولكنها إذا استدخلت قطنة أو خرقة، ثم استخرجت فرأت عليها صفرة أو كدرة، فإنه يحكم لها، بحكم الحيض كالدم السائل، وفي أيام الإمكان ثلاثة أوجه. قال داود: لا يكون حيضًا أصلًا، والمذهب الأول؛ لأن كل دم كان حيضًا [٢٧٦ أ/١] في وقت العادة كان حيضًا في
[ ١ / ٣١٩ ]
غير وقت العادة كالدم الأسود. ولأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وهذا يتناول الصفرة والكدرة.
واحتجوا بما روي عن أم عطية-وكانت بايعت رسول الله ﷺ أنها قالت:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا". وقال علي-رضي لله عنه- في الصفرة والكدرة بعد الطهر: ليس بحيضة، ولا تترك لها الصلاة. وحكاه أبو سليمان الخطابي عن الثوري والأوزاعي، قلنا: روي أصحابنا عن عائشة﵂- أنها قالت:"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا" وقولها أولى، وقال أبو يوسف في رواية الطحاوي: إنها قد رأت يومًا
وليلة دمًا، ثم رأت بعد صفرة أو كدرة فهو حيض وإلا فلا. وحكي عنه أنه قال: الصفرة حيض والكدرة حيض إلا أن يتقدمها دم أسود. وقيل: هذا قول محمد أيضًا.
فصل
في التفريغ على هذا إذا كانت تحيض من أول كل شهر خمسة أيام وتطهر في الباقي، فرأت في بعض الشهور في تلك الخمسة صفرة أو كدرة، وانقطع كانت الصفرة والكدرة حيضًا في ظاهر المذهب. وقول الإصطخري: ولا يكون حيضًا في الوجه الثالث، وإن كانت عادتها خمسة في كل شهر [٢٧٦ ب/١]، فلما كان في هذا الشهر رأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة إلى تمام خمسة عشر فما دونها ثم انقطع، فالدم الأسود حيض وأما الصفرة والكدرة ففي قول الإصطخري لا تكون حيضًا، وفي قول غيره تكون حيضًا وإن كانت المسألة بحالها قرأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام، ثم رأت خمسة أسود وانقطع، قال ابن سريج هاهنا: هذه الصفرة هي بمنزلة دم الاستحاضة ولا تكون حيضًا، وهو قول الإصطخري: فإن قلنا: لا تلفق الدماء فالكل حيض، وإن قلما: تلفق بجمع الدم الأسود إلى الدم الأسود، فيكون حيضها غيره، والصفرة والكدرة طهر بينهما، ووجه هذا أن عادة دم الحيض أنه إذا تطاولت به الأيام يرق ويضعف، فيعمل على أنه بقية الحيض. وإن رأت دمًا أسود بعد ذلك لا يمكن أن يحمل على البقية والضعف بطول الأيام؛ لأنه لو كان كذلك ثم جاء بعده دم أسود فجعلناه طهرًا بخلاف ما إذا لم ير بعده دمًا أسود، فإن كانت بحالها فرأت مكان الصفوة والكدرة دمًا أحمر؟ قال ابن سريج: الكل حيض الأسود والأحمر معًا. قال: والفرق بينهما أن الأحمر إلى السواد أقرب، بالحيض أشبه [٢٧٧ أ/١]، والصفرة والكدرة إلى النقاء أقرب، وبالطهر أشبه على المذهب في كلتا المسألتين
[ ١ / ٣٢٠ ]
حيض. وإن كانت العادة في أول كل شهر خمسة أسود وخمسة وعشرون طهرًا، فلما كان في هذا الشهر رأت الدم على العادة ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام فهل يكون حيضًا أم لا؟ على الوجوه، لأنها في وقت الإمكان. وإن رأت المبتدأة خمسة أيام صفوة أو كدرة وانقطع، أو رأت أقل من خمسة غير صفرة، فعلى قول عامة أصحابنا حيض، وعلى الوجهين الآخرين ليس بحيض.
فصول
في التفريع على كل واحدة من المستحاضات الأربع الذي تقدم ذكرهن.
الفصل الأول
منها في التفريغ على المميزة التي لا إعادة لها، إذا كانت من أهل التمييز كما شرطناه تعتبر كل حيضة بنفسها في كل شهر سواء اتفقت الأيام أو اختلفت إلى زيادة أو إلى نقصان أو إليهما. فالاتفاق أن يرى في أول كل شهر خمسة أيام دمًا أسود وباقية أحمر، والاختلاف على الزيارة أن يرى في الأول يومًا أسود ثم يصير أحمر، وفي الثاني يومين أسود، وفي الثالث ثلاثة أسود.
والاختلاف إلى النقصان أن يكون الأسود في الأول: [٢٧٧ ب/١] خمسة، وفي الثاني: أربعة، وفي الثالث: ثلاثة، وفي الرابع: يومين، والاختلاف إلى النقصان والزيادة معًا أن يكون في شهر خمسة، وفيما بعده أربعة، وفيما بعده ستة. وعلى هذا فيكون أيام الأسود حيضًا والباقي استحاضة، ولا يعتبر حكم شهر بشهر آخر، لأن التمييز شاهد في نفس الدم، فاعتبر كل دم تشاهده.
وجملته: أنها لا تخلو من أربعة أحوال: إما أن ترى أولًا أسود، ثم أحمر، أو ترى أسود ثم أحمر ثم أسودن فيكون أحمر بين أسودين. أو ترى أولًا أحمر ثم أسود، أو ترى أحمر ثم أسود ثم أحر فيكون أسود بين أحمرين. فإن رأت أسود ثم أحمر مثل إن رأت أولًا خمسة أسود ثم صار أحمر، فإن لم يغير خمسة عشر فالكل حيض؛ لأن التمييز إنما يعتبر عند حصول الاستحاضة ولم يحصل هاهنا؛ لأنه لم يعبر خمسة عشر التي هي أكثر الحيض. وإن عبر ذلك أو رأت خمسة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل، فالأسود حيض والأحمر بعدة استحاضة. فإن رأت ستة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل فكأنه لا تمييز لها بحيضها في أول الأسود، وكم تحيضها؟ على ما ذكرنا من القولين، فإن رأت خمسة أسود ثم طهرت يومًا أو يومين ثم عاد أحمر [٢٧٨ أ/١] وعبر فالأسود حيض، والنقاء طهر، والدم بعد استحاضة؛ لأنه لو اتصل الأحمر بالأسود كان استحاضة، فإذا انفصل بطهر لا يحتسب أولى أن يكون استحاضة فأما الأحمر بين أسودين: أن ترى خمسة أسود وخمسة أحمر، ثم صار أسود وعبر، فالخمسة الأولى حيض وما بعده من الأحمر والأسود معًا استحاضة؛ لأن الأسود الأخير عبر ولم نقف على أكثر الحيض.
[ ١ / ٣٢١ ]
وإن رأت الأسود يومًا وليلة، ثم أحمر عشرة، ثم أسود أربعة، ثم صار أحمر واتصل، قال ابن سريج: ما بعد الأربعة استحاضة وما قبله من الأسودين حيض، فيكون الأسود
الحيض خمسة أسود، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر؛ لأن المستحاضة متى جعل لها أحمر بين أسودين فهو في حكم الطهر أولًا، وليست كالحائض التي يجعل لها أحمر بين أسودين فيكون الكل حيضًا. فإذا كان الأحمر هاهنا في حكم الطهر فهل يلفق أم لا؟ على قولين، كما لو كان مكان الأحمر طهر، فإنه على قولين. فإن قلنا: لا يلفق فالكل حيض، وإن قلنا: يلفق لفق الأسود إلى الأسود والأحمر إلى الأحمر، فيكون الأسود حيضًا والأحمر استحاضة. ثم قال: والأشبه بالمذهب أن لا يلفق إذا كان بين الأسودين طهر؛ لأن التقاء [٢٧٨ ب/١] بالطهر أشبه.
وإن رأت نصف يوم أسود ونصف يوم أحمر كذلك إلى الرابع، ثم رأت الخامس كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فإن ما بعد الخامس استحاضة والأسود حيض، وهو ثلاثة أيام الهامس ونصف الأربعة، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر. فإن قلنا لا يفلق فهو حيض أيضًا، فيكون حيضها خمسة وإن قلنا يلفق فالأحمر طهر وهو يومان وهو نصف الأربعة وثلاثة أيام حيض وهو زمان الأسود.
وإن رأت نصف يوم أسود ثم صار أحمر إلى تمام التاسع، ثم رأت العاشر كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فما بعد العاشر استحاضة، وزمان الأسود حيض وهو بوم ونصف، والأحمر بينهما. هو في حكم الطهر على ما ذكرنا، ويجئ فيه ما قال من الأشبه بالمذهب.
وأما الأحمر ثم الأسود مثل أن يرى خمسة أحمر ثم صار أسود عبر، فهل يمنع الأسود من أن يكون الحمر قبله حيضًا أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان وهما أصل في هذا الباب: أحدها: يمنع لقوله بالسنة ومزينه عليه. والثاني: لا يمنع للاحمرار أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا كما لو انفرد. فإذا قلنا: لا يمنع سقط حكم الأسود وصار كأنه أحمر كله، ولا تكون [٢٧٩ أ/١] مميزة. وكم حيضها من أول ما رأت الدم فيها؟ على قولين: أحدهما اليقين يومًا وليلة والباقي استحاضة. والثاني: غالب عادة النساء وهو كل الأحمر وعامة من الأسود والباقي استحاضة. وإذا قلنا بمنع ذلك سقط حكم الأحمر وثبت حكم الأسود، ولا تكون مميزة في الحقيقة، فيكون ابتداء الحيض من الأسود والأحمر قبله استحاضة. وكم تحيض من الأسود؟ قولان: اليقين أو غالب عادة النساء، وكل موضع يقول اليقين يريد يومًا وليلة. وكل موضع يقول غالب عادة النساء يريد ستًا أو سبعًا، فإن كانت بحالها فرأت الأحمر عشرة ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها في أول الأحمر. وكم نحيضها؟ على القولين وإذا قلنا يمنع حيضناها من أول الأسود، وكم يحيضها؟ على القولين والباقي استحاضة.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فإن كانت بحالها فرأت الأحمر خمسة عشر ثم صار أسود واتصل، فإن قلنا: الأسود
لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الأحمر، وكم تحيضها؟ على القولين وإن قلنا يمنع سقط الأحمر، وكم تحيضها من الأسود؟ على القولين.
وعلى هذا فإنها تدع الصلاة في النصف الثاني من الشهر أيضًا رجاء أن ينقطع على خمسة فيكون النصف من الشهر الباقي [٢٧٩ ب/١] حيضها، ولا يتصور امرأة يلمها ترك الصلاة شهرًا كاملًا إلا في هذه المسألة على الوجه، وذلك أنها لما رأت الأحمر في الابتداء يلزمها ترك الصلاة رجاء أن ينقطع على خمسة عشر، حتى إذا انقطع كان الأحمر حيضها، فلما رأت الأسود بان حيضها النصف الثاني من الشهر دون النصف الأول.
فإن كانت بحالها فرأت المبتدأة ستة عشر يومًا دمًا أحمر ثم صار أسود واتصل. قال ابن سريج: يبني على الوجهين، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر يبني ذلك على القولين فإن قلنا تحيض يومًا وليلة كان حيضها يومًا وليلة من أول الدم الأحمر، وبقية الأحمر في حكم الطهر. وتحيض من لون الأسود حيضة أخرى. وإن قلنا: تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن هذا إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين يومًا فتحيض يومًا وليلة أيضًا. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر تبنى على القولين. فإن قلنا: تحيض يومًا وليلة، لم يمنع هاهنا لأنه يكون بينهما طهر كامل فتحيض من أول الأحمر يومًا وليلة، ومن أول الأسود يومًا وليلة. وإن قلنا تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن أن تحيضها هذا القدر؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تحيض من أول الأسود فيسقط هذا القدر بحيضها يومًا [٢٨٠ أ/١] وليلة قولًا واحدًا.
وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي أن تحيض من أول الأحمر ولا اعتبار بالأسود لأنه قد بطلت إماراته لزيادته على أكثر الحيض. ومن أصحابنا من قال: ابن سريج ناقض في هذا الفرع؛ لأنه إذا قال الأسود يمنع الأحمر، فكان ينبغي أن نحيضها من أول الأسود ويكون الأحمر استحاضة؛ لأن معنى قوله"يمنع الأحمر" أنه يدل على أن الأحمر استحاضة وإن كان زمانه زمان الحيض. وقوله:"يمكن المنع بينها" لا يصح، لأن المميزة المبتدأة إذا رأت يومًا دمًا أسود وباقي الشهر أحمر حيضها الدم الأسود، وكان الأحمر استحاضة. وإن كان يمكن أن يكون السابع عشر حيضًا ولا يمنعه الأسود.
وفرع أصحابنا على ما قال القاضي الطبري: إذا رأت خمسة أيام دمًا أحمر ثم رأت بعده دمًا أسود إلى آخر الشهر فهذه لا تمييز لها؛ لأن الأسود أكثر من أكثر الحيض ويختص من أول شهر يومًا وليلة أو ستًا أو سبعًا على اختلاف القولين وحكي عن ابن سريج فيه وجهان أحدهما: هذا والثاني: يختص من أول الأسود بطلت صلاته على ما ذكرنا. وقال أيضًا: لو رأت خمسة عشر دمًا أحمر وخمسة عشر أسود، فالأسود حيضها [٢٨٠ ب/١] فإن زاد الأسود على خمسة عشر
[ ١ / ٣٢٣ ]
يومًا فلا تمييز لها، وتحيض من
أول الأحمر، ويجئ وجه آخر على ما قال ابن سريج أنها تحيض من أول الأسود.
وأما الأسود يسن أحمرين، مثل إن رأت خمسة أحمر ثم أسود دون يوم وليلة، ثم صار أحمر وعبر، فلا حكم لها لهذا الأسود؛ لأنه لو انفرد لم يكن حيضًا لنقصانه عن أقل الحيض، وإنما يكون له حكم إذا كان تقرر خمسة يمكن أن يكون حيضًا. فإن رأت خمسة أحمر ثم أسود، ثم صار أحمر وعبر، قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال، وأراد ثلاثة أوجه.
أحدها: أن الأسود لا يمنع الأحمر، فله أن يكون حيضًا فيسقط التمييز، وكم نحيضها من أول الأحمر؟ على القولين، وهذا لأنها رأت في الخمسة الأولي أحمر في وقت يصلح أن يكون حيضًا وجب أن نحكم بكونه حيضًا، ثم إذا حكمنا بكونه حيضًا لم يجز أن يكون الدم الأحمر حيضًا ويكون الأسود استحاضة، فكان الأسود حيضًا أيضًا.
والثاني: الأسود يمنع الأحمر أن يكون حيضًا، فيكون الأحمر استحاضة والحيض هي الخمسة الأسود. قال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح الذي لا يجوز أن يقال غيره، ووجهه ما سبق لأنه قوي.
والثالث: يكون حيضًا [٢٨١ أ/١] عشرة أيام، الخمسة الأسود والخمسة الأسود والخمسة الأحمر، وما بعد ذلك استحاضة؛ لأن الأسود قوة بالصفة، والأحمر قوة بالسبق فثبتا حيضًا معًا، وهذا لا يصح مع الوجه الأول؛ لأنه الصفة أقوى من الدمان عند الشافعي، ولهذا قدم التمييز على العادة، وهكذا لو رأت خمسة أحمر ثم عشرة أسود، ثم رأت الأحمر واتصل، وقال القفال: اختلف أصحابنا في المميزة إذا كان ابتداؤها أضعف الدمين على ثلاثة أوجه:
أحدها: يترك ابتداؤه ويعمل على الأسود.
والثاني: لا يترك بحالٍ، ولكن هذا لأضعف إن كان مع الأقوى الذي بعده إذا جمعا لم يجاوزا خمسة وعشر فالكل حيض. وإن جاوزاه ردت على يوم من أول الدم الأضعف إن كانت مبتدأة، أ، إلى غالب عادة النساء على اختلاف القولين، وترجع على عادتها إن كانت معتادة.
والثالث: إن أمكن أن تجعل ابتداء الدم مع السواد الذي بعده حيضًا بأن لا يجاوزا خمسة عشر فعل، وإن جاوزا فحينئذ يترك ابتداء الدم ويجعل الحيض هو السواد، فعلى هذا في المسألة الأخيرة إن قلنا بالوجه الأول فالعشرة حيض، وإن قلنا بالوجهين الأخيرين فجميع الخمسة عشر حيض.
قال: وإن رأت خمسة أحمر واحد عشر أسود، ثم رأت [٢٨١ ب/١] حمرة، فعلى الوجه الأول والثالث السواد عو الحيض، وعلى الوجه الثاني ترد إلى أول الدم الأحمر، أما إلى اليقين وإما إلى غالب عادة النساء. وعلى هذا لو رأت خمسة صفرة
[ ١ / ٣٢٤ ]
وستة عشر سوادًا، فعند الإصطخري هي مستحاضة ترد إلى أول السواد، وكذلك على الوجه الأول والثالث، فأما على الوجه الثاني ترد إلى أول الصفرة على ما ذكرنا على اليقين أو إلى الغالب من عادة النساء، فإن كانت الصفرة ستة أيام والسواد خمسة عشر جعل زمان الصفرة حيضًا وهو ستة وزمان السواد طهرًا لا حكمًا للتمييز، بل ردًا للتمييز إلى عادة النساء وكانت ستة.
ولو رأت خمسة أصفر ثم خمسة عشر أسود، فعلى قول الإصطخري والوجه الأول والثالث زمان السواد حيض كامل، وما قبله لا شيء. وعلى الوجه الثاني هي مستحاضة ترد إلى ما قلنا، وما تقدم أصح الدلائل التي ذكرناها ولا نعيدها.
فروع ثلاثة
في اجتماع ثلاثة دماء ذكرها بعض أصحابنا بخراسان:
أحدها: لو رأت عشرة أسود، ثم عشرة حمرة، ثم عشرة أصفر فحيضها العشرة الأولى بلا إشكال
والثاني: لو رأت عشرة أحمر، ثم عشرة أصفر، ثم عشرة أسود، أو عشرة أصفر ثم عشرة أحمر، ثم عشرة أسود، فإن قلنا بالوجه الأول فحيضها العشرة [٢٨٢ أ/١] الثالثة، وإن قلنا بالوجه الثاني فهي كالمبتدأة. ثم ابتداء المدة من أي وقت يكون؟ إن قلنا الصفرة حيض يحسب من ابتداء الصفرة، وإن كانت العشرة الأولى صفرة. فإن قلنا ليست بحيض يحسب من ابتداء الأحمر في العشرة الثانية.
والثالث: لو رأت خمسة أحمر، ثم خمسة أصفر، ثم خمسة أسود. فإن قلنا بالأول فالأسود حيض. وإن قلنا بالثاني وقلنا الصفرة حيض فالخمسة عشر كلها حيض.
وإن قلنا ليست بحيض يخرج على قولي التلفيق. إن قلنا يلفق فالخمسة الأولى والثالثة حيض، والخمسة الوسطى طهر، وإن قلنا لا يلفق فالكل حيض.
فرع آخر
ذكره الإمام أبو حامد عن ابن سريج-رحمهما الله- لو رأت خمسة أسود وخمسة
أصفر وخمسة أسود، فظاهر المذهب أن الكل حيض؛ لأن التمييز بين الدمين للمستحاضة وهذه ليست مستحاضة.
وقال ابن سريج: الصفوة لا تكون حيضًا، بل هي في أيامها في حكم الطهر بخلاف ما لو كان أحمر؛ لأن الأحمر هو بالحيض أشبه، والصفرة بالطهر أشبه، وهذا لا يجئ على مذهب ابن سريج؛ لأن عنده الصفرة في زمان الإمكان حيض، وإنما يجئ ذلك على قول الإصطخري، لأنه يقول: الصفرة في غير أيان العادة [٢٨٢ ب/١] ليست بحيض.
الفصل الثاني في المعتادة التي لا تمييز لها
إذا استحيضت المعتادة ردت إلى عادتها سواء كانت عادتها أقل الحيض، أو غالبه،
[ ١ / ٣٢٥ ]
أو أكثره، (وسواء) ثبت ذلك بحيض صحيح وطهر صحيح أو بالتمييز. بيانه: كأنها كانت تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، أو تحيض ستًا أو سبعًا وتطهر خمسة عشر، أو تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر، هذا هو الحيض الصحيح والطهر الصحيح.
وأما ثبوتها بالتمييز: هو أن تكون عادتها يومًا وليلة أسود وخمسة عشر أحمر، أو ستًا أو سبعًا أسود وخمسة عشر أحمر، أو خمسة عشر أسود وخمسة عشر أحمر، وترد في وقت حيضها إلى عادتها سواء طال شهرها أو قصر، بيانه: قد يكون شهرها ستة عشر يومًا، وهو أقل ما يمكن فيه أقل الحيض يومًا وليلة، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وقد يكون شهرها ثلاثين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون ستين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون سنة وخمسة دم والباقي طهر فإذا ثبت كيفية ثبوت العادة فالكلام الآن فيما تثبت بعه العادة وينظر فيه، فإن تكرر عليها مرتين العادة به بلا خلاق [٢٨٣ أ/١] وإن لم يكن ذلك منها إلا مرة واحدة، فالمنصوص وبه قال ابن سريج: ثبت بها، لأن اعتبارها بنفسها أولى من اعتبارها بغيرها، ولأن النبي ﷺ قال للمستحاضة أن تنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن أصابها، والخبر ولم يعتبر التكرار.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت بها؛ لأن معنى العادة أن تعتاد ذلك، وهي مشتقة من العود، وإنما يحصل ذلك بالتكرار، وبه قال أبو حنيفة وهذا لا يصح؛ ولأن الشرع لم يرد باسم العادة، ولا معنى لاعتبار الاشتقاق في اللغة.
وعلى هذا لو رأت أول مرة خمسة والباقي طهرًا ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني
فإن قلنا ثبت العادة مرة واحدة فهي معتادة عادتها خمسة. وإن قلنا لا تثبت بمرة فهي مبتدأة. ولو رأت في شهرين خمسة والباقي طهرًا ثم اتصل الدم في الشهر الثالث، فإنها ترجع إلى عادتها وهي خمسة بلا خوف. فإذا تقرر هذا، فإذا استحيضت بعد التكرار لا تخلو عادتها من أحد أمرين، فإما أن تكون متفقة أو مختلفة فإن كانت متفقة مثل إن كانت العادة خمسًا فالحكم على ما ذكرنا أبدًا وإن كانت مختلفة فلا تخلو [٢٨٣ ب/١] إما أن تكون على ترتيب أو على غير ترتيب. فإن كانت على ترتيب واحد ودور مستقيم، مثل إن كانت تحيض في الشهر الأول ثلاثًا، وفي الثاني أربعًا، وفي الثالث خمسًا، وفي الرابع ستًا، وفي الخامس سبعًا، ثم تعود إلى ثلاث وأربع وخمس وست وسبع، ثم طبق بها الدم على لون واحد، نظرت فإن عرفت نوبة هذا الشهر عملت عليه وأكملت العادة في كل شهر حتى تعود إلى الأول، وعلى هذا أبدًا، وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني: أنها تعود إلى عادتها في الشهر الذي قبل الاستحاضة، ويكون ذلك عادتها.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وكذلك لو توالى لها شهران ثلاثة ثلاثة، وشهران خمسة خمسة، وشهران ستة ستة، ثم دارت النوبة هكذا مرة أخرى، ثم استحيضت على المذهب الصحيح تعمل بدورها. وفي الوجه الذي ذكره القفال تعمل بما قبيل الاستحاضة ولا تعرف هذه لنفسها دورًا مستقيمًا في هذه المسألة في أقل من سنة كاملة؛ لأنها تحتاج أن تمر بها نوبتها مرتين، وإن نسيت نوبة ذلك الشهر حيضناها ثلاثًا؛ لأنها أقل عادتها، ثم تغتسل أخر كل يوم إلى آخر السابع لجواز أن يكون وقت الانقطاع للدم فيه، وكذلك [٢٨٤ أ/١] تفعل في كل شهر.
وإن كانت العادة على غير ترتيب، مثل إن أرادت في الأول ثلاثة، وغي الذي يليه ستًا، وفي الذي بعده خمسًا ثم ثلاثًا ولم تتفق على شيء، ثم استحيضت بعد هذا نظر، فإن كان بها شهران على عدد واحد، ثم بعدها شهر الاستحاضة فذلك عادتها؛ لأنها قد تكررت مرتين، وإن لم يكن كذلك فهو على الوجهين فإن قلنا: تثبت العادة بمرة واحدة عملت على الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة وكذلك في كل شهر، وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، قال بعض أصحابنا: نحيضها ثلاثًا؛ لأنه أقل عدد لها. وأيضًا الأقل داخل في الأكثر، فيكون الأقل قد تكرر مرتين، وهذا غلط؛ لأنه إذا لم يكون ذلك منها مرتين سقط حكمه على هذا القول كأن لم يكن. وكم نحيضها في كل شهر؟ على القولين: أحدها: اليقين. والثاني: الغالب.
فإذا قلنا بهذا، فهل يلزمها الاحتياط ما بين أقال عادتها إلى الأكثر؟ قال القفال: فيه قولان كما ذكرنا في المبتدأة، فتغتسل عند انقضاء أوسط العادات وأكثر العادات. وإن صامت في هذا الأيام التي بين أقل العادات وأكثرها أعادت على هذا، ويجئ هذا القول في المسألة قبلها إذا نسيت [٢٨٤ ب/١] نوبة الشهر.
ولو رأت في ابتداء شهر خمسة وفي شهر آخر عشرة، ثم اتصل الدم في الثالث، فهكذا الجواب وقال القفال: إن قلنا: لا تثبت العادة بمرة فحيضها خمسه، لأن الخمسة هي موجودة في العشرة وقد تكررت الخمسة شهرين، غير أن في أحد الشهرين زيادة لم تتكرر فتركناها. قال: ولو لم تر العشرة إلا شهرًا ثم رأت الخمسة في الثاني، ثم اتصل في الثالث فعادتها خمسة بكل حال؛ لأنا إن قلنا تثبت بمرة فالذي قبل الاستحاضة خمسة. وإن قلنا لا تثبت فالمتكرر لم يوجد إلا في الخمسة، وما تقدم أصح لما ذكرنا.
الفصل الثالث في المعتاد التي لها تمييز
وقد ذكرنا أن التمييز مقدم العادة على المذهب الصحيح، وذكرنا عن ابن خيران، وجهًا أخر، وذكر القفال وجهًا ثالثًاا أن يجمع بينهما إن إمكن، وإن لم يمكن فهي كالمبتدأة، فإذا كانت عادتها في كل شهر خمسة أيام فرأت ثلاثة أسود، ثم رأت أحمر واتصل، كان الحيض ثلاثة على المذهب، وعند ابن خيران خمسة وإن رأت الأسود بحالة خمسة ثم رأت أحمر واتصل فقد اتفق ها هنا التمييز والعادة على عدد واحد
[ ١ / ٣٢٧ ]
فحيضها خمسة [٢٨٥ أ/ ١]، ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود واستمر، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط فحيضها الخمسة الأحمر وما بعده استحاضة. وإن قلنا يمنع الأحمر سقط حكمه وحيضناها الخمسة من الأسود؛ لأنها قدر العادة.
ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود خمسة ثم صار أحمر واتصل، ففيه ثلاثة أوجه. إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود وحيضناها خمسه من أول الشهر؛ لأنها عادتها والباقي استحاضة. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر سقط حكم الحمر والحيض هو السود خمسة. وهو الوجه الثاني والثالث يكون حيضها عشرة الأسود خمسه وقبله الأحمر خمسة؛ لأن الأحمر وافق العادة ووقتها فلم يسقط، والأسود قوي بلونه فلم يسقط أيضًا وعلى الوجه الذي ذكره القفال يمكن، فالحكم هذا.
ولو رأت المبتدأة في الشهر الأول دمًا أحمر ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام أسود والباقي أحمر، ورأت في الشهر الثالث دمًا بلون واحد لا يتميز، فإنها في الشهر الأول لا تمييز لها ولا عادة، فإلي ماذا ترد؟ قولان. وفي الشهر الثاني فمييزة غير معتادة، فحيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثالث لإن قلنا إن العادة تثبت [٢٨٥ ب/ ١] بمرة فهي كالمبتدأة.
فإن كانت المسألة بحالها فرأت في الأول دمًا أحمر، ثم رأت شهرين في كل شهر
خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت في الرابع دمًا أحمر كله، ففي الأول الحكم على ما ذكرناه، وفي الثاني والثالث ميزة ترد إلى التمييز، وفي الرابع ترد إلى عادتها بلا خلاف، ولو كانت عادتها خمسة أسود من أول الشهر فرأت في شهر عشرة أحمر ثم خمسة أسود فعلى ثلاثة أوجه على ما ذكرنا.
ولو رأت خمسة عشر أحمر وخمسة اسود فعلي الوجه الأول الخمسة الأولي حيض وهي عادتها، وعلى الثاني السواد حيض، وعلى الوجه الذي ذكر القفال هي المبتدأة.
وإن كانت عادتها شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت الثالث كله أحمر، ثم في الرابع أحمر وأسود، فإنَّا نحيضها في الشهر الأول والثاني بلا إشكال خمسًا خمسًا، وفي الثالث خمسًا بالعادة، وفي الرابع رأت أحمر وأسود ذكر ابن شريج فيه ثلاث مسائل:
أحدها: رأت من الرابع ثلاثًا أحمر ثم صار أسود واتصل فهذه تبني على الوجهين؛ إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر كان وجوده وعدمه سواء نحيضها من الرابع خمسًا، ثلاثة أحمر ويومين أسود. وإن [٢٨٦ أ/ ١] قلنا يمنع سقط حكم الأحمر وحيضناها من الأسود عادتها، وما قبله وبعده استحاضة.
والثانية: رأت من الرابع خمسة أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود، وكان حيضها الخمسة الأحمر قبله، وإن قلنا:
[ ١ / ٣٢٨ ]
الأسود يمنع الأحمر سقط الأحمر وحيضناها من الأسود لأنها الهادة، والباقي هو استحاضة.
والثالثة: رأت من الرابع ستة عشر أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الرابع خمسًا والباقي استحاضة، وإن قلنا يمنع لا يمكن ها هنا أن نحيضها العادة من الأحمر، لأن الأسود يمنع منه، فإذا لم نحيضها العادة دبرت أمرها في هذا الشهر، كأنها ابتدأت به فنحيضها على هذا الوجه يومًا من الأول الأحمر، ثم بعده خمسه عشر استحاضة ويكون ابتداء الأسود ابتداء حيضة أخرى، لأن بينه وبين أول الأحمر اقل الطهر، وقد تقدم نحو هذا في المميزة التي لا عادة لها.
الفصل الرابع في المبتدأة التي لا تمييز لها ولا عادة
إذا رأت هذه المبتدأة الدم على لون واحد نحيضها في كل شهر حيضة، وشهرًا وشهر المستحاضة يكون ثلاثين يومًا، وقد ذكرنا مقدار تلك الحيضة [٢٨٦ ب/ ١]، فإذا قلنا باليقين
فلها ثلاثة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه وهي أربعة عشر يومًا، وطهر بيقين وهو ما بعد ذلك، وإن قلنا بالغالب فلها أربعة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه ما بعد ست أو سبع إلى خمسة عشر، وما بعد ذلك طهر بيقين، بقي الحيض بيقين والحيض المشكوك فيه حكمها حكم الحيض، وفي الطهر بيقين حكمها حكم الطاهرات، وفي الطهر المشكوك فيه تفعل ما يفعل الطاهرات وهل يستعمل الاحتياط به؟ ذكرنا قولين.
الفضل الخامس في انتقال العادة والزيادة فيها والنقصان للانتقال
هو أن تنتقل عادتها إلى تثبيت من العدد إلى زيادة أو نقصان، وفي الوقت إلى تقدم أو تأخر، كأنه كانت عادتها في كل شهر خمسة وستة طهرًا، ثم انتقلت، ففيه مسائل: طهرت خمستها وحاضت خمسة بعدها، طهرت خمستها وخاضت خمسه قبلها، خاضت خمستها وخمسة قبلها وخمسة بعدها. وإن كانت عادتها في كل شهر عشرًا وعشرين طهرًت ففيه مسائل: طهرت عشرتها وحاضت بعدها خمسًا أو عشرًا أو خمسة عشرة، أو حاضت عشرتها [٢٨٧ أ/ ١] وحاضت خمسًا بعدها.
وأما التقدم ها هنا لا يمكن إلا بخمسة كان بينها وبين الحيص قبلها عشرين، فإذا تقدمت بخمس بقي بينهما أقل الطهر عشرة يومًا، وإن تقدمت بخمسة فقبلها ثلاث مسائل: حاضت عشرتها وخمسة قبلها، حاضت خمسة قبلها وطهرت عشرتها، وحاضت خمسة قبلها من عشرتها، ويمكن تصوير المسائل بأكثر من هذا، والأصل في التقدم ما ذكرنا، وهو ان لا يقصر بالتقدم ما بين وقت التقدم والحيض قبله
[ ١ / ٣٢٩ ]
عن أقل الطهر، وإن كانت عادتها خمسة وبقية الشهر طهرًا صح أن يتقدم ها هنا بخمسة وبعشرة× لأنه يبقي أثل الطهر. وإن كانت عادتها خمسة عشرة وبقية الشهر طهر لم يتقدم شيء بحالٍ.
وفرع ابن سريح فرعين بين بهما فقه التقدم:
أحدهما: إذا كانت عادتها خمسة في كل شهر وبقية طهر فقدمت لعشر صح، وهو إن حاضت منه خمسًا وطهرت خمسة عشر، ثم رأت الدم نظر، فإن انقطع لتمام قوم إلى خمسة عشر فهو حيض، فإن اتصل وعبر حيضناها خمسة؛ لأنها العادة.
وهل نحيضها ذلك بما انتقلت إليه أو بما انتقلت عنه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: بما انتقلت إليه؛ لأنه في وقت لا يمكن أن يكون حيضًا. وكذلك [٢٨٧ ب/ ١ [في كل شهر فيكون شهرها عشرين يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر. والثاني بما انتقلت
عنه فيكون خمسة من أول كل شهر، لأنَّا إذا رددنا إلى العادة في مقدار الحيض فكذلك في مكانه.
والثاني: إذا كان عادتها أن تحيض في كل شهر خمسًا وخمسة وعشرين طهرًا، فتقدمت بأكثر من عشر، مثل إن حاضت خمسًا وطهرت عشرًا، ثم رأت الدم، فهذا انتقال لا يمكن أن يكون أول حيضًا، ولا أن تعتبر ما انتقلت إليه؛ لأن بين رؤيتها الدم وبين الحيضة فيها أقل من الطهر، فتكون مستحاضة تحيض من أول كل شهر عادتها، وهي خمسة بخلاف المسألة قبلها.
ولو رأت في العشرة الأولي خمسة أحمر، ثم رأت أسود، ثم رأت الأحمر واتصل فقد ذكرنا ثلاثة أوجه هاهنا، في أحد الوجوه تكون مميزة انتقل حيضها وتأخر، وهو إذا قلنا حيضها الأسود، ولو كانت عادتها في كل شهر خمسة فحاضت خمستها وخمسة بعدها وانقطع. قال بعض أصحابنا: هذه امرأة زادت عادتها خمسة ولم تنقل. كذلك لو رأت حمستها ورأت خمسة قبلها وانقطع، وهذا اختلاف في العبادة، وفي الحقيقة [٢٨٨ أ/ ا] هو انتقال إلى زيادة، ويجوز أن تسمى منتقلة وقد ذكرنا حكمها.
الفضل السادس في الناسية
الناسية: من كانت لها عادة ثم استحضيت، فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون ناسية للوقت دون العدد، أو العدد دون الوقت، أو الوقت والعدد معًا. والأصل فيها أن كل زمان لا يصلح لغير الحيض فهو حيض، وكل زمان لا يصلح لغير الطهر فهو طهر، وكل زمان يصلح للأمرين معًا فهو طهر مشكوك فيه، وكل زمان أمكن انقطاع الدم فيه فعليها أن تغتسل فيه، هذا هو الأصل، ونحن نفرد كل قسم منها بتفريع ينفرد به وأول ذلك:
[ ١ / ٣٣٠ ]
فروع
الناسية للوقت دون العدد إذا قالت: حيضي أحد أعشار الشهر لا أعلم أي عشر هو، فمعني هذا أعلم أنه عشر من ثلاثة أعشار الشهر، ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار. ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار، الأول، أو الثاني، أو الثالث، ولا أخلط عشرًا بعشر، غير أني لا أعرف عينه، قلنا: زمانان كله مشكوك فيه؛ لأنه ما من عشر إلا ويجوز أن يكون حيضك فيه، فتتوضأ لكل صلاة إلى أخر العشر، ثم تغتسل لجوزا انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الشهر [٢٨٨ ب/١] ثم تغسل لجواز انقطاع الدم وعلى هذا.
وإن قالت: حيضي عشرة في الشهر لا أعرف موضعها منه، فمعني هذا قد ضاعت لي عشرة أيام في كل الشهر لا أعلم ما هو العشر الأول أو الثاني أو الثالث، وهو المسألة المتقدمة.
وكذلك إن قالت: حيضي عشرة من الشهر ولا أعلم موضعها منه إلا أن العشر الثالث كان طهرًا/ قلنا: الثالث من العشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام العشر الثاني لإمكان انقطاع دمها عند كل صلاة، إلا أن تعلم الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه في كل يوم، فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره وهذا الذي ذكرنا هو إذا اختلط أحد العشرين الأولين بالآخر. بحيث يمكن أن يكون كل وقت من العشرين حيضًا أو طهرًا.
فإن قالت: كنت أحيض عشرة أيام من الشهر، إما الأولي أو الثانية أو لا يختلط أحد العشرين بالآخر، واعلم أني أكون في العشر الأخير من الشهر طاهرة فهذه حيضها، أما العشر الأول أو الثاني فتغتسل عند انقطاع العشر الأول [٢٨٩ ا/ ١]، وعند انقضاء العشر الثاني، فيحصل لها غسلان ويكفيها، وهكذا الحكم فيه إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف وقتها، إلا أني كنت طاهرة في العشر الأول، فهذه حيضها في العشرين الأخيرين من الشهر، فالعشر الأول طهر بيقين ويجئ فيها المسألتان اللتان ذكرناهما في المسألة قبلها، وهي إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف الوقت ويختلط أحط العشرين بالآخر. والثانية: إذا قات: لم يكن يختلط أحد العشرين بالآخر.
فرع آخر
قالت: كانت حيضتي ثلاثة من العشر الأول من الشهر، ولا أعلم موضعها منه. قلنا: العشران الآخران طهر بيقين، والعشر الأول مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه من كل يوم فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره.
وإن قالت: حيضي أربعة منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الرابع ثم تغتسل لكل صلاة إلى أحسن العشر.
[ ١ / ٣٣١ ]
وإن قالت: حيضي خمسة منه، قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العشرة.
وإن قالت: حيضي سته منه فقد حصل لها حيض بيقين؛ لأن عدد الحيض زاد على
نصف العشر، والأصل فيه متى ضاع عدد [٢٨٩ ب/ ١] حيضها في عدد أيام نظرت، فإن كان عدد الحيض مثل نصف عدد الأيام فما دونه فالكل طهر مشكوك فيه. وإن زاد عدد حيضها على نصف الأيام فلها حيض بيقين، فإذا أرادت أن تعرف مبلغ حيضها فانظر إلى قدر الزيادة على النصف أضف إليه مصله، فما بلغ فهو حيض بيقين.
فإذا قالت: حيضي منه ست، قلنا بالخامس، والسادس حيض بيقين، يجوز أن يكون الابتداء من الأول والانتهاء من السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من الخامس إلى آخر العاشر، فالخامس والسادس لا ينفك عن الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر.
وإن قالت: حيضي سبعة منه، قلنا: لك أربعة أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على نصف العشر يومان.
وإن قالت: حيضي ثمانية منه، قلنا لك منه ست أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على النصف ثلاثة.
وإن قالت: حيضي تسعة منه، قلنا: لك منه ثمانية حيض بيقين، لأن الزائد عن النصف أربعة، فتتوصأ لكل صلاة إلى أهر الأول، ومن الثاني على آخر التاسع حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، وعلى هذا.
فرع آخر
قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر لا أعلم [٢٩٠ ا/ ١] موضعها منه، غير أن اليوم الأول كنت ظاهرًا. قلنا: الأول طهر بيقين، والسادس حيض بيقين لجواز أن يكون الابتداء من الثاني إلى أخر السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من السادس إلى آخر العاشر، والأصل في هذا النوع أن ينظر إلى طهرها بيقين من الخمسة الأولي، فذات حيض بيقين من الخمسة الثانية، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس وتدع الصلاة يوم السادس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، قلنا: لك يومان طهر بيقين الأول والثاني، ويومان حيض بيقين السادس والسابع والباقي طهر مشكوك فيهن فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس والسادس، والسابع حيض بيقين فتدع الصلاة، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر. فإن قالت: أعلم أني يوم الرابع طاهر، قلنا الأربعة الأولي طهر بيقين والأربعة حيض بيقين، أولها السادس إلى آخر التاسع، فتفعل على نحو ما ذكرنا.
وإن قالت: أعلم أني يوم الخامس طاهر، قلنا: هذه مغالطة، لأنك إذا علمت هذا
ثبت أن الحيض هي الخمسة الثانية. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر، قلنا: هذه [٢٩٠ ب/ ١] مغالطة أيضًا، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الأولي. وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، ويوم الخامس حائض. قلنا: الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين، والثامن والتاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أوله الثالث وآخرة إلى آخر السابع، ويمكن أن يكون الابتداء أول الرابع وأخره أخر الثامن، ويمكن أن يكون الابتداء من الخامس وآخرة التاسع فالعاشر لم يصل إليه الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثامن ويكون طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع، وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين.
نوع آخر
لو قالت: حيضي خمسة من خمسين من العشر الأول، ولا أرى ثلاثة من الأولي أو يومان الأولى وثلاثة من الثانية. قلنا: الأولي والثاني طهر بيقين؛ لأنه لا يمكن ابتداء الحيض فيهما، وأمكن كون الحيض من أول الثالث وآخره أخر السابع إذا كانت الثلاثة من الأولي، ويمكن أن يكون أوله أول الرابع وآخره آخر الثامن، فهذه قد جمعت خمسة في ستة، فيكون لها حيض بيقين أربعة [٢٩١ ا/ ١]، وهو ما زاد على نصف الستة، فالأول والثاني طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة. الثالث طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة وتدع الصلاة من أول الرابع على آخر السابع؛ لأنه حيض بيقين فتغتسل عقيب السابع وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر الثامن، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين. قلنا: غسلان عقب الثاني من الخمسة الثانية، وعقيب الثالث منها أيضًا.
فإن كانت بحالها فقالت: خمسة من خمسين من الشهر، وأعلم أنها خمسة من خمسين ثلاثة من الأولي، ويومان من الثانية، أو يومان من الأولي وثلاثة من الثانية، ولا أداري من أي الخمسين من الشهر هي. قلنا: يحتمل في الخمسين الأولين فيه ما نزلناه غير أنه لا تكون الأربعة حيضًا بيقين لجواز أن تكون من غير هاتين الخمسين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر السابع؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم، ثم تتوضأ إلى كل صلاة إلى آخر الثامن وتغتسل عقيبه، والثامن يمكن أن يكون طهرًا من وجهين: أحدها: لا ينتهي الحيض إليه لجواز أن يكون الابتداء من الثالث؟ والثاني [٢٩١ ب/ ١]: لا يبتدأ بالحيض منه في الخمسة الثالثة لجواز أن يكون الدمان منهما. ويمكن أن يكون حيضًا من وجهين ينتهي الحيض إليه ويبتدأ به إن كانت
الثالثة من الخمسة الثالثة فتتوضا لكل صلاة إلى أخر الثاني من الخمسة الثالثة وتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث من الثالثة. وهكذا تفعل في كل خمسة من الشهر، فيحصل لها في كل خمسة غسلان من الخمسة الثانية إلى آخر الشهر، فيكون لها عشر غسلات في جميع الشهر، وفي الباقي تتوضأ لكل صلاة، ولها فيه أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أول الشهر ويومان منها في أخره.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فإن قالت: حيضي يوم ونصف من يومين لست أدري كل الأول ونصف الثاني، أو نصف الأول وكل الثاني. قلنا: كل يوم حيض بيقين، لأنه قد ضاع يوم ونصف في يومين، وزاد على النصف نصف يوم، فإذا أضعفته صار يومًا كاملًا، فيحتمل أن يكون أول حيضها أول الشهر وآخره مع الزوال من الثاني. ويحتمل أن يكون أوله أول الزمان من الأول، وآخره آخر الثاني، فمن أول اليوم إلى الزوال هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة ثم تدع الصلاة [٢٩٢ ا/ ا] إلى الزوال من عنده، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الثاني.
وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه، قلنا: كل الشهر طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر، وهكذا لو قالت: غير أني أعلم أني ظاهر في اليوم السادس، أو السادس والعشرين، فإن وجود هذه الزيادة وعدمها سواء، فالحكم على ما مضي، لأنها ما أفادت بهذه الزيادة فائدة، بل أبقت الأمر على الشك وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه فير أني كنت يوم السادس والعشرين طاهرًا. قلنا: هذا تطويل معناه: غير أني أحيض أحد هذين اليومين من الشهر، ولا أدري فالوجه أن تترك كل واحد من العشرين. ثم نذكر الحكم، فإن كان هذا من العشر الأول أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني وآخره آخر السادس. وأمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر العاشر، فاليوم الأول طهر بيقين والسادس حيض بيقين وبقية العشر طهر مشكوك فيه. وإن كان هذا [٢٩٢ ب/ ١] من العشر الثالث أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني والعشرين وآخره آخر السادس والعشرين. ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس والعشرين وآخره أخر الشهر، فمن الثاني والعشرين إلى آخر الخامس طهر مشكوك فيه، والسادس حيض بيقين، وإلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه، وما قبل هذا من الشهر طهر بيقين، فإذا احتمل هذين لم يكن لها حيض بيقين لأنها على شك مما ذكرته، فتتوضأ لكل صلاة اليوم الأول؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر السادس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى لآخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه. قلنا: اثني عشر يومًا طهر بيقين والباقي طهر مشكوك فيه.
نوع آخر
قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه غير أني أعلم يوم العاشر حائض، فيحتمل أن يكون الابتداء من أول يوم في الشهر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول العاشر وآخره آخر التاسع عشر، فالعشر الثالث طهر بيقينـ، لأن الحيض لا يصل إليه، وآخر العشر الثاني وهو يوم العشرين طهر بيقين أيضًا.
وأصل [٢٩٣ أ/١] هذا النوع أن ينظر إلى ما لها من الطهر بيقين من العشر الثاني فهو حيضها بيقين من العشر الأول، فكلما زاد في طهرها بيقين من العشر الثاني زاد في
[ ١ / ٣٣٤ ]
حيضها من العشر الأول، فمن الأول إلى أخر التاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر حيض بيقين، ومن العاشر إلى آخر التاسع عشر طهر مشكوك فيه، ويوم العشرين طهر بيقين.
وإن قالت: اعلم أني يوم التاسع حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره العاشر، ويمكن أن يكون أول التاسع وآخره الثامن عشر، فيكون التاسع عشر والعشرون طهرًا بيقين، والتاسع والعاشر حيضًا بيقين.
فإن قالت: أعلم أني أكون يوم الثامن حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره أخر العاشر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثامن وآخره آخر السابع عشر، فيكون ثلاثة أيام من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وثلاثة أيام من آخر العشر الأول حيض بيقين وعلى هذا التنزيل، فإن قالت: غير أني أعلم أني يوم السادس حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر الخامس [٢٩٣ ب/ ١] عشر فخمسة من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وخمسة من أخر العشر الأول حيض بيقين.
فإن قالت: أعلم أني اليوم الثاني حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء الثاني وآخره آخر الحادي عشر، فيكون تسعة أيام من الثاني طهر بيقين وتسعة من الأول حيض بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر يوم الأول، ثم تدع الصلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الحادي عشر، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشر الثاني، والعشر الثالث أخرجناه عن هذا لأنه أبدًا طهر بيقين.
فإن قالت: أعلم أني يوم الأول حائض. قلنا: هذه مغالطة، أنت قد علمت أن الحيض هو العشر الأول، وبقية الشهر طهر بيقين فما نسيت شيئًا.
فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض ولي من الشهر طهر كامل. قلنا: قد عرفت أن نصفه الثاني طهر بيقين؛ لإن حيضك في النصف الأول وقد ضاع عشرتك منه،
فيمكن أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر الثاني عشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره الخامس عشر، فيكون اليوم الأول والثاني طهرًا بيقين، ومن أول الثالث إلى آخر الخامس طهر [٢٩٤ ا/ ١] مشكوك فيه، ومن أول السادس إلى آخر الثاني عشر حيض بيقين، ومن الثالث عشر إلى آخر الخامس عشر طهر مشكوك فين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة سبعة أيام إلى آخر الثاني عشر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر؛ لأنه طهر بيقين.
نوع آخر
قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني يوم العاشر طاهر. قلنا: هذا معناه العشر الأول كله طهر، وإنما ضاع عشرتك فيما بقي من الشهر. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر. قلنا: معناه من أول الشهر إلى آخر السادس طهر
[ ١ / ٣٣٥ ]
بيقين، وقد ضاع عشرتك فيما بقي منه. وإن قالت: أعلم أني يوم الحادي والعشرين طاهر. قلنا: يوم من أوله طهر بيقين وقد ضاع حيضك فيما سلف منه. وإن قالت: أعلم أني يوم السادس والعشرين طاهر. قلنا: قد علمت من السادس إلى الباقي طهر بيقين، وقد ضاع حيضك فيما سلف. وإن قالت: اعلم أني يوم الحادي عشر [٢٩٤ ب/ ١] طاهر. قلنا: هذا كلام يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويحتمل أن يكون الحيض بعد الحادي عشر وآخره آخر الحادي والعشرين، وآخره ثلاثين. فالأول هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة لإمكان انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة يوم الحادي عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الحادي والعشرين أنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقب الحادي والعشرين إلى آخر الشهر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه.
نوع آخر
لو قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعلم موضعها منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر. فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر الخامس عشر. ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثاني عشر وآخره السادس والعشرين، فيكون أول الشهر إلى آخر الحادي عشر طهرًا مشكوكًا فيه، تتوضأ لكل صلاة، وأربعة حيض بيقين إلى آخر الخامس عشر، ثم إلى آخر السادس والعشرين طهر مشكوك فيه، فتغتسل لكل صلاة، ويكون
(٢٩٥ أ/ ١) أربعة أيام بيقين تتوضأ لكل صلاة.
وإن قالت: حيضي أريعه أيام من الشهر لا أعلم موضعها منه، وأعلم أن لي من الشهر طهرًا كاملًا، وآخر خمسة فيه طهر. قلنا: معنى هذا الكلام شهري خمسة وعشرون يومًا؛ لأنها قد تحققت أن الخمسة الأخيرة من الشهر طهر، والإشكال فيما سلف.
ولو قالت: لي منه خمسة حيض وطهر كامل. قلنا: يحتمل
[ ١ / ٣٣٦ ]
أن تكون الخمسة في العشر الأول، والطهر بعد العشر خمسة يومًا. ويحتمل أن يكون في العشر الأخير من شهرك وهو من أول السادس عشر إلى آخر الخامس والعشرين، فيكون العشر الأول طهرًا مشكوكًا فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين؛ لأنه إن كان الطهر من أول شهرك فهذه الخمسة هي طهر، وإن كان من آخره فهذه الخمسة طهر، ثم تتوضأ لكل صلاة من أول السادس عشر إلى آخر العشرين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين، وبقى من الشهر خمسة طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
وإن (٢٩٥ ب/ ١) قالت: شهري عشرون يومًا وحيضي منه خمسة لا أعلم موضعها منه. قلنا: يمكن أن يكون أول خمسة منه خمسة عشر وهي تمام شهرك طهرًا. ويحتمل أن تكون الخمسة الأخيرة وخمسة عشر من أول شهرك طهرًا. فالخمسة الأولى هي طهر مشكوك فيه، والخمسة الأخيرة كذلك وبينهما عشرة طهر بيقين تتوضأ لكب صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيهـ ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقيب ذلك لجواز انقطاع الدم فيه.
فإن قالت: شهري ستة عشر يومًا وأحيض منه يومًا لا أعلم موضعها.
قلنا: الأول والسادس عشر طهر مشكوك فيه، وما بينهما طهر بيقين وهو أربعة عشر يومًا.
فإن تقرر هذا، فالكلام في حكم العبادات وإتيان الزوج: وقد قلنا: إن لها ثلاثة أحوال طهر بيقين، وحيض بيقين، وطهر مشكوك فيه. فالطهر بيقين حكمًا فيه حكم الطاهرات، وفي الحيض بيقين حكمها حكم الحائض، وفي طهرها المشكوك تأتي العبادات ولا يأتيها الزوج، ولا تقضي الصلاة وتقضي الصوم والطواف (٢٩٦ أ/ ١) على ما نذكر.
وجملته أن طهر المستحاضة هو على ضربين، يقين، وغير يقين، فاليقين لا كلام فيه؛
لأنه حدث كسلس البول. وأما غير اليقين فعلى ثلاثة أضرب: ضرب ثبت بالدليل الواضح وهو التمييز أو العادة، فهذه يأتيها زوجها وتأتي بكل العبادات ولا تقضي.
وضرب ثبت احتياطيًا بغير دليل فهو طهر، من قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها، فالشهر كله مشكوك فيه لا يأتيها زوجها، وتأتي بالعبادات وتقضي غير الصلاة؛ لأن العبادات لا تسقط بالشك في الوقت كما لو خفيت عليه دلائل القبلة فإنه يصلي ويعيد.
وضرب اختلف القول فيه، وهو طهر المبتدأة التي لا تمييز لها كم نحيضها؟ قولان. وعلى القولين الباقي إلى تمام أكثر الحيض طهر مشكوك فيه، وفيه قولان: أحدها: هو الطهر المميز. والثاني: كطهر المتحيرة. وهذا لأن خبر حمنة بنت جحش يحتمل أن في المعتادة، ويحتمل أنه في المبتدأة. فإن كان في المعتادة فليس في المبتدأة دليل واضح، فهي كالمتحيرة، وإن كان في المبتدأة فقد ثبت طهرها بالدليل الواضح فهي كالمميزة والمعتادة.
وقال والدي الإمام ﵀: من (٢٩٦ ب/ ١) أصحابنا من قال في الوطء في الطهر المشكوك أنه يحل في الطهر المشكوك أولًا ولا يحل في الطهر المشكوك آخر لأن الأصل إباحة الوطء في القسم الأول فلا يحرم إلا باليقين بخلاف الثاني. قال والدي الإمام: وهذا هو أولى ما قال أصحابنا على الإطلاق يحرم وطئها.
وأما فروع الناسية للعدد دون الوقت إذا قالت: أعلم أن أول الوقت الدم أول الشهر، ولا أعلم مبلغه حيضناها اليقين يومًا وليلة، وما بعده طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس
[ ١ / ٣٣٧ ]
عشر؛ لأنه غاية مدة الحيض، وتغتسل لكل صلاة عقيب الأول إلى آخر الخامس عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، وتصلي وتصوم وتقضي، وبقية الشهر طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة.
ولو قالت: اعلم انتهاء حيضي ولا اعلم ابتدائه ولا بعدده، وكان الانتهاء آخر يوم من الشهرـ قلنا: آخر يوم من الشهر حيض بيقين، وما قبله السادس عشر طهر مشكوك فيه، وأول الشهر إلى آخر الخامس عشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه ولا تغتسل؛ لأنه لا يمكن (٢٩٧ أ/ ١) انقطاع الدم فيه، وهي تعلم أن آخر حيضها آخر الشهر، وتدع الصلاة آخر يوم من الشهر؛ لأنه حيض بيقين.
ولو قالت: لي في كل شهر حيضتان بينهما طهر صحيح، ولا أعلم موضعهما ولا عددهما، قال الشيخ أبو حامد: أقل ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يومًا من أول الشهر إلى آخره، ويومًا وليلة من أول الشهر، أو آخره، ويكون بينهما خمسة عشر يومًا
طهرًا. ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه، وتغتسل في آخره، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه، ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرًا بيقين؛ لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر طهرًا بيقين، لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر آخره، وإن كان من الخامس عشر، فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر، ثم تغتسل من انقطاع السابع عشر إلى آخر الشهر لكل صلاة؛ لأنه يمكن انقطاع الدم في كل وقت منه. وقال القاضي الطبري: هذا خطا؛ لأنَّا إذا نزلنا هذا التنزيل لم يجز أن يكون ذلك حالها في الشعر الذي بعده (٢٩٧ ب/ ١)، بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقتها، فتغتسل لكل صلاة ولا يطأها الزوج وتقضي العبادات.
وأما فروع الناسية للوقت والعدد معًا متى نسيت الوقت والعدد معًا لا تذكر أوله ولا آخره، فهي التي تسميها الفقهاء المتحيرة. ويتصور ذلك في مجنونة تفيق فترى الدم سائلًا ولا تعرف شيئًا من حالها، فمتى تحيرت هكذا فيه قولان، قال في كتاب "الحيض": "لا أحيضها شيئًا بحال؛ لأنه ما من زمان بها إلا ويمكن أن يكون طهرًا، فكل طهر مشكوك فيه". وقال في "كتاب العدة": "ولو ابتديت مستحاضة أو نسيت أيام حيضها تركت الصلاة يومًا وليلة". فجعل لها الحيض يومًا وليلة في كل شهر، وسوى بينها وبين المبتدأة، وهذا لأن كل شهر غالب، وقد حيض النساء، والأول أصح؛ لأنها إذا لم تعلم الوقت لا يمكن تعينه بوقت دون وقت، فإذا
[ ١ / ٣٣٨ ]
قلنا بالقول الثاني، قالب بعض أصحابنا: رجع الشافعي إلى اليقين في قدر الحيض، وفي وقته إلى غالب عادة النساء يقول: "وأحب أن حيضها على هذا القول يوم وليلة بخلاف المبتدأة". وقال القاضي الطبري: يجئ فيه قول (٢٨٩ أ/ ١) آخر أن حيضها في كل شعر ست أو سبع كما ذكرنا في المبتدأة هذا القول.
فإذا قلنا بهذا القول، متى تبتدئ بهذه الحيضة؟ قال الشافعي في "العدة": "تستقبل العدة في أول كل هلال". ووجهه أن لأول الشهر أثرًا في التجارب فيعتبر به.
وقال ابن سريج: يقول لها: متى رأيت ابتداء الدم، فإن عرفته جعلنا ابتداء شهرها من ذلك الوقت، وعددنا لها ثلاثين يومًا، ثم حيضناها يومًا وليلة، وعلى ذلك أبدًا. وإن لم يعرف ابتداء الحيض يقول لها: أخبرينا آخر الزمان الذي يتيقن أنك كنت طاهرة فيه، فإن قالت: كنت طاهرة في آخر رمضان بيقين، ولا أعرف حالي في شوال، جعلنا ابتداء شهرها من أول شوال، ثم عددنا لها ثلاثين وجعلنا الحادي والثلاثين حيضًا، ثم على ذلك أبدًا، وهذا هو اختيار كبار أصحابنا.
فإذا تقرر هذا، فإنها على هذا القول تفعل ما تفعل المبتدأة، فتصلي بعد مدة الحيض وتصوم وتعتد به، وهل يستعمل الاحتياط؟ فيه قولان، وقيل قول واحد أنها تستعمل الاحتياط فتصوم وتقضي ولا يطأها ووجهها: لأنه طهر ثبت احتياطيًا، وتأويل قوله في "العدة": "عليها ما على الطاهرات ولها (٢٩٨ ب/ ١) ما للطاهرات" هي في حكم العدة حتى لا يحصل لها في كل شهر إلا قرء واحد. وإذا قلنا: لا تحيض كما قال الشافعي أنها تصلي ولا تقضي؛ لأن صلاتها إن كانت في زمان الحيض فلا صلاة عليها، ولا يضرها بأن فعلته، وإن كانت في زمان الطهر فصلاتها صحيحة لا يلزمها قضاؤها، وأما في رمضان فلا تصومه وتقضي خمسة عشر يومًا منه؛ لأن خمسة عشر يومًا منه طهر بيقين، وما زاد عليها يجوز أن يكون حيضًا، فيكون صومها فيه باطلًا يلزمها قضاؤة، ويجوز أن يكون طهرها، ويكون صومها صحيحًا لا يلزمه قضاؤه، فأوجبنا قضاءه احتياطيًا للصوم. فإذا صامت شوال حصل لها أربعة عشر يومًا لأنها تفطر يوم العيد، فيلزمها أن تقضي الخامس عشر، ولا يصح لها قضاؤه إلا أن تصوم يومين من بينهما أربعة عشر يومًا لا يجوز غير ذلك، ولو كان عليها صوم يومين صامت أربعة أيام بين يومين ويومين وثلاثة عشر يومًا، ولو كان عليها صوم ثلاثة أيام صاما ستة أيام بين الثلاثة إثنا عشر يومًا (٢٩٩ أ/ ١) وإن كان عليها طواف طافت طوافين، يكون من حين ابتدأت بالطواف الأول إلى أن تبتدئ بالطواف الثاني خمسة عشر يومًا، فيكون إحدى الطوافين واقعًا في زمان الطهر بيقين، ولا يعتبر خمسة عشر بعد الفراغ من الطواف الأول إلى الثاني؛ لأنه ربما كان ذلك طهرًا كاملًا فيكون الطواف الأول والثاني وقعًا في الطهر،
[ ١ / ٣٣٩ ]
ويجتنبها زوجًها أبدًا، وتغتسل لكل صلاة. هكذا نقله جمهور أصحابنا بالعراق، ولم يذكروا غير هذا.
وقال الإمام أبو زيد المروزي وجماعة: أما قوله: إذا صامت شهرًا آخر إنما يكون إذا عرفت أن انقطاع دمها كأن يكون ليلًا حتى يعلم أنه لم يفسد عليها من الصوم أكثر من عدد أيام حيضها خمسة عشر يومًا، فأما إذا لم تعرف، أو عرفت أن انقطاع دمها كان يكون نهارًا فلا يكفيها ذلك بل إذا صامت رمضان لم تحتسب منه إلا بأربعة عشر يومًا لاحتمال أنها حاضت في بعض النهار، ومكث أربعة عشر يومًا ثم انقطع حيضها في بعض النهار فتفسد عليها ستة عشر يومًا، فإذا صامت شهرًا آخر يصح لها أربعة عشر يومًا على هذا التقدير ويبقى (٢٩٩ ب/ ١) عليها يومان ولا يكفيها أن تصوم في القضاء لستة عشر اثنين وثلاثين يومًا، لأن ستة عشر يومًا من أول هذا الشهر ربما تفسد، وأربعة عشر يصح، والباقي يقع في الحيض، فإن زاد حتى بلغ صومها ثمانية وأربعين يومًا جُعل لها اليومان مع
أربعة عشر؛ لأنه يفسد عليها بعد الأربعة عشر يومًا ثم يحصل يومان، فإذا أرادت إفراد اليومين بالقضاء يذكر أولًا. بحكم يوم واحد يكون عليها، فيقول: إن عرفت أن انقطاع دمها كان بالليل صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا، فيقع أحدهما في الطهر لا محالة. وقد قال الشافعي: "بينهما خمسة عشر" ولكن أراد مع أحد اليومين، فيكون على ما ذكرنا، وإن لم يعرف ذلك فلا بد من صوم ثلاثة أيام، فتصوم يومًا في التقدير كأنها صامته أول الشهر، ثم تترك اليوم الثاني بعده لا تصومه، ثم بعد الثاني ثلاثة عشر يومًا، تصوم أي يوم منها شاءت، ثم تترك يومًا بعد هذه، وهو السادس عشر من أول الشهر، ثم تصوم اليوم السابع عشر، وقد صح صوم أحد الثلاثة في طهر بيقين، ولا يصح أقل من ذلك؛ لأن أسوأ حالها أن يفسد لها من الشهر ستة عشر يومًا، وأنها تحيض أكثر الحيض (٣٠٠ أ/ ١) ويكثر في الطرفين، فيفسد أول الشهر بالكثير، والسادس عشر أيضًا في التقدير وبينهما أربعة عشر يومًا حيض، فإن صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا جاز أن يقعا معًا في حيضة واحدة، فمتى صامت يومًا فلا تصوم السادس عشر من ذلك اليوم لهذه العلة، وإن جعل بينهما أقل من الطهر فيقع اليومان في الحيض الأول في آخر حيضها، والسابع ابتداء حيضة أخرى، فقلنا لها: صومي يومًا من أول الشهر، ثم صومي السابع عشر ولا تصومي الثاني؛ لأنه يكون بينه وبين السابع عشر يومًا فلا يصح ذلك، ولا تصومي السادس عشر؛ لأن بينه وبين الأول أحد عشر يومًا، فتقع الثلاثة في حيض، ولكن لك هاهنا ثلاثة عشر يومًا من الثاني من الشهر، والسادس عشر صومي منها أي يوم شئت، فإنه لا يخلو إما يكون طهرًا أو حيضًا، فإن كان طهرًا صح ذلك وعملت أن السابع عشر وأول الشهر وقعا في زمان الحيض، فإن كان هذا حيضًا علمت قطعًا أحد اليومين أول الشهر أو السابع عشر طهرًا؛ لأن أكثر ما فيه أن يفسد لها ستة عشر، فإن
[ ١ / ٣٤٠ ]
كانت الفاسدة ستة عشر يومًا من أول الشهر يسلم السابع عشر، وإن كانت الفاسدة (٣٠٠ ب/ ١) ستة عشر أولها ثاني الشهر وآخرها السابع عشر يسلم الأول، وأما إذا أرادت قضاء يومين إن اختارت أن تقضي يومًا يومًا يومًا فعلى ما ذكرنا، وإن اختارت أن تقضيها متصلًا صامت ستة أيام، تصوم يومين وتصوم السابع عشر، والثامن عشر وتصوم يومين فيما بين ذلك، ولا تحتاج إلى ترك اليوم، بل إن صامت أربعة أيام متوالية جاز، وذلك أنه كان الحيض من بعض الأول وانتهاؤه بعض السادس عشر فقد صح اليومان بعده، وإن كان من بعض الثاني انتهاؤه بعض السابع عشر فإنه قد صح الأول والثامن عشر، إن كان انتهاؤه من الثالث فقد صح الأول والثاني، وإن كان الأول وبعض الثاني حيضًا وبعضه طهرًا إلى بعض السابع عشر فقد صح الثالث والرابع. وإن كان ابتداء الطهر من بعض الرابع وانتهاؤه بعض التاسع عشر فقد صح السابع عشر والثامن
عشر. وإن لزمها صوم ثلاثة أيام قضتها فهي تسع عشر يومًا، أربعة في أولها، وأربعة في آخرها. وإن لزمها صوم أربعة قضتها في عشرين يومًا خمسة أيام من أولها وخمسة (٣٠١ أ/ ١) أيام من آخرها، وعلى هذا القياس.
وهذه المسألة خلل في كتب أصحابنا بخراسان وتعاليق العراق، وهذا الذي ذكرت هو المحتار الصحيح.
وأما قول الشافعي: "تغتسل لكل صلاة" قال أبو يزيد المرزوي تحتاج إلى زيادة احتياط، وهو أنها تغتسل للظهر وتصلي، ثم تغتسل للعصر وتصلي، ثم تغتسل وتصلي للمغرب، ثم تغتسل وتصلي للعشاء في وقتها، ثم إذا طلع الفجر تغتسل وتصلي وتعيد المغرب والعشاء بغسل واحد، ثم تغتسل وتصلي الصبح، ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت وتعيد الصبح، فيحصل لها الاغتسال ثمان مرات، وتصلي كل صلاة مرتين؛ لأن اغتسالها لكل صلاة لتوهم انقطاع الدم في كل لحظة، وإعادة الصلاتين بعد الغروب؛ لأن مذهب الشافعي أنها لو طهرت قبيل الغروب بخمس ركعات لزمها قضاء الظهر والعصر، ولعلها طهرت ولم يجزها ما فعلت في حال الحيض، وأما اكتفاؤها بغسل واحد لإعادة الظهر والعصر، فلأنها لا تخلو إما أن يكون طهرها من الحيض بعدما غربت الشمس واغتسلت هي، أو قبل الاغتسال فليس عليها ظهر ولا عصر. وإما أن يكون طهرها قبيل الغروب فقد صح غسلها ولا حاجة إلى الإعادة.
وإن كان عليها طواف احتاجت (٣٠١ ب/ ١) أن تطوف ثلاثة طوافات، تطوف طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، وتطوف في الوسط طوافًا إلا أنها تدع زمان في أول الخمسة عشر وفي آخرها، تقرر الطواف فلا تطوف فيه، وتطوف فيما بين ذلك، فإن كان الطوافان في الحيض كان الأوسط في الطهر. وإن قلنا: تترك بقدر الطواف من أول الخمسة عشر، ثم تطوف لئلا يكون الأول في الحيض، وبعض الثاني إذا كان عقيبة، ثم يكون الطهر في بعضه إلى بعض الثالث فيفسد الكل، فإذا أخرته أمنت ذلك، وقال
[ ١ / ٣٤١ ]
القفال: لا بأس أن اقطع طوافان من هذه الثلاثة يوم واحد، مثل أن تطوف الزوال مثلًا في اليوم الأول، ثم تمهل أربعة عشر يومًا بعده،، ثم في السادس عشر تطوف مرة قبل الزوال ومرة بعد الزوال،
فيحصل به الشرط الذي ذكرناه، لأن الطواف لا يستغرق اليوم بخلاف الصوم.
وإن عرفت وقت انقطاع دمها في اليوم والليلة، مثل إن كان طهرها وقت الزوال مثلًا يكفيها طوافها في يومين بينهما أربعة عشر يومًا وتجتنب ساعة الزوال، بل تأتي به في اليومين قبل الزوال أو بعد الزوال فيهما، فيقع أخدهما في الطهر لا محالة، فإن أتت بأحدهما قبل (٣٠٢ أ/ ١) الزوال وبالآخر بعد الزوال لم يجز، لاحتمال أنهما وقعا في حيض إن طافت اليوم الأول بعد الزوال والآخر قبل الزوال، أو في حيضتين إن طافت في اليوم الأول قبل الزوال في اليوم الأخير منه.
الفصل السابع في فروع مسائل الخلطة
يعنى الخلطة في ناسية الوقت دون العدد، غير أنها تعلم أنها تختلط أحد الزمانين بجزء من الحيض. مثاله: قالت: حيضي خمسة عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، ولست أدري الباقي من النصف الأول أو الثاني، وتفسير هذا الكلام: أني أحيض في كل شهر خمسة عشر يومًا في أحد النصفين، ويومًا في النصف الآخر، قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض أول الثاني وآخره أخر السادس عشر. ويحتمل أن يكون أوله أول الخامس عشر وآخره آخر التاسع والعشرين، فيكون يومان حيض بيقين الخامس عشر والسادس عشر، ويومان طهر بيقين أول الشهر وآخره، فتتوضأ لكل صلاة أول يوم منه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة يومين وتغتسل عقيب السادس (٣٠٢ ب/ ١) عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز عقيبه انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى الثلاثين؛ لأنه طهر بيقين، فحصل الاغتسال في موضعين.
وجملة الطهر مشكوك فيه ستة وعشرون يومًا، ثلاثة عشر في النصف الأول، وثلاثة عشر في النصف الثاني. وأصل هذا أن ينظر إلى القدر الذي تخلط به فتضيف إليه مثله، فما اجتمع فهو حيض بيقين، فإذا عرفت عدد حيضها بيقين فقبلها وبعدها طهر بيقين مثل عددها، وهو يوم في أول الشهر ويوم في آخره.
وإن كانت المسألة بحالها وقالت: عير أني أخلط النصفين بالآخر ستة أيام، قلنا: يضاف إلى الستة مثلها تصير اثني عشر فذلك حيضها بيقين، ولها اثني عشر طهر بيقين، ستة من أول الشهر وستة من آخره، والباقي طهر مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول السابع وآخره الحادي والعشرين. ويحتمل أن يكون ابتداؤه أول العاشر وآخره آخر
الرابع والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة في طهرها بيقين، وفي طهرها
[ ١ / ٣٤٢ ]
المشكوك فيه، وتقعد عن الصلاة في حيضها بيقين وتغتسل (٣٠٣ أ/ ١) مرتين عقيب الحادي والعشرين وعقيب الرابع والعشرين.
فإن قالت: غير أني أخلط أحد النصفين بالآخر سبعة. قلنا: يضاف إليها مثلها تصير أربعة عشر حيض بيقين وبعددها في طرفي الشهر، وآخره آخر الثاني والعشرين. ويحتمل أن يكون أوله أول التاسع وآخره آخر الثالث والعشرين فتغتسل في موضعه عقيب الثاني والعشرين، وعقيب الثالث والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة إلا في حيضها بيقين.
وإن قالت: كنت أخلط بثمانية. قلنا: هذا معناه بسبعة؛ لأن إذا كان لها من أحد النصفين فلها من الآخر بسبعة.
وإن قالت كنت أخلط بتسعة. قلنا: هذا معناه لستة. وإن قالت: بعشرة، قلنا: معناه بخمسة. فإن قالت: وكنت أخلط بأربعة، قلنا: معناه أخلط بيوم، وقد مضى كل هذا، وهذا كله إذا لم يختلف الحيض واختلف ما يختلط به.
فإن اختلف الحيض ولم يختلف ما يختلط به، فقالت: عادتي خمسة عشر فكنت أخلط بيوم، فقد مضى حكمه. ولو قالت: حيضي أربعة عشر وكنت أخلط بيوم، قلنا أجعلي في حيضك بيقين ما قلناه، وأضيفي إلى ما تخلطين به مثله، فما بلغ فهو حيض بيقين، وأما طهرك بيقين فانظري إلى ما ذكرت من العدد والحيض فأستقي منه يومًا (٣٠٣ ب/ ١) وضمي إلى ما بقى مثله، فما جمع أسقطه من الشهر، ويكون ما بقى من الشهر طهرًا بيقين.
فإن قالت أربعة عشر. قلنا: أسقطي منها يومًا وضمي إلى ما بقى مثله يكون ستة وعشرين يومًا، أربعة من الشهر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر السادس عشر. ويحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر وآخره آخر الثامن والعشرين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة مرتين، ثم تغتسل عقيب الثالث عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني والعشرين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثلاثين، فيحصل لها أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أوله ويومان من آخره، ويومان حيض بيقين وهما الخامس عشر والسادس عشرـ وباقي الطهر مشكوك فيه.
فإن قالت: حيضي عشرة وأخلط بيوم. قلنا: لك يومان حيض بيقين واثني عشر طهر بيقين؛ لأنه يقتصر يومًا من عشرة وأضفت إليها مثلها صارت ثمانية عشر ففي اثني عشر من الشهر طهر بيقين ستة من أول الشهر وستة (٣٠٤ أ/ ١) من آخره، وعلى هذا أبدًا.
وإن قالت: حيضي ثلاثة وأخلط بيوم. قلنا: لك يومان حيض بيقين. والعدد ثلاثة أنقص منه واحدًا يبقى اثنان، أضيفي إليها مثلها تصير أربعة يكون لك ستة، يبقى لك ستة وعشرين يومًا طهرًا بيقين ثلاثة عشر من أول الشهر ومثلها في آخره، والرابع عشر
[ ١ / ٣٤٣ ]
والسابع عشر والتاسع عشر طهر مشكوك فيه.
وإن قالت: حيضي يومان، وأخلط بيوم قلنا: حيضك الخامس عشر والسادس عشر قطعًا والباقي طهر، يتفق هذا إذا خلطت نصف الشهر بنصفه. وهكذا إذا خلطت نصف العشر بنصف العشر أو عشر العشر على ما قلنا حرفًا بحرف.
فرع
لو قالت: حيضي أربعة عشر ونصف اليوم، وأخلط أحد النصفين بالآخر يوم، وأعلم أن الكثير في ابتداء حيض بنصف يوم. قلنا: حيضك أول الشهر، وما تخلطين به وهو يوم هو السادس عشر، لأن الخلط بيوم كامل يمنع الكثير آخر الحيض.
فإن كانت المسألة بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم.
قلنا: قد عرفت أن الحيض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر، وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر.
فإن كانت بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم (٣٠٤ ب/ ١) قلنا: قد عرفت أن الحائض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر.
فإن كانت بحالها فقالت: لكن أكثر بنصف يوم من أول حيضي وبنصف يوم في آخره. قلنا: محال أن يكون الخلط بيوم كامل، وفي أول الحيض وآخره كثر هذا كله إذا تحققت ما تخلط به، فإن شكت فيما تخلط به فقالت: حيضي خمسة عشر لا أعلم موضعها من الشهر، وأعلم أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، أشك هل أخلط بأكثر أم لا؟ قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر آخره آخر التاسع والعشرين. ويحتمل غير هذا. قلنا: لك حيض بيقين يومان، ويومان في طرفي الشهر طهر بيقين، والباقي طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة أول يوم منه؛ لأنه طهر بيقين ثم تتوضأ إلى آخر التاسع عشر، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة الخامس عشر والسادس عشر، ثم تغتسل عقب الخلط لجواز انقطاع الدم فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع والعشرين لجواز الانقطاع، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
(٣٠٥ أ/ ب) فإن قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر ولا أدري هل كنت أخلط أم لا؟ ولا أعرف موضعًا منه. قلنا: ضاع نصف الشهر في كله، فالكل طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى تمام خمسة عشر، وتغتسل لكل صلاة إلى انقضاء الشهر.
فرعان
لأبي إسحاق. إذا قالت حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعرف موضعهما، غير أني أخلط النصفين بالآخر بجزء أعلم أنه الباقي من النصف الآخر. قلنا: أضيفي إلى جزء يكون لك جزأين حيض بيقين، وهو آخر جزء من نهار الخامس عشر، وأول
[ ١ / ٣٤٤ ]
جزء من ليلة السادس عشر، وجزأن من طرفي الشهر طهر بيقين، تتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار الخامس عشر منها جزء من حيض بيقين لا يمنعان وجوب صلاة بحال، فإن الحيض لبقية جزء من النهار لا يمنع وجوب العصر، وجزء من الحيض أول الليل لا يمنع وجوب المغرب، فتغتسل مرتين عقب الجزأين، أعني عقيب الجزء الأول من ليلة السادس عشر، وفي الجزء الأخير من آخر يوم الثلاثين لجواز الانقطاع فيه، ويبقى لها جزء طهر بيقين.
الثاني: إذا قالت: مسألتي بحالها، وأخلط بجزء وأشك في الزيادة. قلنا: الحكم على ما مضى إلا في الاغتسال، فإنها (٣٠٥ ب/ ١) تغتسل عقيب جزء من نهار الثلاثين؛ لأنه ما من زمان إلا ويمكن انقطاع الدم فيه لقولها: أشك في الزيادة فيما أخلط فيه.
فروع ثلاثة
لأبي محمد أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي ﵁ أوردها أبو إسحاق.
أحدها: إذا قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر، لا أعلم موضعها منه إلا أني أخلط نهار أحد الخمسين بنهار الأخرى بجزء لا أدري أنه جزء من نهار الخامس والباقي من الخمسة الثانية، أو أول جزء من نهار السادس والباقي من الخمسة، فمعنى هذا الكلام أن ليلة السادس هي حيض بيقين؛ لأنها إذا خلطت نهارًا بنهار آخر فالليلة التي بينهما هي حيض بيقين. قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض لمضي جزء من نهار أول العشر وآخره لمضي جزء من نهار العاشر، فتكون ليلة السادس وجزء من آخر نهار الخامس حيضًا بيقين، وأول ليلة من الشهر طهر بيقين، وجزءان طهر بيقين أول نهار الأول وآخر نهار العاشر، والباقي طهر مشكوك فيه، فتتوضأ لكل صلاة أول ليلة من العشر وجزء من نهار أوله؛ (٣٠٦ أ/ ١) لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى بقية نهار الخامس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تقعد عن الصلاة آخر جزء من نهار الخامس وإلى أن يمضي جزء من نهار السادس؛
لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار العاشر، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيه ونفى جزء من العاشر وطهر بيقين وصلاة لسلة السادس يسقط عنها، ولا يسقط العصر من اليوم الخامس، لأن الحيض في آخر وقت العصر، ولا الفجر من اليوم السادس، لأن الحيض أول جزء من وقتها.
والثاني: قالت: حيضي يومان من هذا العشر، لا أعلم موضعها منه، غير أني أخلط نهار أحد الخمسين بالآخر بجزء، ولا أخلط بأكثر منه، فإن كان الجزء من الخمس الثاني فأول حيضها يكون عند مضي جزء من اليوم الرابع، وآخره عند مضي جزء من اليوم السادس، وإن كان من الخمس الأول فأول حيضها يكون من آخر جزء من اليوم الخامس، وآخره آخر جزء من اليوم السابع، فيحصل لها من أول العشر إلى أول جزء من اليوم الرابع طهر بيقين، ويحصل لها من الجزء الثاني من اليوم السابع إلى آخر
[ ١ / ٣٤٥ ]
العشر طهر يقين، ويحصل لها من (٣٠٦ ب/١) آخر جزء من اليوم الخامس إلى أول جزء من اليوم السادس حيض بيقين يسقط عنها صلاة المغرب والعشاء، ويكون بقية الرابع والخامس وبقية السادس والسابع طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تقعد عن الصلاة إلى أول جزء من السادس، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها والحكم في الصلاة على ما ذكرنا.
والثالث: إذا قالت: حيضي يوم وليلة من هذا العشر لا أعلم موضعه منه إلا أني أخلط نهار إحدى الخمسين بنهار الأخرى بجزء. قلنا: حيضك بيقين ليلة السادس وجزء قبلها جزء بعدها ويمضي جزء من نهار الخامس لبقية جزء منه طهر مشكوك فيه والباقي طهر بيقين. والحكم في الصلاة والغسل والوضوء على ما مضى تدع الصلاة في الحيض بيقين، وتصلي في طهرها بيقين وفي طهرها المشكوك فيه وتغتسل في وقت إمكان انقطاع الدم فيه، وتتوضأ لكل صلاة إلى تمام العشر.
فروع
ذكرها القفال: لو قالت: لا أعرف إلا أني كنت أخلط شهرًا بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضًا بيقين. قلنا: حصل لك يقين الحيض في أحد عشر يومًا، يوم من آخر الشهر، ويوم من أول الشهر، ويوم (٣٠٧ أ/ ١) العاشر وما بينه، وبين يومي الخلط. وإذا قدمنا حيضك أقصى ما يمكن كان أوله يوم السادس والعشرين من الشهر الأول تتوضأ هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام بعده، وإذا أخرنا حيضك أقصى ما يمكن كان آخره انقضاء أربعة عشر من الشهر الثاني، فاغتسلي لكل صلاة في هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام قبله، وما وراء ذلك طهر بيقين.
فإن قالت: كنت أخلط شهرًا بشهر بيوم، وكنت يوم الحادي والعشرين حائضًا بيقين
قلنا: حيضك أحد عشر يومًا، يوم الحادي والعشرين، ويوم الخلط وما بينهما، وتوضئي لكل صلاة أربعة أيام قبل الحادي والعشرين واغتسلي لكل صلاة أربعة أيام أولها اليوم الثاني من الشهر.
فإن كانت المسألة بحالها غير أنها قالت: كنت أخلط شهرًا بشهر بيوم لكني كنت يوم العاشر طاهرًا بيقين، فلا يحصل لها بيقين الحيض إلا يوم الخلط، وتتوضأ لكل صلاة من ليلة السابع عشر من الشهر إلى انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل لكل صلاة من الليلة الثانية من الشهر إلى انقضاء التاسع، ثم هي طاهرة إلى انقضاء السادس عشر.
وإن قالت: كان مع هذا حيضي خمسة عشر يومًا، قلنا: حصل لك - يعني الحيض (٣٠٧ ب/ ١) سبعة أيام ولها ليلة الخامس والعشرين من الشهر فتتوضئ لكل صلاة ثمانية أيام قبل ذلك، واغتسلي ثمانية أيام بعد زمان الحيض آخرها انقضاء التاسع من الشعر
[ ١ / ٣٤٦ ]
فإن قالت: كانت حيضي (كله) عشرة أيام، وكنت أخلط شهرًا بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضًا بيقين.
قلنا: هذا محال، لأن العاشر ويومي الخلط وما بينهما تزيد على عشرة. وكذلك إن قالت: كنت يوم الحادي والعشرين حائضًا بيقين.
فإن قالت: بل كنت يوم التاسع حائضًا بيقين. قلنا: يعين زمان حيضك وهو يومًا الخلط ويوم التاسع وما بينهما. وإن قالت: كنت يوم الثاني والعشرين حائضًا بيقين. قلنا: يقين، وهو يوم الخلط وبينهما. وإن قالت: لا أعرف كم كان حيضي أو كان خمسة عرش، فكونها حائضًا يوم العاشر ليس بمحال لا محالة في هذه المسألة، إلا أن تقول: كنت يوم الخامس عشر أو السادس عشر حائضًا، لأن يوم الخلط مع أحد هذين اليومين وما بينهما يزيد على خمسة عشر. وإن قالت: بل كنت يوم الرابع عشر حائضًا تعين بحيضها يومًا الخلط واليوم الرابع عشر، وما بينهما. وإن قالت: كنت يوم السابع عشر (٣٠٨ أ/ ١) حائضًا تعين هذا اليوم ويوم الخلط وما بينهما وذلك خمسة عشر.
وإن قالت: أعرف أني كنت أخلط شهرًا بشهر ولا أعرف قدر الخلط. قلنا: أقل الخلط لحظة فلك لحظتان حيض، لحظة في آخر جزء من اليوم الخامس عشر، والأخرى في أول جزء من ليلة السادس عشر، فإذا عرفت وقت الحيض المتيقن فعدم حيضها أقصى ما يمكن، فإذا أخره من الليلة السادس عشرة وأخره أقصى ما يمكن فإذا آخره قبيل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني، ففي النصف الأخير من الشهر تتوضأ لكل صلاة، إذ لا تتوهم انقطاع دمها، وفي النصف الأول تغتسل لكل صلاة إذ كل ساعة تعرض للانقطاع.
وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط شهرًا بشهر يومًا بيوم، أعني بيوم وليلة، ومعنى قولها: (يوم بيوم): أي أن جميع حيضي إن كان في أول الثاني بعد أن كان يوم منه في آخر الشهر الأول، وإن كان الجميع في آخر الشهر الأول بعد أن كان يوم منه في أول الشهر الثاني. وحكم المسألة أنه حصل لها يقين الحيض في يومين يوم من آخر الشهر (٣٠٨ ب/١) ويوم من أوله، وفي مقابلته حصل يومان طهر، يوم الخامس عشر والسادس عشر، ثم قدم الحيض أقصى ما يمكن بعدما بعد فيه اليومين، وآخر أقصى ما يمكن وبعدهما فيه تتوضأ لكل صلاة في ثلاثة عشر يومًا من آخر الشهر ليلة السابع عشر وآخرها انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل في ثلاثة عشر يومًا أولها الليلة الثانية من الشهر وآخرها انقضاء الرابع عشر.
فإن قالت: كنت أخلط شهرًا بشهر بياض النهار ببياض النهار تعين لحيضك ليلة
[ ١ / ٣٤٧ ]
ولحظتان، لحظة من آخر الشهر والليلة الأولى من الشهر، ولحظة بعد طلوع الفجر، وفائدته أن صلاة المغرب والعشاء في تلك الليلة لا يلزمانك، وأنه لا يفسد عليك من شهر رمضان إلا خمسة عشر، وإن كان الانقطاع نهارًا من المحتمل، لأنك تعلمين أن أحد طرفي حيضك كان خارج شهر رمضان، فلا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر، وإن أفسد يومًا باشتراك الطهور والحيض فيه. وهكذا جميع الشهر بالشهر لا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر فما دونه.
ثم في هذه المسألة إذا قدمان حيضها أقصى ما يمكن كان آخره قبيل غروب (٣٠٩/ ١) الشمس يوم الخامس عشر، فهذه تغتسل في النصف الأول من الشهر وتتوضأ في النصف الثاني، وتكون على يقين الطهر ليلة السادس عشر ولحظتين قبلها وبعدها.
وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر سواد الليل بسواد الليل فتيقن حيضها اليوم الأخير من الشهر، ولحظة من الليلة الأخيرة من آخر الليلة، ولحظة من أول الشهر من أو الليل، وتسقط عنها صلاة الصبح والظهر والعصر في اليوم الأخير، لا يفسد عليها من الصوم إلا خمسة عشر، لأن انقطاع دمها كان ليلًا إذ لا تتيقن انقطاع دمها متى كان، ولكن لما ذكرنا من الخلط، وتعين طهر هذا اليوم الخامس عشر ولحظتان قبله وبعده، ثم تتوضأ وتغتسل على ما ذكرناه.
وإن قالت: كنت أخلط بياض النهار من الشهر الأول بسواد الليل من الشهر الثاني، فهو كما لو قالت: كنت أخلط ولا أعرف بكم، فيقين حيضها لحظتان في آخر اليوم الخامس عشر وأول ليلة السادس عشر. وإن قالت: كنت أخلط بسواد الليل من الشهر الأول ببياض
النهار من الشهر الثاني، فيقين حيضها اليوم الأخير، والليلة الأولى، ولحظتان (٣٠٩ ب/ ١) قبلها وبعدها، ويقين طهرها يوم الخامس عشر وليلة السادس عشر، وقس المسائل على هذا.
فرع
ذكره القفال: قال: قد ذكرنا العادة في الطهر والحيض يزيد وينقص ومعلوم أنه لو ارتفع دمها عشر سنين ثم استحضيت لم نجعل كل طهر لها عشر سنين، فلابد من حد فاصل بين ما يكون طهرًا بين حيضين ونصب عادة، وبين ما لا يكون. وسألت كثيرًا من أصحابنا عن هذا الحد الفاصل فلم أجد له بيانًا، والذي عندي أن الحد الفاصل ثلاثة أشهر، فإن رأت خمسة أيام دمًا وخمسًا وثمانين يومًا طهرًا، ثم رأت الدم استمر، عملت على أن لها في كل تسعين يومًا حيضًا وطهرًا، فإن بلغ طهرها تسعين ثم رأت الدم واستمر بها، عمل على عادتها الأولى أن حيضها خمسة وطهرها خمسة وثمانون،
[ ١ / ٣٤٨ ]
وإلا فثلاثة أشهر، لأن الآية تعتد بثلاثة أشهر، ولو رأت قرء أو قرئين، ثم ارتفع حيضها وصارت آية، أتت بثلاثة أشهر أيضًا بدلًا من (٣١٠ أ/ ١) القرء الباقي والقرءين الباقين، فعرفت أنه قدر لا يجوز أن يكون طهرًا بين حيضين، وما دون ذلك يجوز، وهنا حسن.
فرع آخر
ذكر والدي - ﵀ - امرأة صلت خلف مستحاضة متحيرة لم تصح صلاتها لجواز أن تكون الحالة حالة حيض فلا تصح الصلاة خلقها، ولهذا لا يجوز صلاة الرجل خلف الخنثى لجواز أنها امرأة وليس لمن صلى خلف من يشك في حدثه بعد يقين الطهارة لا يجوز، لأن هناك أصلًا يفيده، وهو العلم بطهارته، فجاز ذلك. ولو صلى من لا علة به خلف من به سلس البول لا يجوز لأنه لا حالة له إذا ظهرت منع الصلاة خلفه بخلاف هذا. وفيه وجه آخر: لا يجوز لأن حدثه دائن، ولم يأت بطهارته ولا يبدلها.
فرع آخر
لو صلت المستحاضة خلف المستحاضة وهما متحيرتان ففيه وجهان، كالخنثى إذا صلى خلف الخنثى، والصحيح أنه لا يجوز.
فرع آخر
صلاة المرأة الطاهرة خلف مستحاضة تعرف عدد حيضها وتعرف وقت البعض دون
البعض في حال الطهر المشكوك فيه تنظر، فإنه كان عقيب يقين الحيض لم يجز، وإن كان عقيب يقين الطهر جاز بناء على الأصل فيهما قياسًا على الوطء الذي ذكرنا من (٣١٠ ب/ ١) التفصيل فيه بين الأول والآخر وفيه وجه آخر أنه لا تصح الصلاة خلفها فهما كما قلت في الوطء يحرم بكل حال وما ذكرناه أصح.
فرع آخر
قال والدي - ﵀ - المستحاصة المتحيرة إذا وطأها زوجها في صوم شهر رمضان وقلنا للمرأة يلزمها كفارة الجماع هل عليها الكفار. وجهان والأصح أنه لا يجب عليها لأن الأصل أن لا وجود وللأصل فيه معتمد.
فرع آخر
قال أيضًا إذا افطرت المتحيرة لإرضاع ولدها فهل يلزمها الفدية على القول الصحيح وجهان والصحيح أنه لا يلزم.
فرع آخر
لو كان عليها قضاء يوم واحد من الصحيح وقد ذكرنا إنها لا تؤدي ذلك إلا لصوم ثلاثة أيام فلو صامت يومًا وشكت هل نوت أمر آخر فيه وجهان أحدهما لا يؤثر الشك
[ ١ / ٣٤٩ ]
لأنها شكت بعد الفراغ والثاني يؤثر لأن هذا الصيام كصوم يوم واحد لأنه يسقط بها قضاء صوم يوم واحد فصار كالشك قبل الفراغ، لأجل هذا إذا كان عليه صوم شهرين متتابعين، فصام يومًا ثم شك هل نوى أم غير النية أم لا هل يلزمه الاستئناف؟ وجهان.
فرع آخر
قال: لو أرادت الجمع بين الصلاتين في السفر وفت الأولى (٣١١ أ/ ١) لا يجوز إلا بشرط تقديم الأولى على الثانية صحيحة يقينًا، أو بناء على أصل ولم يوجد ذلك، ويجوز أن تكون طاهرة عند أداء العصر، وحائضًا عند أداء الظهر، ليس كمن شك في الحدث وأدى صلاة الظهر يجوز العصر بعده جمعًا، لأن هناك يعتمد أصلًا وهي الطهارة السابقة.
الفصل الثامن من فروع التلفيق
إذا رأت يومًا دمًا ويومًا طهرًا، لم يخل من أحد أمرين، أما أن يتغير خمسة عشر، أو
لا يتغير. فإن وقف عليها ولم يتغير كانت أيام الدم ثمانية، وأيام النقاء سبعة، فهل يكون الطهر بين دم الحيض؟ قولان بناء على التلفيق. فإن قلنا: لا يلفق فمعناه لا يضم دمًا إلى دم وطهرًا إلى طهر، فتكون أيام النقاء حيضًا، وهو قول الشافعي - ﵁ - في عامة كتبه، وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري. وبه قال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - ووجهه أنا لو جعلناه طهرًا جعلنا أقل الطهر أقل من خمسة عشر، ولأن عادة المرأة أن لا ترى الدم أبدًا، بل ترى من وقت وتمسك في وقت، فحكم بكون الكل حيضًا، إلا أنه بشرط أن لا يزيد الطهر على الدين، فإن زاد فهو طاهر، والدم الذي لم يبلغ (٣١١ ب/ ١) ثلاثة أيام من الدمين طهر أيضًا. والقول الثاني: أنها تلفق ويكون أيام النقاء طهرًا وهكذا ذكره الشافعي - ﵀ - في مناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ونصره، وبه قال مالك، وهو اختيار ابن سريج وأبي حامد وهو المشهور من المذهب وهذا لأن الله تعالى أمر باعتزال الحيض على الطهر إلا وجود النقاء الخالص فجعل وقت الدم حيضًا، ووقت النقاء طهرًا، وهكذا لو رأت يومين ويومين وثلاثة وثلاثة، أو رأت خمسة دمًا وخمسة طهرًا، وخمسة دمًا، أو رأت يومًا وليلة دمًا، وثلاثة عشر يومًا طهرًا، ويومًا دمًا، أو كان زمان الدم أكثر، أو أقل. قال: فالكل على قولين، وعلى كلى القولين متى رأت النقاء في اليوم الثاني عليها أن تغتسل في الحال، وتأتي بالعبادات كلها ولزوجها أن يأتيها، لأن النقاء إذا وجد بعود الدم مظنون، والظاهر أنها قد طهرت، فإذا فعلت ذلك، فإن لم يعاود الدم، فقد صح ما فعلت، وإن عاودها الدم فهل صح ما فعلت يبني على القولين. فإن قلنا: تلفق صح ما فعلت، وكان وطئه مباحًا، وإن قلنا: لا تلفق لم (٣١٢ أ/ ١) يصح ما فعلت بالصلاة
[ ١ / ٣٥٠ ]
لا تقضي لأنها ما وجبت، وتقضي الصوم والطواف.
وأما الوطء فقد وقع محظورًا، ولكنهما لا يأثمان بذلك، ث إذا قعدت يومًا آخر وطهرت في اليوم الرابع اغتسلت وصامت وصلت على ما بينا وعلى هذا حكمها متى عاودت الدم وطهرت، فإن قيل: هلا قلتم أنه إذا تكرر تركت الصلاة في يوم الطهر وإذا قلتم أنها لا تلفق، لأنها اعتادت عود الدم بعده كما قلتم في المستحاضة إذا زاد الدم على عادتها في الشهر الثاني تعود في الحال إلى ما كانت في الشهر الأول، وإن جاز أن لا يتغير خمسة عشر، قلنا: الفرق أن الظاهر ها هنا بقاء الطهر، فلا ينتقل عن هذا الظاهر لمجرد العادة وتترك الصلاة، وهناك الظاهر اتصال الدم ومجاوزته أكثر الحيض، فثبت على المتقدم في ذلك هذا إذا وقف. فأما أن عبر على هذا كان السادس عشر طهرًا، والمذهب أن الاستحاضة دخلت في الحيض. وقال ابن بنت الشافعي: النقاء الذي في السادس عشر
بفصل ما قبله من الدماء عما بعده فيكون بعده من الهمسة عشر طهرًا، وفي الخمسة عشر قولان على ما بيناه، فجعل ذلك بمنزلة قالوا: تقطع الدم ولم يجاوز الخمسة عشر، وتابعه الشيخ (٣١٢ ب/ ١) أبو بكر المحمودي وهذا قول بخلاف نص الشافعي، لأنه قال، في هذه المسألة بعينها في كتاب "الحيض" (فإذا زاد على خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة، ورددنها إلى يوم وليلة)، ولأنه لو فصل بينهما إذا وقع بعد خمسة عشر لفصل بينهما إذا وقع في أثناء خمسة عشر، ألا ترى أن الدم الأحمر بين الأسودين لما لم يفصل بينهما في أثناء خمسة عشر، لم يفصل بينهما بعدها، ومن مسألة أنها لو رأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا حتى عبر خمسة عشر، فالكل الخمسة عشر حيض لو قلنا تلفق، أو كلما فيهما من الدماء حيض على قولنا، لأنها رأت يوم الخامس عشر دمًا، وأن رأت ثلاثة دمًا، وثلاثة طهرًا على هذا فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دمًا، وأربعة طهرًا فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دمًا وخمسة طهرًا فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دمًا، وأربعة طهرًا فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دمًا وخمسة طهرًا، فحيضها خمسة عشر، وإن رأت ستة دمًا، وستة طهرًا بعد. وافقنا أنها ترد إلى يوم وليلة في قول، وإلى عادة النساء في قول، لأن الدم اتصل من الخمسة عشر إلى ما بعدها، وإذا قلنا بالمنصوص، وعليه عامة أصحابنا، فهذه مستحاضة فلا يخلو إما أن تكون مميزة أو معتادة أولا تمييز لها، ولا عادة، فإن كانت مميزة لا عادة لها مثل إن (٣١٣ أ/ ١) رأت يومًا أسود، ويومًا طهر إلى التاسع، ثم يومًا أحمر، ويومًا طهرًا، أو فالأسود حيض، وما بعدها استحاضة، وكم قدر حيضها. فإن قلنا: لا تلفق فالتسعة كلها حيض، وإن قلنا تلفق لفقنا لها خمسة من تسعة الأول، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع، وما عداها طهر، فالوتر أبدًا دم إذا كان أولها دمًا، وعلى هذا ما زاد ونقص، ولا شك أن النقاء الذي في اليوم العاشر لا يكون حيضًا،
[ ١ / ٣٥١ ]
لأنه لا يتعقبه دم محكوم بأنه حيض.
وقال أبو يوسف: إذا عاود الدم الحادي عشر أو قبل وجود طهر كامل فجميع العشرة حيض، وإن كانت معتادة مثل إن كان لها خمسة دم فلما كان في هذا الشهر رأت يومًا يومًا، واتصلت وعبر، يبني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى عادتها، وهي خمسة فتكون الخمسة للأول دمًا بينهما من الطهر حيضًا كلها، وإن قلنا: إنها تلفق فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: خمسة عشر، ولا تلفق من بعده خمسة عشر، فإن قلنا: تلفق من أيام العادة لفقناها في زمان العادة، وهي ثلاثة أيام الأول، والثالث، والخامس، والباقي طهر، فإن قلنا: نلفق من خمسة عشر من ستة وإن كانت (٣١٣ ب/ ١) عادتها ستة، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق نقص حيضها بها فيكون خمسًا، والسادس رأت النقاء فيه،
فلا يمكن أن يكون في معنى الحيض لأنه طهر لم يتعقب حيض، وهذا أصل من كانت عادتها وترًا لم ينقص حيضها، ومن كانت عادتها شفعًا سقط الأخير أبدًا على هذا القول.
وإن قلنا: تلفق فمن أين تلفق؟ على القولين، فإن قلنا: من العادة لفقنا لها ثلاثة من خمسة، لأن السادس يسقط، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من تسعة، وعلى هذا أبدًا، وإن كانت عادتها ثمانية فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق بسبعة حيض، وإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قولنا من العادة لفقنا لها أربعة من ثمانية، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر، فتكون في هذه المسألة في حيضها ثلاثة أقوال: أحدهما: حيضًا ثمانية، والثاني: أربعة، والثالث سبعة، فإن كان حيضها تسعة، فإن قلنا: لا تلفق فحيضها تسعة، وإن قلنا: تلفق فإن قلنا: من العادة لفقنا لها همسة من تسعة، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر ونقص حيضها يومًا، لأنه ليس في خمسة عشر أكثر من ثمانية أيام دمًا، ولا تلفق لها من غيرها، وإن (٣١٤ أ/ ١) كانت العادة خمسة عشر، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: إنها تلفق اتفقت العادة خمسة عشر ها هنا تتلفق لها منها ثمانية، وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها، ولا عادة كم تحيض هذه؟ قولان. أحدها: اليقين، والثاني الغالب.
فإن قلنا: اليقين كان حيضها يومًا وليلة وما بعدها استحاضة.
وإن قلنا: الغالب فالحكم فيها كمن عادتها سبعًا، هل تلفق من الست، أو السبع، أو من الخمسة عشر؟ قولان على ما مضى، فإن رأت بياض يوم دمًا، ثم بياض الخامس عشر دمًا، وما بينهما طهرًا فعلى القولين، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فالدم حيض والباقي طهر، فإن رأت بياض يوم دمًا، ثم بياض السادس عشر دمًا، وما بينهما، وهو أربعة عشر طهرًا فالكل دم فساد، لأنا إن قلنا: لا تلفق لم
[ ١ / ٣٥٢ ]
يصح، لأنه يؤدي إلى أن نجعل مدة الحيض ستة عشر يومًا، وإن قلنا: تلفق التلفيق هو ضم دم إلى دم بعد أن يكونا معًا في وقت يمكن أن يكونا حيضة واحدة، فهذا الثاني بعد خمسة عشر لا يكون حيضًا والأول دون يوم وليلة، فلا يكون حيضًا، وإن رأت ثلاثة أيام دمًا وأثنى عشر طهرًا صارت خمسة عشر، ثم (٣١٤ ب/ ١) رأت الثالث عشر دمًا فالثلاثة الأولى حيض، وما بعدها طهر، لأنا أن قلنا: لا تلفق لم يمكن بعد الكل حيضًا، وإن قلنا: تلفق لم يضم ما بعد خمسة عشر إلى ما في خمسة عشر، فكانت الثلاثة وحدها حيضًا، فإن رأت بياض يوم دمًا ثم طهرًا أربعة عشر، ثم رأت ثلاثة من أول السادس عشر دمًا، فالثلاثة حيض، وما قبله دم فساد على القولين معًا، لأنا إن قلنا: إنها لا تلفق لم يصح أن يكون الكل حيضًا، وإن قلنا: تلفق لم يجز ضم الأول إلى الثلاثة، لأن بينهما لا يمنع الجمع، وإن رأت بياض يوم دمًا، ثم
طهرًا ثلاثة عشر يومًا، ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول دم فساد والليلة حيض، لأنه لا يمكن أن يزيد الحيض على خمسة عشر، وإن قلنا: تلفق فمن أين التلفيق؟ على قولين. أحدها: من العادة. والثاني: من خمسة عشر.
وإن قلنا: من العادة فلا عادة لها، لأنها مبتدأة ولا يمكن جعل الأول بانفراده حيضًا فبطل الأول وكان الثاني حيضًا.
وإن قلنا: تلفق من خمسة عشر فهي مبتدأة لا تمييز لها كم تحيض؟ فيها قولان أحدها: اليقين، والثاني: الغالب.
فإن قلنا: اليقين (٣١٠ أ/ ١) فبياض الأول وتمام أقل الحيض من الثاني.
وإن قلنا: الغالب لفقنا لها كل دم من خمسة عشر، وهو بياض الأول يومًا وليلة وهو يوم خمسة عشر وما بعده طهر.
فرع
فإن كانت عادتها خمسة في أول كل شهر، وخمسة وعشرون طهرًا، فلما كان في هذا الشهر رأت أربعة أيام دمًا، وخمسة طهرًا، ثم يومًا يومًا ثم الحادي عشر طهرًا، واتصل الطهر فهذه حائض تغيرت عادتها. فإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كانت بحالها فرأت أول يوم دمًا ثم طهرت سبعة أيام، ثم رأت يومين دمًا، ثم طهرت، واتصل الطهر فعلى القولين أيضًا.
وإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض وزاد حيضها خمسًا، وإن قلنا: تلفق بأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر فبعض حيضها يومين.
فرع آخر
لو كانت عادتها خمسة من أول الشهر وباقيه طهر، فلما كان في هذا الشهر طهرت
[ ١ / ٣٥٣ ]
اليوم الأول من الشهر من أحد أمرين، إما أن تقف على خمسة عشر أو بغير كذلك، فإن وقف عليها فهذه حائض قد تغيرت عادتها فانتقل ابتداء عادتها عن أول الشهر إلى ثانية فيكون آخر يوم، وأن الدم الخامس عشر (٣١٥ ب/ ١) من يوم رؤيتها الدم، والسادس عشر من أول الشهر، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: تلفق
لفقت لها ثمانية حيضًا من خمسة عشر والباقي طهر، وإن غير واتصل على هذا يومًا ويومًا دخلت الاستحاضة في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وتبني على الأولين ففي التلفيق، فإن قلنا: تلفق من أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة بأول عادتها طهر وقبله طهر فلا نحكم بأنه حيض وآخر عادتها يوم الخامس طهر بعده طهر، فلا نحكم بأنه حيض بقي من عادتها يومان حيض، وهي الثاني والرابع والثالث بينهما طهر، وإذا قلنا: تلفق من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من عشرة الثاني من الشهر، والرابع، والسادس، والثامن، والعاشر، والباقي طهر، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى العادة، وهل ترد إلى وقت العادة أو إلى عددها دون وقتها؟ قال ابن شريج: فيه وجهان. أحدها: ترد إلى وقت العادة، فعلى هذا حيضها ثلاثة أيام الثاني، والثالث، والرابع دون الأول والخامس، لأن الأول طهر قبله (٣١٦ أ/ ١) طهر الخامس طهر بعده طهر، والثاني: ترد إلى عدة العادة وقدرها دون الوقت. فعلى هذا نحيضها خمسة متصلة أولا ثاني الشهر وآخرها آخر السادس، لأنا نجعل على هذا النقاء الذي بين الدم حيضًا، فحصل في قدر حيضها ثلاثة أوجه: أحدها: يومان، والثاني: ثلاثة، والثالث: خمسة. وفي دمها أربعة أوجه: أحدها: الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والرابع: أن الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر.
وفرع أبو العباس على هذه مسألة أخرى، فقال: طهرت من أول الشهر يومًا ولكن رأت اليوم الذي قبل أو الشهر، ثم يومًا ويومًا وعبر، قال: نبني على القولين، فإن قلنا: تلفق، فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة فليس من عادتها إلا يومًا في الثاني من الشهر والرابع، لأنه ما وجد في عادتها غيرهما، وإن قلنا: من خمسة عشر، قال ابن سريج: في ابتداء الخمسة عشر وجهان:
أحدهما: الابتداء من يوم الثاني من الشهر، فعلى هذا يلفق لها خمسة من عشرة أوله الثاني من الشهر والرابع، والسادس والعاشر.
والثاني: الابتداء من أول الدم (٣١٦ ب/ ١) وهو قبل الشهر بيوم وهو أولى، فعلى هذا تلفق لها خمسة من أول الدم إلى الثامن، فحصل في قدر الحيض وجهان في زمانه ثلاثة أوجه. وإن قلنا: لا تلفق فهل يعتبر وقت العادة أو عددها؟ وجهان، فإن قلنا: يعتبر وقتها سقط أول الدم، لأنه تقدم الوقت وسقط الخامس لأنه طهر بعد طهر، فيكون حيضها ثلاثة أيام أولها ثاني الشهر وآخرها آخر الرابع من الشهر، فحصل على
[ ١ / ٣٥٤ ]
هذا في قدرها وجهان ثلاثة وأربعة، وفي زمانه وجهان على ما بيناه، فيكون في قدر حيضها ثلاثة أوجه يومان وثلاثة وخمسة، وفي وقته خمسة أوجه لوقت الخمسة ثلاثة أوجه، والثلاثة وقت واحد،.
ولليومين وقت واحد.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان عادتها خمسةُ أيام فجاءها شهر فرأت يومين دمًا ويومين طهرًا هكذا كانت ترى يومين فيومين إلى أن جاوز خمسةً عشر فرد إلى الخمسةُ. فإن قلنا: تلتقط أيام حيضًا من خمسةَ عشر فحيضها اليوم الأول، والثاني، والخامس، والسادس، والتاسع، وفي اليوم التاسع وجه ضعيف أنه ليس بحيض بناء على الوجهين في كل دم كان متصلًا بدم الاستحاضة [٣١٧ أ/١] هل هو حيض أم لا؟ والأصح انه حيض.
وإذا قلنا: أنها تلتقط من الأيام المردودة إليها فاليوم الأول، والثاني، والخامس حيض، وفى الخامس وجه آخر أنه لا يكون حيضًا، هذا كله في الشهر الأول. فأما في الشهر الثاني كيف تفعل؟ فيه وجهان: أحدها: تجعل ابتداء خمستها في الشهر الثاني من اليوم الثالث؛ لآن اليوم الأول والثاني لم ير فيهما الدم، والثاني: تجعل من ابتداء الشهر وحكم الشهر الأول والثاني سواء، وإن رأت في اليوم الأول والثاني طهرًا، وهذان الوجهان ينبنيان على أن العادة إذا انتقلت ولم تنقطع هل يحكم بالانتقال؟ فيه وجهان: أحدها: وهو قول أبي إسحاق لا تصير منتقلة، فعلى قوله في مسألتنا لا تحيضها إلى يومين في السهر الثاني وحيضها اليوم الثالث، والرابع؛ لأن اليوم الأول والثاني، والخامس لم تر فيها الدم سواء قلنا: الدماء تلفق أم لا، فأما في الشهر الثالث فهر كالشهر الأول سواء تم هكذا فيما يستقبل ففي شهر يكون حيضها يومين، وفي شهر خمسةً أيام على قول من لا تلفق، وثلاثةً علي قول من تلفق، فأما على قول أبي إسحاق تصير منتقلةُ، فعلى هذا في مسألتنا الشهر الثاني يخرج على قول التلفق، فإذا قلنا: لا تلفق [٣١٧ أ/] حيضناها خمسةً أيام أولها اليوم الثالث والثلاثين، وآخرها السابع والثلاثين، وإذا قلنا: تلفق يخرج على. الوجهين في محل الالتقاط كما بينا.
فرع أخر
قال القفال: قال الشافعي: في مبتدأهِ وترى يومًا دمًا، ويومًا طهرًا حتى جاوز خمسةَ عشر، وكانت تصلي وتصوم في أيام النقاء، فإذا أردت إلى يوم وليلةً تعيد صلاةَ سبعةَ أيام. وصوم خمسةَ عشر يومًا، وأجاب على قولنا: الدماء لا تلفق حتى إذا انقطع على خمسةَ عشر كان الكل حيضًا، ومعنى قولهِ: تعيد صلاةَ سبعةً أيام هو أن الأيام التي رأيت فيها الدم سوى اليوم الأول لست بحيض أي فيلزمها قضاء صلاتها.
وأما ما أدتها منها في حال النقاء مترددةً بين أن تكون صحيحةً، وبين أن لا تكون
واجب عليها أصلًا ولا يحتمل أن تكون واجبةً ولا يصح الإتيان منها، وموضع
[ ١ / ٣٥٥ ]
الإشكال في الصوم، وهو أنه واجب عليها إعادةُ الصوم خمسةً عشر يومًا، وقد أدت الصوم في أيام النقاء أدام، فما الفرق بينه وبين،الصلاةَ، فاختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال في الصوم قولان. أحدها: ما نص عليه أنها تعيد الكل. والثاني: تعيد صوم ثمانيةُ أيام وهي [٣١٨ أ/١] أيام الدماء، لأن الحائض تقضي الصوم.
ومن أصحابنا من قال: تعيد الصوم كما ذكر قولًا واحدًا، والفرق بين الصوم والصلاةً هو أن العبادةً إذا ترددت بين الجواز والفساد لا يجوز، وصومها بهذه الصفة. وأما الصلاةَ فهي مترددة ين أن يجوز وبين أن لا يجوز، ولكن فيها نيابةً وهو أنها لا تجب إن لم يجز بخلاف الصوم فإنه لا يحتمل آن يجب ولا يجوز، ومن جعل المسألةَ على قولين، اختلفوا فمنهم من قال: ينبني القولان على مسألةً قالها الشافعي في خنثى صلى خلف شخص، ثم بان انه امرأةُ فأمرناه بالإعادةً، فقيل: إن أعاد بأن هذا المقتدى امرأةً أيضًا قال: أخشى أن لا يجوز وأحب آن يعيد، فعلق القول فيه، وقاس أصحابنا على ذلك لو صلى رجل خلف شخصًا ثم بان أنه خنثى فأمرناه. الإعادةَ، ثم بان أنه رجل قبل أن يعيد فحصل في هذه المسألة؛ ووجه الشبه أن هذه كانت تصوم وتصلي على ظاهر أن الدم انقطع، فإذا أعاد من الغد كان الظاهر أن صومها بالأمس باطل، إذ الظاهر انقطاع الدم على خمسةُ عشر فما دونه، فإذا جاوز خسمةُ عشر بان أن صومها وفع في الطهر وعذر الصلاة ما ذكرنا إن لم تجب لم يجز، وهذا ذكره [٣١٨ أ/] الشيخ أبو زيد المروزي.
ومن أصحابها من قادت أصلها القولان في المبتدأةَ التي ردت إلى يوم وليلةً فما بعد ذلك إلى خمسةً عشر هل يعمل على الاحتياط؟ قولان. فإذا قلنا: نعمل فها هنا أعادت ما صامت، لم تصم، وهذه الطريقة ُأصح، لأن الشافعي ذكر هذه المسألة، ثم قال: وهكذا تفعل مما يستقبل، ولو كان المعنى ما ذكره الشيخ أبو زيد لم يكن ذلك إلا في الشهر الأول؛ لأن في الشهر الثاني لا تحتاج أن تراعى الانقطاع على خمسةً عشر أو المجاوزة. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة وحكمها في الشهر الثاني، وهو أن تقول: لا يمكننا أن نحيضها من ابتداء الشهر، ولكن خذ مدة طهرها ومدةْ حيضها واضربها في عدد يبلغ ثلاثين أو يقرب من ثلاثين فما خرج من الضرب فاليوم الثاني منه حيض بيانه فيمن كان حيضها يومين وطهرها يومين أن نضرب أربعةً في عدد يقرب من ثلاثين فتضربها في ثمانيةً فيكون اثنين وثلاثين، فهي تعد من كل شهر اثنين وثلاثين يومًا، ثم يكون بعد ذلك حيضها من اليوم الثالث والثلاثين قس عليه الثلاثةً، والأربعةَ، والخمسةً، فإن كان ترى ستةُ أيام دمًا وستة [٣١٩ أ/] أيام طهرًا ففيه وجهان: احدها: نضرب اثني عشر في ثلاثةَ يكون ستةً وثلاثين.
والثاني: تضرب اثني عشر في اثنتين يكون أربعة وعشرين.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فرع آخر
لو رأت أنصاف الأيام طهرًا وأنصافها حيضًا، فرأت نصف. يوم دمًا ونصف يوم طهرًا، إ فلا يخلو إما أن يتغير أو لا يتغير، فإن وقف عر خمسةَ عشر، ولم يتغير فهذه الأصناف هل تكون بمنزلةَ الأيام الصحاح؟ فيه ثلاثةَ أوجه: المذهب وبه قال: شيوخ الصحاح، أنها كالأيام الصحاح، لأن حيضها قد تقطع ولا فرق بين أن ينقطع على الأيام، أو على الأصناف، ومن أصحابنا من قال: إن تقدمها ما يكون بانفراده دمًا متصلًا أقله يوم وليلةً، فالاتصاف هي كالأيام الصحاح وإلا فهي دم فاسد.
وحكي أبو إسحاق عن بعض أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنها لا تكون كالأيام الصحاح حتى ترى أولها يومًا وليلةً متصلا وآخرها كذلك، فتكون الأنصاف: بينهما كالأيام الصحاح وإلا فهو دم فاسد، والتفريع على المذهب، والآخر أنه. ليس بشيء فتبنى على القولين، لا يلفق فالكل حيض إلا النصف الثاني من الخامس عشر، لأنه طهر ليس دم الحيض، وإذا قلنا: تلفق فأوقات الدم حيض، وأوقات النقاء [ب ٣١٩/ ١] طهر فتكون لها سبعةُ أيام ونصف حيض والباقي طهر. وأما الاغتسال فقال ابن سريج: يبنى على القولين في التلفيق. فإن قلنا: تلفق اغتسلت حتى ترى الطهر في النصف الثاني؛ لأنه يحتمل أن يعاودها الدم من الغد فتصير مع الدم الأول يومًا وليلةً، فيكون الدم الأول حيضًا والطهر الذي يتعقبه طهرًا صحيحًا، فتكون هذه المرأة قد انتقلت من بعض الحيض إلى بعض الطهر يلزمها أن تغتسل؛ لأن حكمها في بعض الطهر حكم الطاهرات، وإن قلنا: لا تلفق لا يلزمها أن تغتسل حتى ترى الطهر في الصف الثاني؛ لأنها لا تخلو من أن يعاودها الدم فيكون زمان الطهر حيضًا أو لا يعاودها الدم، فلا يكون ما رأته من الدم حيضًا كاملًا فلا يلزمها الغسل، فعلى هذا إذا مضى منه القدر الذي إذا جمعته بلغ حيضًا اغتسلت عقيبه.
ومن أصحابنا من قال على القول الأول: لا يجب الاغتسال أيضًا في الصف الثاني من اليوم؛ لأن الدم الأول لم حكم بأنه حيض ولا يعلم بمعاودةُ الدم، وهذا كله إذا وقف. فأما إن غير واستمر فقد دخلت الاستحاضةً في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وصارت مستحاضةً فلا تخلو إما أن تكون مميزة أو [٣٢٠ أ/١] معتادة أو لا تمييز لها الإعادة، فإن كانت مميزةً مثل ما رأت الأنصاف أسود إلى عشر، ثم رأت مكانه الأسود أحمر، فالحيض زمان الأسود فيبنى على القولين.
فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، أعني إلى نصف العاشر فيكون لها تسعةً أيام ونصف
حيض وبقيةً يوم العاشر، وما بعده استحاضةً؛ لأنه طهر لا يتعقبه حيض، وإن قلنا: تلفق لقضاء من غيره خمسةً وما عداه طهر، وعلى هذا إن كان التميز قبل العشر
[ ١ / ٣٥٧ ]
أو بعده، وإن كانت معتادة مثل إن كانت عادتها خمسةً فتفرقت أنصافًا بعد ذلك، فإنها ترد إلى عادتها، ثم تبنى على القولين، فإن قلنا: لا تلفق كان حيضها أربعة ونصفًا ونصف الخاص طهر؛ لأنه طهر يعقبه طهر، وإن قلنا: تلفق فهل تلفق لها من العادةً آو من خمسةً عشر؟ على القولين، فإن قلنا من العادةً فالذي لها من العادةً خمسةً أنصاف تصير لها يومان ونصف، وإن قلنا: من خمسةً عشر لقضاء لها خمسةَ من عشرةً، بأن كانت عادتها ستًا فعلى القولين، فإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قلنا: أن التلفيق من أيام العادةَ لقضاء لها ثلاثةً من ستةً، وإن قلنا: من خمسةَ عشر لفقنا لها ستةً من اثني عشر، وهكذا الحكم لو كانت عادتها [٣٢٠ أ/] ستةً، آو سبعةً أو ثمانيةً، وإن كانت مبتدأه فلها في كل شهر حيضةً، وما تلك الحيضةَ؟ قولان احدها: اليقين والثاني: الغالب.
فإن قلنا: اليقين فهو على القولين في التلفيق، فإن قلنا: لا تلفق سقط حكم الحيض وكان دم فاسد، لأنه لا يمكن الزيادةَ على يوم وليلةً، ولا يمكن أن يجعل اليوم والليلةً؛ لأن النصف الباقي طهر يتعقبه طهر فلا يكون حيضًا، ولا آن تجعل النصف الأول حيضًا، لأنه دون أقل الحيض فبطل كله، وكان دم فاسد، وإن قلنا: تلفق فمن أين يكون التلفيق؟ قولان فإن قلنا من المادةَ سقط الحيض لأنه لا عادةً لها تلفق بها فيكون دم فاسد، فإن قلنا عن خمسةَ عشر لفقنا لها يومًا وليلةً من يومين.
وإن قلنا رجع إلى الغالب قال: وهكذا لو كانت ترى يومًا بلا ليلةً ثم يومًا بلا ليلةً حتى جاوز خمسةَ عشر إلا على قول "أبي بكر المحمودي" من أصحابنا، فإن قال: نحيضها يومين لأنه يقبح أن تكون امرأةً ترى الدم في كل يوم أبدًا، ثم يقال: لا حيض لها، وهكذا قال في المسالةً الأولى، وهكذا إذا تفرقت أنصافًا في الأنصاف، فإن قلنا: الأنصاف لا تكون كالأيام الصحاح فهذه أولى، وإن قلنا: كالأيام الصحاح نظرت في حكم الدم المفرق في خمسةً عشر بأن كان .. لو جمع كله بلغ كله بلغ حيضه [٣٢١ أ/] فهو على القولين، إن قلنا: لا تليق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كان الدم لو جمع لم يبلغ أقل الحيض بني على القولين في التلفيق، فإن قلنا: تلفق سقط الدم؛ لأنه لو جمع لم يكن حيضًا، وإن قلنا: تلفق، قال "ابن سريج": فيه وجهان: احدها: أنه دم فساد أيضًا لأنّا إنما نحكم بالطهر بين الدمين بالحيض تبعًا للدم الذي هو حيض، وهذا بانفراده لا يكون حيضًا وهو المذهب، والثاني: الكل حيض، لأنه طهر بين الدمين في وقت يمكن أن يكون حيضًا وهو قول "الأنماطي" حتى قال: لو رأت ساعة حيضًا، ثم أربعةً
عشر طهرًا، ثم ساعة دمًا، فهاتان الساعتان تصيران الأطهار حيضًا، وهو قول أبي حنيفةَ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
مسألة: قل: " وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتِرَكَ الصَّلاَةَ إلا لِأَقَلُّ مَا تَحِيضُ لَهُ النَّسَّاءَ وَذَلِكَ يَوْمَ وَلَيْلَةٍ ".
وهذا كما قال نقل المزني ها هنا أن أقل الحيض يومًا وليلةً، وبه قال: أحمد، وذكر في كتاب العدةَ ما يدل على أنه يوم وبه قال داود ولم يذكر الليلةً، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثةَ طرق: أحدها قول واحد أنه يوم، وليلةً، والذي قال يوم يطلق محمول على ما في سائر كتبه، وأراد به يومًا بليلته؛ لأن العرب يذكرون الأيام ويريدون مع الليالي. والثانيةَ المسألةً على [٣٢١ أ/] قول واحد أنه يوم، والذي قال: يوم وليلةً قيل: إن أثبتا: عنده أنه يوجد ذلك في العادةً فلما ثبت رجع إليه، والثانيةً: فيه قولان، وهذا فاسد، لأن الحيض ثبت عندنا بالعادةً، ولا يصح أن يكون عرف العادةً على وجهين، والصحيح الطريقةً الأولى وقال أبو حنيفة: أقل الحيض ثلاثةَ أيام، وبه قال الثوري، وقال أبو يوسف; يومان وأكثر الثالث. وقال مالك: ليس لأجله حد يجوز أن تكون ساعةً، وهذا غلط لأنه خارج من الرحم نعلم به البراءةً، فكان لأقل مدته حد كالحمل، ولأن طريق هذا الوجوب، ولم يوجد أقل من يوم وليلةً عبادةً بتمرةً قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها. أنها لم تزل، تحيض يومًا لا ترتد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثةَ أيام، وقال عطاء: رأيت من الماء من تحيض يومًا، وتحيض خمسةَ عشر يومًا.
،قال الأوزاعي: عندنا امرأة بحيض غدوةً وتطهر عشيةً. وقال "أبو عبد الله الزبيري": كان في نسائنا من تحيض يومًا وتحيض خمسةَ عشر يومًا، واحتج به أبو حنيفة بما رؤى "وائلة بن الأسقع" أن النبي. ﷺ قال:"اقل الحيض ثلاثةً أيام وأكثره عشرة". قلنا: رواه محمد بن أحمد الشامي، وهو وضعيف [٣٢١ ا/١] عن "حماد ابن المنهال" وهو مجهول، ثم نحمله على نساء بأعيانهن كان ذلك أقل حيضهن وأكثره. واحتج مالك بأنه لو كان أقله يومًا لكانت لا تقع الصلاةَ حتى يمضي يومًا كاملًا.
قلنا: إنما تترك؛ لأن الظاهر الصحة وأنها تدوم والاستحاضةً نادرة لعلةً.
مسألة: قال: " وَأَكْثَرُ الْحَيْضَ خَمْسَةَ عُشُرِ "
وهذا كما قال: أكثر الحيض خمسةَ عشر، وبه قال مالك: والحسن، وأحمد في رواية، روى ذلك عن علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح - ﵄ - وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري عشرةً أيام. وقال سعيد بن جبير: ثلاثةً عشر يومًا،
[ ١ / ٣٥٩ ]
(وروي) عن مالك: أنه لا حد لأكثره كما لا حد لأقله عنده، وحكي عن أبي إسحاق المروري أنه قال: لا يتقدر أكثر الحيض ولا أقله؛ بل يرجع عليه إلى الوجود فكلما وجدنا عادةً مستقرةً تجعل حيضًا. وقال مالك في روايةً ثالثةً: أكثره سبعةً عشر يومًا، وهذا غلط لما روي عن -النبي صلى الله عليه- وسلم أنه قال: "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل: وما نقصان دينهن يا رسول الله؟ فقال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" فدل على أن أكثر الحيض خمسةً عشر. وهذا الخبر بهذا اللفظ رواه شيوخنا - ﵏، في التصانيف.
وروى: نصف دهرها، ولأن النبي - ﷺ -[٣٢١ أ/] قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل آن بصيبها الذي أصابها" فاخبر أنها تحيض في كل شهر مرةً، والإجماع أن الناسيةً تحيض في كل شهر حيضةَ، والآيةً تعتد بثلاثةً أشهر بدلا عن ثلاثةَ. أقراء، فلا يخلو إما أن يكون الشهر ظرفًا لأكثر الحيض وأكثر الطهر أو لأقلهما أو لأقل الحيض، وأكثر الطهر، آو لأكثر الحيض، وأقل الطهر لا يجوز الأقسام الثلاثةً، فتعين القسم الرابع وأما أكثر الطهر فلا نهايةً له وأقله خمسةً عشر يومًا نص عليه في كتاب "الحيض".
وقال "يحيى بن أكثم القاضي": أقل الطهر تسعةً عشر يومًا؛ لأن العادةً أن للمرأةً في كل شهر حيض وطهر، والشهر لا ينقص عن تسعةً وعشرين، وأكثر الحيض عشرةَ أيام فيبقى أقل الطهر تسعةً عشر يومًا، وقال مالك: أقل الطهر عشرةً أيام.
وقال أحمد وإسحاق: لا حد لأقله، والدليل على ما قلنا. الوجود، وقد قال شريك بن عبد الله: عندنا امرأةً تحيض من النهر خمسةً عشر يومًا حيضًا صحيحًا مستقيمًا.
مسألةً: قال: " وَأَكْثَرُ النّفاسِ سِتُّونَ يَوْمَا"
وهذا كما قال: أكثر النفاس ستون يوم، وبه قال مالك وعطاء، والشعبي، والحجاج ابن أوطأة، وعبد الله بن العنبري، وأبو ثور، وداود، وقال [٣٢٣ أ/] أبو حنيفة والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة: أكثره أربعون يومًا.
وروي ذلك عن الأوزاعي، والليث بن سعد،.وقال الحسن البصري: خمسون يومًا
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال بعض العلماء: سبعون يومًا، واحتج أبو حنيفةَ بما روي عن: أم سلمهَ - ﵂ - أنها قالت: كانت النفساء تقعد منى عهد رسول الله - ﷺ - أربعين ليلةً وأربعون يومً
وروى أبو أمامةً: أن النبي - ﷺ - قال: "النفساء إن طهرت حين تضع صلت، فإن رأت الدم قعدت خمسةً وعشرين يومًا، فإن رأت الدم قعدت أربعين يومًا، فإذا جاوزت فهي مستحاضةً"، وهذا غلط لأن الطريق في ذلك الوجود، وقد وجد، وقال الأوزاعي: عندنا امرأةً ترى النفاس شهرين، وروي عن مالك، وعطاء أنه في الغالب. وأما أقل النفاس في بعض نسخ المزني أقله ساعةً، ورواه أبو ثور عن الشافعي، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: محدود للأقل ساعةً، أو به قال ابن سريج، وجماعةً من أصحابنا، وبه قال محمد، وأبو ثور.
وقال أصحابنا بالبصرة وبخرسان: أقله لا حد له، وإنما ذكر: الشافعي تقليلًا وتفريعًا لا أنه جعله هذا وأقله مجةً من دم، وبه قال مالك والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ;وقال أبو حنيفة: أوله خمسةً وعشرون يومًا، وروي عنه. [٣٢٣ ب/] أقله لحظةً، وقال الثوري: أوله ثلاثةً أيام لأنه أقل الحيض، وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا ليزيد أوله على أكثر الحيض، وقال المزني: أقله أربعةَ أيام لأنها أربعةً أمثال أقل الحيض كما أن أكفره أربعةً أمثال الحيض، وهذا كله غلط؛ لما روى أبو أمامةً أن النبي - ﷺ - قال: "إذا طهرت النفساء حين تضع صلت" ولا المرجع فيه إلى الوجود، وقد تلد المرأةً ولا ترى دمًا،.ويقال: إن نساء الأكراد هن بهذه الصفةً. وروي أن امرأةً ولدت على عهد رسول الله. ولم تر معه
دمًا فسميت ذات الجفاف، وقيل: ذات الجفوف.
فإذا تقرر هذا ي فإن رأت ساعة فلا تفوتها صلاة في ذلك، ولكن إن ولدت في رمشان فد عليها صوم ذلك اليوم الذي ولدت فيه، وعليها آن تغتسل عند الانقطاع، ولزوجها أن يأتيها، فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف احتياطًا، وإن لم تر شيئًا أصلا، فقد ذكرنا فيما تقدم. فإذا تقرر هذا فإن رأت الدم قبل ظهور شيء من الولد فهو دم فساد بلا خلاف، وإن رأت بعد انفصاله فهو نفاس بلا خلاف.
وأما ما خرج مع الولد هل يكون نفاسها؟ فيه وجهان. قال أبو إسحاق: هو نفاس. وبه قال ابن أبي أحمد، وهذا هو أقيس [٣٢٤ أ/١]؛ لأنه دم خارج بخروج الولد فأشبه الخارج بعده، فعلى هذا يلزم منه الاغتسال، ولو كانت صائمةُ بطل صومها.
[ ١ / ٣٦١ ]
وقال سائر أصحابنا: هو دم فساد، ولو كانت صائمةً لا يبطل صومها، وإذا لم تر الدم بعد انفصاله، وكان الولد خرج وحده. وقد ذكرنا أنه لا يلزم الاغتسال به في أحد الوجهين، وهذا هو المذهب؛ لأن ما قاله أبو إسحاق يؤدي إلى أن يزيد أكثر النفاس على ستين يومًا، لأنه لا خالف أن ابتداء الستين عقيب انفصال الولد، ولأنه دم انفصل قبل انفصال الولد فأشبه ما خرج قبله، ولو أتت المرأة بولدين توأمين بينهما أقل من أقل مدة الحمل، فالنفاس لهما، وهل يعتبر من الولد الأول أو الثاني؟ قال ابن القاضي: فيه ثلاثةً أوجه أحدها: أن أول النفاس من الولد الأول حتى لو رأت بين الولدين تسعةٌ وخمسون يومًا فعد الولد الثاني لا نفاس لها إلا يومًا، وإن جاوز فهي استحاضةً النفاس، وبه قال أبو حنيفةً وأبو يوسف، وقال: أكثر النفاس أربعون يومًا فلو كان بين الولدين، أربعون يومًا لم يكن بعد الولد الثاني نفاس أصلًا، وهذا لأنه دم يعقب الولادةً فيجب أن يكون نفاسًا كما في الولد الواحد، والثاني يعتبر من الولد الثاني وهو [٣٢٤ أ/١] المذهب؛ لأن التوأمين هما كالولد الواحد ولهذا في حكم الرجعةً كذلك حتى لا ينقطع إلا بانفصالها فكان ابتداء النفاس بعدهما، وبه قال زفر، ومحمد، وعلى هذا ما لو رأت قبل الولد الثاني استحاضةً لا يتعلق به حكم النفاس، ولأن ما قاله القائل الأول يؤدي إلى المحال، وذلك أنه ربما يقع بينهما أكثر النفاس، ورأت مع الثاني دمًا مثل ما رأت مع الأول، فإن قال: لا يكون نفاسًا فمحال، لأن الولد الثاني كالأول فكيف يجعل الأول نفاسًا دون الثاني مع رؤية الدم على صفةً واحدةً، وإن قال: يكون نفاسًا وهو قوله: يؤدي إلى أن يزيد النفاس على ستين يومًا،
ولا يقال: هما نفاسان متميزان وهذا عذر هذا القائل من غير إشكال لأنه لم يتخلل الطهر بينهما، والثالث أول النفاس هو من الولد الأول وآخره من الولد الثاني، ولا تبالي إن تجاوز ما بين الولد الأول إلى آخر الدم ستين، وهذا هو اختيار ابن أبي أحمد، ووجهه آن كل واحد منهما هو سبب في إثبات، حكم النفاس بدليل حالة الانفراد فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منها نفاس وتداخلًا فينما اجتمعا فيه، ويفارق هذا خروج الدم قبل انفصال الولد؛ لأنه لم يوجد سبب النفاس. ثم [٣٢٥ أ/١] أعلم أنه إذا اتصل النفاس إلى شيئين يومًا تتعلق به أحكام الحيض أجمع، وإن انقطع الدم في يوم، ورأت طهرًا يومًا، ورأت خمسةً دمًا وخمسةً طهرا أو عشرةً، وعشرةً إلى الستين تبنى على القولين، فإن قلنا: إنها لا تلفق الدماء فالكل نفاس، وإن قلنا: أنها تلفق فأيام الدم نفاس وأيام النقاء طهر، وقد مضت فائدةً التلفيق في الحيض، وعلى كل لون وجد الدم في الستين فهو نفاس كالموجود في حق الحائض في مدةً خمسةً عشر يومًا، وإن رأت الدم دون يوم وليلةً
[ ١ / ٣٦٢ ]
عقيب الولد، ثم طهرت خمسةً عشر يومًا، ثم رأت الدم لم يخل الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون مدةً تكون بانفراده حيضًا أولا تكون، فإن كان مما يمكن أن يكون بانفراده حيضًا، ثم إن بلغ يومًا وليلةً فاليوم الأول نفاس قولًا واحدًا، وأما الثاني: قال ابن سريج: فيه وجهان أحدها: أنه حيض مستأنف وما بينهما طهر صحيح، وبه قال أبو يوسف، ومحمد لأنهما دمان فصل بينهما أقل الطهر فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالحيضتين وهذا أصح. والثاني: يقاس أيضًا وبه قال أبو حنيفةً: لأنهما دمان في زمان إمكان النفاس فأشبه إذا كان بينهما أقل ;من خمسةً عشرةً، ويفارق الحيضتين [٣٢٥ ب/١] لأن الثاني لا يمكن ضمه إلى الأول؛ لأن الحيض الواحد لا يبلغ زمانه، وأما ما بينهما من الطهر فهل يكون نفاسًا؟ فيه قولان بناء على القولين في التلفيق.
وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والدم الثاني مشكوك فيه تصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، وتقضي اليوم والطهر والطواف؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاسًا، ويحتمل أن يكون دم فساد، وهذا لا يصح لأنه دم في زمان الإمكان يستحيل آن يجعل مشكوكًا في حكمه، ولأنه ناقص فقال: إن كان الدم الثاني أقل من يوم وليلةً كان دم فساد، ويحمل الأمرين على ما قاله، وإن كان بما لا يمكن أن يكون حيضًا بانفراده إن رأت ساعةً دمًا بعد الولادةً، ثم طهرت خمسًة عشر يومًا، ثم رأت ساعةً، واقطع فمن قال في المسألةً الأولى الزمان زمان نفاس ففي هذه المسألةً الدمان نفاس أيضًا، وأما ما بينهما من النقاء هو مبني على القولين في التلفيق، ومن قال هناك: الثاني حيض مستأنف قال ها هنا: يخرج على وجهين أحدها: أنه دم فساد لأنه لا يصلح أن يكون بانفراده، ولا يمكن أن يضم إلى
الأول؛ لأنه يتخلل بينه وبينه طهر كامل فلم يبق إلا أن يجعل دم فساد، والثاني: أنه يكون نفاسًا وهو والأظهر لأنه [٣٢٦ أ/١] إذا لم يمكن أن يجعله حيضًا مستأنفًا أضفناه إلى الأول وجعلناه نفاسًا وهذا قول محمد، والأول قول آبي حنيفةً، وان تخلل الطهر خمسةً عشر يومًا، نم عاد الدم، وجاوز الستين، قال القفال: لا يختلف القول أن النفاس هو ما قبل الطهر وما بعد الطهر حيض، وإن جاوز في نفسه خمسةً عشر تكون مستحاضةَ، وقيل: فيه وجهان أيضًا، وهو محتمل لأن مدة النفاس واحدة فتعتبر بعود هذا الدم فيها حكم الطهر السابق، وفرع ابن سريج على المسألة الأولى، وهو إذا كان الثاني قدرًا يمكن أن يكون حيضًا.
مسألةُ أخرى: وهى أنه لو علق طلاقهما بالولادةً فولدت وأخبرت بانقضاء عدتها فإن قلنا الثاني حيض قال ما ينقضي بها عدتها سبعةً وأربعون يومًا، ولحظتان النفاس
[ ١ / ٣٦٣ ]
لحظةً، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا ثم طهرت خمسةً عشر فإذا رأت من الحيضةً الثالثةً لحظةً بانت، ويمكن انقضاء عدتها بسبعةً وأربعين يومًا، ولحظةً تأتي بأن لا ترى شيئًا من النفاس بحال، وإن قلنا: الدم الثاني دم نفاس لم نحكم لها بالحيض في الستين. بحالٍ، وأقل ما يمكن أن تحيض يومًا عقيب [٣٢٦ ب/١] الستين، وقد تقدمهما في الستين طهر، ثم طهرت فيه خمسةً عشر، ثم حاضت يومًا وليلةً، ثم طهرت خمسةً عشر فتصير الستين وتسعين يومًا؛ لأن الستين بعد الولادة قد دخلت اللحظة فيها، وتكفي لحظةً واحدةً، وهذا كله إذا لم تعبر الستين، فإذا عبر الستين، واتصل ففيه وجهان:
أحدهما: دخلت الاستحاضةً في دم النفاس لأنه دم يسقط فرض الصلاةً اتصل الدم به بعد مدته فكان استحاضةً كما لو عبر في حق الحائض خمسةً عشر، وهذا هو المذهب.
والثاني: إن أيام الستين هي نفاس كلها وما بعد الستين استحاضةً، وهذا هو اختيار المزني - ﵀ - واحتج بأنه كما ظهر حكمنا أنه يقين النفاس فيستصحب ذلك اليقين إلى الأكبر فيجعل الكل نفاسًا إذا جاوزه ويفارق الحيض، فإنه لا يكون يقينًا أول ما ترى بل يكون مشكوكًا فيه، وإذا بلغ يومًا وليلةً حكمنا بأنه حيض فإذا جاوز الأكثر جاز أن يرد إلى الأقل، وهذا غلط؛ لأن عنده لأقل النفاس قدر هو أربعةَ أيام كالحيض سواء فلا يصح الفرق، ولأن الحيض إذا بلغ يومًا وليلةً حصل فيه اليقين، فإن لم يكن قل ذلك يقين فينبغي أن لا تترك بعدم إلا [٣٢٦ أ/١] الأقل، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أن الستين نفاسًا والذي بعده حيض؛ لأنهما جنسان فلا يتنافيان وهذا ضعيف.
وإذا قلنا بالمذهب فلا يخلو إما أن تكون مميزةً أو معتادةً، أو لا تمييز لها، ولا عادةً
فإن كانت مميزة مثل إن رأت الدم الأسود، ثم تغير إلى أحمر، أو رأت الأحمر ثم تغير إلى الصفرة ردت إلى تمييزها فأيام الأسود، أو أيام الأحمر نفاس وما بعد ذلك استحاضة، وإن كانت معتادة مثل أن ولدت مرة بعد أخرى وكانت عادة نفاسها أربعين يومًا ردت إلى العادة، فيكون قدر العادة نفاسًا وما بعدها استحاضة، وإن لم يكن لما تمييز ولا عادة فكم تنفس؟ فيه قولان: أحدهما: أن اليقين لحظة أو لا شيء أصلًا. والثاني: غالب نفاس النساء أربعون يومًا وقيل قول واحد ترد إلى الغالب. والفرق بينه وبين الحيض أن دم النفاس يقين، ودم الحيض فرددناها إلى أقل الحيض احتياطًا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فرعان
لأبي إسحاق - ﵀ - أحدهما: امرأة شهرها عشرون يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا، ثم طهرت خمسة عشر، ثم عاودها، واتصل فالأول نفاس، والطهر بعده صحيح وما بعده استحاضة يكون شهرها عشرين يومًا خمسة [٣٢٧ ب/١] حيض، وخمسة عشر استحاضة، هذا إذا وافق الطهر بين النفاس، والدم الثاني عادة طهرها.
والفرع الثاني: امرأة شهرها ثلاثون يومًا، عشرة حيض وعشرون طهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا وطهرت ستين يومًا، ثم عاودها الدم واتصل بنفاسها عشرون يومًا وبعده طهر صحيح، وما بعده استحاضة يكون شهرها سبعين يومًا عشرة حيض، وستون استحاضة؛ لأن العادة على ظاهر المذهب تثبت بمرة واحدة، وقد طهرت مرة ستين يومًا من نفاسها وحيضها، فانتقلت عن تلك العادة إلى هذه، وعلى قول من قال: لا تثبت العادة بمرة واحدة، قال ها هنا: أردها إلى عادتها فيكون شهرها ثلاثين يومًا ما كان قبل الولادة، وأبو إسحاق فرعها على القول: الدم الثاني بعد الولادة وبعد خمسة عشر يومًا حيض، فإن قيل: لم عبرتم به الطهر دون الدم؟ قلنا: لأن دم النفاس مخالف لدم الحيض في المقدار فلم يتغير به مقدار الحيض، والطهر بين النفاس كالطهر من الحيض فتعين أحد الطرفين بالآخر.
وقال القفال: هذا مبني على أن النفاس والحيض جنس واحد، وجنسان فإن قلنا: جنس واحد فقد نقص طهرها، وإن [٣٢٨ أ/١] قلنا: جنسان فالطهر كما كان والأول أطهر وأصح.
فرع آخر
ذكره أصحابنا: إذا رأت الحامل خمسة أيام دمًا، ثم ولدت عقبها فرأت دم النفاس، فإن قلنا: إن الحامل لا تحيض بالخمسة استحاضة وما بعد الولد نفاس وإن قلنا: أنها تحيض. اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الخمسة حيض وما بعد الولادة نفاس، وبه قال صاحب "الإفصاح"، ومنهم من قال: الخمسة استحاضة على القولين معًا؛ لأن ما بعد الولادة نفاس بالإجماع، ولا يجوز أن يتوالى الحيض والنفاس كالحيضتين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا لأنهما دمان من حيضتين فلا يضر أن لا يتخلل بينهما طهر بخلاف الحيضتين.
وقال القفال: معنى الوجهين أن الحيض والنفاس جنس واحد أو جنسان؟ فيه وجهان. وقال بعض أصحابنا: بخراسان: إن قلنا بالوجه الأول ترد إلى يوم وليلة من
[ ١ / ٣٦٥ ]
أول هذا الدم الذي قبل الولادة إن كانت مبتدأة، ثم الباقي دم فساد، وكذلك ما بعد الولادة إلى الشهر الثاني من اليوم المردود وتجعل الولادة كأن لم تكن، وقد يقع الطهر ناقصًا في خلاف دم الفساد، فيكون طهرًا أيضًا مثل إن رأت عشر دمًا، وعشرة طهرًا، ثم ولدت فإنها تكون طاهرة أيضًا بعد [٣٢٨ ب/١] الولادة عشرة ثم بحيضها يومًا آخر وتجري على ذلك إن اتصل دمها، وإن كانت معتادة وعادتها خمسة نردها إلى خمسة سواء ثبتت لها العادة في زمان الحمل أو قبل زمان الحمل، ويكون الباقي من العشرة الطهر وعشرة بعد الولادة كلها طهر ثم نحيضها خمسة أخرى، وما تقدم أصح لأنه يستحيل أن تجعل الدم بعد الولد في مدة النفاس المحتمل طهرًا.
مسألة: قال: "وَالَّذِي يُبْتَلَى بِالْمَذْيِ بِلاَ تَقْطِيعُ مِنَل المُسْتَحَاضَةِ يَتَوَضَّأُ لِكُلَّ صَلاَةٍ فَرِيضَةٍ بَعْدَ غَسْلِ فَرْجِهِ وَيَعَصِبُهُ"
وهذا كما قال: المستحاضة ومن به سلسل البول والذي يتوضأ لكل صلاة فريضة حاضرة أو فائتة، ولا يجمع بين صلاتي فرض ولا بين بفرض، ولا بين صلاة فرض وطواف فرض بوضوء واحد، وإذا توضأ الفرض صلى به الفرض الواحد وما شاء من النوافل كما قلنا: في التيمم ولا يجوز لواحد من هؤلاء أن يتوضأ لصلاة الفرض قبل دخول وقتها. وقال أبو حنيفة - ﵀ -: يجوز لواحد من هؤلاء أن يصلي في وقت واحد ما شاء من الفرائض، وتبطل طهارتها بخروج الوقت حتى لا تصلي بها أصلًا، وتجوز طهارتها قبل دخول وقت الصلاة. وبه قال أحمد، وعندنا لا تبطل [٣٢٩ أ/١] طهارتها بخروج الوقت.
وقال الأوزاعي، والليث: تجمع بطهارتها بين الظهر والعصر فقط، وهذا غلط لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة" ولأن أبا حنيفة - رحمة الله عليه - قال: "إذا توضأت قبل الطهر، ثم دخل وقت الظهر، لم تبطل طهارتها، وقد خرج عنها وقت صلاة العيد.
وقال مالك - ﵀ - لا وضوء على المستحاضة أصلًا عن داود مثله أنه لا
[ ١ / ٣٦٦ ]
وضوء عليها بما يخرج من الدم بعد الوضوء فكذلك لا وضوء بالأول، وهذا غلط، لأن الدم الأخير يوجب الوضوء، ولهذا لو انقطع يلزمها تجديد الوضوء ولكنه عفي عنه عند الاتصال للضرورة.
وإذا تقرر هذا الكلام الآن فيما يجب على المستحاضة فعله إذا أرادت صلاة الفرض والحكم فيها ومن به سلسل البول والقيام والريح، وكذلك من به جرح سائل حكمه حكم المستحاضة إلى في الوضوء، فإن خروجه منه لا ينقص الوضوء إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير ونحو فإنه كالمستحاضة سواء فإن كان الدم يسيرًا بحيث إذا استدخل قطنة [٣٢٩ ب/١] أو خرقة انقطع فعلت ذلك، كأن لم ينقطع به وضعت على رأسن القطنة خرقة واستوثقت وتلجمت، والتلجم: هو أن يشد فرجها بخرقة ويعصبها، ثم يشد في وسطه نكة أو خرقة، ويشد تلك الخرقة التي على وسطها من خلفها وطرفها الثاني من بين يديها.
وقال الشافعي - ﵁ - في موضع: تأخذ خرقة مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخديها كل طرفين منها على فخدها. وهذا ضعيف وما تقدم هو أصح، فإذا فعلت ذلك وصلت فإن لم يقطر منها الدم أجزأها، وإن قطر الدم نظر، فإن كانت قد استوثقت قدر الإمكان والخارج غلبه فلا قضاء عليه لقوله - ﵊ - في المستحاضة. "صل وإن قطر الدم على الحصير قطرًا" كأن لم يكن استوثقت فعليها إعادة الشد والطهارة والصلاة لأنها مفرطه في ذلك، وهكذا من سلسل البول يسيل إحليله لقطنة يدخلها فيه إن كان يمسك بها، وإن كان لا يمسك عصب رأس ذكره بخرقة ويكفيه، ولا يلزمه إدخال القطنة في إحليله لقول الشافعي - ﵀ - بعد غسل فرجه وتعصيبه، ولا يجوز أن يعلق قارورة يقطر فيه بوله، لأنه يكون يحمل نجاسة في غير معدتها بلا ضرورة.
فإذا تقرر هذا [٣٣٠ أ/١] ودخل عليها وقت الصلاة فتوضأت رفعت بها الحدث الماضي دون القائم والحادث، ثم يُنظر، فإن صلت عقيب الفراغ من الوضوء صحت الصلاة، وإن أخرت خارج وقت الصلاة زالت طهارتها في حق الفرض وتجوز لها النوافل.
ومن أصحابنا من قال: يجوز لها أداء الفرض كما لو تتيمم للفائتة ثم دخل وقت الفريضة به يجوز له أن يصليها به في أحد الوجهين، وهو اختيار القفال وإن أخرت
[ ١ / ٣٦٧ ]
الصلاة من أول وقتها نظرت، فإن كان التأخير لسبب يتعلق بمصلحة الصلاة كاستقبال القبلة وإصلاحها ولباس البدن وانتظار الجماعة والخروج إلى المسجد لم يقدح فيها، إن كان بغير سبب. قال ابن سريج: فيه وجهان. أحدهما: لا يجوز لها أن تصلي به الفريضة، لأنه ما رخص في الحدث القائم حالة الصلاة فلا يجوز لها تأخير الصلاة أكثر من الحاجة. والثاني: يجوز ذلك لأنه لما جاز لها تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جاز تأخير فعلها بهذه الطهارة، وهل يلزمها غسل الفرج لكل صلاة فريضة؟ فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: ما نص عليه ها هنا أنه يلزمها ذلك لأنها تقدر على إزالة تلك النجاسة، والثاني: لا يلزمها ذلك ما لم تزل الضرورة أو العصابة وقيل: أو طهر على [٣٣٠ ب/١] العصابة، ذكره القفال. ولو توضأت وانقطع دمها لا تخلو إما أن يكون انقطاع عادة أو لا عادة لها به، فإن لم يكن لها عادة بانقطاعه مثل أن تكون مبتدأة، فإن لم تكن خلت في الصلاة بطلت طهارتها وعليها استئنافها، وهذا لأن الانقطاع يحتمل أن يكون لكبر أو زوال العلة، ويحتمل أن يكون لعارض ولم تزل العلة إلا أن الظاهر زوالها وحصول البرء منها، فيبطل وضوءها الأول ويلزمها تجديد الوضوء، وإن كان الانقطاع في الصلاة فالمذهب المنصوص أنه تبطل صلاتها، وفيه قول مخرج من التيمم أنه إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته، وقد مضى الفرق فيما تقدم، وإن كان لها عادة بانقطاعه، مثل أن تستمر عادتها أنه تنقطع ساعة وتسيل ساعة، والقدر الذي تنقطع فيه لا يتتبع الطهارة والصلاة، فلا يقدح ذلك في الطهارة ولها الدخول في الصلاة، وإن انقطع انقطاعًا بينًا يمكنها تجديد الطهارة فعليها أن تتوضأ وتصلي، وصار هذا الانقطاع بمنزلة الانقطاع المثل للبرد وزوال العلة، فإن توضأت ودخلت في الصلاة فعاد الدم بطلت الطهارة قولًا واحدًا كابتداء الاستحاضة، ولكنه حدث عليها الصلاة فتخرج وتتوضأ وهل تبنى على. . . [٣٣١ أ/١] تستأنف قولان كمن سبقت الحيض سواء.
وفرع ابن سريج عن الفصل الأول. وقال: إذا انقطع دمها بعد الوضوء والدخول في الصلاة، وقلنا لها: لا تْدخلي في الصلاة مثل الوضوء ثم عاد الدم قرب فيه وجهان.
أحدهما: صحت الصلاة لأن هذا الانقطاع هو كل انقطاع على ما ظهر.
والثاني: وهو المذهب الصحيح أن صلاتها باطلة، لأنها دخلت فيها معتقدة أنها محدثة، فلم تنعقد، وإن بان أنها متطهرة اعتقد انقضاء المدة في مسح الخفين يدخل في الصلاة، ثم بان بقاء المدة لم تصح صلاته كذلك ها هنا.
[ ١ / ٣٦٨ ]
فرع آخر
لو كان انقطاعها عادة، وقلنا: يجوز الدخول في الصلاة فدخلت فإن عاد الدم قريبًا صحت صلاتها واتصل الانقطاع بطلت صلاتها وجهًا واحدًا لأنها علمت الخطأ في تقدمها أن الانقطاع غير تام.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج فيه وجهين كما في ابتداء الانقطاع غلط ظاهر.
فرع آخر
لو كان الانقطاع في أثناء الصلاة وكان قدرًا الصلاة أيضًا.
[ ١ / ٣٦٩ ]
[ ١ / ٣٧٠ ]