قال: ولو رَهَنَ ماشِيةً وجَبتْ فيها الزَّكَاةُ.
هل يصح الرهن في مقدار الزكاة؟ فعلى قول أبى إسحاق قولان: سواء قلنا: أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة. وعلى قول ابن أبي هريرة: إن قلنا: إنها تتعلق بالعين لا يصح الرهن، وإن قلنا: إنها تجب في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها جاز الرهن وإن أخرجها منها بطل الرهن في قدر الزكاة وقيل يبطل في الباقي. إن قلنا: إن الصفقة تفرق لا يبطل في الباقي وإن قلنا: لا تفرق، فإن قلنا: إن العلة الواحدة جمعت حرامًا.
[ ٣ / ٩٦ ]
وحلالًا بطل الرهن في الكل ولا فرق بينه وبين البيع، وإن قلنا: إن العلة في جهالة الثمن فلا يكون في الرهن ثمن فيصح عقد الرهن في الباقي، فحصل هاهنا على أحد القولين قولان، فإذا قلنا الرهن صحيح في الكل نظر فإن كان للراهن مال غيرها كلف إخراج الزكاة من غيرها حتى يسلم للمرتهن جميع الرهن [١٠٤ أ/٤] وتجري الزكاة مجرى مؤن الرهن فكما أن سائر المؤن على الراهن فكذلك الزكاة عليه يخرجها من سائر ماله، وقيل يؤخذ من الرهن وإن لم يكن له مال غيرها فإن الزكاة تؤخذ من الرهن. فإذا أخذت منه انتقص الرهن فيه والباقي يكون رهنا بحالة، وإذا قلنا: إن الرهن باطل في الكل فإن كان الرهن في عقد البيع هل يبطل البيع قولان، إحداهما: يبطل. والثاني: لا يبطل ولكن للبائع الخيار إن شاء أجاز البيع بلا رهن وإن شاء فسخ البيع لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن. وإذا قلنا الرهن باطل في قدر الزكاة فالحكم على ما بيناه إذا كان الرهن باطلًا في الكل إلا أنا إذا جوزنا البيع نخيره بين أن يفسخ البيع وبين أن يجيزه بما بقي من الرهن. ومتى أثبتنا له الخيار في فسخ البيع فأدى الزكاة من موضع آخر هل يبطل الخيار. قال القفال: إن قلنا: إنه يتعلق بمعنى الشركة لا يبطل خياره وإن قلنا بمعنى الجناية أو بالذمة سقط خياره وإن كان الرهن بدين في الذمة فبطلانه أنه لا يؤثر في الدين بحال.
مسألة: قال (١): ولو حالَ عليها حَوْلٌ وجَبَتْ فيها الصَّدقَةُ.
وهذا كما قال إذا رهنها قبل وجوب [١٠٤ ب/٤] الزكاة ثم تم الحول في يد المرتهن وجبت الزكاة فيها لأن الرهن لا يمنع وجوب الزكاة وهذا على القول المشهور أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة. ثم إن كان له مال غيرها فإن قلنا الزكاة هي استحقاق جزء من العين فالزكاة مقدمة على حق المرتهن لأن حق المرتهن يتعلق بالذمة والمال مرهون به فاختصاص الزكاة بالعين أكثر فكانت مقدمة. وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة والمال مرهون بها فهنا استويا في كيفية التعلق بالعين فاختلف أصحابنا فيه منهم من قال: حق المرتهن معدوم لأنه سابق، ومسألة الأقاويل إذا لم يكن حق الآدمي سابقًا فأما إذا كان سابقًا فله مزية فيقدم، وقال في "الإفصاح": فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: يقدم حق الله تعالى. والثاني: يقدم حق الآدمي. والثالث: يقسط على قدر الحقين كالدينين لآدميين. قال ويدل على هذا أن الشافعي قال في "الأم" فإن حلت الصدقة ولم يؤخذ له مال كان فيها قولان، إحداهما: تباع الإبل فيأخذ صاحب الرهن حقه فإن فضلا منها فضل أخذت منه الصدقة وإلا كان دينًا عليه حتى أيسره أدّاه. والثاني: يبعث في الصدقة وكان لمرتهنها الفضل [١٠٥ أ/٤] عن الصدقة وبهذا أقول هذا لا يجوز أن يكون إلا على القول الذي يقول الزكاة في الذمة فإذا ذكر الشافعي فيه قولين وجب أن يذكر القول الثالث في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا أنهما سواء وأما سائر
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٩٧ ]
الغرماء لا يشاركون المرتهن ولا الزكاة في هذه العين لأن حقوقهم لا تتعلق بها.
فرع
إذا كان معسرًا فأدى الزكاة من عين المرهون ثم استفاد مالًا هل يغرم الراهن للمرتهن ويكلف أن يأتي بقدر الزكاة فيجعله رهنًا مكان ما أخرج؟ فإن قلنا: الزكاة في الدَّية والمال خالٍ أو المال كالمرهون فيلزمه بدله ويكلف ذلك لأن حق المرتهن أسبق وإن قلنا في العين ففيه وجهان كالوجهين في الزكاة إذا أخرجت من مال القراض يحسب ذلك من الربح كسائر مؤن المال أو يحسب ذلك على رب المال حتى يجعل كأنه استرد طائفة من المال فإن قلنا: من الربح لم يكلف الراهن هاهنا عوضًا وإن قلنا: على رب المال فها هنا يكلف ذلك وكذلك إن قلنا: الزكاة تلزم على الشركة أو هي لحق الجناية لا يغرم بدله لأن حق المال والجناية يتقدم على الرهن، ثم قال الشافعي (١): فإن كانت إبلًا فريضتها من الغنم بيع منها [١٠٥ ب/٤] فاستوفيت صدقتها يعني من الغنم وهذا دليل على أنه لو أراد أن يتبرع فيعطي منها بعيرًا فإنه لا يجوز لتعلق حق المرتهن بها ثم قال وكان ما بقيت رهنًا أي: ما فضل عن ثمن البعير المبيع رهن بجميع الحق مع الباقي من الرهن ثم قال: وما نتج منها خارج من الرهن وأراد به خلاف قول أبي حنيفة: فإن عنده أن ولد المرهون رهن وموضعه كتاب الرهن، ثم قال: ولا تباع ما خص منها حتى تضع إلا أن يشاء الراهن لأن الحق في ذلك له وهذا أيضًا هو من كتاب الرهن وجملته أن في الحمل قولين، إحداهما: أنه يجري مجرى السن لا يأخذ قسطًا من الثمن. والثاني: أنه يجري مجرى الزيادة المنفصلة يأخذ قسطًا من الثمن. فإذا قلنا بالأول يباع في حق المرتهن، وإذا قلنا بالثاني ينظر فيه إن كان قد رهنها حائلًا ثم حملت عنده لا تباع حتى تضع إلا أن يشاء المرتهن لأن استثناء الحمل لا يمكن وبيعه لا يجوزه لأنه لم يدخل في الرهن وإن كان قد رهنها حاملًا فالحمل دخل في الرهن ووجب بيعه مع الأم في حق المرتهن فخرجت من هذا أربع مسائل، مسألتان لا يختلف القول فيهما وهو إذا رهن وهي حامل [١٠٦ أ/٤] وحل الحق وهي حامل تباع مع الحمل قولًا واحدًا. وإذا أحبلت بعد الرهن وولدت ثم حل الحق فالولد لا يباع في حقه قولًا واحدًا ومسألتان فيهما قولان إذا رهن وهي حامل وولدت، وإذا رهن وهي حائل وحل الحق وهي حامل ففيها قولان.