قال: أخبرنا مالك عن حميد، وذكر الخبر.
وهذا كما قال: الأصل في زكاة البقر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما السنة: فما رواه الشافعي أن النبي ﷺ: "أمر معاذًا أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعًا ومن كل أربعين مسنة" ثم روى فعل معاذ موافقًا لهذا فقد روى طاوس أن معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مسنة (٢)، وروى في خبر علي ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك، وأما الإجماع: فما قال الشافعي لا أعلم فيه من أحد من أهل العلم لقيته خلافاٌ (٣). فإذا تقرر [٢٨ أ/٤] هذا فقبل أن يشرع في حكم زكاتها يقدم ذكر أسنانها، فإذا ولدت البقرة فهو عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية فهو جذع، وجذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل ثلاثًا ووجد في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا استكمل خمسًا ودخل في السادسة، فهو صالغ، ثم لا اسم له بعد هذا إلا صالغ (٤) عام وصالغ عامين.
وأما التبيع فقال أبو عبيد: لا يدل على سن، وقال غيره: يسمى تبيعًا لأنه يتبع أمه في الرعي، وقال الأزهري (٥): التبيع هو الذي أتى عليه حول ولا شك أنه المراد
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٦)، الترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥١)، وابن ماجة (١٨٠٣).
(٣) انظر الأم (٢/ ٧).
(٤) انظر: فقة الله (٦٣)، الفرق لقطرب (١٠٤).
(٥) انظر: "الزاهرة في غرائب ألفاظ الشافعي" (ص ٩٨).
[ ٣ / ٢٩ ]
بالخبر، وقيل: إنما سمي تبيعًا لأن قرنه يتبع لونه حتى صارا سواء، وأما المسنة: فجمعها سنات ومسنات، وهي الثنية.
وقال الإمام أبو الحسن الماوردي في تصنيفه "الحاوي" (١): من غير خلاف التبيع ما له ستة أشهر فصاعدًا وسمي تبيعًا لأنه قوي على إتباع أمه، والمسنة هي التي لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، وهذا غريب فإذا تقرر هذا فلا صحت الزكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتا، ففيها تبيع، وهو قول كافة العلماء، وقال سعيد بن المسيب والزهري وجابر بن زيد وابن شبرمة، تجب في كل خمس منها شاة إلى ثلاثين لأن البقرة تجزي عن سبعة كالإبل، وقال [٢٨ ب/٤] أبو قلابة: في كل خمس شاة إلى عشرين ففيها أربع شياه ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيكون فيها تبيع، حكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: نصها كالإبل في كل خمس شاة وفي خمس وعشرين بقرة بدلًا من ابنة مخاض ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستًا وسبعين فيكون فيها بقرتان بدلًا من بنتي لبون، وهذا غلط لما روى الحكم عن طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تسعًا أو سبعة جذعًا ومن كل أربعين مسنة فقالوا: الأوقاص، فقال: ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله عن الأوقاص فقال: "ليس فيها شيء" وروي أنه توفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ، وروى الشافعي أن معاذ أتى بوقس البقر أو وقص البقر فقال: لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء وفسر الشافعي ﵀ الوقس فقال: والوقس ما لم يبلغ الفريضة أي: ما دون النصاب.
ثم قال: فبهذا كله نأخذ أي: لا يوجب إلا فيما أوجبه رسول الله ﷺ [٢٩ أ/٤] لأن المقادير لا تؤخذ توفيقًا وكذلك امتنع معاذ من الأخذ فيما لم يأمره النبي ﷺ فيه بشيء، وأيضًا الواجب في الزكاة الإناث فلما استفتحت فريضة البقر بالذكر دل أن ما قبلها لا يحتمل واجبًا، فإذا تقرر هذا فلا شيء في زيارتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغتها ففيها مسنة وهي التي تجزي في الأضحية، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها تبيعان ويستقر النصاب بعد ذلك فيكون النصاب عشرة عشرة والوقص تسعة تسعة والفرض في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة والوقص يحرم إيقاف عند الفقهاء، وقال بعض أهل اللغة هو بتحريك القاف كالشنق، وأما الشنق بتحريك النون، فروى البويطي عن الشافعي ﵀ أنه قال: هو ما بين الستين من الإبل والبقر والغنم وأراد به ما بين الفريضتين، ولكنه يختص بالإبل والوقص يختص بالبقر، وقال أبو حنيفة في إحدى الروايات مثل مذهبنا والرواية الثانية عنه أنه قال في خمسين مسنة وربع مسنة والرواية الثالث: عنه أنه قال يجب فيما زاد على أربعين جزء من مسنة، وإن
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ١٠٧).
[ ٣ / ٣٠ ]
كانت الزيادة واحدة وهذا غلط، ظاهر لأنه يؤدي إلي إيجاب جزء من الجبران ابتدأ في الزكاة وهذا [٢٩ ب/٤] لا نظير له في الأصول، وفي هذا احتراز من ثلاث مسائل علي أصلنا يجب فيها الجزء إحداها: الخلطة، والثانية: إذا هلك البعض بعد حلول الحول قبل الإمكان، والثالثة: المستفاد ثم إذا بلغت مائه وعشرين اجتمع أربع ثلاثينات وثلاث أربعينات فيجب أخذ الفرضين، إما ثلاث مسنات أو أربعة أتبعه، وشرح هذا الفصل كما ذكرنا في الإبل، إلا أنه لا يجوز الصعود فيها ولا النزول مع الجبران وتفارق الإبل من وجهين، إحداهما: أن الجبران تقويم الشرع فيجب قصره علي الموضوع الذي ورد فيه الشرع، والثاني: أن في الإبل يجوز العدول من جنسها إلي غير جنسها في الابتداء للرفق بصاحبها فجاز إلي غير جنسها في الجبران للتخفيف والرفق بخلاف البقر، وبقولنا قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.
فرع
لو كانت له ثلاثون من البقر ووجب فيها تبيع فأعطانا تبيعته كانت أفضل، لأن الأنثى أفضل من الذكر ولو أعطي مسنة بدل التبيع قبلنا لأنه اكبر من غير نقصان ولكن لا يجبر عليه بخلاف ابن لبون مكان بنت مخاض، لأن التبيع الواجب ذكره أيضاُ، ولو كانت له أربعون من البقر ووجبت عليه مسنة فأعطى تسعين أخذناها لأنه يجوز أخذهما في [٣٠ أ/٤] الستين ففيما دونهما أولي.