قال (١) الشافعي ﵀: أخبرنا سفيان وذكر الأثر.
وهذا كما قال نص الشافعي في كتبه القديمة والجديدةً: على وجوب الزكاةً في عروض التجارةً، وقال في موضع من القديم: من الماس من قال: لا زكاةً فيها وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ وهو القياس، ومنهم من قال: لا زكاةَ فيها إلا إذا نضً فإذا نض أخرج منها زكاةً سنةً، وإن كانت عنده سنتين ومنهم من قال: فيها الزكاةً وبه قال ابن عمر ﵁ وهذا أحب الأقوال إلينا فمن أصحابنا من قال: له قولان: لأنه قال في "القديم": قول ابن عباس وهو القياس، ومن أصحابنا من قال: قول واحد فيها الزكاةً لأنه قال قول ابن عمر أحب إلينا فدل أن القول الآخر ليس باختياره وبه قال عمر وجابر وعائشةَ ﵃، ومن الفقهاء سفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفةَ وأصحابه وبقول ابن عباس قال داود وجماعةً من أصحاب الظاهر وبالقول الثاني في "القديم": قال عطاء وربيعةَ ومالك ﵏، وروى ابن المنذر [١٥٨ أ/٤] عن ابن عياض نحو قولنا واحتج الشافعي ﵁ عليهم بما روي عن عمرو بن حماس أن أباء حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب ﵁ وعلى عنقي أدمةً أحملها فقال: "ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه واهبةٍ في القرط يقرأ أهبةٍ بالرفع والخفض جميعًا ومعناهما متقارب فقال: ذاك مال فضع قال: فوضعتهما بين يديه فحبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاةً فأخذ منها الزكاة (٢)، ووجه الدليل أنه لا يحتمل أنه أخذ، زكاةَ العين فدل أنه أخذ زكاةَ التجارةً وروى أصحابنا ما هو أولى من هذا في الاحتجاج وهو ما روى أبو ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" (٣) قال بالزاي معجمه وأراد به زكاةَ التجارةً وروي عن سمرةً بن جندب أنه قال: "أما بعد فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا أن نخرج الصدقةً من الذي يعد للبيع"، (٤) ولأن التجارةً يطلب بها نماء المال فتتعلق بها الزكاةً كالسوم في الماشية.
مسألة: قال (٥): وَإذًا اِتَّجَرَ فِي مَائَتَيِ دِرْهُمْ فَصَارَتْ ثلاثمائةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت معه مائتا درهم أو عشرون دينارًا [١٥٨ ب/ (٤)]
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٩).
(٢) أخرجه الشافعي في "الأم" (٢/ ٣٩)، وابن أبي شيبة (٣/ (١٨٣»، وعبد الرزاق «٧٠٩٩»، والدارقطني (٢/ ١٢٥)
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠١)، والحاكم «٣٨٨٨».
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٦٢)، والدارقطني «١٢٧٨)، (١٢٨».
(٥) انظر الأم (٢/ ٣٩).
[ ٣ / ١٤٥ ]
فأقامت في يده ستةَ أشهر ثم اشترى بها سلعة للتجارةً فإن حول السلعةَ ينبني على حول الدراهم فإذا حال الحول من يوم ملك الدراهم وجبت الزكاةَ، لأنه لما كانت معه الدراهم فالزكاةً تجب فيها وهي معينةً، فإذا اشترى بها السلعةً فالزكاةً لا تجب في عين السلعةً وإنما تجب في قيمتها والقيمةَ هي تلك المائتان إلا أنها كانت معينةً فصارت مبهمةً فيبني حول المبهم على المعين كما لو كانت مع رجل مائتا درهم فأقامت في يده مدةً نم أقرضها مائةً فإنه تجب الزكاة فيها ويبني حولها على حول تلك المائتين ويفارق، هذا ما إذا بادل دراهم بدراهم يستأنف الحول لأن الزكاةً في عينها والعين تبدل، وفي العرض وإن كان غير العين السابقةً ولكن الزكاةَ تجب في قيمته والقيمةَ في تلك المائتان إلا أنها صارت مبهمةً فافترقا، فإذا تقرر هذا فإذا حال الحول لا يخلو إما أن يكون العرض باقيًا أو كان قد باعه وقبض ثمنه، فإن كان العرض باقيًا يقومه ويخرج زكاته على قيمته ويبني حول الربح على حول الأصل قولًا واحدًا، لأن النصاب في مال التجارة يعتبر من القيمةُ ويشق اعتبارها في جمح الحول فاعتبر في آخره ويصير الريح في التقدير [١٥٩ أ/ ٤] كأنه كان موجودًا في جميع الحول فإذا زادت قيمةَ السلعةً فصارت تساوي أكثر من ثلاثمائةُ وعند الحول كانت تساوي ثلاثمائةَ فإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وبعد إخراج الزكاةً لا يضم إليها وتكون الزيادةً للسنة الثانيةً، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول والإمكان وقبل إخراج الزكاةً ففيه وجهان ذكرهما ابن أبي هريرة وجماعة، إحداهما: وهو الأصح يكون للسنة الثانيةً لأنها زيادةً بعد الحول فلا فرق بين أن يكون بعد إخراج الزكاةَ أو قبله كالسخال.
والثاني: يضم إليها لأن زيادةً قيمةَ السلعةً غير مميزة بخلاف السخال وهو كما لو كانت له أربعون شاةً فحال عليها الحول وهي مهازيل فسمنت قبل إخراج الزكاةً منها لؤمه أن يخرج منها سمينةً، وكذلك لو كانت كلها معيبةً فزال عيبها، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وقبل إمكان الأداء فإن قلنا: إمكان الأداء ليس من شرائط الوجوب ففيه وجهان على ما ذكرنا، وإن قلنا: من شرائط الوجوب يضم إليها في قول أكثر أصحابنا، وقيل: نص عليه في أو الجديدةً وقيل: المذهب أنه لا يضم إليها لأنها جاريةً في الحول الثاني وهو غلط.
وإن زادت قبل الحول ساعة [١٥٩ ب/ (٤)] فلا شك في ضمها إليها كالسخال، وإن نقصت قيمتها فإن أمكنه بيعها وإخراج زكاتها فأخرها صار مفرطًا وعليه زكاةً ما نقص، وإن لم يمكنه فعلى ما تقدم بيانه، وإن باعه فلا يخلو من أربعةً أحوال؛ إما أن يبيعه بثمن مثله، أو بنقصان يتغابن الناس بمثله، آو بنقصان لا يتغابن الناس بمثله أو بزيادةً على ثمن مثله، فإن باعه بثمن مثله أو بنقصان يتغابن الناس بمثله يخرج الزيادةً من قدر ثمنه، لأن ذلك مثل القيمةَ ولم يحصل منه تفريط في البيع، وإن باعه بنقصان لا يتغابن الناس بمثله يلزمه الضمان لأن المحاباةَ هي تجري مجرى الهبةً فلا تسقط زكاتها بها، ويمكن الاحتراز من هذا فهو مفرط، وإن باعه بالزيادةً على ثمن مثله كأنه كان يساوي
[ ٣ / ١٤٦ ]
مائتين فباعه بثلاثمائةً لرغبة أو عيبه فيه وجهان: إحداهما: يزكي الكل لأنه استفاد الزيادةً بالعرض وقلةُ ثمنه، والثاني: لا زكاةً في الزيادة على الصحةَ ويستأنف لها الحول كالمال المستفاد بإرث أو هبةً هذا كله إذا حال الحول على العرض، فأما إذا نض ثمن العرض قبل الحول قال الشافعي: زكى المائتين بحولها والمائةً الزائدة بحولها، وقال في القراض: ما يدل على [١٦٠ أ/ (٤)] أنه يبني حول الربح على حول الأصل فاختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج: هو على اختلاف حالين وليس على قولين فالذي قال في القراض: إذا دفع المال حين تملكه وصرف العامل في الحال إلى السلعةً فحصل الربح حين الشراء وهو ابتداء الحول وكان حول الربح والأجل واحدًا، والذي قال في زكاةً التجارةً أراد إذا حصل الربح وقت البيع فحصل من هذا أنه تعتبر الزيادةً من حين حدثت قولًا واحدًا وهذا ظاهر في كلام الشافعي في القراض، لأنه قال: فاشترى بها سلعة تساوي العين يعني في الحال وقيل: القصد بما قال في القراض أن يبين على رب المال زكاة حصته من الريح وعلى العامل زكاةً حصته أو يجب الكل على رب المال ولم يرد به أن يزكي عن كل ما في الحال، وقال أبو إسحاق: المسألةً على قولين: إحداهما: يستأنف الحول وهو الصحيح لقولهﷺ -: "لا زكاةً في مال حتى يحول عليه الحول" ولأنه أصل في نفسه تجب الزكاةً في عينه وكان حوله معتبرًا به كالمستفاد بإرث بيع وهذا هو معنى قوله في "المختصر" لأن الربح ليس منها أي: أنه لم يتولد من نفسها كما يتولد السخال بل حصل هذا بتصرفه وتكسبه، وليس هذا كما لو ملك: [١٦٠ ب/ (٤)] مائتي درهم ستةَ أشهر ثم يشتري بها عوضًا فإذا حال الحول يقدم العرض بزيادته أو نقصه أي: لا يستأنف الحول بتلك الزيادة لما ذكر من العلة وهي أن الزكاة تحولت في العرض، آي ت تحوك من النقد إلى العرض وصار العرض كالدراهم التي هي أصل العرض وثمنه، فيحب ربح العرض لحول الدراهم، والقول الثاني: يبني حولها على حول الأصل قياسًا على السخال، فإذا قلنا: يستأنف الحول اختلف أصحابنا فيه منهم من قال حولها من حين ينص لأنه لا يتحقق وجودها قبل ذلك ومنهم من قال حولها من حين ظهر لأنه إذا نص علمنا أنه ملك في ذلك الوقت، وقال الشيخ أبو حامد: كنت أقول بهذا ولكن الصحيح الأول والأقيس عندي الوجه الثاني.
فرع
لو اشترى سلعةً بمائتي درهم فلما مضت ستةَ أشهر باعها بثلاثمائةً واشترى بثلاثمائةً سلعةً فلما حال الحول كانت قيمتها ستمائةً فإن قلنا: لا يستأنف الحول بالزيادةً ويزكى عن الستمائة كلها، وإن قلنا: يستأنف الحول بها يزكي ثلثي السلعة فيخرج الزكاةً عن أربعمائةً ثم إذا مضت ستةَ أشهر أخرى يزكي ثلث السلعةً الباقي.
فرع
لو اشتراها بعشرين دينارًا مغربيةً فحال الحول وقيمتها عشرون [١٦١ ب/ (٤)] دينارًا
[ ٣ / ١٤٧ ]
نيسابوريةً زكاها ويحتمل آن لا زكاةَ فيها ولو أخرج نصف دينار نيسابوريًا بدل نصف دينار مغربي قال بعض أصحابنا أجزأه وأخرج الفضل وفي هذا عندي نظر.
مسألة (١): قال: ولو اشترى عَرضًا للتَّجارَةً بعرضٍ.
الفصل
وهذا كما قال: أراد به إذا كان في يده عرض للعينيةً فاشترى به عرضًا للتجارةً فابتداء الحول على العرض الثاني من حين ملكه فإذا تم الحول يلزمه الزكاةً، وقال مالك: لا زكاةً فيه اعتبارا بأصله وهذا غلط؛ لأنه مال اشتراه للتجارةً فأشبه إذا اشتراه بذهب فإذا تقرر هذا قوَّمه عند حول الحول بنقد البلد فإن كان في البلد نقد واحد يقوَّم به فإن بلغت قيمته نصابًا وجبت الزكاةَ وإلا فلا تجب وإن كانت تبلغ نصابًا بالنقد الآخر لا يجب تقويمه به وإن كان في البلد نقدان تعملان إحداهما أغلب يجب القويم به دون الآخر، لأنه ليس بغالب النقد فيه فلا اعتبار وإن استويا في الاستعمال وليس إحداهما أغلب من الآخر، فإن بلغ بإحداهما نصابًا ولا يبلغ بالآخر نصابًا قوم بما يبلغ به نصابًا لأنه وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به، وإن كان يبلغ يكل واحد منهما نصابًا فيه أربعة أوجه:
أحدها: وهو الأصح [١٦١ ب/ (٤)] أنه يقوم بما شاء منهما لأنه لا مزيةً لإحداهما على الآخر فيخير بينهما.
والثاني: يقوم بما هو الأنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان فإنه يؤخذ الأنفع.
والثالث: وهو اختيار ابن أبي هريرةً يقوم بالدراهم لأنها أكثر استعمالًا وأسهل تصرفًا لأنه يشترى بها التافه وغير التافه، ولأن وجوب الزكاةَ في الدراهم ثبت بالتواتر بخلاف المذهب وهذا ضعيف، لأن وجوب الزكاةً في المذهب إجماع فهو كالتواتر في بعض البلاد الدنانير أكثر استعمالًا.
والرابع: يقوم بأغلب نقد أقرب البلاد إليه لأن النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين، فإذا تقرر هذا فمن أي شيء يخرج الزكاةً؟ قال في "الأم" (٢) ونقله المزني: أنه يخرج من الذي قوم به، وقال في القديم: فيه قولان، إحداهما: يخرجها من الذي قوم به، والثاني: يخرج عوضًا بقدر ربع عشر القيمةَ وبه قال أبو يوسف ومحمد ثم قال بعد ذلك بأسطر: يخرج الزكاةً دراهم أو دنانير أو عرضًا منها فاختلف أصحابنا فيه على طرق.
قال أبو إسحاق: فيه قولان إحداهما: يلزمه إخراجها من الذي قوم به حتمًا لأن ما وجبت الزكاةً فيه أخرجت الزكاةً منه كالمواشي وهو الصحيح، والثاني: هو [١٦٢ أ/ (٤)] بالخيار بين هذا وبين إخراج العرض، وبه قال ابن أبي هريرةً وصاحب "الإفصاح" وأبو حنيفةَ بظاهر خبر سمرةَ بن جندب، وذلك لأن الذي يعد للبيع هو العرض ولأن كل مال
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٩).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤٠).
[ ٣ / ١٤٨ ]
تجب الزكاةَ لأجله يجوز إخراجها منه كالماشية، وقال ابن سرج: فيه ثلاثة أقوال:
إحداها: تخرج مما قوم به حتمًا، والثاني: يخرج من العرض حتمًا، والثالث: هو بالخيار وهذا لا يصح، لأن الذي قال في "القديم" من العرض أراد نحو ذلك ولم يمنع من إخراج غيره فليس فيه إلا قولان، وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، إحداهما: تخرج مما قوم به، والثاني: من العرض ويحكى هذا عن ابن أبي هريرةَ ولا يصح عنه وهو ضعيف وعن أصحابنا من قال: هذا يبني على أصل وهو أن هذه الزكاةً هل تجب في العين أو في القيمة؟ وجهان: فإن قلنا: تجب في القيمةً فلو أخرج من العين جاز، وإن قلنا: يجب في العين لو أخرج من القيمة قولان، فإذا قلنا: بالقيمة أخرجها منها، وإذا قلنا: بالعين يخرج من عينه فلو عدل عنه إلى جنسه وأخرج عرضا مثله من غيره، وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز كما في المواشي والأثمان [١٦٢ ب/ (٤)].
وقال بعضهم: المذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال في "القديم": ينظر كم قدر زكاته فيشتري به عرضًا ويخرجه وهذا نص صريح والصحيح عندي، فإذا تقرر هذا فقد فرع أبو العباس بن سريج على هذا مسائل، إحداها: أنه لو اشترى مائتي قُفيز من طعام بمائتي درهم للتجارةً فحال الحول وقيمته مائتان وجبت الزكاةَ وكان وجوبها في القيمة قولًا واحدًا، ومن أين يخرجها على الأقوال، فإن قلنا: يخرجها من القيمةً أخرج خمسةً دراهم، وإن قلنا: من العرض أخرج خمسةَ أقفزة، وإن قلنا: بالخيار بين أن يخرج خمسةَ أقفزة من غيرها أو من عينها وبين أن يخرج خمسةَ دراهم لأن كل واحد منهم يخرج العشر فإن عدل من هذا الطعام إلى أربعةَ أقفزة من طعام جيد ساوي خمسةَ دراهم فهو على الأقوال أيضًا، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ واجب لا يجوز هذا ويكون مقطوعًا لأنه إخراج الزكاةَ بالقيمةً فيلزمه إخراج خمسةَ دراهم، وإن قلنا: يخرج من العرض تجزيء أربعةَ أقفزة عن أربعةَ أقفزة ويكون متطوعًا بالفرق وبقي عليه قفيز فيخرجه، وإن قلنا: بالخيار سألنا عن نيته فيما أخرج، فإن قال: نويت بها عن خمسةً [١٦٣ أ/ (٤)] دراهم لم يجزه لأنه عدل عن المنصوص إلى القيمةً وإن قال: نويت بها عن خمسة من الأصل قلنا ت قد تطوعت بالفضل الذي هو الجودة وعليك قفيز آخر يلزمك إخراجه، ولو حال الحول على هذا الطعام وقيمته مائتان حين الحول ثم تغيرت الحال بعد الحول ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن تنقص قيمته لنقصان السوق فصار يساوي مائةً فإن كان ذلك بعد إخراج الزكاةً منها فهذا المقصان لا يؤثر فيه، وإن كان بعد الإمكان قبل إخراج الزكاة فإن الزكاةً وجبت بالحول والإمكان واستقرت فلا يسقط بالنقصان كما لا يسقط بالتلف فإن قلنا: تخرج من القيمةَ فعليه إخراج خمسةَ دراهم، لأن التقويم حين الوجوب فإذا لم يؤد ضمن النقصان، وإن قلنا: تخرج من العرض أخرج خمسةَ أقفزة فيها أجزأته، وإن كانت تساوي درهمين ونصفًا لأن نقصان القيمةً لنقصان السوق لا يضمن بالتعدي كما يقول في الغصب، وإن قلنا: بالخيار نظر فإن
[ ٣ / ١٤٩ ]
اختار إخراج القيمةً أخرج خمسةَ دراهم وإن اختار إخراج العين أخرج خمسةَ أقفزة وتجزيه وإن كان ذلك بعد الحول قبل إمكان الأداء [١٦٣ ب/ (٤)] فإن قلنا إمكان الأداء من شرائط الوجوب فلا زكاةً عليه لأن وقت الوجوب كان ولم يكن عنده نصاب وإن قلنا: هو من شرائط الضمان لؤمه أن يخرج زكاة مائة درهم وما نقصن نقصى منه ومن المساكين، فإن قلنا: الإخراج من القيمة أخرج درهمين ونصفًا، وإن قلنا: من العين أخرج خمسة أقفزة منه لأنه هو الواجب عليه، وإن قلنا ت بالخيار إن شاء أخرج من القيمة درهمين ونصفًا وإن شاء أخرج من العين خمسةَ أقفزةً لأنه وإن انتقصت قيمته فهو نقصان منها ليس عليه غير الطعام وهو ربع عشرها.
والمسألةَ الثانيةً: أن تزيد قيمتها لزيادةَ السوق فبلغت قيمتها أربعمائةَ درهم فإن كانت الزيادةً بعد إخراج الزكاةً فلا اعتبار بها، وإن كانت قبل الإخراج بعد الإمكان فقد ذكرنا وجهين، والصحيح أنه لا اعتبار بها أيضًا، إلا في زكاةَ السنة الثانيةً، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ أخرج خمسةَ دراهم وإن قلنا: إن الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها يكون قيمتها عشرةَ دراهم لأن الحق تعلق بالعين فما زاد فيها كان للمساكين لأن زيادةً قيمةَ العين في العين بمنزلةُ الزيادةً التي لا تتميز ويكون حكمه حكم زكاة العين إلا في النصاب فقط فإنه يعتبر نصابه [١٦٤ أ/ (٤)] بالقيمةً، وإن قلنا: بالخيار فيخير بين أن يخرج خمسةَ دراهم وبين أن يخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها قيمتها عشرةَ دراهم، هذا إذا كانت الزيادةَ بعد الإمكان أو قبل الإمكان وبعد الحول، وقلنا: الإمكان من شرائط الضمان وحكي ابن أبى هريرة: وجهًا أنه يجب خمسةَ أقفزةً قيمتها خمسةَ دراهم لأن هذه الزيادةً حدثت بعد وجوب الزكاةً وهي محتسبةً في الحول الثاني وهذا غلط؛ لأن على هذا القول المستحق خمسة َأقفزة أو مثلها من غيرها، وأما إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فزادت قبل الإمكان عليه أن يخرج عشرةَ دراهم على قوله الجديد، أم خمسةَ أقفزة على قوله القديم منها أو من غيرها تكون قيمتها عشرةَ دراهم، وإن قلنا: بقول الخيار إن شاء أخرج عشرةَ دراهم أو خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةَ دراهم، ولو كانت معه مائتا قفيز حنطةً للتجارةً فحال الحول وأمكنه إخراج الزكاةً فلم يخرج حتى تلف وكانت ساوي مائتي درهم فلما كان بعد تلفها بغير السعر فصارت تساوي أربعمائةً فإن قلنا: بقوله الجديد أخرج خمسةَ دراهم ولا زكاةً في الزيادةً، وإن قلنا: بقوله القديم أخرج خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةً؛ لأنه إذا لؤمه أن يخرج من عينها أو مثلها [١٦٤ ب/ (٤)] فإن مثل ما تلفت قيمته في الحال إخراج الزكاةَ عشرةً.
والمسألةَ الثالثةٌ: إذا نقصت قيمته بعيب حدث به كالسوس والنداوةً بالماء ونحو ذلك فإن كان هذا قبل إمكان الأداء فإن قلنا: بقوله القديم إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء عليه لأن وقت الوجوب جاء وليس معه نصاب، وإن قلنا: هو من شرائط الضمان فما نقص نقصُ منه ومن المساكين فهو على الأقوال فإن قلنا: الإخراج من القيمةً أخرج درهمين ونصفًا وإن قلنا: الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزةً، لأن
[ ٣ / ١٥٠ ]
العيب دخل عليه وعلى المساكين، وإن قلنا بالخيار يتخير بين أن يخرج درهمين ونصفًا أو خمسةً أقفزةً منه، وإن كان هذا العيب بعد إمكان الأداء يضمن ما نقص هاهنا، ثم إن قلنا: إن الإخراج من القيمةً أخرج خمسةً دراهم لأن عليه ضمان ما نقصت القيمة، وإن قلنا: إن الإخراج من العرض أخرج خمسةً أقفزة منها ومنها درهمان وهذا لأن عليه ضمان ما نقص وحكمه في قدر الزكاةً كالغاصب.
فإن قيل: قلتم في المسألةَ الأولى: يخرج خمسةً أقفزة من غير أرش النقصان وهاهنا توجبون الأرش فما الفرق؟ قلنا: لأن الغاصب ضمن نقصان بغير العين ولا يضمن بغير السوق فافترقا هاهنا أيضًا.
مسألةْ (١): قال: ولو كان [١٦٥ أ/ ٤] في يده عَرَضَّ للتجارَةً تجبُ في قيمته الزكاةً.
الفصل
وهذا كما قال: إن كان في يده عرض قيمته قدر النصاب أقام في يده ستةَ أشهر ثم اشترى به عرضا للتجارةً فأقام في يده ستةَ أشهر فقد حال الحول على المساكين معًا وقام أحدهما مقام الآخر لأن الزكاةً تجب في القيمةً لا في العين والقيمةَ مستدامة في العرض الثاني، وبهذا فارق ما إذا باع ما تجب الزكاةً في عينه فيستأنف الحول لأن الزكاةَ تجب في أعيانها فلم تكن العين الأولى مستدامةً في الثاني، ويفارق المسألةَ الأولى، لأن الثمن هناك لم يكن زكاتيًا فحول العرض كان من يوم اشترى بالعرض الأول بخلاف مسألتنا.
فرع
لو ملك العرض للتجارة ستةَ أشهر ثم باعه بثمن من غير جنس ما اشترى به الأصل كأنه اشترى بدراهم وباعه الآن بدنانير فيه وجهان: أحدهما: يستأنف الحول لأن الزكاةَ انتقلت من قيمةُ العرض إلى عين لا تعتبر في العرض وحكاه الربيع في "الأم" (٢) عن الشافعي، وهو بالقياس، والثاني: وهو ظاهر المذهب وعليه أصحابنا أنه يبني لأن التغليب لا يحصل إلا بالأثمان وبه وجبت الزكاة في العرض فلم يجز أن يكون سببًا لإسقاط الحول وهذا أحوط.
مسألة: قال (٣): ولو اشترى [١٦٥ ب/ (٤)] عرضًا للتجارةِ بِدَرَاهِمِ أَوْ دَنانيرَ أَوْ بِشَيْءِ تَجِبُ فِيه الصَّدُقَةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَكَانَتْ إفادة مَا اِشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرْضَ مِنْ يَوْمِهُ لَمْ يُقَوَّمْ الْعُرْضُ حَتَّى يَحْوَلَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ ثُمْنُ الْعَرَضِ.
وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنصاب من الدراهم أو الدنانير للتجارةً فإن حول العرض ينبني على حول الثمن بلا خلاف لأنهما معدتان لشراء العروض فجاز أن ينبني حول العرض على حولهما، وأما إذا اشتراه بماشيةً سائمةً فقد نقل المزني عن
_________________
(١) انظر الآم (٢/ ٤٠).
(٢) انظر الآم (٢/ ٤١).
(٣) انظر الآم (٢/ ٤٠).
[ ٣ / ١٥١ ]
الشافعي: أنه جعلها في حكم الدراهم في ابتناء حول العرض على حولها ثم اعترض فقال: إذا كانت فائدته نقدًا فحال العرض من حين أفاد النقد وأراد بالنقد الدراهم والدنانير وعلل بأن معنى قيمةَ العرض للتجارةً والنقد في الزكاةً ربع العشر أي: هما متفقان في قدر الواجب فيهما فجاز أن يبنى حول أحدهما على الآخر وليست كذلك زكاةُ الماشيةَ مع زكاةَ العرض لأنهما مختلفان في قدر الموجب ثم أوضح بأن في خمس من الإبل السائمةً شاةُ أفيضم ما في حوله زكاةً شاةً إلى ما في حوله زكاة ربع العشر أي: لا يجوز ابتناء الحولين عند اختلاف الموجبين ثم أيد هذا بأن قال: ومن قوله لو أبدل إبلًا ببقر أو بقرًا بغنم لم يضمها في الحول لأن معناهما في الزكاة [١٦٦ أ/ ٤] مختلف فكذلك هاهنا والجواب عن هذا من وجوه: أصحها أن الحكم على ما ذكره المزني ولكن ليست العلةُ ما ذكرها من اتفاق الموجبتين أو اختلافهما إذ لو كان كذلك لكان أداء بازل الدراهم بالدنانير أو ماشيةُ بجنسها وجب أن ينبني حول أحدهما على حول الآخر لاتفاق الموجبين بل العلةً ما أشرنا إليه من كون الدراهم أو الدنانير معدتين لشراء عروض التجارةً بخلاف المواشي فإذا تقرر هذا بقي الآن علينا الاعتذار للشافعي في الجمع بين أن يكون وبين أن يكون ماشيةً فنقول: إنما جمع بينهما يجوز إلا أنه صور المسألةً في استفادةً ثمن العرض ووقت الشراء وصرح به فإذًا لا فرق في هذا العرض بين أن يعبر بحولان الحول من يوم اشترى العرض وبين أن يعبر بحولان الحول من يوم أفاد ثمن العرض إذ كلا اليومين يوم واحد ثم إذا صرنا إلى التحقيق والتدقيق يعبر بما عبر به المزني، ومن أصحابنا من اعتذر بأن الشافعي جمع بين ثلاث مسائل: إذا اشترى بدنانير أو بدراهم أو بالماشيةً ثم أجاب عن المسألتين الأولتين دون الثالثةً، والشافعي قد يجمع بين مسائل ويجيب عن بعضها وهذا بين في كلامه لأنه قال: حتى يحول الحول من يوم أفاد ثمن العرض [١٦٦ ب/ ٤] والثمن يطلق على التقدير دون الماشيةً ومن أصحابنا من اعتذر بأنه أراد إذا اشترى أربعين شاةً بنيةَ التجارةُ بما لا يجب الزكاةً فيه ثم اشترى بها عرضًا فإنه يبني حول العرض عليها على القول الذي يقول تجب في الماشيةُ زكاةُ التجارةً، وقال أبو يوسف الإصطخري: إن اشترى عرضًا بماشيةً يبني على حول وادعي أن هذا مذهب الشافعي وخالف المزني واستدل بأن العرض فرع، والماشيةً أصل فأشبه الأثمان بخلاف ما إذا بادل أصلًا بأصل وهذا غلط، لما ذكرنا.
فرع
إذا كان يبتاع النيل ليصغ به ثياب الناس أو شحمًا ليدهن به الجلود ويبيع أو ما يبقى له عين في المعمول فيبقى في يده حولًا تجب زكاةُ التجارةً فيه لأن عين المال يبقى بعد الاستعمال ويقابل بالعرض ويجري مجرى بيع العين إلا أنها لا تفرد بالعقد، ولهذا قلنا في المفلس: إذا اشترى ثوبًا ونيلًا ثم صبغه ثم رجعا جميعًا فيه وإن كان مما لا يكون له عين في المعمول فيه كما لو اشترى الصابون والأسنان ليغسل به ثياب
[ ٣ / ١٥٢ ]
الناس بالعرض أو ملحًا ليستعمله في الخبز وبقي في يده حولًا فلا تتعلق به الزكاة لأن هذه [٧٦١ أ/ ٤] الأشياء لا يبقى عينها حالةً المقابلةً بالعوض ولا يقابلها شيء من أجرةَ العمل ولكن يبقى أثرها.
فرع آخر
إذا اكترى منازل ودورا ليكريها بزيادةً ويريح عليها ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه زكاةَ التجارةً لأن المنافع مال، والثاني: لا يلزمه لأن المنافع ليست بأموال حاصلةً بل هي بعرض أن تحمل أو تفنى وعلى هذا لو كان يملك عرض التجارةً فصرفها في كراء منازل ودور ليكريها بزيادةً ويربح عليها يقطع الحول على ما ذكرنا من الوجهين.
مسألة (١): قال: ولو كان اشترى العرَضَ بمائتي درهم لم يقوم إلا بدراهمِ.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن فيما يقوم به مال التجارةً ولا يخلو إما أن يشتري بغير جنس الأثمان أو بجنس الأثمان، فإن اشترى بغير جنس الأثمان مما فيه الزكاةً أو مما لا زكاةً فيه قومناه بنقد البلد على ما ذكرناه، وإن اشتراه بجنس الأثمان لا يخلو إما أن يكون بقدر النصاب أو بدون النصاب فإن كان بقدر النصاب فإنه يقوم بما اشتراه سواء كان غالب نقد البلد أو لم يكن وسواء كان ذلك خيرًا لأهل السهمان أو غيره، وقال أبو حنيفة وأحمد: يقوم بما هو الأنفع للمساكين وهذا غلط؛ لأن نصاب العروض مبني [١٦٧ ب/ (٤)] عليه فيعتبر به ولا يعتبر الأنفع مع بقائه كذلك مع وجود ما بني عليه، وقال ابن الحداد: يقوم لغالب نقد البلد دون الذي اشتراه به كذلك هاهنا وهذا غلط؛ لأن العرض فرع لثمنه وتقويم الفرع بأصله إذا كان له في القيمةً مدخل هو أولى من تقويمه بغيره، ولهذا يبني حوله على حوله ويخالف المتلف لأنه لا يتعلق بما اشترى به فلم يقوم به وإن كان الشراء بدون النصاب ولم يكن له مال غيره، قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان:
أحدهما: يقوم بجنس ما اشترى به العرض لأن اعتبار رأس المال أولى إذا أمكن فإنه أقرب إليه وهذا أصح.
والثاني: يقوم بنقد البلد لأنها ما دون النصاب هو في معنى العرض ولأنه لا يتعلق بما اشتراه به إذ ليس له حول يبنى عليه، وبه قال أبو إسحاق.
فرع
لو اشتراه بمائة درهم وعشرةً دنانير فيه ثلاثةَ أوجه أحدها: يقوم بغالب نقد البلد، والثاني: بثمنه فما قابل الدراهم يقوم بالدراهم، وما قابل الدنانير يقوم بها، والثالث: ذكره في "الحاوي" (٢) يقوم بالدراهم لأنها أصل وطريقها النص والدنانير تبع وطريقها الاجتهاد. [١٦٨ أ/ ٤]
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٢٩٤).
[ ٣ / ١٥٣ ]
فرع
لو لم يعرف بماذا اشتراه يقوم بنقد البلد ذكره أصحابنا لأنه تعذر اعتبار أصله.
فرع آخر
إذا اشترى عروض التجارةً بالتبر والسبائك فيه وجهان: أحدهما: لا يُقَومِ عند الحول بالتبر لأنه ليس بقيمةً، ولكن يقوم بجنسه من النقد، والثاني: لا يقوم بجنسه ولكن يقوم بنقد البلد لأنه ليس بقيمة أصلًا فلا يقوم بجنسه.
فرع آخر
لو اشترى عرضا بدين في ذمة البائع، وقلنا: تجب الزكاةُ في الدين فيه وجهان:
أحدهما: تقوم بجنس الدين لأن حوله مبني على حول الدين.
والثاني: يقوم بنقد البلد لأن الدين ملك ناقص أو لا يجوز فيه التصرف إلا مع من عليه الدين فكان بمنزلةُ العرض الذي لا يعد التصرف والمشتري بالعرض يقوم بنقد البلد.
فرع آخر
إذا اشترى بدراهم في ذمته ثم صرف إلى البائع الدراهم التي في يده هل يقوم بالدراهم آو بنقد البلد؟ وجهان: أحدهما: لا يقوم بالدراهم لأن الدراهم قيمةُ وهي المال أقرب فكان التقويم بها أولى.
مسألة: قال (١): ولو باعَهُ بعد الحَولِ بدنانير قُوَّمتْ الدَّنانيرُ الدَّراهم.
الفصل
وهذا كما قال: نقل المزني ولو باعه بعد الحول بدنانير، وقال في "الآم": لو باعه قبل الحول بدنانير [١٦٨ ب/ (٤)] وهذا أصح وذاك غلط؛ لأنه لا تأثير لبيعه بعد الحول في حكم زكاةً ذلك الحول ولأنه يقوم العرض حالةَ الوجوب، ومن أصحابنا من تأول ما قاله المزنى على أنه باعه بثمن مثله فتكون قيمته وقيمةُ العرض سواء؛ فإذا تقدر هذا وكان اشتراه بمائتي درهم ثم باعه في آخر الحول بدنانير قومت الدنانير بالدراهم، وأخرج الزكاةً من الدراهم، وإن كان اشترى بدنانير وباعه بدراهم قومت الدراهم بالدنانير ويعتبر التقويم يوم حلول الحول لا ما بعده وأخرج الزكاة ًمن الدنانير، وإن كان اشترى بنصابين عشرين دينارًا أو مائتي درهم قوم ما اشتراه بالذهب بالذهب وما اشتراه بالدراهم بالدراهم وبيانه أن ينظر إلى قيمةُ الذهب فإن كانت قيمةَ الذهب أربعمائةُ درهم والدراهم مائتان فإن مكث العرض يقوم بالدرهم وثلثيه بالدنانير، فإن باع كل واحد منهما نصابًا أخرج الزكاةً فإن قصر كل واحد منهما عن النصاب فلا زكاةً، وإن بلغ أحدهما نصابًا والآخر أقل من نصاب أخرج الزكاةً من النصاب، ولم يخرج
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٥٤ ]
الزكاةً من الآخر، ثم قال في المزني: ولو باعه بدراهم وعرض أي: قبل الحول باع هذا [١٦٩ أ/ (٤)] العرض الذي اشتراه بدنانير بدراهم وعرض قوّم بالدنانير أي: قوم العرض والدراهم جميعا عند الحول بالدنانير لأنها هي الأصل الذي انعقد عليه الحول وهو على ما ذكر وعلى هذا لو كان في أكثر الحول عرض التجارةً أو في أقل الحول وفي الباقي ناض بلغ نصابًا فحول الناض مبني على حول عرض التجارةً ثم هذا الناض يقوم بما وقع به الشراء حتى لو كان الشراء بنصاب من الدنانير قد مضى عليه شهر مثلًا ثم مرت بالعرض خمسةً أشهر ثم باعه وقد مضت ستةُ أشهر أخرى فالدراهم تقوم بالدنانير فإن كانت نصابًا زكاها وإلا فلا، وإن كانت هذه الدراهم في نفسها نصابًا وعلى هذا لو كان في أول السنةَ وآخرها عرضان وفيما بينهما ناض هو دراهم وشراء العرض الأول كان بالدنانير فلا اعتبار بهذه الدراهم بل يقوم العرض في آخر الحول بالدنانير.
فرع
لو باع في خلال الحول بأقل من مائتي درهم وكان الأصل دراهم فالحول ينقطع لأنها لا تقوم لخيرها بل هي أصل بنفسها وقد انتقص نصابها بخلاف ما لو بح بعرض لا ساوي نصابا أو العرض الأول انتقص عن نصاب لأن العرض أبدًا مقوم فلا [١٦٩ ب/ (٤)] اعتبار بنقصان قيمته في خلال الحول كما لا اعتبار بنقصانه في أول الحول فإن الحول ينعقد على عرض ناقص من النصاب ذكره القفال، وفيه وجه آخر: أنه لا ينقطع الحول كما لو باع بجنس آخر دون النصاب ذكره في ألصغاري وهذا غلط، ولو وقع الشراء بمائتي درهم ثم بيع بعشر دنانير أو أكثر لا ينقطع الحول سواء كانت قيمةُ الدنانير تبلغ نصابًا أم لا لما ذكرنا، أن الدنانير هاهنا هي كعرض من العروض وليست بأصل، فإذا تمَّ الحول على الدنانير وهي تساوي مائتي درهم وجبتا الزكاةً وإلا فلا تجب.
فرع آخر
إذا باع عرض التجارةً بعد وجوب الزكاةً فيه طريقان، أحدهما: أن الحكم فيه كما لو باع ما تجب الزكاةً في عينه بعد وجوب الزكاةَ، والثاني: يصح البيع هاهنا قولًا واحدًا لأن الزكاةً لا تجب في عينه وإنما تجب في قيمته والقيمةُ موجودةً في العرض بخلاف ما تتعلق الزكاةُ بعينه.
مسألة: قال (١): وَلَوْ أَقَامَتْ عِنْدَه مائة دِينارَ أَخَذَ عُشْرَ شَهَّرَا ثَمَّ اِشْتَرَى بِهَا أَلَفَّ دُرِّهُمْ أَوْ مائة دِينارَ فَلَا زَكاةَ فِي الدَّنانيرِ الأخيرةِ
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألةَ تتأوله ما تجب الزكاة في عينه من جنسه أو غير جنسه وقد ذكرنا: [١٧٠ أ/ (٤)] ذلك وبينا الحكم في الصيرفي وهو أن ينوي التجارةً ومطلق نصه
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٥٥ ]
هاهنا يدل على أنه لا فرق بين الصرفي وغيره.
مسألة: قال (١): ولو اشترى عرضًا لغير تجارةً فهو كما لو ملك بغير شراء.
وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنيةَ التجارةً فإنه يصير للتجارةً بهذه النية ويعتبر الحول من حين الشراء لخبر سمرةً بن جندب ﵁، فإن قيل: أليس قد قلتم: لو اشترى شاةً بنية الأضحيةً فإنها لا تصير أضحيةً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن جعلها أضحيةً إزالةُ ملك والبيع جلب ملك فلا يجوز أن يجتمع البيع وإزالةً الملك بخلاف مسألتنا ولو اشتراه لا بنيةَ التجارةً أو نواه لغير التجارة مثل الإمساك للفرش أو اللبس لا يصير للتجارةً فإن نوى التجارةً بعده لا يصير للتجارةً ولا زكاةً حتى يبيعه ثم يشتريه ثانيًا بنيةَ التجارةً وبه قال جماعةُ العلماء، وقال إسحاق وأحمد في روايةً: إنه يصير للتجارةً بهذه النية وبه قال أبو ثور والحسين الكرابيسي من أصحابنا، وهذا غلط؛ لأن كل ما لا تجب الزكاةً في أصله لا تجب الزكاةً فيه بمجرد النية كالماشيةً المعلوفةً إذا نوى أن يجعلها سائمةً. فإن قيل: أليس لو اشترى العرض بنيةَ التجارةً ثم نوى آن يكون للقنيةً سقطت [١٧٠ ب/ (٤)] الزكاةً فما الفرق؟ قلنا: قال مالك في رواية: هاهنا لا يصير باليةَ للتجارةً وهو غلط، والفرق ظاهر؛ وذلك أن الأصل فيه الفنية وأن لا زكاةً فيه فيرجع إلى الأصل بمجرد النيةَ ولا ينتقل عن الأصل بمجرد النيةَ وهذا كما يقول في المقيم؛ إذا نوى السفر فلا يصير مسافرًا وإذا نوى المسافر الإقامةً فإنه يصير مقيمًا، وإن لم يترك المشي لأن المقيم قد يمشي وأيضًا إذا نوى القنيةً فقد حصلت النيةَ وترك التصرف فانضم إلى النيةً غيرها فهو كما لو اشترى سلعةً بنية التجارةً تصير للتجارةَ وتنتقل عن حكم الأصل لحصول الفعل مع النية، ثم قال الشافعي (٢): هاهنا وأحب لو فعل، أي: واجب لو أخرج الزكاةً ولم يقل هذا في المسألةً المقدمة استصحابًا للحالةُ المتقدمةً في كل واحدةً منهما في المسألةَ الأولى: لم يكن العرض في الأصل زكاتيًا فلم يصر بمجرد نيته زكاتيًا، وفي المسألة الثانية: كان الحول قد انعقد وقد أبطله بنيته بعد انعقاده فكذلك استحب له إخراج الزكاةً منه ثم بين الشافعي أن نيةَ التجارةً فيما كان للقنية ونيةَ القنيةً فيما كان للتجارةً يفارق نيةُ السوم في المعلوفةً ونية العلف في السائمة فقال: ولا يشبه هذا السائمة أي الذي قد ذكرنا لا يشبه هاتين [١٧١ ب/ (٤)] المسألتين ولم يذكر المعنى المفرق لوضوحه وهو أن الإمامةً والعلف كل واحد منهما فعل مباشر والأفعال لا تحصل بالنيات من غير مباشرةً، وهاهنا التجارة التصرف والقنيةً ضدها وهو ترك التصرف فما كان للقنيةَ لا ينقلب للتجارةً حتى يحصل مباشرةً التصرف وما كان للتجارةَ ينقلب للقنية بمجرد النية، لأنه في الحال غير متصرف فيه فيمر للقنيةً بترك ذلك التصرف.
فرع
لو نوى قنيةَ بعضه فإن حد ذلك البعض فحكمه يتغير، وإن لم يحد ذلك البعض فيه
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٥٦ ]
وجهان، أحدهما: لا حكم لنيته للجهل ويكون كله على حكم التجارةً، والثاني: يجعل نصفه للتجارةً تسويةً بين البعضين وبعد ثلاثين الحكمين.
فرع آخر
لو اشترى عرضًا عند بائعه للقنيةً بعرض للتجارةً عنده فيه وجهان: أصحهما أنه يكون للتجارةً لأنه وجدت نيةً التجارةً فيغلبه عن أصله، والثاني: يكون للقنيةً ولا زكاة فيه استدامةُ بحكم العرض في نفسه قبل شرائه وهذا غلط؛ لأنه لو اشترى بعرض الفنية عرضًا عند بائعه للتجارةً بكون للقنيةً بلا خلاف ولا يستلزم حكمه قبل شرائه كذلك هاهنا.
فرع
لو ملك بغير عوض كالإرث والهبةً والوصيةً لم تكن للتجارة وإن [١٧١ ب/ (٤)] نوى بتملكه التجارةً لأن العرض إنما يصير للتجارةً بفعل التجارةً مع النيةً وهذه التمليكات ليست من التجارةً، ولو كانت الهبةً بشرط الثواب وجوزناها في أحد القولين تصير للتجارةً إذا نوى التجارةً لأنها معاوضةً.
فرع
لو ملكته بالصداق ونوت به التجارةً أو خالفته على مال أو صالحته على مال ونوى به التجارةً يصير للتجارةً ودخل في حولها لأن كل هذا معاوضة، وهكذا لو ملك بالإجارة أو السلم أو الشفعة.
وقال بعض أصحابنا في الصداق وبدل الخلع ومال الصلح عن دم العمد: لا يفر التجارةً؛ لأن الخلع والنكاح ليسا بمعاوضةً على الحقيقةً فإنهما يصحان بدون ذكر العوض ذكره في الصغاري وهكذا ذكر صاحب "الحاوي" (١)، وقال: لا يجب فيما ملك بالإجارةً أيضًا، لأن كل هذا ليس من التجارةً ولم يذكر وجهًا آخر وهذا أقيس والأول ظاهر الذب وقيل: هذا بناء على أن المأذون هل يؤاجر عبده وفيه وجهان.
ولو ملك بسبب حادث مثل الإفلاس والإقالةً فهذا العشر بحكمه قبل خروجه من ملكه، كان للتجارةً كان بعد رجوعه إلى ملكه للتجارةً، وإن كان للقنية كان بعد رجوعه للقنيةً، ولو كان للقنيةُ [١٧٢ أ/ (٤)] فنوى للقنيةً والفسخ ليس بتجارةً، ولو اقترض بنية التجارةً عند القبض لا يصير للتجارةً، لأن طريقة الإرفاق، وكذلك لو اغتنم بنيةً التجارةً لا يكون للتجارةً، ولو باع ثوبًا بثوب وثوبًا التجارة ثم ترادا بالعيب لم تبطل التجارةً لأن العقد الذي انعقدت به التجارةً لم يبطل من أصله.
فرع آخر
إذا ملك الديباج كوى الفنية ليقطعه ويلبسه أو كان يملك سيوفًا للتجارة فنوى القنيةً
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٢٩٩).
[ ٣ / ١٥٧ ]
ليقطع بها الطريق هل ينقطع الحول؟ وجهان: أحدهما: ينقطع لأن نيةُ الإمساك موجودةً، والثاني: لا يتقطع لأنها نيةً فاسدةً.
مسألة: قال (١): وَلَوْ كَانَ تَمَلُّكُ أَقَلُّ مِمَّا تَجِبُ فِيه الزَّكاةَ زَكَّي ثَمَنَ الْعُرْضِ مِنْ يَوْمِ مُلَّكِ الْعَرْضِ.
الفصل
وهذا كما قال: نصاب مال التجارةً قيمةً المال فإن قوّم الدنانير فعشرون دينارًا محل وإن قوّم بالدراهم فمائتا درهم، والواجب ربع العشر وما زاد فبحسابه.
وهل يعتبر النصاب طول الحول فيه طرق؟ إحداها: يعتبر في آخر الحول فقط قولًا واحدًا كما نص عليه هاهنا وبه قال مالك قال: لأن الزكاةً تحولت فيه بقنيةً أي: حول الزكاةً انعقد على هذا العرض يقنية إذا لم يكن منعقدًا على ثمنه فأقل ما في الباب أن يجعل كما لو اشترى عرضًا للتجارةً [١٧٢ ب/ (٤)] يعرض للقنيةً ثم أوضح بأنه لو اتجاه بعشرين دينارًا وكانت قيمته يوم تحول الحول أقل سقطت الزكاةً عنها لأنها تحوك فيه والفرق بينه وبين زكاة النقد هو أن زكاة النقد تتعلق بالعين فلا يشق مراعاة العين، ونصابه في أول الحول ووسطه وآخره وزكاة التجارة تتعلق بقيمة العين فيشق مراعاةً النصاب كل ساعةً.
وقال ابن سريج: يعتبر النصاب فيه من أول الحول إلى آخره وبه قال أحمد قال: وهذا هو المذهب، وتأول قول الشافعي: على أنه أراد إذا اشترى بأقل هن النصاب عرضًا يساوي نصابًا يعتبر حينئذٍ الحول من حين اشترى العرض الأول وقد ذكر الشافعي قبل هذه المسألةَ ما يدل على هذا فقال:
ولو كان في يده عرض للتجارةً يجب في قيمته الزكاةً أقام في يده ستةَ أشهر على ما تقدم بيانه فشرط أن يكون قيمته نصابًا ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أنه اشترى عرضًا للتجارةً حتى لو تم الحول عليه لوجبت في قيمته الزكاةً إذا كانت نصابًا، قال أبو إسحاق: الأول هو المذهب وخالف ابن سريج الشافعي: في هذه المسألة، ومن أصحابنا من [١٧٣ أ/ (٤)] قال فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: خرجه ابن سريج، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال.
والثالث يعتبر النصاب في أول الحول وآخره وبه قال أبو حنيفةَ وهذا ليس بشيء فإذا تقرر هذا مع أصحابنا على المذهب فقالوا: لو كانت معه مائةَ درهم ثم اشترى بها بخمسين درهمًا عرضًا للتجارةً فحال الحول وهو يساوي مائةً وخمسين درهما ضمها إلى الخمسين ويخرج زكاةً الكل، وإذا كان اشتراه بكل المائةَ ثم استفاد بعد ذلك بشهر مائةً أخرى فإذا تم حول العرض الأول من حين اشتراه فإن كان يساوي درهم زكاه، وإن كان يساوي أقل من ذلك لا يلزم فيه الزكاةً، ثم إذا تم حول المائةً فإن كانت إذا ضمت إلى قيمةَ العرض نصابًا زكاه لأن الثاني يضم إلى الأول في النصاب دون الحول
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٥٨ ]
ولو تم حول العرض الأول وقيمته مائتا درهم وزكاةً ثم تم حول المائةً ضمها إلى قيمةَ العرض، فإن كانت نصابًا أخرج زكاةَ المائةَ وإلا فلا يلزمه بشيء، ولو كانت معه مائةً درهم اشترى بها عرضًا للتجارةً، ثم استفاد بعد ذلك مائة أخرى واشترى بها عرضًا للتجارةً، فإن كل واحد منهما يعنى من [١٧٣ ب/ (٤)] من العرض عند تمام الحول من حين اشتراه يبلغ قيمته نصابًا زكاه، وإن لم يبلغ قيمةً الأول نصابًا عند تمام حوله فإذا تم حول العرض الثاني أضافها إلى الأول وزكى الجميع، وإن لم يبلغ لمجموعها نصابًا فإذا تم حول العرض الثاني أضاف إلى العرض الأول، والثاني، فإذا بلغت قيمةُ الجميع نصابًا فأكثر زكى الجميع والطريق في الكل واحد.
فرع آخر
لو كانت معه مائة درهم فاشترى بها عرضًا للتجارةً فتم الحول من حين اشترى العرض وقيمته أقل من النصاب فلما كان بعد شهر بلغت قيمته نصابًا فيه وجهان.
أحدهما: قاله ابن أبي هريرة يلزمه إخراج زكاته وهو اختيار الماسرجسي وهو الأصح وبه قال أكثر أصحابنا، فقط شهرًا من أول الحول حتى يصير عند بلوغ النصاب كأنه آخر الحول.
والثاني: ذكره أصحابنا عن أبي إسحاق لا زكاةً عليه وتكون الزيادةً للحول الثاني فإذا تم الحول الثاني وجمعت، الزكاةً وقيل: هذا أصح، وعلى هذا لو اشترى سلعة بدراهم ثم باعها بعشرين دينارًا فحال الحول والعشرون دينارًا في يده قومت العشرون على [١٧٤ أ/ (٤)] ما تقدم بيانه لأنها كالعروض فإن بلغت نصابًا من الدراهم تلزمه الزكاةً، وإن لم يبلغ نصابًا هل يسقط حكم الحول على ما ذكرنا من الوجهين فإذا قلنا: يسقط هل ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين العشرين دينارًا كسلعةُ اشتراها بورق للتجارةً فيستأنف الحول، فإذا حال الحول الثاني قومت العشرون دينارًا مرة أخرى بالدراهم التي هي الأصل، والثاني: ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين هذه العشرين دينارًا فمن أي وقت يحتسب حول العشرين دينارًا؟ وجهان، أحدهما: من وقت التقويم لأن حول الدراهم إذا بطل عند تقويم الدنانير بعد حولان الحول فلما بطل ذلك الحول انتقلت الزكاةً إلى الدنانير فيحسب حولها من ذلك الوقت، والثاني: من وقت ما نقصت في يده العشرون دينارًا لأنه ملك العشرين من ذلك الوقت.
فرع آخر
لو كان عرضه الأول ناقصًا من المصاب في أول الحول فصار في خلال الحول نصابًا ثم بيع يعرض آخر فلما تم الحول كان الثاني نصابًا أيضًا فلا شك أن الحول الثاني يبني على الحول الأول ولو بقي العرض الأول على النقصان حتى بيع بعرض ثانٍ هل يسقط [١٧٤ ب/ (٤)] حكم العرض الأول؟ وجهان، أحدهما: لا يسقط بل الحول من يوم ملك العرض الأول أيضًا لأن العرضين كعرض واحد في حق التجارةً ولا يعتبر
[ ٣ / ١٥٩ ]
النصاب إلا في آخر الحول، والثاني: أنه لما بقي على النقصان حتى خرج من ملكه على ذلك سقط حكمه فالحول من يوم ملك العرض الثاني والأول أصح.
مسألة: قال (١): ولا تمنع زكاة التجارةً وزكاةَ الفطر يجتمعان.
فإذا ملك رقيقًا للتجارةً فأهل هلال شوال فأخرج زكاةَ الفطر إذا حال حول التجارةً أخرج زكاة التجارةً وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: تجب زكاة التجارةً ولا زكاةً الفطر لقوله: "لا ثُنيا في الصدقة" وهذا غلط؛ لما قال الشافعي رحمة الله عليه، أنهما زكاتان مختلفتان الموجب والموجَب فيه ألا ترى أن زكاةَ الفطر على الأحرار الذين ليسوا بمال، أي ليست هي زكاةَ المال وإنما هي زكاة البدن للمسلمين، وزكاةَ التجارةً تجب في المال لأنها لا تجب فيما ليس بمال فجاز أن يجتمعا.
مسالةً: قال (٢): وإذا اشترى نًخْلًا للتَّجارةِ أو وَرِثَها زكَّى زَكَاةَ النَّخلِ.
الفصل
وهذا كما قال: آما إذا ورث نخيلًا [١٧٥ أ/ (٤)] فأثمرت أو أرضًا للتجارةً فزرعها أو اشترى خمسًا من الإبل السائمةَ للتجارةَ أو أربعين شاةً سادةً للتجارةً لا يجب إخراج الزكاتين بلا خلاف لأنهما جميعًا زكاتا مال مختلفان بقلةً المال وكثرته بخلاف زكاةَ الفطر والتجارةً فإنهما يجتمعان لأنهما زكاتان مختلفتان ثم أيتهما يقدم؟ قال في "الأم" (٣): يقدم زكاة العين، وقال في "القديم": فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا وبه قال مالك، والثاني يقدم زكاة التجارةً وبه قال أبو حنيفة وأحمد ووجه هذا خبر سمرة بن جندب وقد ذكرنا أن زكاةَ التجارةً أعم لأنها تتعلق بالثمار والأرض والنخل وزكاة العين أخص وزكاةَ التجارةً أحوط لأنها تزيد بزيادة قيمةُ المال بخلاف زكاةَ العين فكان تقديمها أولى، والأول أصح، ووجهه قوله - ﷺ - "في خمس من الإبل شاة" ولم يفصل ولأن زكاةَ العين ثبتت بالنص ويكفر جاحدها بخلاف زكاةَ التجارةً، ولأن العين أصل والقيمةَ فرع فاعتبار الأصل أولى.
فإذا تقرر هذا فمسألةَ القولين إذا اتفق النصابان والحولان معًا مثل إن ملك أربعين شاة بنية [(١٧٠) ب/ (٤)] القنيةً أو بما هو دون النصاب من الأثمان أو بنصاب من الأثمان ولكن اشتراها حين ملك الثمن فإذا حال الحول من حين اشترى وهي أربعون شاةً قيمتها نصابًا فقد اتفق الحولان والنصابان فإن اختلف النصابان واختلف الحولان فإنه يخرج الزكاةً مما هو نصاب ولا اعتبار بالآخر مثل إن اشترى ثلاثين شاةً للتجارةَ فحال الحول وقيمتها نصاب أخرج زكاة التجارة قولًا واحدًا، ولو كانت أربعون شاةً فحال الحول وقيمتها أقل من نصاب أخرج زكاةً العين قولًا واحدًا، لأنه إنما إحدى الزكاتين عند الاجتماع وهاهنا لم يجتمعا.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤١).
(٣) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٦٠ ]
ولو اتفق النصابان واختلف الحولان مثل أن كانت عنده مائتا درهم ستة أشهر ثم اشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة فإنه بني حول الماشية على حول الأصل فيسبق حول التجارة حول العين وقد تسبق زكاة العين زكاة التجارة ففيهما طريقان أحدهما: قال أبو إسحاق: إنه يقدم ما سبق وجوبه قولًا واحدًا كما قدم ما تم نصابه وهذا هو اختيار القاضي (١٧٦ أ/ ٤) الطبري.
واحتج بأن الشافعي قال: لو باع العرض بالدنانير قبل الحول قدمها برأس المال إذا كان دراهم وهذا تقديم لزكاة التجارة على زكاة العين، لأن حول التجارة سابق.
والثاني: فيه قولان أيضًا هو اختيار القاضي أبي حامد وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه لم يفصل وقد فرض الشافعي الكلام في الثمرة ويبعد أن يوافق آخر جزء من الحول في التجارة أول بدو الصلاح وبهذا قال أحمد ومن أصحابنا من قال: فيه طريقة أخرى وهي أنه يعتبر بما هو الأحفظ للمساكين وأوفر لهم فيحمل رب المال عليه وهذا بعيد وعلى ما ذكرنا إذا كانت عنده أربعون شاة للتجارة ستة أشهر فاشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة هل يبني أم يستأنف الحول؟ على قولين: فإن قلنا: يقدم زكاة التجارة بني، وإن قلنا: يقدم زكاة العين استأنف الحول وعلى قول أبي إسحاق: يخرج زكاة التجارة قوم الكل وأخرج الزكاة سواء كانت الأموال ماشية أو غيرها من الثمار والنخيل والزرع والأرض، وإن قلنا: يقدم زكاة [١٧٦ ب/٤] العين نظر فإن كان المال ماشية أخرج زكاة العين، وإن كان نخيلًا فأثمرت أو أرضًا فزرعت أخرج عشر الثمار والزرع، وما الذي يصنع برقبة الأرض والنخل؟ فيها قولان، وقال في القديم: يقومها ويخرج زكاة التجارة عنها لأن ما أخرجه من الزكاة عن النماء دون الأصل فلا يتنافيان وهذا ظاهر المذهب، والثاني: أنه لا يخرج عنها شيئًا وهو القياس لأن الثمرة والحب نماء الأصول فما أخرج يكون عن الجميع أو الأصل تبع كالأربعة الزائدة على خمس من الإبل تبع لا تنفرد بالزكاة، وقال القفال إذا قلنا: في الجذوع تتبع الثمار ففي الأرض هل تتبع؟ وجهان، والفرق أنه لا تكون الثمرة إلا من غير النخلة ولا تكون من عين الأرض بل الأرض محله ومحل الزرع فافترقا.
فرع آخر
إذا قلنا: يقدم زكاة العين فانتقص النصاب في خلال الحول هل يبطل حكمه وتجب زكاة التجارة؟ فيه وجهان، أحدهما: لا تبطل لأنها أثبتتا زكاة العين فإذا انتقص النصاب سقطت الزكاة، والثاني: تجب زكاة التجارة لأنا نقدم زكاة العين عند تصور وجوب الزكاتين وانعقاد الحولين لهما (١٧٧ أ/٤) فإذا انتقص نصاب العين بأن الحول للعين أنه لم يكن منعقدًا وبقى حول التجارة، وكذلك إذا أوجبنا زكاة التجارة ثم انتقص نصاب التجارة ونصاب العين باق فيه وجهان، وبعض أهل خراسان.
[ ٣ / ١٦١ ]
فرع آخر
لو اشترى سائمة للتجارة وأوجبنا زكاة التجارة فيها لنقصان نصاب العين فبلغت بالنتاج نصابًا فلما تم الحول كان نصاب التجارة ناقصًا قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستأنف من الآن حول، أما للتجارة، وإما للسوم على اختلاف القولين، والثاني: مقيمًا بلغت قيمة المال نصابًا أوجبنا زكاة التجارة، والثالث: يحسب حول العين من يوم تم نصاب العين بالسخال وقد تقدم أصل هذه الوجوه.
فرع آخر
لو كانت له حنطة للتجارة فزرعها في أرض القنية وأدرك الزرع هل يلزم العشر أم زكاة التجارة قولان.
فرع آخر
لو اشترى أرضًا للتجارة، وزرع يبذر للقنية فعليه في الزرع العشر، وفي الأرض زكاة التجارة بلا خوف، ولو كانت الأرض والبذر كلاهما للتجارة ففي الزرع قولان، على ما ذكرنا ولو اشترى غراسًا لا تحمل بنية التجارة أو أرضًا مغروسة غراسًا لا تحمل أو (١٧٧ ب/ ٤) تحمل ولكن يكون أقل من خمسة أوسق أو أرضًا مزروعة زرعًا لا زكاة فيه من الخضراوات، قال الشافعي (١): عليه أن يزكي كل ذلك زكاة التجارة لأنه ليست فيها زكاة العين.
فرع
لو اشتري شقصًا للتجارة بعشرين دينارًا فحال عليه الحول وهو يساوي مائة دينار وجبت عليه زكاة مائة فإذا قدم الشفيع وطالب بالشفعة أخذها بعشرين لأنه يستحق أخذه بالثمن الأول، ثم قال الشافعي في "المختصر": والخلطاء في الذهب والورق كالخلطاء في الماشية وأراد بالخلطاء الشركاء وقد مضى بيانه.