قال (١): الشافعي ﵀: أخبرنا مالك وذكر الخبر عن عائشة ﵂.
وهذا كما قال: الحلي ضربان: محظور ومباح، فإن كان محظورًا فإنه تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا، وإن كان مباحًا ففيه قولان إحداهما: وهو الأشبه والصحيح أنه لا زكاة فيه، وبه قال ابن عمر وجابر وعائشة وأسماء ﵃، وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومالك وعطاء وابن سيرين ومجاهد والزهري وأحمد وإسحاق ووجه هذا ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وليس في الحلي زكاة" (٢)، والقول الثاني: يجب فيه الزكاة وقيل: إن الشافعي استخار الله تعالى فيه واختاره وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر وان عباس وان مسعود ﵃ والشعبي والحسن والقاسم بن محمد والزهري وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ووجه هذا ما روي أن امرأة من اليمن جاءت رسول الله ﷺ وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب: فقال: "أتعطين زكاة هذا" فقالت: لا، فقال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فخلعتهما وألفتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله" (٣) فإذا تقرر هذا فاعلم أن الشافعي [١٤٩ أ/٤] احتج في أول الباب بخبر عائشة ﵂ أنها كانت تحلي بنات أخيها أيتامًا في حجرها ثم لا تؤدي زكاتها، وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما لا تؤدى زكاتها (٤)، لأنها كانت للأيتام ولا زكاة في مال اليتامى والجواب هو أن مذهب عائشة وجوب الزكاة في مال اليتيم فدل أنها لا تخرج زكاتها لاعتقادها أن لا زكاة في الحلي والظاهر أنها اعتقدت ذلك عن النبي ﷺ، وروى أنس (٥)، وابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة إذا كان يعار وينتفع به"، وقال ابن مسعود قلت يا رسول الله إن لامرأتي حليًا من عشرين مثقالًا قال: " فأد زكاته نصف مثقال" وهذا محمول على الاستحباب، ثم اعلم ما المباح منه وما المحظور منه فالمباح للرجال الخاتم من الفضة وحلية السيف والمصحف والمنطقة نص الشافعي ﵀
_________________
(١) انظر الأم (٢/ (٣٤».
(٢) أخرجه البيهقي في " الكبرى" (٧٥٣٧)، وفي معرفة السنن" (٣/ ٢٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي (٢٤٧٩)، والبهيقي في " الكبرى" (٧٥٤٩)، وفي " معرفة السنن" (٢٣٥٨).
(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" (٥٨٦)، والبيهيقي في " الكبرى" (٧٥٣٥)، وفي "معرفة السنن) (٢٣٥١).
(٥) أخرجه البيهقي في " الكبرى" (٧٥٤٠)، وفي "معرفة السنن" (٢٣٥٦).
[ ٣ / ١٣٦ ]
على هذه الأربعة ولم يزد والشرح فيه أن يقال: الخاتم من الذهب حرام عليه واتخذ رسول الله ﷺ في الأول خاتمًا من ذهب ثم ألقاه واتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه محمد سطر رسول الله سطر قال أصحابنا: وينبغي أن لا يثقله بالفضة بل يتخذه على حسب العرف [١٤٩ ب/٤] للتجمل وقيل: لو كانت له خواتيم فلبس كل يوم واحدًا وللمرأة أسورة تلبس كل يوم واحدًا منها لا تمنع ولا زكاة ولو كانت له خواتيم يعدها للذخيرة وتفضل عن اللبس فإنه يلزم فيها الزكاة قولًا واحدًا، وأما السيف لا يجوز أن يحلى بالذهب ويجوز بالفضة، روي أنه كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة (١) ونعل سيفه من فضة وما بين ذلك حلق الفضة ولأن فيها مغايظة المشركين فحل ذلك قال أصحابنا: وفي معنى هذا السكين والخنجر والدشتي والترس وأطراف الرماح والمهام، لأن كلها سلاح، وقد روي في الخبر عن رسول الله ﷺ "أنه كان له جمل في أنفه برة من فضة يغيظ بها المشركين"، وقال الإمام أبو بكر القفال: السكين الذي يتخذ لمهنة البيت لا تكون في معنى هذا فتحليته حرام، وكذلك السكين المقلمة، وأما المصحف فظاهر المذهب أنه يجوز تحليته بالفضة ولا يجوز بالذهب، وقيل: أنه أري في حرملة قولين: إذا كانت بالفضة، ومن أصحابنا من قال: يجوز بالذهب أيضًا لأن فيه تعظيمً للقرآن، والدين فجعلت فيه ثلاثة أوجه أحدها يجوز بهما، والثاني: لا يجوز بهما كتحلية [١٥٠ أ/٤] سائر الكب لا يجوز.
والثالث: يجوز بالفضة دون الذهب لأن حلية مصحفه بمنزلة حليته ولا يجوز للرجل أن يتحلى بالذهب ويجوز بالفضة في حال وقال هذا القائل ونص الشافعي (٢) رحمة الله عليه: على أنه إذا كانت علاقة مصحفه من الذهب فإنه يلزم فيها الزكاة، ومن قال بالأول؛ فرق بينه وبين العلاقة بأن العلاقة ليست من المصحف، ألا ترى أنه إذا باع المصحف فإنه يدخل فيه العلاقة، وأيضًا العلاقة ليت من مصالح المصحف وإنما هي لتعلقه الإنسان بها على نفه فافترقا ثم قال بعض أصحابنا: هذا إذا كان للرجل فأما إذا كان المصحف للمرأة فإنه يجوز لها تحليته بالذهب وهو صحيح عندي، وأما المنطقة فتحليتها بالذهب لا تحل وبالفضة تحل قال أصحابنا: وفي معنى هذا يجوز إن على الزرع والجوشن والخف والرانين ولا ينبغي أن يثقل شيئًا من هذه الأشياء بالفضة فإن ثقل وخرج عن إمكان اللبس في العادة تلزم الزكاة بلا خلاف.
فروع
إذا حلى لجام دابته وثغرها وأطراف السيور بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه، قال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما: هو محرم لأن الشافعي جمع بينه وبين [(١٥٠) ب/ (٤)] تمويه السقف في وجوب الزكاة فيهما وتمويه السقف محرم، فكذلك هذا ولأن الشافعي
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٧٥٧٠، ٧٥٧١، ٧٥٧٢).
(٢) انظر الأم (٢/ ٣٥)
[ ٣ / ١٣٧ ]
قال في البويطي: تجب فيه الزكاة ومذهبه في البويطي أنه لا زكاة في الحلي المباح ولأن ذلك من حلية الدابة لا من حليته فهو كحلية السرير والكرسي لا يجوز لما فيها من الترف والخيلاء، بخلاف المنطقة والسيف فإنه يتحلى بهما في الحرب فحل ذلك وهذا هو المذهب، وقال أبو الطيب بن سلمة وجماعة من أئمة خراسان؛ هو مباح لأن فرمه من آلة الحرب كالسيف وزينة الفرس زينة لصاحبها كحلية الجوشن، وإن كان ذلك من الذهب فلا شك في تحريمه، وأما التثقيل بالفضة على ما نشاهد في زماننا أو لمن لا يجاهد عليها فهو حرام بلا إشكال.
فرع آخر
لو حلَّى رداءه بذهب كانت محرمة، وأما بالفضة قال بعض أصحابنا: في الميل إذا اتخذه من ذهب أو فضة على وجه التداري بحلاء عينه فإنه يحل وهو صحح عندي.
فرع آخر
التحلي بالياقوت واللآلئ هل يجوز للرجل؟ وجهان مبنيان على أنه هل يجوز اتخاذ الآنية منها فإن قلنا: إنه لا يحرم يباح، وإن قلنا: إنه يحرم كان الحكم كما ذكرنا في الفضة لأن نفاستها [١٥١ أ/٤] لا تظهر لكل أحد فكل محل يجوز استعمال الفضة فيه يجوز استعمال هذه الجواهر فيه ذكره بعض أصحابنا، وقد ذكرنا قبل هذا أيضًا في هذا الباب.
فرع آخر
الخنثى إذا ملك حلي النساء أو الرجال وقلنا: لا زكاة في الحلي المباح ففيه وجهان، إحداهما: يلزمه الزكاة لأنه لا يمكن استباحتها بالشك، والثاني: لا زكاة لأنا في الصغير نبيح له أن يلبس حلي الرجال والنساء ولا نوجب الزكاة فبقينا على ما كان في حال الصغر.
فرع آخر
في الدنانير بالعُرى إذا طرحتها في القلادة فلبستها لم يكره.
فرع آخر
قال جمهور أصحابنا: لا يجوز أن يموه محراب المسجد بالذهب ولا بالفضة ولا أن يتخذ قناديل من الذهب أو الفضة ولا فرق في ذلك بين الكعبة وبين سائر المساجد لأنه لم ترد به السنة ولا عمل به أحد من الأئمة، وفيه إضاعة المال، ومن أصحابنا من قال: يباح كل ذلك في جميع المساجد كما أبيح ستر الكعبة بالديباج فإذا قلنا: بالأول إن وقف عليها فلا زكاة لأنه ليس لمالك من المسلمين، لأن كان حرامًا، وان لم يجعل وقفًا فإنه يلزمه الزكاة، وإذا قلنا: بالقول الثاني: إن جعله وقفًا لا زكاة وان كان ملكًا له فيه قولان.
فرع آخر
إذا موَه السقوف بالذهب [١٥١ ب/٤] أو الفضة فقد فعل محرمًا، وهل يحل
[ ٣ / ١٣٨ ]
استدامته انظر فإن كان مستهلكًا لا تحرم استدامته، فإذا قلنا: لا تحرم استدامته فلا زكاة لأنه مستهلك، وإذا قلنا: تحرم استدامته تلزم الزكاة فإن كان إذا خرج بلغ نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا ففيه الزكاة، وإن كان بخلاف هذا فلا زكاة.
فرع آخر
لو اتخذ الرجل حلي الذهب للصبيان اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: وهو المنصوص في باب العيد يجوز لأنه تعيد عليهم ومنهم من قال: لا يجوز لظاهر قوله ﷺ في الذهب والإبريسم "هذان حرامان على ذكور آمتي حل لإناثها".
فرع آخر
يجوز أن يشد السن بالذهب فعل ذلك عثمان بن عفان ﵁ ثم إن نشب في العضو وتراكب عليه اللحم صار كالمستهلك لا زكاة فيه ولو قطع أنفه فاتخذ لنفسه أنفًامن ذهب أو فضة جاز والأولى الذهب لأن الفضة تنتن وتصدأ والذهب لا ينتن ولا يصدأ والأصل فيه ما روي أن رجلًا جدع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فشكا إلى النبي ﷺ فقال: "اجعل مكانه ذهبًا" (١)، وإن قطع [١٥٢ أ/٤] إصبعه فاتخذ إصبعًا من فضة لا يجوز لأنه لا يعمل عمل الإصبع فلم يكن إلا مجرد الزينة فلا يجوز ولو اتخذ منها أنملة جاز لأنها تعمل عمل الإصبع فيمكن تحريكها بالقبض والبسط ذكره القفال، ولو انقلعت سنه فاتخذ شأ من ذهب يجوز وتلزم الزكاة في أحد القولين في الأنف ولا تلزم في السن لما ذكرنا أن السن يصير متهلكًا بتراكب اللحم عليه بخلاف الأنف.
فرع آخر
المضبب من الأواني على أضرب: أحدها: أن يكون التضبيب يسيرًا للحاجة فهو مباح ومن جملته الحلقة للقصعة وهذا كان لرسول الله ﷺ الثاني: أن يكون كثيرًا لغير الحاجة فهو حرام، والثالث: أن يكون كثيرًا للحاجة أو قليلًا لغير حاجة فهما مكروهان، ولا يحرمان والكراهة في الأول هي للكثرة، وفي الثاني لعدم الحاجة ونفي التحريم في الأول للحاجة، وفي الثاني للقلة وفيه وجه آخر كلاهما حرام وهو ضعيف، ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا على شفة الإناء بحيث يلاقيه فم الشارب يحرم وإلا فلا، ويروى هذا عن مالك والمرجع في الكثير واليسر إلى العرف والحالة، ومن أصحابنا من راعى فيه ما يراعى في الحرم في اليوم في الثوب العنابي، ومن أصحابنا من قال الكثير أن يكون [(١٥٢) ب/ (٤)] جزء كامل منها معيبًا كفها أو أسفلها ونحو ذلك، والأول أصح فإذا قلنا؛ يجوز فهو كالحلي المباح، وإذا ثلنا؛ يحرم فهو كالحلي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣)، وأبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٥١٦١)، وابن حيان (٥٤٣٨).
[ ٣ / ١٣٩ ]
المحظور، وإذا قلنا: يكره ولا يحرم، قال أصحابنا: يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا ولا تباح على الإطلاق فسقط حكم فعله وعاد إلى أصله، وقال بعض أصحابنا: حكمه حكم الحلي المباح لأنه لا يحرم.
وأما الضبيب بالذهب فال أهل العراق: لا يجوز أصلًا لأن حكم الذهب أغلظ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق بين الذهب والفضة لي ذلك والمذهب الأول لأنه لم يرد به الخبر وقد ورد ذلك في الفضة، روى أنس ﵁ "أن قدح رسول الله صلى الله عليه انكسر فاتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة".
فرع آخر
لا يجوز للرجل أن يتخذ لنفسه شيئًا من حلى النساء كالخلخال وا لسوار ونحو ذلك، وان اتخذه لبناته أو جواريه أو نسائه فإنه يجوز، وكذلك إن أرصده لبعيره للنساء أو يكريه منهن يجوز، ويكون في زكاته قولان، وقال مالك: لا تجب وقال بعض أصحابنا: يباح للرجل التحلي بالفضة ولا يختص بالخاتم لأن الأعضاء كلها سواء فيلبس الدملج من الفضة في عضده والطوق في عنقه حتى قال بعضهم: لو اتخذ سوارًا من [١٥٣ أ/ب] فضة جاز وهذا بعيد عندي ومن أصحابنا من قال: إذا أرصده للكراء تجب الزكاة قولًا واحدًا، وان كان مباحًا لأنه معد لطلب النماء كما لو اتخذه للتجارة وبه قال أحمد: وهذا لا يصح لأنه أعده للاستعمال المباح، والنماء المقصود وقد فقد وما يحصل من الأجرة هو قليل غير مقصود فلا اعتبار به كأجرة العوامل من الإبل والبقر لاعتبارتها. وقال الزبير من أصحابنا: اتخاذه للتكرار والإعارة حرام لأنه خرج عن عرف اللف بالإجارة وعدل عما وردت به السنة في الإعارة والحلى إذا عدل به عما وضع له كان محظورًا وزكاة المحظور واجبة ولم يتابعه أحد، وان كان له وجه والدليل على بطلان هذا القول ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: وزكاة الحلي إعارته" ولأنه أعده لاستعمال مباح وهو علة الشافعي.
فرع آخر
الاختيار أن يكرى حلي الذهب بالفضة وحلي الفضة بالذهب فإن أكرى حلي الذهب بالذهب أو حلي الفضة بالفضة ففيه وجهان، والأصح يجوز لأنها أجرة والثاني: لا يجوز خوف الربا وهذا غلط، لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا ولو صح هذا لما جاز أن يؤاجره بدراهم مؤجلة خوف الربا.
فرع آخر [١٥٣ ب/٤]
لو أتلف على رجل حليًا وزنه ألفًا وقيمته ألفان فيه وجهان: إحداهما: في مقابلة الصنعة، والثاني في مقابلة أصله، والثاني يضمن الصنعة بالذهب لئلا يأخذ ألفين مكان ألف والأول أصح لأنه يأخذ الألف والثاني للصنعة فلا يؤدي إلى الربا، ألا ترى أنه لو كسره فأذهب صنعته لم ينقص وزنه ضمن ألف درهم.
[ ٣ / ١٤٠ ]
فرع آخر
لو اشترى حليًا مباحًا للتجارةً فإن قلنا: لا زكاةً في الحلي المستعمل ففي هذا زكاةً التجارةً ويعتبر قيمةً الصنعةُ وإن قلنا: في الحلي المستعمل يلزم الزكاةَ فهل يزكي عن هذا زكاةَ التجارةً أم زكاةَ العين لأن إحداهما يزكي زكاةً العين فعلى هذا لا اعتبار بالصنعةً، والثاني: يزكي زكاةَ التجارةً فتعتبر الصنعةُ فيها.
فرع آخر
لا يجوز للمرأةَ اتخاذ الحلي المعد للرجال لنفسها مثل حليةً السيف والمنطقةَ والفرس ونحو ذلك، ولو اتخذت ذلك لغلامها حل ولا اعتبار بالملك بل الاعتبار بما اتخذ الحلي له ولا يحل لها اتخاذ المدخنةً والمشط ونحو ذلك ويحل لها اتخاذ المحانق والحلق والسوار والخلخال وخواتيم الذهب والجلجل والطوق وقيل: لو اتخذت حمشكًا من ذهب أو أديمًا أو خرز بخيوط من ذهب جاز، وأما التاج فقد أطلق أصحابنا في [١٥٤ أ/ ٤] الإباحةً لهن ومن أصحابنا من قال: إن جرت به عادةَ النساء يحل وإن لم تجر به عادةَ النساء لكن يلبه عظماء الفرس لا يحل وهذا أقرب، وآما تعاويذ الذهب فهي حلال لهن ونعال الذهب والفضة حرام عليهن، وآما الثياب المثقلةُ بالذهب المنسوجة فيه وجهان، إحداهما: تباح كالحلي، والثاني: لا تباح لما فيه من كثرةُ الإسراف والخيلاء.
فرع آخر
الدراهم والدنانير المنقوشةَ التي يجعلها في القلادةَ هل هي من جملةَ الحلي المباح الذي لا زكاة فيه في أحد القولين، اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هي من جملته ومنهم من قال: لا يكون من جملته لأنه لم يخرج بالصنعةً عن النقديةً وهذا أشبه.
فرع آخر
لو ملك أو ملكت حليًا مباحًا ونوى الغيبةً فإنه يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا، وإن لم ينو شيئًا فقد اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هو على حكم أصله ولا يتغير حكمه إلا بنيةً الاستعمال فيما يباح كالسلعةً لا تصير مال التجارةً بالتصرف ما لم ينو التجارةً ومنهم من قا: لا تعتبر النية لأنه بالصياغةً خرج عن الاستنماء به ومنهم من قال: المرآةُ في حليها لا تحاج إلى النيةً إذا صاغته والرجل يحتاج في حلي الماء إلى النيةً لأن حلي النساء حلال لهن فقد [١٥٤ ب/٤] تعين بمجرد الصباغةً استعماله بنفسها والرجل لا يتعين لاستعماله فيحتاج أن ينوي اتخاذه للجواري أو للبنات أو نسائه والأقرب الأول.
فرع أخر
لو كان له حلي مباح فمات ولم يعلم به الوارث حتى مضى حول فإنه يلزمه زكاةَ الحول الماضي قولًا واحدًا، وقال والدي ﵀ يحتمل وجها آخر: لا يلزمه الزكاةً
[ ٣ / ١٤١ ]
لأن الوارث قائم مقام الموروث وقصده كنيته.
مسألة: قال (١): وَإِنَّ اِتَّخَذَ رَجُلُ أَوْ امرأة إناء مِنْ ذَهَبِ أَوْ وَرِقَّ.
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا في كتاب الطهارةَ أن استعمال أواني الذهب والفضةً لا يجوز وهل يجوز اتخاذها قيل فيه وجهان، وقيل: قولان أشار في كتاب الغصب إلى جوازه ونص هاهنا أنه لا يجوز وهو الصحيح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالمزمار والبربط وعلى كل القولين تلزم قيمةَ الزكاةً قولًا واحدًا، فإذا كان له إناء من فضةً وزنه ألف درهم وقيمةُ الصنعةً التي فيه ألفان تلزم زكاته على وزنه لا قيمته، فإذا أراد إخراج زكاته فإن قلنا: اتخاذه محرم فلا قيمةَ للصنعةً التي فيه ويجب كسره فيؤمر يكسره لإخراج الزكاةً من فضته أو يسلم قدر الزكاة منه مشاعًا ولا يجوز إخراج الذهب عنه بحال، لأن قلنا: يحل اتخاذه برب المال [١٥٤ أ/٤] بالخيار إن شاء ملك الفقراء ريع عشر مشاعًا وقبضوه ثم إن شاءوا باعه منه أو من غيره بذهب أو ثياب أو غيرها مما لا ربا بينهما وإن شاء أعطى فضةً جيدة نقيةً من غيرها خمسةً وعشرون درهمًا قيمتها من نقد البلد الذي هو قرب اللسان خمسون درهمًا، قال: القفال: أو يخرج إناء صغيرًا فيه مثل هذه الصنعةً التي في الإناء الكبير يسوي خمسين درهمًا من نقد البلد، قال ابن سريج: يجوز للضرورة لأنه يشق تسليم بعضه مشاعًا عليه وعلى المساكين، وقال سائر أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقفال: لا يجوز ذلك لأنه إخراج القيمةً في الزكاةً ويجوز تكليف هذا القدر من الضرر كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر ولو أعطى خمسين درهمًا من نقد البلد.
قال ابن سريج: كرهت ذلك لأنه يؤدي إلى الربا، وقال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على المذهب تكليف ذلك أيضًا، لأنه لا ربا بينه وبين المساكين، وهذا غير صحيح عندي لأنه تكليف الزيادةَ في القدر ولا نظير له في الأصول ويمكن أداء الواجب على ما ذكرنا فلا حاجةً إلى هذا، ولو قال: اكسر هذا الإناء وأعطيكم زكاته منه فإنه يمنع منه لأنه إذا كسره نقصت قيمةً الصنعة [١٥٥ ب/٤] التي فيها ويؤدي إلى الإضرار بأهل الجمان وبه أيضًا، وهذا الحكم في الحلي المباح إذا أوجبنا فيه الزكاةً، وأما عبارة الشافعي (٢) هاهنا فإن كان وزنه ألفًا وقيمته مصوغًا ألفين تجوز منه ومعناه قيمته من الذهب ما يتقوم ألفين من الورق.
فرع
لو ملك خلخالًا وزنه دون المائتين وقيمته مائتان فلا زكاةً عليه لأن الزكاةً تتعلق بالعين لا بالقيمةً، ولو كان وزنه مائتين وقيمته من نقد البلد ثلاثمائةُ لجودة جوهره لا
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٥).
(٢) انظر الأم (٢/ ٣٥).
[ ٣ / ١٤٢ ]
للصنعة فإن كسر ربع عشره وأعطانا قبلنا، وإن أعطانا خمسةً قبل جوهره قبلنا أيضًا، وإن أعطانا ربع عشره مشاعًا قبلنا، وإن أعطانا ذهبًا لم يقبل، وإن أعطانًا خمسةً من غالب نقد البلد لم يقبل، لأنه دون الواجب، وإن أعطانا تسعة ونصفًا لم نقبل بحال لأنه ربا على ما ذكرنا.
مسألة: قال (١): وإذا انكَسَرَ حُليَها فلا زَكَاةَ فيهِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا انكسر حليها لا يخلو من ثلاثةً أحوال: إحداها: أن يكون يسيرًا لا يمنع من لبسه مثل أن يعوج أو يفسخ موضعه منه أو يشق الخلخال طولًا فحكمه حكم الحلي الصحيح، والثانية: أن يكون كسرًا لا يمكن لبسه حتى يصلح، ولكن لا يحتاج إلى السبك والإعادةً فقال صاحب "الإفصاح": حكمه حكم التبر [١٦٥ أ/ ٤] لأنه خرج عن كونه حليًا، وقال أبو إسحاق: إن نوت أن تكسره خرج عن كونه حليًا ويفارق السائمة إذا نوى علفها لا يتغير حكمها لم تعف وفي المعلوفةُ أيضًا لا يتغير الحكم بنية السوم ما لم يضمها لأن ذلك لخفةَ المؤنةً وكثرتها، ولا يختلف ذلك بالنيةً وهاهنا سقطت الزكاة لكونه معدا لاستعمال مباح، والأصل وجوب الزكاةَ فيه فبهذه النيةً عاد إلى الأصل وإن نوت إصلاحه فحكمه حكم الحلي، وإن لم تنو الإصلاح ولا الكسر قال في "الأم" (٢): لا زكاة فيه في قول من قال: لا زكاة في الحلي ووجهه أن الزكاةً سقطت عنه بالصياغةً وإعداد، لاستعمال مباح فلا يعود إلى وجوب الزكاةً عن دون النيةً كالعروض التي للتجارةً لا تعود إلى أصلها بترك التجارةً حتى ينوي العينةً، كذلك هاهنا وعلى قول صاحب "الإفصاح": تجب فيه الزكاةً لأنه خرج عن كونه حليًا ملبوسًا وهذا أقيس فحصل قولان: فإن قيل: قول صاحب "الإفصاح" يخالف نص الشافعي في "الأم"؛ لأنه قال (٣): وإذا انكسر حليها فأرادت إصلاحه أو لم ترده فلا زكاةً في قول من قال: لا زكاةً في الحلي إلا أن تريد أن تجعله مالًا تكنزه فتزكيه قلنا: المراد به الكسر اليسير الذي لا يمنع استعماله، والحالة الثالثة: أن يترضغن [(١٥٦) ب/٤] بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بإعادةُ صياغته، قال أصحابنا: يعود إلى أصله قولًا واحدًا، وهذا يدل على صحةُ قول صاحب "الإفصاح" ويمكن الاعتذار بأن هاهنا خرج من أن يكون مصوغًا وصار كقراضةَ الذهب فلا يحتاج فيه إلى النيةُ بخلاف ما إذا أمكن إصلاحه فإنه يعد مصوغًا فلا يرجع إلى أصله إلا بنية الكسر يسيرًا، ومن أصحابنا من قال هذا أيضًا كالحالة الثانية وليس بشيء.
مسألة: قال (٤): وَلَوْ وَرَثَّ رَجُلُ حَلِيًَا أَوْ اشتراه فأعطاه امرأةً مِنْ أَهَلِّهِ.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٥).
(٢) انظر الأم (٢/ ٣٥).
(٣) انظر الأم (٢/ ٣٥).
(٤) انظر الأم (٢/ ٣٦).
[ ٣ / ١٤٣ ]
الفصل
وهذا كما قال قد ذكرنا ما يتعلق بهذه المسألةَ فلا فائدةً في الإعادةً، ثم اعلم أن المزني ختم الباب بترجيح القول المشهور أنه لا زكاةً فيه فقال: هذا أشبه بأصله لأنه يجب الزكاةً في الماشيةً وليست في المستعمل منها زكاةً فكذلك هاهنا وتحريره لأصحابنا أن قالوا: لأنه مصروف في نماء سائغ إلى استعمال سائغ فأشبه السائمةُ المستعملة لا زكاةً فيها.