مسألة: قال (٢): وإذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضًا على النصف.
الفصل
وهذا كمان قال: إذا دفع رجل إلى رجل قراضًا على أن ما رزق الله تعالى من الربح كان بينهما نصفان فاشترى العامل سلعة فحال عليها الحول وهي تساوي العين وجبت الزكاة في الكل لأن الربح في التجارة هو تبع للأصل في الحول إذا نض حين حال الحول، وعلى من تجب الزكاة؟ فيه قولان منصوصان أحدهما: تجب زكاة الكل على رب المال، وهو اختيار المزني، قال الشافعي: وهذا أشبه القولين، والثاني: على رب المال زكاة (١٧٨ أ/ ٤) الأصل وزكاة حصته من الربح وعلى العامل زكاة حصته من
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤١).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤١).
[ ٣ / ١٦٢ ]
الربح وبه قال أبو حنيفة، وأصل هذه المسألة أن العامل متى تملك نصيبه من الربح؟ فيه قولان.
أحدهما: أن يملك بالمقاسمة والقبض بعد المقاسمة وهو اختيار الشافعي والمزني ووجهه ما ذكر المزني في آخر الباب، قال: أو ملكه زائدًا لملكه ناقصًا كالشريكين في المال ثم لو خسر حتى لم يبق للعامل في المال حق يعلمنا أنه لا حق من حيث الملك قبل الخسران.
والثاني: يملك بالظهور نصيبه من الربح لأنه عقد على أصل يقتضي اشتراك المتعاقدين في النماء فإذا صح العقد وحصل النماء كان النماء مملوكًا لهما كالمساقاة وهذا أقيس القولين، ومن نصر هذا أجاب عما قال المزني بأنه يبطل بجانب رب المال فإن الربح عند الزيادة ولا شيء له من ذلك عن التراجع، وإنما يكون له ما كان من قبل وهو رأس المال، لأن الشرط هو الشركة في الربح لا غير فمتى ذهب الربح ذهبت الشركة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول، الحول، ووجوب الزكاة، والإخراج [١٧٨ ب/ ٤].
وجملته أنه لا يخلوا حال رب المال والعامل من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مسلمين أو نصرانيين أو أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا فإن حال الحول وجبت الزكاة عليه عن الكل فلما حال الحول كذلك فهو بالخيار بين أن يخراج الزكاة من غير هذا المال وبين أن يخرج من غيره، فإن أخرج من غيره بالقراض بحاله، وإن اختار إخراجها من عينه أخرج خمسين درهمًا، ومن أين يحتسب فيه ثلاثة أوجه.
أحدهما: وهو الأصح يحتسب من أصل رأس المال ألفًا إلا خمسين، والثاني: يكون من الربح كالنفقة والمؤنة من أجرة الجمال والبيت والدلال ونحو ذلك، والثالث: يكون مقسومًا على رأس المال والربح لأن الزكاة تجب فيهما فعلى هذا ينفسخ القراض في خمسة وعشرين درهمًا، وهذا أقيس.
وقال بعض أصحابنا بخسران: هذا مبنى على أن الزكاة في العين أو في الذمة فإن قلنا: في العين فهو كسائر المؤن وهذا أصح، لأن الشافعي قال في عبد التجارة: عليه زكاة الفطر وهو من مؤن المال، وإن قلنا في الذمة: كصبي كأنه استرد طائفة من [١٧٩ أ/ ٤] رأس المال فهي من أصل المال، وإذا قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح يكون قدر الزكاة عليه سبعة وثلاثين درهمًا ونصف درهم وحكمها ما ذكرنا، وزكاة الباقي على العامل والكلام فيه في الفصول الثلاثة في الحول والوجوب والإخراج.
أما الحول: فمن حين الظهور نص عليه في "الأم" لأنه على هذا القول يملك الربح بالظهور ومن أصحابنا من قال: أومأ الشافعي على قولين في "الأم" أحدهما: هذا، والثاني: من حين التقويم لإخراج الزكاة منه لأن الربح مظنون وإنما يتحقق ذلك
[ ٣ / ١٦٣ ]
بالتقويم، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثانيًا: أنه يعتبر من حيث المقاسمة لأن ملكه قبل ذلك غير مستقر بل هو متردد بين أن يسلم له أو لا فأشبه مال المكاتب فإذا قلنا: بالأول ينعقد (١) للعامل إذا ظهر أدنى شيء من الربح ولا يعتبر بلوغه نصابًا لأن اعتبار النصاب في زكاة التجارة في آخر الحول، ومن أصحابنا بخسران من ذكر وجهًا رابعًا: أن حوله حول أصل المال لأن الحول حين انعقد على هذا المال انعقد على ما يتولد منه أيضًا فإنه تابع الأصل وهذا غلط فاحش، لأنه إنما يكون حول النماء حول الأصل إذا كان [١٧٩ ب/٤] الأصل ملكًا لمن ملك النماء والعوامل لا تملك شيئًا من الأصل فكيف يكون حول ما ملك من النماء حول الأصل وقيل في نصيب العامل: طرق إحداها: حكم المال المغصوب لأنه غير متمكن من الضبط في المال وإن قلنا: ملك بالظهور، والثانية: يجب في الزكاة قولًا واحدًا لأنه يمكن طلب القسمة، والثالثة: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه وقاية لملك رب المال فملكه ناقص فيه.
وأما الوجوب فإن قلنا: ابتداء الحول من حين الظهور أو من حين التقويم فحال الحول نظر فإن كانت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا وجبت الزكاة وإن كانت حصته لا تبلغ نصابًا وليس له غيرها أو له غيرها ولكن بالإضافة إليها لا تبلغ نصابًا بنيت على الخلطة، فإن قلنا: لا تصح الخلطة في غير الماشية فلا شيء عليه، وإن قلنا: تصح فعليه الزكاة، فإذا قلنا: ابتداء الحول من حين المقاسمة فهذا رجل انفرد بهذا القدر من المال فإن كان نصابًا حين الحول ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه، لأنه لا خلطة له.
وأما الإخراج قال أصحابنا: الزكاة وإن كانت واجبة لا يلزمه إخراجها لأنه يدري هل يسلم له المال أم لا فهو كما لو كان [١٨٠ أ/٤] له دين على مليء يعترف به باطنًا لا ظاهرًا.
وقال صاحب "التقريب": يجب عليه إخراجها لأنه تصل يده إلى هذا المال، فإن المقاسمة إليه متى شاء فهو كالدين على مليء مقر به ظاهرًا وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا زكاة في هذا المال على العامل أصلًا كالمغصوب لأن العامل لا يقدر على التصرف فيه كيف شاء فيبقى على رب المال زكاة ألف وخمسمائة، فإذا قلنا: لا يلزمه الإخراج في الحال فلا شك أنه بالخيار بين أن يخرج أو يؤخر، فإن أخر إلى القسمة أخر زكاة ما مضى إلى هذا الوقت، وإن اختار تقديم الإخراج أو قلنا يلزمه الإخراج في الحال فإن أخرج من غير هذا المال فلا كلام وإن أراد إخراجها من عينه هل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك كما لرب المال لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة وقيل: هذا هو منصوص الشافعي، والثاني: ليس له ذلك لأن حصته هي وفاؤه لأصل
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ١٦٤ ]
المال وأصل هذين الوجهين ينبني على القولين في محلها فإن قلنا: إن الزكاة في الذمة لم يخرج منه، وإن قلنا: في العين تعلق الوجوب هاهنا بالقيمة فكان له أخراجها من القيمة هذا إذا كانا [١٨٠ ب/ ٤] مسلمين فإن كانا نصرانيين فلا زكاة على واحد منهما، وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا نظر فإن كان رب المال هو النصراني، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فلا زكاة في هذا المال أصلًا.
وفرَّع الشافعي على هذا في "الأم" (١) فقال: فإن استرد رب المال رأس المال وبقى الربح بينهما فيكون ألف بين مسلم ونصراني فعلى المسلم زكاة نصبيه، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وحصته من الربح فلا زكاة في هذا القدر وبقى الكلام في حصة العامل فالكلام في الفصول الثلاثة.
أما الحول فابتداؤه على وجهين، ولا يجيء فيه قول التقويم لأن رب المال مشرك لا تقويم له.
وأما الوجوب: فإذا حال الحول فإن بلغت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا فعليه زكاة وإلا فلا زكاة، لأنه لا خلطة لرب المال لكفره.
وأما الإخراج: فلرب المال منعه من إخراجها قولًا واحدًا لأنه دخل على أن رب المال لا تلزمه الزكاة فكيف يخرج العامل الزكاة، وإن كان العامل هو النصراني فهو على القولين، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فهو كما لو كانا مسلمين، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح فالحكم [١٨١ أ/ ٤] في رب المال كما لو كانا مسلمين أيضًا ولا شيء على العامل لأنه نصراني، والمكاتب في كل ما قلناه كالنصراني.
فرع
لو كان القراض فاسدًا واستحق العامل أجره المثل قدر النصاب وقبضه زكاه لما مضى إن حال حول منذ ملكه وقيل فيه وجه آخر: أنه إذا جعل قدره فلا زكاة ويستقبل الحول من يوم علم قدره.
فرع آخر
لو كان مال القراض عبدًا فزكاة الفطر على من تكون؟ المنصوص أنها على رب المال، قال أصحابنا: هذا على القول الذي نقول: زكاة المال كلها على رب المال، فأما على القول الآخر: يلزم ها هنا على العامل زكاة الفطر في نصيبه من الربح ثم فيه وجهان أحدهما: يكون من رأس المال، والثاني: أنها تكون من الربح.