قال: أخُبَرنَا سُفْيَانُ عن الزهري وذَكَرَ الْخَبر. ثُم قَالَ: "فإذا قَامَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاَةِ مِنْ نَوٍْم أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضَّيءٍ فَأٌحبّ أَنْ يُسَمَّيَ [٥٢ أ/ ١] الله".
وهذا كما قال. القصد بيان أفعال الوضوء والسنة والطريقة في الحقيقة، فكأنه عبر عن كيفية الوضوء سنته، والخبر ورد على عادة العرب أنهم كانوا يستنجون بالأحجار لعزة الماء، ثم ينام أحدهم في إزار فيعرق فتصيب يده موضع الاستنجاء ربما، فقال النبي ﷺ: إذا استيقظ أحدكم من نومه فال يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن لا يدري أين باتت يده".
وجملته أن الوضوء يشتمل على ثلاثة أفعال: واجبات، ومسنونات، وهيئات فالواجبات: ما كان شرطًا لا يتم الضوء إلا به. والمسنونات: هو ما كان راتبًا في الوضوء وليس بشرط. والهيات: ما هو دون ذلك.
فأول الأفعال التسمية في ابتدائه، وهو أن يقول: بسم الله. وهي مستحبة غير واجبة، فإن سها عنها سماها متى ذكرها قبل أن يكمل الوضوء، نص عليه في "الأم". وإن ذكرها بعد إتمام الوضوء فقد فات محلها فلا نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان في أفعالها الراتبة، والهيئة ما تهيأ بها لعقل العبادة. وهكذا يقول في غسل اليد من قبل الوجه، وهذه ممانعة في العبادة مع تسليم المعنى. وقال إسحاق وأحمد في رواية: التسمية واجبة، فإن تركها عمدًا بطل وضوءه. واحتج بقوله [٥٢ أ/ ١] ﷺ: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". وهذا غلط لقوله تعالى:"إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ" [المائدة:٦] الآية، ولم يذكر التسمية.
[ ١ / ٨١ ]
وروى ابن عمر - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان
طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوءه". ومعنى هذا الطهارة من الذنوب؛ لأن رفع الحدث لا يتبعض، فدل أن التسمية موضوع الفضيلة، ولأنها عبادة لا يشترط الذكر في أثنائها فلا يشترط في أولها كالصوم. وأما خبرهم فنحمله على نفي الفضيلة والكمال، أو أراد بالذكر النية؛ لأن محل الذكر القلب، وحكي عن داود أنه قال: هي واجبة ولا يجوز وضوءه وإن تركها ناسيًا، وهو غلط أيضًا لما ذكرنا.
مسألة: قال:" ثُمَّ يُفْرغٌ مِن إِنَائِهِ على يَدَيْهِ وَيَغْسِلهُمَا ثَلاَثًا".
وهذا كما قال إذا سمى الله تعالى يستحب له أن يغسل يديه ثلاثًا؛ لأن عثمان وعليًا وعبد الله بن زيد - ﵃ - وصفوا وضوء رسول الله ﷺ، فكلهم غسل كفيه ثلاثًا، وهذا ليس بواجب، سواء قام من النوم أو لم يقم.
وقيل: يستحب أن يقول إذا قام من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". لأن النبي ﷺ كان يقول ذلك.
وقال [٥٣ أ/ ١] الحسن البصري: هو واجب لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها أراق الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه أمر به لأجل النجاسة، فصار حكمًا بحصول النجاسة.
وقال داود: هو واجب تعبدًا، فإن لم يفعل وأخل يده في الإناء صار الماء مهجورًا ولا ينجس؛ لأن الماء عنده لا ينجس ما لم يتغير. وحكي أصحاب داود عنه أنه قال: إن من قام الليل لا يجوز له غسل اليد في الإناء حتى يغسلها، ولا أقول إن غسل اليد واجب؛ لأنه لو صب الماء في يده وتوضأ به ولم يغسل يده جاز، فإن غمس يده في الماء لا يغسل الماء.
وقال أحمد في رواية: إن قام من نوم الليل وجب عليه أن يغسل يديه ثلاثًا، فإن
غمسها في الإناء قبل ذلك أراق الماء، وإن قام من نوم النهار أو لم يقم من النوم لا يجب، واحتج بقوله ﷺ "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والبيوتة بالليل دون النهار، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الآية، ولم يذكر غسل الكفين ثلاثًا.
وقال زيد بن أسلم: معناه: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، ولأن غسل اليد إن كان لخوف النجاسة فبالشك لا تجب؛ لأن الأصل الطهارة وإن كان للتعبد فقد وجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، فلا يجب تكراره كغسل سائر الأعضاء، والخبر هو محمول على الاستحباب بدليل أنه قال: "فإن لا يدري أين [ب ٥٣/ ١] باتت يده"، وهذا أمر موهوم فكان الاحتياط.
[ ١ / ٨٢ ]
إذا تقرر هذا، فإن لم يكن قام من النوم وتيقن طهارة اليدين فله أن يغسلهما في الإناء، وإن قام من النوم أو كان شاكًا في طهارته فالمستحب أن يفرغ من الإناء على يديه، ولا يدخلهما في الإناء خوفًا من النجاسة، وإن لم يكن مستنجيًا بالأحجار، فلا يخلو البدن من نثره، فربما يحكها ويسيل منها شيء ينجس يده، فإن غمسها في الإناء لا ينجس الماء؛ لأن الأصل الطهارة. وإن تيقن نجاسة اليد فغمسها في الإناء، فإن كان أقل من قلتين تنجس، وإن كان قلتين لا ينجس ما لم يتغير. وقال في "الحاوي": هكذا ذكره الشيخ أبو حامد، والصحيح من المذهب وبه قال جماعة أصحابنا: أن القائم من النوم وغيره سواء في هذا، فلا يغمسان إلا بعد غسلهما، لأنهما لما استويا في سنة الغسل، وإن ورد النص في القائم من النوم استويا في تقديم الغسل على الغمس، وهذا لأن حكم السنة يثبت مع زوال السبب كما يثبت سنة الرمل في الطواف مع زوال السبب وهو مراءاة المشركين، وهذا غريب ثم إن كان يتوضأ من إناء فإن كان نقلته على يده تركه على يساره وقلبه عن يمينه، وإن كان يعرف منه وغرف الماء بيمينه لأنه أمكن. واعلم بأن أبا هريرة - ﵁ - لما روى هذا الخبر قال له أعرابي من أشجع من أصحاب عبد الله بن مسعود - ﵃ - إذا جئنا مهراسكم كيف نصنع؟ فقال: أعوذ [٥٤ أ/ ١] بالله من شرَّك. والمهراس حجر كانوا يتوضؤون منه بالمدينة لا يمكن أن يقع على اليد إلا بإدخال اليد، وكانت الصحابة يتوضؤون منه. قال أصحابنا في مثل هذا الموضع: يرفع الماء بفيه ويغسل يديه، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه النظيف ويغسل يديه بما ينال منه أو يستعين بغيره.
مسألة: قال: "ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنَى في الإِنَاءِ فَيَغْرِفُ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ".
وهذا كما قال: استجب الشافعي إدخال يده اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن في كل شيء، ثم قال: فَيَغْرٍفُ غَرْفَةً" وهي بفتح الغين مصدر غرف يغرف، وبضم الغين اسم للماء الذي يكون في كفه.
والكلام الآن في فصلين أحدهما: في حكمهما. فأما حكمهما يفيد أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء وغسل الجنابة. وبقه قال مالك، وربيعة، والزهري، والأوزاعي. وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد في رواية: هما واجبتان. وقال أبو ثور، وداود، وأحمد في رواية: الاستنشاق فيهما دون المضمضة. وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبتان في الجنابة دون الوضوء. واحتجوا بما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: "المضمضمة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة". واحتج أبو ثور بأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". وهذا غلط
[ ١ / ٨٣ ]
لقوله ﷺ: "عشر من الفطرة"، وعد منها المضمضة والاستنشاق. وقال [ب ٥٤/ ١] ﷺ لأم سلمة - ﵂: "يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" وبإفاضة الماء على رأسها لا تحصل المضمضة والاستنشاق.
وروى ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس".
وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أمرت بالوضوء فوضأني جبريل ﷺ فرض الوضوء، وسننت أنا فيه الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق، وغسل الأذنين، وتخليل
اللحية، ومسح القفا" وهو إسباغ الوضوء.
وأما خبره الأول قال الدارقطني - ﵀ -: وهم فيه من وصله وهو مرسل يرويه سليمان بن موسى، عن النبي ﷺ، ثم هو محمول على تأكيد استجابة.
وأما الخبر الثاني: فرواه بركة الحلبي وهو كذاب ومتروك. والظاهر لأنها لا تجب ثلاثًا أن الفرض محمول على التقدير.
وأما الخبر الآخر: فمحمول على الاستحباب.
وأما كيفيتها: فالكلام فيهما على فصلين: أحدهما في الجائز والثاني: في الأفضل.
فأما الجائز: فهو أن يوصل الماء إلى الفم والأنف ثلاثًا بغرفة أو غرفتين، أو أكثر.
فأما الأفضل: ظاهر ما نقل هاهنا وهو المنصوص في "الأم" أنه، يجمع بينهما بغرفة واحدة. وقال في "البويطي": "ومن تمضمض واستنشق من غرفة واحدة أجزأه، وتفرقهما أحب إلى" فالمسألة على قولين:
أحدهما: الجمع بينهما أفضل، ووجهه ما روي [٥٥ أ/ ١] عبد خير، عن علي - ﵁- أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ وتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ولأنه أقل لإضاعة الماء وأبعد عن الإسراف، وقد قال ﷺ: "إن في الوضوء سرفًا ولو كنت على شاطئ".
والثاني: تفريقهما أفضل وهو الأصح، ووجه ما روى عن عثمان - ﵁ - أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ هكذا هو، وروى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره،
[ ١ / ٨٤ ]
فرأيته يفصل
بين المضمضة والاستنشاق. ولأن الفصل بينهما أشبه بأعمال الوضوء في سائر الأعضاء، وأقرب إلى النظافة وأمكن، ويحمل رواية علي - ﵁ - على الجواز. فإذا قلنا بالأول، قال القفال وساعده بعض أصحابنا: الجمع أن يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا بالبقية، قال: وهو ظاهر كلام الشافعي.
وقال أبو حامد، وهو اختيار أبي يعقوب الأبيوردي: الجمع أن يغرف ثلاثا غرفات يجمع بكل واحدة بين المضمضة والاستنشاق ويقدم المضمضة، وهذا أصح، [٥٥ ب/ ١] لأنه أمكن. وقيل: الجمع أن يأتي بهما في حالة واحدة ولا يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا ضعيف.
وإذا قلنا بالقول الثاني، قال أبو حامد: التفريق أن يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يغرف غرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا. وقال القاضي أبو حامد: يغرف ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، والأول هو ظاهر كلام الشافعي. وقيل. الاستنشاق على هذا القول وليس بشيء.
فرع
المستحب في المضمضة أن يأخذ الماء بفيه ويديره في فيه ثم يمجه، وفي الاستنشاق أن يأخذ بأنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم ينثره، لما روى عمرو بن عبسة، أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد يغرف وضوءه ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وأنفه وخياشيمه مع الماء".
قال الشافعي: "وَيُبْلِغُ خَيَاشِيمَهُ الْمَاءَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا".
وأراد بالخياشيم أصول الأنف وهي العظام التي في الأنف، ويبلغ الماء إليه أو إلى ما دونه ويسمي إلا في حالة الصوم، فإنه يرفق فيها ولا يبالغ لئلا يسبق الماء إلى دماغه فيوجب الفطر؛ لما روي أن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا".
فرع
قال الشافعي في "الأم": استحب إدخال الماء في العينين ولا أبلغ به تأكيد [٥٦ أ/ ١] المضمضة والاستنشاق. قال أصحابنا: هو من هيئات الوضوء؛ لأنه روي عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يفعله، وهو دون المضمضة والاستنشاق. لأنه
[ ١ / ٨٥ ]
روي ذلك عن رسول الله ﷺ، ولم يرو عنه إدخال الماء في العينين؛ لأن الفم والأنف يتغيران فيزيل الماء تغيرهما، والعين لا تتغير، وظاهر النص أنه يستحب ولكنه دون استحباب المضمضة، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ولا يغسله، لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ قولًا ولا فعلًا وهو يؤدي إلى الضرر، وهذا هو اختيار أكثر أصحابنا.
وقال صاحب "الحاوي": "لا يجب ولا يبين". وهل يستحب؟ قال أبو حامد: يستحب للنص في "الأم". وقال غيره: لا يستحب وهذا أصح؛ لأنه ما لا يبين لا يستحب، وفعل ابن عمر لا يدل عليه إذ لم يفعله ﵁.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْرِفُ المَاءَ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاَثًا".
الفصل
وهذا كما قال. الماء بيديه لأنه ربما يتعذر غسل الوجه كله بغرفة ويغترفها بيد واحدة، وليس شرط؛ لأنه إن أمكن ذلك جاز. وغسل الوجه هو أول أركان الطهارة من الأفعال، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وحد الوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن وهو مجمع اللحيين طولًا، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضًا. والاعتبار في منبت شعر الرأس بغالب خلقة الإنسان، ولابد على الأقرع - وهو الذي نزل شعر رأسه إلى [٥٦ ب/ ١] جبهته - ولا أصلع - وهو الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - ولا يجوز للأقرع الاقتصار على ما دون منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين ومنتهى اللحيين والذقن، وفميا نقل المزني خلل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه قال: من منابت شعر رأسه، والشافعي قال: من دون منابت.
والثاني: قال: إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، وأراد بالإقبال ما لم يتعطف من ظاهر لحيته وذقنه لحد الوجه بالوجه، والشيء لا يحد بنفسه.
والثالث: أنه قال: ومنتهى اللحية، وهذا يفيد أنه يغسل إلى منتهاها، ومنتهاها الحلق
ولا يجب ذلك.
فإذا تقرر هذا فالجبهة موضع السجود، والجبينان هما العظمتان الناتئان في جانبي الجبهة وهما من الوجه. والصدغان هو الشعر المحازي لرأس الأذن، وما نزل منه إلى ابتداء العذار وهما من الرأس.
وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه: أحدها وهو قياس قول ابن سريج: هما من الوجه بحصول المواجهة بهما.
والثاني وهو قياس أبي إسحاق: هما من الرأس لاتصال شعرهما بشعر الرأس.
[ ١ / ٨٦ ]
والثالث: وهو قول الجمهور: ما استعلى من الصدغين عن الأذنين من الرأس، وما انحدر عن الأذنين من الوجه؛ لأن الوجه محدود بالأذنين، وهذا أصح عندي.
وقال في "البويطي": لو كان أمرد غسل صدغيه، وإن كان ملتحيًا أمر الماء على الصدغ إلى الأذن.
قال [٥٧ أ/ ١] أصحابنا: أراد بالصدغ ها هنا العذار، وهو الخط الممتد من الصدغ على العظم الذي يحاذي وتد الأذن بينه وبين وتد الأذن بياض، فيلزمه إفاضة الماء على العذارين وغسل ما تحتهما، وكذلك على الذقن، وعلى العنفقة وهو الشعر الذي على الشفة لاستواء المقفلة والمنشلة". فالمقفلة هي العنفقة، والمنشلة ما تحت الخاتم، والنوعيان ويستحب غسلهما مع الوجه لأنهما في سمت الناصية، والناصية من الرأس. وتسمى أيضًا الحالجة، يقال: رجل أحلج على هذا المعنى، وأما موضع التحذيف وهو الشعر النابت في أعالي الجبهة، وهو ما بين سبيط الرأس ومنحدر الوجه يؤخذ بالحفاف والتحذيف. وقد يعبر عنه بأنه الشعر الداخل إلى الجبينين من جانبي الوجه ما بين العذار والنزعة وفيه وجهان. قال أبو إسحاق: من الرأس؛ لأنه يتصل نباته بشعر الرأس، والله تعالى فرق بين الرأس والوجه بنبات الشعر. ومن قال بهذا قال: حد الوجه من منابت شعر الرأس ليخرج منه موضع التحذيف.
وقال ابن سريج، وابن أبي هريرة: هو من الوجه لحصول المواجهة به في منحدر
الوجه، وأن العادة فيه التحذيف، وقد جعله الناس بالعرف وجهًا وأنه شعر من بياض الوجه [٥٧ ب/ ١] كالحاجب.
ومن قال: هذا حد الوجه، يقال: من قصاص الشعر إلى الذقن ليدخل فيه موضع الحذيف، وهذا اختيار صاحب: "الحاوي"، والمشهور عند عامة أصحابنا الوجه الأول، والاعتبار في التسمية بأهل اللغة، وأهل اللغة لم يجعلوه من الوجه.
وقال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي في "الإملاء" إنه من الرأس، وحكاه الإمام القاضي طاهر الطبري - ﵀ - وحكى عن مالك أنه قال: لا يجب غسل العذار ولا البياض الذي بين الأذن والوجه، وهذا غلط؛ لأنه ينطلق عليه اسم الوجه. وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد غسله دون اللحى؛ لأن الشعر حصل حائلًا بينه وبين الوجه، وهذا غلط؛ لأن أحدًا من أهل اللغة لم يذكره مع الوجه في حده ولا تقع المواجهة به، ولأن النبي ﷺ مسح أذنيه ولم يغسلها مع الوجه، واحتج الزهري بقوله ﷺ: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إليه كما أضاف
[ ١ / ٨٧ ]
البصر. قلنا: عبر بالوجه عن الجملة لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، أو ذكره مجازًا على معنى أنه يجاوره، والعرب تسمي النتوء باسم ما جاوره مجازًا.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: [٥٨ أ/ ١] لو نبت الشعر على جبهته غسل من منجرف الرأس، ولو نبت على بعض جبهته دون بعض كالأغم ففيه وجهان: أحدهما: يغسل من المنبت وهو الأصح. والثاني: من منحرف الرأس، وهذا لا يصح عندي، والمذهب في حد ما يجب غسله ما ذكرنا في كل حال.
فرع آخر
روي عن ابن عمر - ﵁ - أنه كان لا يسن الماء على وجهه ولا يشنه. والسن بغير إعجام هو صب الماء. والشن بالإعجام هو تفريق الماء قال أصحابنا: يستحب أن لا يفعل ذلك.
مسألة: قال: "فَإِنْ كَانَ أَمْرَدَ غَسْلَ بَشَرَةِ وَجْهِهِ كُلُّهَا".
وهذا كما قال. ذكر الشافعي في "الأم" أربع مسائل نقل المزني الأولى والرابعة، وترك الثانية والثالثة.
فالأولى: إذا لم يكن على وجهه شعر، بأن يكون أمرد أو أثط يلزمه غسل بشرة وجهه كلها، والغسل هو إمرار الماء على المحل المغسول زائدًا على إمرار البلل فإن ذلك مسح.
والثانية: أن يكون له لحية حقيقة لا تستر ما تحتها من البشرة يغسلها وما تحتها.
والثالثة: أن يكون بعضها كثيفًا وبعضها خفيفًا، والكثيف هو الذي لا يمكن رؤية البشرة تحتها. وقيل: الكثيف وغسل ما تحت الخفيف وتخليله، ويستحب تخليل الكثيف أيضًا.
والرابعة: وهي التي نقلها المزني مع الأولى، وهي أن تكون اللحية كلها كثيفة يجب إفاضة الماء على ما قابل حد [٥٨ ب/ ١] الوجه قولًا واحدًا.
ويستحب تخليل اللحية ولا يجب لما روى أنس - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد خلل لحيتك بالماء عند الطهور" وروي: "خلل لحيتك إذا توضأت للصلاة".
وقال المزني، وأبو حامد، وابن جريج: يجب إيصال الماء إلى ما تحت بشرته كما
[ ١ / ٨٨ ]
في الجنابة وكما في شعر الحاجبين، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس - ﵁ "أن النبي ﷺ توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه".
وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، فإنه كان كثير اللحية.
قال على بن أبي طالب - ﵁ - في وصفه: "كان عظيم الهامة عظيم اللحية" ويفارق الجنابة لأنها لا تتعلق بجميع البدن، ولا يتكرر فلا يشق إيصال الماء إلى ما تحته بخلاف هذا، وأما شعر الحاجبين، فإنه لا يكثر غالبًا. وقال أبو حنيفة في الشعر المحاذي لمحل الغرض يجب مسحه. وفي رواية أخرى: يجب مسح ربعه، وبه قال أبو يوسف في
رواية: وروي عن أبي يوسف: يسقط عن البشرة ولا يتعلق بالشعر، وهذه رواية شاذة عن أبي حنيفة أيضًا. احتج أبو حنيفة بأن الغرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا كما في الرأس، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] واللحية من الوجه، بدليل أن النبي ﷺ رأى رجلًا غطى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه".
[٥٩ أ/ ١] ويفارق شعر الرأس، لأن فرض البشرة تحت المسح، فانتقل إلى الشعر على صفته، فينبغي أن ينتقل من البشرة في الوجه إلى الشعر على صفته. وقد روي أن النبي ﷺ "كان يخلل لحيته ويدلك عارضه بعد الدلك". وقال أنس: كان النبي ﷺ إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي".
وقال إسحاق: لو تركه عامدًا أعاد الصلاة. وحكي ذلك عن أبي ثور. وقال أصحابنا: يستحب له أن يمسح مآقيه بسبابتيه؛ لأنه قد يجتمع فيمها كحل أو رمض فيزول بذلك ويصل الماء إليهما، لما روى أبو أمامة "أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ومسح مرة واحدة، وكان يمسح المآفين".
فرع
لو أفاض الماء على شعر لحيته ثم حلقه أو نتفه لا يبطل وضوءه. وقال ابن جرير: يبطل، كما لو نزع الخفين بعد المسح، وهذا غلط؛ لأن الشعر من جملة الخلقة، فزواله لا يوجب غسل ما تحت الجلد، ويفارق الخف لأنه كان بدلًا ولم يكن أصلًا، فبطل حكم المسح عليه بظهور الأصل.
[ ١ / ٨٩ ]
فرع آخر
ذكر الشافعي الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها في الوجه، وهي خمسة: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العينين؛ لأن الشعر فيهما خفيف لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحتها، وفي الشارب أمر الشرع بتخفيفه. قال القفال في
العنفقة: إن كانت [٥٩ ب/ ١] منفصلة عن اللحية فهي كالحاجب والشارب، وإن كانت متصلة بها كثيفة ففيه وجهان؛ أصحهما أن حكمها حكم اللحية الكثيفة يغسل ظاهرها. والثاني: يلزمه غسل ما تحتها. قال: وبناء الوجهين على اختلاف المعنى في الحاجب والشارب.
فإن قلنا: العلة هناك أن المغسول من الوجه محيط به، وإليه أشار في "الأم" لا يوجد هاهنا. وإن قلنا: العلة هناك أن الغالب أنه لا يكثر يوجد هاهنا، وما تقدم أصح.
فرع
قال في "حرملة": لو نبتت للمرأة لحية وجب عليها إيصال الماء إلى البشرة التي تحتها وإن كانت كثيفة؛ لأنها نادرة فأشبه شعر الذراعين إذا كان كثيفًا.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ اليُمْنَى إلى المِرْفَقِ".
وهذا كما قال. أراد بالذراع اليد من رؤوس الأصابع إلى المرفق، وهو مفصل الساعد والعضد، وغسل اليدين فرض على هذا الوجه، ويدخل المرفقين في فرض الغسل، ويستحب أن يزيد حتى يغسل العضد. وقال زفر، وأبو بكر بن داود: لا يجب غسل المرفقين؛ لأن الحد لا يدخل في المحدود، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا غلط؛ لأن اسم اليد إذا أطلق يقتضي اليد إلى الإبط؛ لأن الله تعالى لما أطلق اليد في التيمم مسحت الصحابة أيديهم إلى الإباط لكن الله تعالى استثنى ما عدا المرفقين: " إلَى المَرَافِقِ " [المائدة:٦] أي مع المرافق، كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله [١٦٠ أ/ ١]، وقوله تعالى: ﴿ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢]، أي: مع أموالكم. وقوله تعالى: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، أي: مع قوتكم. وحكي أبو إسحاق المروزي عن المبرد أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كما قال: يغسل هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.
وقد روى جابر - ﵁ - أن النبي صلى الله كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وهذا من فعله خرج مخرج البيان لمجمل الأمر.
وإذا بدأ باليمنى وقدمها على اليسرى استحبابًا؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا توضأتم
[ ١ / ٩٠ ]
فابدءوا بميامنكم".
وقوله: "ثلاثًا ثلاثًا" يرجع إلى اليدين لا إلى المرفقين خاصة. وفي المرفق لغتان؛ مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، ومرفق بفتح الميم وكسر الفاء.
مسألة: قال: فإن كَانَ أقْطَعَ الْيَدَيْنِ غسل مَا بَقِيَ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيِنِ".
وهذا كما قال. به ذكرنا الواجب إذا كان سليم اليدين، وأما الأقطع ففيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون أقطع اليدين من الكوعين، وهو المراد بع غسل ما بقي، وقد يعبر عن الكفين باليدين. قال الله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وأراد الكشف إلى الكوع، وكذلك لذا كان أقطع من نصف الذراع غسل ما بقي.
والثانية: أن يكون أقطع اليدين من فوق المرفقين، فلا فرض عليه، ويستحب أن يغسل ما بقي من العضد إلى المنكب لأنه موضع التحجيل وإسباغ [٦٠ ب/ ١] الوضوء، وظاهر من ذكرها هنا أنه استحبه الأقطع خاصة، وأصحابنا قالوا: يستحب للصحيح أيضًا، لأنه من جملة إسباغ الوضوء وقد روي أن أبا هريرة - ﵁ - كان يغسل العضدين مع الذراعين والساقين مع القدمين، ويقول: أحب أن أطيل غرتي.
وروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه استحب غسله. وأنكر ابن داود على الشافعي هذا الاستحباب وهو غلط؛ لما ذكرنا.
وقيل: تطويل الغرة هو أن يغسل بعض مقدمة الرأس مع الوجه، وتطويل التحجيل هو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم.
والثالثة: أن يكون أقطع اليدين مع المرفقين. فقال المزني: إنه لا فرض عليه. فمن أصحابنا من قال: غلط المزني في النقل. وقد قال الشافعي في رواية الربيع: "وإن كان أقطع اليدين من فوق المرفقين فلا فرض عليه". وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: معنى رواية المزني من المرفقين أي مع المرفقين فهي موافقة
لرواية الربيع. وقال الإمام أبو محمد الجويني - ﵀ -: قد وجدت هذه اللفظة للشافعي في "القديم" فلا يجوز تغليط المزني.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بتاء على القولين في مائية المرفقين.
أحدهما: أن المرفق هو طرف عظم الزند الذي على طرف عظم الذراع، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط الغرض، وهو رواية المزني.
[٦١ أ/ ١] والثاني: المرفق اسم لمجموع طرفي العظمين، فعلى هذا قد بقي أحد الطرفين فيلزمه غسله، وهي بداية الربيع.
[ ١ / ٩١ ]
ومنهم من قال: المرفق هو مجموع طرفي العظمين قولًا واحدًا، والقولان في أن المرفق هل يجب غسله تبعًا للذراعين، أو قصد أحدهما يجب غسله تبعًا للذراع ليقع به استيعاب غسل الذراع، وهذا كغسل الوجه لا يمكن إلا بغسل شيء من الرأس، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط فرض الغسل ليسقط المتبوع. والثاني: يلزمه غسل المرفق قصدًا كالذراع، فعلى هذا لا يسقط غسل ذلك.
فرع
قال في "البويطي": لو توضأ ثم قطعت يده لم يجب غسل ما ظهر غسله، فإن أحث بعد ذلك وجب غسل ما ظهر من يده بالقطع؛ لأنه صار ظاهرًا وكذلك إذا توضأ ثم قلم أظفاره لم يجب عليه غسل الموضع الذي قلمه، ولو كان مثقوب الكف يرى الضوء من الجانب الآخر يلزمه إيصال الماء إليه. ولو كان إصبع زائدة يلزمه غسلها في الوضوء.
فرع
لو خلق له كفان في ذراع يلزمه غسلهما في الوضوء وتقطع في السرقة إحداهما؛ لأن الطهارة مبنية على الاحتياط والحد يسقط بالشبهات، ولو خرجت في وجهه أو ذراعه سلعة فإنه يلزمه غسلها.
فرع آخر
لو خلق [٦١ ب/ ١] له يدان ينظر، إن كانت في الطول سواء غسلهما، وإن كانت
إحداهما ناقصة غسل الكاملة إلى المرفقين، ثم ينظر في الناقصة، فإن كانت على محل الفرض كالكوع والساعد فإنه يلزم غسل كلها، وإن كانت على غير محل الفرض، مثل أن خُلعت على العضد والمنكب نُظر، فإن قصرت عن مجاراة الفرض فلا فرض عليه، وإن حاذى شيء منها محل الفرض فعليه غسل ما حاذى محل الفرض منها؛ لأنها قد تحاذي محل الفرض. وهذا اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض، واسم اليد يقع على ما لو كانت قصيرة ولم تبلغ محل الفرض ولا يجب غسلها وهذا هو أقرب عندي.
فرع آخر
لو سقطت جلدة من ذراعه وتدلت يلزمه غسلها، وإن سقطت من ذراعه والتحمت بذراعه يلزمه غسلها أيضًا وإن كان بعضها يلزمه إدخال الماء تحتها لأن سقطت من عضه والتحمت بذراعه يلزمه غسل ما التحم بذراعه دون ما على عضده، ولا يجب غسل ما تحتها وتكشيطها بلا إشكال. وإن نابت من الذراع لم يجب غسلها وإن سقطت من الذراع وانعطفت على العضد والتحمت، ولم تبن من الذراع، فإنه يلزم غسلها، وما كان على محل الفرض من الذراع ولا يجب غسل ما جاوزه؛ لأنه لما التحمت بالعضد
[ ١ / ٩٢ ]
صار حكمها حكمه. وإن كانت يد نابت لا يجب غسلها. وإن قطع من الذراع جلدة بالقطع [٦٢ أ/ ١] إلى العضد فتركها متدلية لم يجب غسلها؛ لأنها من العضد فإن قطعت من العضد إلى الذراع وتركها متدلية من الذراع وجب غسلها جميعًا، والفرق بينه وبين اليد حيث قلنا: إذا حاذى محل الفرض غسله بخلاف هذا؛ لأن اسم اليد يطلق عليه بخلاف هذا.
فرع آخر
إذا لم يجد الأقطع من يوضئه إلَّا بإجرة مثله فإنه يلزمه أن يتأجر كما يلزمه شراء الماء فإن لم يجد من لم يجد مًاء ولا ترابًا. ذكره القاضي أبو حامد.
فرع آخر
إذا طالبت أظافره حتى خرجت عن حد يده، فهل يجب غسل ما خرج عن محل الفرض؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة ومن أصحابنا من قال: يجب غسلها قولًا واحدًا وهو الصحيح؛ لأنه نادر لا يشق غسلها.
مسألة: قال: "ثْمَّ يَمْسَحُ رأُسَهُ ثَلاَثًا".
الفصل
وهذا كما قال: مسح الرأس هو الثالث من أعمال فرائض الوضوء واختلف العلماء في قدر الواجب منه، فعندنا الواجب هو ما يقع عليه اسم المسح ولا يتقدر بشيء. وبه قال عبد الله بن عمر - ﵁ - وهو قول الأوزاعي، والثوري، وداود. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها الربع. والثانية قدر الناصية. والثالثة قد ثلاث أصابع، وقيل [٦٢ ب/ ١]: كل هذا يرجع إلى الربع، وعليه يقولون. وحكي عن أبي يوسف نصف الرأس. وقال مالك: يجب مسح جميع الرأس، فإن ترك أكثر من ثلاث شعرات عامدًا لا يجوز، فإن وقال غيره من أصحابه: إن ترك شيئًا بغير قصد جاز. وقال المزني: يجب مسح كله من غير تفصيل، وبه قال أحمد في رواية، وعنه رواية أخرى يجب مسح أكثره.
فإن ترك الثلث فما دونه أجزأه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذا يقتضي مسح جميعه وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والياء للتبعيض فيما يستقل الكلام بدونه، كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم أو بالمنديل، ويراد به البعض، وروي أن النبي ﷺ مسح بناصيته، وعلى عمامته، والناصية دون الربع، فإنها ما بين النزعتين. واحتجوا بأنه عضو يجب استيعابه كالوجه في التيمم قلنا:
[ ١ / ٩٣ ]
الفرق أن التيمم بدل من الغسل في محل الغسل، فحذى به حذوه، وهذا ليس ببدل شيء يجب تقديره به، فجاز فيه ما يقع عليه الاسم.
وأما المسنون فهو أن يستوعب جميع الرأس بالمسح بلا خلاف.
وكيفيته أن يأخذ الماء بيديه ويرسلها لينزل الماء عنها، ثم يضع يديه على مقدم رأسه ويضع طرف سبابته على طرف [١٦٣ أ/ ١] سبابته الأخرى، ويجعل إبهاميه على الصدغين، ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه؛ لأن بعض شعر الرأس مقبل وبعضه مدبر على القفا، فإذا اذهب بهما إلى قفاه مسح الوجه الأعلى من الشعور على القفا دون الباطن منه، فإذا ردهما إلى المكان الذي بدأت انقلبت الشعور ظهرًا لبطن، وحصل به مسح الكل، وإذا فعل هكذا حصلت مسحة واحدة. ولو بدأ بالمسح من جانب آخر جاز،
وهذا لما روى عبد الله بن زيد الأنصاري في وصف رسول الله ﷺ فقال: "مسج رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى فقاه ثم درهما إلى المكان الذي بدأ منه".
وقد قال الشافعي: "فَيَمْسَحَ جَمِيعَ رَاسِهِ وَصَدْغَيْهِ". فمن قال من أصحابنا: إن الصدغان من الرأس، قال: إنما أمر به لاستيعاب مسح كل الرأس.
ومن قال هما من الوجه، قال: أمر بمسحهما وإن لم يكونا منه ليصير بالمجاوزة إليهما مستوفيًا لجميع الرأس.
وقال بعض أصحابنا: قوله: "وصَدْغَيْهِ" فهو من المشكلات؛ لأن الصدغين من حد الوجه يجب غسلهما من الوجه وأدخلهما هنا في مسح الرأس، وهذا الإشكال قد ارتفع بما ذكرنا. وقال القفال: هذا الذي ذكره الشافعي هو إذا كان في شعره أدنى طول، فأما المحلوق أو صاحب الذؤابة [٦٣ ب/ ١] فلا فائدة في رد اليد إلى الوضع الذي بدأ منه، ولو رد لا يحصل به مسحة ثانية، بل يحتاج الثانية إلى ماء جديد فلا يحصل بهذا الرد تعميم ولا تثليث والمستحب أن يكرر هذا. قلنا: كل مرة بماء جديد وبه قال أنس - ﵁ - والأوزعي، والثوري. وقال أبو حنيفة: يمسح مرة واحدة ولا سنة في الزيادة. وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور. وربما يقوله إنه بدعة. وقال ابن سيرين: يمسح مرتين. وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ توضأ وغسل أعضاءه ثلاثًا ومسح برأسه ثلاثًا" وعن عثمان، وعلي - ﵄ - وروايتنا أولى لأنها زائدة.
وقال بعض أصحابنا: في الرأس فرض وسنتان وهيئة، فالفرض ما ذكرنا، والسنتان
[ ١ / ٩٤ ]
هما الاستيعاب والتكرار، والهيئة هي أن يبدأ بمقدم الرأس ويجعل إبهاميه على صدغيه، ويلصق رأس إحدى سبابتيه بالأخرى ثم يقبل يديه على ما ذكرنا.
فرع
لو غسل رأسه بدل المسح جاز وقام ذلك الغسل مقام المسح؛ لأنه مسح وزيادة،
وقيل: فيه وجهان وليس بشيء.
فرع آخر
لو مسح أقل من ثلاث شعرات يجوز؛ لأنه أقل ما يقع عليه الاسم. وقال ابن أبي أحمد: لا يجوز أقل من ثلاث شعرات كما في الحلق والحج، وهذا غير صحيح.
فرع آخر
لو مسح شعرة واحدة، فالمعروف عندنا أنه إن وقع عليه الاسم جاز. وقال في "الحاوي" فيه وجهان: أحدهما: [١٦٢ أ/ ١] يجوز وبه قال سفيان. والثاني قاله البصريون من أصحابنا: لا يجوز لتعذر ذلك في الإمكان إلا بمشقة. قال صاحب "الحاوي": والذي هو أولى بالحق عندي أنه لا يتقدر أقله إلا بثلاث شعرات ولا بما دونها، وأنه يعتبر مسح أقله بأن يمسح أقل شيء من أصبعه على أقل شيء من رأسه، فيكون هو الأقل الذي يجوز دونه، لأنه أقل من يقتصر عليه في العرف وما دونه خارج عن الرأس ولم يمسح، فإن وضع ورفع، أو قطر على رأسه قطرة من الماء ووقفت في المحل ولم تسل ولم تنشتر، قال أهل العراق: يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو الأقيس. والثاني: لا يجوز وهو اختيار القفال؛ لأن هذا يسمى مسًا لا مسحًا. وعلى هذا قال: إذا مسحت المرأة فوق خمارها فنشف البلل إلى رأسها أو شعرها، الذي تحت الخمار، فإن لم تحرك خمارها حتى ينتقل البلل من موضع آخر لا يجوز. ولو أمرت الخمار المبلول على الرأس جاز ولو أمرت اليد على الوقاية لم يجز، لأن المسح لم يحصل.
فرع آخر
لو كان أصلع أو محلوق الرأس مسح أي موضع شاء من بشرة رأسه. وإن كان على رأسه شعر مسح أي موضع شاء من شعره. فإن أوصل الماء إلى بشرة رأسه، ولم يمسح على شعره لم يجز؛ لأن الفرض انتقل إلى الشعر الساتر؛ لأن الرأس هو اسم لما ترأس وعلا، وهكذا ذكره جمهور أصحابنا، وهو اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: إنما يتصور هذا أن يمسح أصول الشعر دون أعلاه، فإن كان تحت الشعر بشرة لا شعر عليها كان المسح عليها كا لو كانت مكشوفة. وأطلق بعض
[ ١ / ٩٥ ]
أصحابنا بخراسان أنه يجوز؛ لأن البشرة أصل، وإن كان بعض رأسه محلوقًا وبعضه غير محلوق، إن شاء مسح المحلوق، وإن شاء مسح الشعر. وإن مسح على الصدغين أو
النزعتين جاز على ما ذكرنا. ولو مسح على شعره ثم حلقه لم يبطل حكمه خلافًا لابن جرير.
فرع آخر
لو كان له جمة فمسح على ما سقط عن منابت شعر رأسه لم يجز. وهكذا لو رد المسترسل فعقده على رأسه ثم مسح على المعقود لم يجز. ولو مسح على الشعر الذي على منابت الرأس ولكنه أزيل عن منبته لم يجز؛ لأنه حينئذ شعر على غير منبته فهو كالعمامة، نص عليه في "الأم".
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من أخذ بظاهره وقال: إذا مسح على أصل النبات جاز. وإن مسح على ما انحط من منبته لا يجوز، وإن كان تحته بشرة الرأس. وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال أبو حامد: المذهب أنه يجوز؛ لأنه مسح على ما لم ينزل عن الرأس وإن زال عن منبته. وأراد الشافعي بما ذكر في "الأم" إذا كانت له طرة فردها [٦٥ أ/ ١] فوضعها على رأسه ثم مسح عليها لا يجوز، والدليل على هذا أنه قال في "الأم": وقد أزيل عن منبته بل زال بنفسه، هذا أقيس وأصح عندي.
فرع آخر
قال الشافعي ﵀: "لو كان على رأسه عمامة أحب أن يمسح على العمامة مع الرأس، فإن تركه لم يضر"، وهذا لما روى أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته، فإن اقتصر على مسح العمامة دون الرأس لم يجز.
وقال الأوزاعي، وأحمد، والثوري، وداود، وابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي: يجوز، إلا أن أحمد، والأوزاعي قالا: يحتاج أن يلبسهما على الطهارة كالخفين. وحكي عن أحمد أنه قال: يجوز إلا أن يكون تحت الحنك. واحتجوا بما روى أبو عبيد بإسناده أن النبي ﷺ أمر الحسين بالمسح على المشاوز والنساخين" والمشاوز هي العمائم.
والنساخين: هي الخفاف. ولأنه عضٌو فدخل له في التيمم فيجوز المسح على سائره كالرجل وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] والعمائم لا تسمى رأسًا، ولأنه عضو لا يلحق السنة في إيصال الماء إليه غالبًا فلا يجوز الاقتصار فيه على حائله كاليدين، ولا يجوز أن يمسح على القفازين.
وأما خبرهم: قلنا: أراد أن يمسحوا وعليهم المشاوز أو أمر بالمسح على العمامة
[ ١ / ٩٦ ]
بعد أداء فرض المسح على الناصية تشبهًا بمن يعم الرأس بالمسح ليعلم [٦٥ ب/ ١] أن التعميم سنة. وقيل: في أنه مسح على عمامته أراد والعمامة على رأسه فمسح على ناصيته ليعلم أن الاستيعاب لا يجب، إذ لا يمكن الاستيعاب في الغالب من دون رفع العمامة. وقيل: دخل البلل منها إلى الرأس وليس كالمسح على الخفين؛ لأنه رخصة لا يعدى بها موضعها، ولا مجال فيه للقياس إذ الحاجة ماسة إلى لبس واستدامتها،، وفي نزعه مشقة ولا مشقة في تنحية العمامة عن مقدم الرأس.
مسألة: قال: "ويمسح أُذُنَيْهِ ظَاهِرهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بمَاٍء جَدِيٍد ثَلاَثًا"
وهذا كما قال. حكم الأذنين منفرد عن الرأس وعن الوجه، فيأخذ لهما مًاء جديدًا يمسح به ظاهرهما وباطنهما ولا يجب مسحهما؛ لأن الله تعالى لم يذكره، وروي ذلك عن ابن عمر - ﵁ - وهما من الرأس، ويستحب أن يأخذ لهما مًاء جديدًا، وبه قال أحمد فوافقنا في الحكم دون الاسم. وروي عن أحمد: هما من الرأس ويجب مسحهما على الرواية التي توجب استيعاب الرأس، ويجزيه إن مسحهما بماء الرأس.
وروي القفال عن مالك أنهما من الوجه يمسحان بالماء الذي يغسل به الوجه. وقال أبو حنيفة: هما من الرأس يمسحان بماء الرأس، وبه قال الأوزاعي. وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والحسن البصري، وقال الشعبي، والحسن بن صالح: يغسل ما قبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما على الرأس. وروي هذا [٦٦ أ/ ١] عن علي ﵁، وبه قال إسحاق في رواية، وعنه رواية أخرى: مسح الأذنين واجب. واحتجوا بما روي أبو أمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: "الأذنان من الرأس".
وروي ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ مسح رأسه وأذنيه مسحة واحدة". وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ مسح رأسه وأخذ مًاء جديدًا.
وروي: "وأمسك مسبحتيه لأذنيه" وأراد بقوله: "الأذنان من الرأس" أنهما لا يغسلان مع الوجه، بل يمسحان كما يمسح الرأس.
فإذا تقرر هذا فلا يعتبر عندنا أن يكون الأخذ لهما جديدًا، فإنه لو أخذ الماء لمسح رأسه ومسح رأسه ببعض يده، وأمسك بعضها لمسح الأذنين، فمسح سبابتيه باطنهما وإبهاميه ظاهرهما. وروي هذا عن ابن عمر، والحسن، وعطاء - ﵃-: أن السنة أن يدخل إصبعيه في صماخي أذنيه لتحصل المبالغة، وهل يأخذ لهما مًاء جديدًا. حكي البويطي عن الشافعي أنه سن ذلك، فيكون إدخال الإصبعين في الصماخين بماء جديد سنة مؤكدة على مسح الأذنين. ذكره في "الأم" أيضًا، وهو اختيار القاضي
[ ١ / ٩٧ ]
الطبري. وهذا لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه وهما يفردان بالماء كذلك هذا.
وذكر بعض أصحابنا في كيفية أن يضع إبهامه على ظاهر الأذن ويمرها نحو العلو، ويمسح باطن الأذن بالمسبحة ويدخل [٦٦ أ/ ١] خنصره في صماخي الأذن وهذا حسن يتحقق به هذا القول.
وقال البغداديون من أصحابنا: يدخل إصبعيه في الصماخين بماء أذنيه، ويكون ذلك من جملة مسح الأذنين ولا يكون سنه زائدة، فإن ترك مسح الأذنين لم يعد بعد القراع من الوضوء وإن قدم مسح الأذنين على مسح الرأس جاز على سنة مسح الأذن، وإن ترك المستحب من تقديم مسح الرأس عليه كما لو قدم الاستنشاق على المضمضة جاز.
وقال في "الحاوي" هي يجب الترتيب في المسنونات؟ وجهان:
أحدهما: يجب، فإن نكس فلا يعتد بالسنة ما قدمه، فإذا قدم المضمضة على غسل الكفين أو الاستنشاق على المضمضة لا يحتسب، وكذلك لو قدم مسح الأذنين على مسح الرأس.
والثاني: لا يجب ويحتسب لأنها لما كانت مسنونة فالترتيب مسنون أيضًا. ويستحب
أن يمسحهما ثلاثًا هكذا خلافًا لأبي حنيفة. وحكي عن ابن سريج أنه كان يغسلهما ثلاثًا مع الوجه ويمسحهما ثلاثًا مع الرأس، ويمسحهما بماء جديد ثلاثًا احتياطًا.
فرع
هل يستحب البدء باليمين فيهما؟ قال جدي الإمام - ﵀ -: فيه وجهان، والظاهر أنه لا يستحب ذلك لإمكان الجمع بينهما، حتى لو كان أقطع اليد يستحب ذلك. وقيل: السنة أن يطهر الأذنان في حالة واحدة وليس في أعضاء الوضوء عضوان السنة فيهما هذا إلا هذا.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ [٦٧ أ/ ١] رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا".
الفصل
وهذا كما قال. غسل الرجلين فرض، وهو الفرض الرابع من الأفعال، وبه قال جمهور العلماء. وقال الشيعة من الإمامين: يجب مسحهما إلى الكعبين، ولا يجوز الغسل، وربما لا يحدون بالكعبين. وقال داود، وأهل الظاهر: يجمع بينهما. وقال ابن جرير: هو مخير بين الغسل والمسح، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] بعطف الأرجل على الرؤوس كما عطف الأيدي على الأوجه. وروي عن علي - ﵁ - أنه قال: "عضوان مغسولان وعضوان ممسوحان". ولأنه عضو لا مدخل له في التيمم فجاز مسحه كالرأس، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ. توضأ مرة
[ ١ / ٩٨ ]
مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وفيه غسل الرجلين.
وروي أن عثمان وعليًا، وعبد الله بن زيد، والربيع بنت معوذ - ﵃ - وصفوا وضوء رسول الله ﷺ فغسلوا أرجلهم. وروي أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه".
وروي أن قومًا توضئوا فرأى رسول الله ﷺ أعقابهم تلوح جفافًا، فقال "ويل
للأعقاب من النار". وروي أنه قال "خللوها قبل أن تخللها". يعني في أصابع الرجل.
ومن جوز المسح [٦٧ ب/ ١] لم ير التخليل، ولأنه، عضو محدود في كتاب الله تعالى كاليد، ويعني به أنه قال: ﴿إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] كما قال: ﴿إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، وأما الآية فإنها قرئت بالنصب فيكون معطوفًا على الأيدي. وقد روي عن علي - ﵁ - أنه قرأ بالنصب، وقال: هو من القديم والمؤخر. وقرأ ابن عباس بالنصب، وقال: رجع إلى الغسل، وكذلك مجاهد، وعروة. وأما القراءة الأخرى، فقد قال سيبويه، والأخفش وغيرهما: إن جرَّهما بالجوار لا بحكم العطف، كما تقول العرب: حجر ضب خرب، أو قد يذكر الاسمان والفعل الموصل بهما يصلح لأحدهما، كقول الشاعر:
ويزججن الحواجب والعيونا
أي وكحلن العيون، يدل عليه أن المسح لو كان في كتاب الله تعالى لكان الاتفاق فيه والاختلاف في الغسل، واتفقنا على جواز الغسل.
وقال أبو علي الفارسي: قراءة الجر وإن كانت عطفًا على الرؤوس فالمراد بها الغسل؛ لأن العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا، ولهذا فإنهم يقولون: تمسحت للصلاة يريدون به الغسل، فلما حد ذلك بالكعبين دل أنه أراد به الغسل، أو يقول: أراد به
[ ١ / ٩٩ ]
مسح الرجل في حالة مخصوصة وهي حالة لبس الخف.
وأما قول علي - ﵁ - أراد به إذا لبس الخف، لما روي عن علي - ﵁ - أنه مسح على الخف وقال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول اله [٦٨ أ/ ١] ﷺ مسح على ظاهر خفيه خطوطًا بالأصابع".
ومن رأي المسح على الخفين لا يرى مسح الرجلين. وروي الحارث عن علي - ﵁ - أنه قال: "اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمركم".
فإذا تقرر هذا يجب غسل الرجلين مع الكعبين خلافًا لزفر كما قال في المرفق وقد مضى الكلام عليه.
مسألة: قال: "وَالْكَعْبَانِ وَهُمَا الْعَظْمَتَانِ النَّاتِئَانِ".
الفصل
وهذا كما قال: عندنا الكعبان وهما العظمان النائتان من جانبي القدمين، وهما مجمع مفصل الساق والقدم. وقال محمد: الكعب هو موضع الشراك على ظهر القدم، وبه قالت الإمامية، ويحكى هذا عن أبي يوسف وقيل عنهم أنهم قالوا: في كل رجل كعب واحدة وهي عظم مستقر في وسط القدم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، فلو كان في كل رجل كعب واحدة لقال إلى الكعاب كما قال: ﴿إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، وروي أن النبي ﷺ قال: "تراصوا بينكم في الصلاة لا يتخللكم الشيطان".
قال الراوي: ففعلنا حتى أن كعب أحدنا، تمس كعب صاحبه، وهذا إنما يكون إذا كان الكعب ما ذكرنا.
وروي أن النبي ﷺ قال لجابر بن سليم - ﵁ -: "ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين". فدل أن الكعبين أسفل الساق لا ما قالوا من ظاهر القدم.
وقال الزبيري من أصحابنا [٦٨ ب/ ١]: الكعب في لغة العرب ما قاله محمد، ولكن الشافعي عدل عنه بالشرع، ولقد أخطأ؛ لأن الكعب ما وصفه الشافعي في اللغة، حكي عن قريش كلهم، ولا يختلف لسانهم أن الكعب اسم للناتئ بين الساق والقدم، ولسانهم أولى من لسان أهل اليمن، لأن القرآن نزل بلسانهم وذلك لغة أهل اليمن،
[ ١ / ١٠٠ ]
ولأن الاشتقاق يدل عليه. وذاك أنه لما اسم استدار وعلا، وكذكل قالوا: كعب ثدي الجارية إذا استدار وعلا، ويقال: جارية كاعب إذا نهد ثديها. وسميت الكعبة كعبة لا ستدارتها، وهذا فيما ذكره الشافعي.
فإن قيل في البهائم في كل رجل كعب واحد فكذلك في الآدمي. قلنا: خلقة الآدمي هي خلاف خلقه البهيمة؛ لأن كعب البهيمة فوق ساقها وكعب الآدمي هو دون الساق.
مسألة: قال: "وَيُخَلَّلُ بَيْنَ أَصَابِعْهُمَا".
وهذا كما قال. إذا علم وصول الماء إلى أصابع الرجلين يستحب له التخليل، ولو كانت أصابعه متناضة متلاصقة يجب إيصال الماء إلى ما بينها، فإن التصق بعضها ببعض لا يجب الجرح والخرق. وقال الشافعي: "ليس عليه أن يفتق ما كان مرتوقًا" ولا يسن هذا بحال والأصل فيه خبر لقيط بن صبرة.
قال أصحابنا: ويبدأ في تخليل أصابعه باليمني من خنصره إلى إبهامه [٦٩ أ/ ١] ثم اليسرى من إبهماه إلى خنصره ليكون تخليلها نسقًا على الولاء. وروي أن رسول الله ﷺ: "كان يخلل بخنصره اليسرى من أسفل الرجل".
ثم قال الشافعي: "وَذَلِكَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ الله". وإنما استثني لأن الكمال إنما يكون بالإتيان بجميع ما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ، ولعل بعض السنة غربت عنه فلم يستحب قطع القول.
وقيل: إنما استثني لأنه لم يذكر إدخال الماء في العينين في الجديد، وذكره في القديم على ما ذكرناه، فخشي ذاك. وقيل: هذا يعود إلى ما ندب إلى فعله في المستقبل، وتقديره: فتوضأ كذلك إن شاء الله.
فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي بعد مسح الأذنين غسل الرجلين ولم يذكر مسح العنق، وهذا يدل على أن مسح العنق غير ثابت عنه. وقال أصحابنا بخراسان: هو سنة بماء جديد وإن لم يرد فيه خبره. وذكره ابن أبي أحمد في "المفتاح". وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يمسحه مع الرأس". قلت: رأيته في تصنيف الشيخ أبى الحسن أحمد بن فارس بن زكريا "بإسناده عن فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "من توضأ ومسح يديه على عنقه وقي الغل يوم القيامة". وهذا صحيح إن شاء الله، وقيل: إنما لم يذكر [٦٩ ب/ ١] الشافعي مسح العنق لأنه غير مقصود بالمسح، بل هو تابع للقفا في المسح، والقفا تابع للرأس لتطويل الغرة.
مسألة: قال: "وَأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه".
[ ١ / ١٠١ ]
الفصل
وهذا كمان قال. قال أصحابنا: لم يقل الشافعي: وأحب بل قال ويمر؛ لأنه إذا لم يجز على أحد القولين أن لا يغسله لا يحسن أن يقول واجب، والحكم في الشعر الساقط عن حد الوجه طولًا، والخارج عنه عرضًا نحو الأذنين أنه يستحب أن يقبض الماء عليه، وهل يجب؟ نص في "الأم" على قولين:
أحدهما: يجب وهو التصحيح؛ لأنه شعر نابت على بشرة الوجه فيجب إيصال الماء إليه كالشعر الذي يقابل حد الوجه.
والثاني: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وهو اختيار المزني؛ لأنه شعر ليس تحته بشرة الوجه كالصدغ، ولا خلاف أنه يستحب تخليله ولا يجب غسله.
وذكر الزبيري في كتابه فيه قولان: أحدهما: يجب غسله. والثاني يجب إفاضة الماء عليه وهذا غلط. واحتج المزني على اختياره بأن الشافعي لم يجعل ما سقط عن منابت شعر الرأس من الرأس في حكم الغسل.
قلنا: الرواية من الرأس؛ لأنه لو حضر المحرم من طرف ذؤابته أجزأه عن الحلق، والفرق هاهنا في الطهارة هو أن الرأس [٧٠ أ/ ١] اسم لا ترأس وعلا، وما سقط من الشعر ليس بعال فلا يجوز المسح عليه، والوجه اسم لما يواجه واللحية مما تواجه [٧٠ أ/ ١] بها فوجب غسلها مع البشرة، ولأن الاحتياط معناه في موضعين فلا يجوز المسح هناك احتياطًا، ونوجب إمرار الماء عليه هاهنا احتياطًا.
فرع
قال أصحابنا: المستحب لمن فرغ من الوضوء لأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، لما روى عمر أن النبي ﷺ قال: " من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبه فُتح له ثمانية أبواب الجنة، فدخل من أي باب شاء"
وقيل: يرفع بصره إلى السماء ثم يقول هذا، ويصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ثم يستغفر الله تعالى عند فراغه، فقد روي في الخبر ذلك. ويستحب أيضًا أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، لما روى أبو سعيد الخدري -﵁- أن النبي ﷺ قال: " من توضأ- وقال هذا- كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة". ويستحب أن يقول أيضًا: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
[ ١ / ١٠٢ ]
فرع آخر
قال أبو علي في الإفصاح: يستحب أن لا ينفض يديه لما روي عن النبي ﷺ [٧٠ ب/ ١٤] أنه قال: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم". وقال: ولا يكره ذلك لما روت ميمونة أن النبي ﷺ: "اغتسل وجعل ينفض يديه".
فرع أخر
إذا فرغ من وضوءه فالمستحب أن لا ينشف آثار الوضوء من الماء، وكذلك في الغسل، ولا خلاف أنه يجوز ذلك، وهل يكره ذلك؟ اختلفت الصحابة فيه على ثلاثة أقوال:
فروي عن أنس﵁- أنه قال: لا بأس به في الطهارتين. وبه قال مالك، والثوري، ووجهه ما روي عن قيس بن سعد - ﵁- قال: "أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلًا فاغتسل، فأتينه بملحفة ورسية فالتحف بها، فكأني أرى أثر الورس على عكنه، وروى أصحابنا بخراسان: "على كتفيه" وهو مُصًحَّف عندي.
وروى أنه كان رسول الله ﷺ خرقة ينشف أعضاء وضوءه بها
وروي أنس أنه كان يتمسح بها.
وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فتمسح بثوب نظيف فلا بأس، ومن لم يفعل فهو أفضل" لأن الوضوء يوزن مع سائر الأعمال يوم القيامة.
وروي عن علي - ﵁- أنه قال: يكره ذلك فيهما، وبه قال ابن أبي ليلي، ووجهه ما روي عن ميمونة - ﵂- قالت دخل عليَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم، فوضعت له الوضوء فتوضأ، فأتيته بمنديل يده ورده. وروى ابن المنذر [٧١ أ/ ١] بإسناده عن ابن عباس عن ميمونة هذا الخبر في الغسل فلم يأخذه وجعل ينفض يديه. وقيل: إن الماء يسبح على الأعضاء ما دام عليها.
وروي عن أبي عباس - ﵄- أنه قال: لا بأس به في الغسل ويكره في الوضوء جمعًا بين الخبرين. وروي عن جابر أنه قال: "إذا توضأت فلا تتمرك".
قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي، والذي يقتضيه المذهب أنه يستحب له أن لا ينشف، وقد روي أن النبي ﷺ أحرم بأصحابه ثم تركهم ومضى، فاغتسل وعاد ورأسه
[ ١ / ١٠٣ ]
يقطر من الماء.
ولكنه لا يكره لما روي أن عثمان، وأنس، والحسين بن علي، وبشر بن أبي مسعود - ﵃- كانوا يأخذون المناديل، ويحتمل أن رسول الله ﷺ لم يأخذ لاستغنائه عنه فنشف أصحابه. وقال بعض أصحبنا بخراسان: هل يستحب التمسح بالخرقة؟ فيه وجهان وهذا ليس بشيء.
فرع آخر
قال أصحابنا: ويستحب إذا كان في يديه خاتم أن يحركه مع علمه بوصول الماء إلى ما تحته إلا أن يكون الخاتم واسعًا فلا يحتاج إلى التحريك، لما روى أبو رافع - ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا توضأ حرك خاتمه في إصبعه".
فرع آخر
قال الشافعي: "وأحب أن لا يستعين في وضوءه بأحد ويتولاه بنفسه". لما روي أن النبي ﷺ توضأ، فأراد بعض أصحابه أن يصب عليه الماء، فقال "أنا [٧١ ت/ ١] لا أستعين على وضوئي بأحد".
فإن استعان بمن يصب الماء على يديه جاز، ولا بأس به، ويقيمه على يساره لأنه أمكن له من الماء وأحسن في الأدب لما روى عن المغيرة بن شعبة - ﵁- أنه قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجته فتبعته بالماء، فلما فرغ سكبت الماء على يديه، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه وعلى خفيه.
وروي أن أسامة، والربيع بنت معوذ صبا على رسول الله ﷺ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يكره الاستعانة بالغير إلا لعذر، وإنما استعان بالمغيرة لثقل ثيابه عليه، أو لأنه كان في السفر فأراد أن لا يتأخر عن الرفقة تعليمًا للحزم والاحتياط.
فرع
إذا شك بعد الفراغ من طهارته هل مسح رأسه أم لا؟ قال أبو حامد: هي كالصلاة لا يؤثر فيها الشك بعد الفراغ منها. فقيل له: فهذا يؤدي إلى الدخول في الصلاة بطهارة مشكوك فيها؟ فقال: يجوز ذلك كما لا شك هل أحدث أم لا؟
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الدخول في الصلاة، وشكه بعد الفراغ منها
[ ١ / ١٠٤ ]
كشكه قبل الفراغ منها؛ لأن جواز الشروع في الصلاة يفتقر إلى تقديم الطهارة عليه، فما لم يتيقن وجوبه لا يجوز له فعلها، كمسافر إذا أراد الجمع فصلى صلاة الظهر في وقته ثم شك هل ترك منها فرضًا لم يجز له أداء العصر بعده جمعًا؛ لأن جواز العصر في الوقت [٧٢ أ/ ١] الظهر يقتضي إلى تقديم صلاة الظهر عليها بنية الجمع، فما لم يتيقن ذلك لا يجوز الجمع، ويفارق ما ذكره في الصلاة لأنها مقصورة بنفسها؛ لا أنها شرط لجواز غيرها بها، ولهذا
وجود الماء بعد الفراغ من التيمم كوجوده قبل الفراغ منه.
وعلى هذا لو خطب يوم الجمعة، ثم شك هل ترى منها فرضًا لا يجوز له أداء الجمعة ما لم يتيقن إتمامها، ولأن الفراغ من الطهارة شروع فيها في الحقيقة؛ لأنه ينفي حكمها ويبطل بالحدث، فصار كالشك في أثناء الصلاة، وهذا أصح عندي.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الوقت قريبًا أعاد الصلاة وأتممها، وكلاهما ليس بشيء.
ورأيت بعض أصحابنا قالوا: إذا سلم ثم شك هل ترك بعض الركعات فيه قولان: أحدها: قال في "القديم": لا يضر؛ لأن الأصل أنه يقضي في الصلاة على السلامة.
والثاني: قاله في "الجديد": يلزمه الإتمام، فإن كان قريبًا بني، وإن كان بعيدًا استأنف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته بالصلاة فلا يسقط الفرض إلا بيقين، وهذا غريب.
وإن عرض الشك في الوضوء وهو الصلاة، سمعت الإمام جدي يقول: يتمها ولا يصلي صلاة ثانية إلا بعد إزالة الشك قياسًا على المتيمم يرى الماء في صلاته فيمضي فيها. ويحتمل على قياس ما ذكرنا أنه يلزمه الخروج منها وإزالة [٧٢ ب/ ١] الشك واستئناف الصلاة.
فرع
وروى أبو هريرة - ﵁- قال: أمرنا رسول الله ﷺ بتغطية الوضوء، وإبكاء السقاء، وهذا مستحب لأنه أحوط له، وإذا توضأ من إناء جعله عن يمينه وأخذ منه الماء؛ لأن ذلك أمكن له.
فرع آخر
إذا توضأ وعلى يده حناء؛ فإن كان عين الحناء باقيًا لم يزل لم يجز الوضوء، بل عليه أن يزيله، فإن لم يبق إلا اللون لم يضر، وإن قطر على بعض أعضائه شيء له جسد مثل شحم ذائب جمد عليه أو شمع أو دهن سندروس، لم يجز وإن كان دهنًا مانعًا فزال وزاب الدسم فمسَّ الماء بشرته ولكن لم يثبت عليه جاز الوضوء؛ لأن ثبوت الماء على العضو ليس بشرط، وقيل غير هذا وليس بشيء.
فرع آخر
تجديد الوضوء مستحب لقوله ﷺ: "من جدد وضوءًا على وضوء جدد الله له نورًا
[ ١ / ١٠٥ ]
يوم القيامة". قال أصحابنا: إنما يستحب ذلك إذا أدى به فرضًا لا يستحب، وإن كان قد أدى به نقلًا إلا أن يكون قد غسل أعضاءه في الوضوء مرة أراد فضيلة التكرار فيستحب ذلك، وهذا لأن المنقول عن رسول الله ﷺ تجديده للفرائض دون النفل. قلت: ويحتمل أنه إذا أدى به نفلًا يسحب أيضًا؛ لأنه ظهر تأثير الوضوء السابق في [٧٣ أ/ ١] أداء فعل لا يجوز إلا بالوضوء. ثم رأيت عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا صلى به نافلة فيه وجهان، هل يستحب تجديده لصلاة أخرى له؟ لا. ولو سجد للتلاوة أو الشكر لا يستحب التجديد وجهًا واحدًا، ولا يكره لو فعل؛ لأنه أدى ماله تحليل وتحريم، ولو لم يفعل شيئًا يكره التجديد. وهكذا لو توضأ وقرأ القرآن عن المصحف، أو اغتسل الجنب وقرأ القرآن عن ظهر القلب ثم أراد التجديد يكره؛ لأنه لم يؤد به ماله تحليل وتحريم.
فرع آخر
لو خُلق لرجل قد مات في رجل واحدة، فإن كانت دون الكعب فإن يلزم غسلهما بكل حال، وإن كانت إحداهما فوق كعب الأخرى، فالقدر الذي حاذي الكعب إذا سفل منها غسله والباقي لا يجب، كما ذكرنا في اليدين على عضد واحد.
مسألة: قال: "وَإِنْ غَسَل وَجْهًهُ مَرَّةً".
الفصل
وهذا كما قال. القصد به بيان أول الوضوء، وهو أن يغسل وجهه مرة، وذراعيه مرة، ويمسح ببعض رأسه مرة قدر ما يسمى مسحًا. قال القفال: ولو كان بعض شعرة، ويغسل رجليه. وذكر في تضاعيف هذا الفصل أن المسح على الشعر المجاوز عن حد الرأس لا يجوز، وأن النوعين من الرأس.
وقال: "وَعَمَ بِكُلِّ مَرَّةٍ مَا غَسَل". أي استوعب محل غسله المحل المغسول من هذه الأعضاء، ليعلم وجوب التعميم [٧٣ ب/ ١]. ثم رجع إلى غسل الرجلين، ولا يضر اعتراض هذا الكلام في الوسط.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: جملة فرائض الوضوء على قوله الجديد سنة؛ النية، وغسل الوجه واليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب. وعلى قوله القديم سبع، فزاد فيها الموالاة، ومن أصحابنا من قال ثمانية، والثامن هو الماء الطاهر.
والسنة عشر، خمس قبل الوجه: التسمية، وغسل الكفين، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما. وخمس بعد الوجه وهي البدأة باليمين، واستيعاب
[ ١ / ١٠٦ ]
الرأس بالمسح، ومسح الأذنين، وإدخال السبابتين في صماخي الأذنين بماء جديد، والتخليل في اللحية وأصابع الرجلين. ومن أصحابنا من ذكر السواك قبل الوجه، وهو اختبار ابن سريج فجعله سننًا، وزاد ابن أبي أحمد مسح العنق فجعله سننًا، وقيل بدل مسح العنق يطول الغرة، وذكر بعض أصحابنا التكرار في جملة السنة.
وقيل: الوضوء مشتمل على الواجبات، والسنن، والفضيلة [٧٤ أ/ ١]، والهيئات. فهي أربع، وهي: إدخال الماء في العينين، وتطويل الغرة لما روي أن النبي ﷺ قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
والختم بالشهادتين والدعاء في كل عضو يغسله، وهو ما روي في الأخبار فيقول في ابتدائه: بسم الله، والحمد لله الذي جعل الماء طهورًا. وفي غسل الكفين: اللهم أحفظ يدي من معاصيك جلها. وفي المضمضة: اللهم أجر على لساني الصدق، والصواب أن يقول: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسًا لا أظمأ بعده، وفي الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة جناتك ونعمك. وفي الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وفي اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرًا. وفي اليد اليسر: الله لا تعطني كتابي بشمالي ومن رواء ظهري. وفي مسح الرأس: اللهم أحفظ رأسي وما حوي، وبطني وما وعى، أو يقول: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. أو يقول: اللهم حرم شعري وبشرتي على النار. وفي مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وفي مسح العنق: اللهم أعتق رقبتي من النار والمظالم. وفي الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام، أو يقول: اللهم أجزني على الصراط، ولا تجعلني [٧٤ ب/ ١] ممن يتردى في النار.
وقيل: الهيئات الخمس، والخامسة البدأة بالوجه بأعلاه، وفي اليدين بالكفين، وفي الرأس بمقدمه، وفي الرجلين بأطراف أصابعه: وقيل: إن صب عليه غيره الماء فإنه يبتدأ بالكعبين إلى الأطراف هيئة. وقيل: غسل الكفين والتسمة من الهيئات أيضًا وما تقدم أصح.
فإذا تقرر هذا احتج الشافعي ﵀ بعد هذا على الاختصار على بمرة مرة جائز؛ لما روي أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: " من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم".
[ ١ / ١٠٧ ]
وأن التثنية والتثليث مستحب؛ لأنه قال: "من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" أي يضعف أجره. وأن التثليث سنة، وعادته دعاؤه للأنبياء قبله. والشافعي قال: "والمرتان فضيلة، والثلاث سنة" وإنما قدم الفضيلة علة السنة؛ لأنه لة أخر الفضيلة لظن ظان أن كلما زاد على الثلاث كان أفضل، فأخر السنة ليعلم أنه لا يجوز مجاوزة السنة. وقال الشافعي في " الأم": " لا أحب أن يزيد على ذلك" فإن زاد لم يضره. حكاه القاضي الطبري. وقيل (٧٥ أ/ ١): قال في "الأم": تكره الزيادة. فإن فعل لم يأثم؛ لأن النبي ﷺ قال: "ومن زاد هذا فقد أساء". رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأراد بقوله: أساء أي خالف السنة. وقوله: ظلم يعني جاوز الحد؛ لأن الظلم مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه، ولم يرد به أنه يأثم. وروي: "ممن زاد أو نقص" الخبر. واختار أبو حامد أنه لا يكره، لأنه زيادة عمل وبر، والأصح أنه يكره، وقيل: يحرم وليس بشيء. وحكي عن مالك أنه قال: لا معنى للتكرار، والمرة الواحدة هي الأفضل، وهذا غير صحيح عنه عندي.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: التكرار واجب، وهو غلط ظاهر، بدليل ما روينا من الخبر .. ثم أعلم أن هذا كان من رسول الله ﷺ أفعالًا مختلفة في أحوال شتى، وهذا هو الأقرب، ويحتمل أنه كان منه في حالة واحدة على طريق التعليم؛ لأن مثل هذا بدعة إذا لم يكن على وجه التعليم، فإن من توضأ يكره له أن يتوضأ ثانيًا قبل أن يصلي بوضوئه صلاة، وقبل أن يحدث.
ثم قال الشافعي: وفي أتركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة"، ولم يرد به الزجر حتى يسمى تارك السنة، ولكن أراد به أن هذه الأشياء مسنونة لا مرفوضة، ثم قال: "وليس الأذنان من الوجه فيغسلان ولا من الرأسي (٧٦ ب/ ١) فيجزي مسحه عليهما فهما سنة على حيالهما" وقصد به الرد على مالك حيث قال: هما من الوجه يمسحان بالبلل الذي غسل به الوجه. والرد على أبي حنيفة حيث قال: هما في الرأس، فقال الشافعي: لو كانتا من الوجه لغسلنا مع الوجه، ولو كانتا من الرأس لأجزأ المسح عليهما من الرأس. وأخل المزني في عبارته من وجهين:
أحدهما: أن اللفظ الشافعي محتمل مشتمل على بيان المذهب وبيان الدليل، ولفظ المزني يعطي بيان المذهب ولا يعطي بيان الدليل.
والثاني: أنه قال: فيغتسلان، وجواب التفي بالفاء يكون منصوبًا، وعلامة النصب في التثنية سقوط النون، فكان من حقه أن يقول: وليست الأذنان من الوجه فيغتسلا، بإسقاط النون ومن أصحابنا من يعتذر له بأنه يجوز إثبات النون في هذا الموضع، كما
[ ١ / ١٠٨ ]
قال الله تعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات:٣٦) ثم احتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما، يريد به البياض المتصل بهما فوقهما من الرأس ولا على ما وراءها مما يلي منابت شعر الرأس إلى الأذنين، ولا على ما يليهما إلى العنق يريد به البياض الذي هو تحت الأذنين مما يلي العنق مسح، يعني مع الرأس (٧٦ أ/ ١) مع كون هذه أقرب إلى الرأس، فلأن لا يكون على الأذنين مسح مع كونهما أبعد من الرأس خلقة واسمًا أولى، فإن منعوا وقالوا: ذلك البياض الذي فوق الأذنين من الرأس، قلنا: هو محال، لأنا نعرف حد الرأس من غيره بنبات الشعر في العرف والعادة، وهذا الموضع لا ينبت عليه الشعر كالجبهة والقفا، فلا يكون من الرأس. ثم احتج المزني، لو كانتا من الرأس أجزأ من حج حلقهما عن تقصير الرأس- يعني أن من فرغ من أعمال العمرة، وأراد أن يتحلل عليه أن يحلق رأسه أو يقصر. فلو كان على أذنيه شعر فحلقه عن تقصير الرأس لم يجزئه بالإجماع. وإن أكمل به رفع الرأس عندهم، فإن المشروع عندهم الربع أو تقصيره وهذا احتجاج صحيح. وربما يمنع بعض المتأخرين منهم فيعتمد على ما اعتمد عليه الشافعي أولًا، وهو أنه لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس، وهذا لا شك فيه.
ثم قال: "وَالْفَرقُ بَيْنَ مَا يُجْزِئُ مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأَسِ، وَلاَ يُجْزِئُ إلاَّ مَسْحُ كُلَّ الْوَجْه فَي الْتَّيِمُّمِ".
الفصل
وقصد به الرد على مالك على ما تقدم بيانه، وقد ذكرنا الفرق بين مسح الوجه في التيمم، ومسح الرأس في الوضوء لا يدخل على الفرق الذي ذكرنا، المسح على الخفين لا يلزم استيعابه لأنه ليس ببدل غسل الرجل، بل هو رخصة وتخفيف، فاستيعابه مخرجه عن موضوعه ليس هو ببدل في محل أصله، بل هو سائر الأصل بخلاف مسح (٧٦ ب/ ١) الوجه في التيمم.
مسألة: قال: "وَإِنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ أَجْزَأَهُ".
الفصل
وهذا كما قال: تفريق الطهارة وهو يسير وكثير، فاليسير لا يؤثر فيها، وفي الكثير قولان قال في "القديم": يبطلها ويجب استئنافها كما في الصلاة. وبه قال قتادة، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد. وروي عن أحمد أنه قال في الغسل: لا يبطله. ووجه هذا ما روي عن عمرو﵁- أنه رأى رجلًا توضأ وترك في قدمه موضع
[ ١ / ١٠٩ ]
ظفر، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة.
وروي عن بعض أصحابنا بخراسان أن رجلًا صلى وعلى ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم تصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء والصلاة.
وقال في "الجديد": لا يبطلها وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والحسن، والنخعي، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن المسيب -﵃-. وهذا لأن كل عبارة جاز تفريق النية على أبغاضها جاز تفريق أبغاضها كالزكاة. واحتج الشافعي- رحمة الله- على هذا بابن عمر﵄- وذلك أنه توضأ فدعي إلى جنازة، فقام بعد مسح رأسه وهو لابس خفيه حتى أتى المصلى، ثم دعا بماء فمسح على خفيه، ثم صلى على الجنازة قال الشافعي: وما بين سوق المدينة والمصلي مسفة يجف أعضاء الطهارة في أدنى منها. ولم ينكر عليه (٧٧ أ/ ١) أحد.
فإذا تقرر هذا فحد التفريق الكثير أن يجف العضو الذي غسله مع اعتدال الهواء والحال، كان اشتد الجر والريح فسارع الجفاف. وإن كثر البرد والمطر تباطأ الجفاف فلا يعتبر ذلك، والاعتبار في ذلك بين كل عضو لا بأول الطهارة وآخرها. فإذا غسل وجهه
ويديه، ثم مسح برأسه قبل أن يجف الماء على يديه جاز، وإن جف الماء على وجهه. وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يعتبر فيه عرف، فإذا حصل زمانًا طويلًا خرج عن العرف في طاهرات الناس صار مفرطًا.
واختلف أسحابنا في محل القولين، فمنهم من قال: القولان إذا لم يكن عذر، فإن كان عذرًا مثل نفاذ الماء وطلبه ثانيًا أو انكسار الكوز، أو انقلاب الماء، أو الهرب من ظالم لا تبطل طهارته قولًا واحدًا، وهذا هو اختيار القفال، وبه قال مالك، والليث.
وقيل: إنه نص في "الأم" على هذا الفرق، وأومئ في "الأم" إليه. وهذا لأنه جوز في الصلاة التفريق بعذر سبق الحدث في قوله القديم، فالطهارة أولى. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما.
فرع
إذا جوزنا التفريق هل يلزمه تجديد النية؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، لأن النية الأولى انقطعت وبطل حكمها، ولأن النية تراد لتمييز العادة من العبادة، وإذا طال الفصل لا يتميز إلا بالنية. وهذا اختيار أبي حامد.
والثاني: لا يلزمه ذلك، وهو الأظهر، واختاره (٧٧ ب/ ١) القاضي الطبري، لأنه لم يقطع حكم النية الأولى، ولأن التفريق إذا كان لم يقطع حجك النية كنا في الحج.
فرع آخر
التفريق في التيمم كحكمه في الوضوء. وقال صاحب "الحاوي": قال جمهور أصحابنا: التفريق الكبير يبطل التيمم قولًا واحدًا والفرق بينه وبين الوضوء، أن تعجيل التيمم للصلاة هو مستحق، فإنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة وتعجيل الوضوء غير
[ ١ / ١١٠ ]
مستحق، وكذلك التفريق في الغسل كحكمه في الوضوء. وقال صاحب" التلخيص": يجوز تفريق الغسل قولًا واحدًا. وهذا ليس بشيء، وذكرناه عن أحمد.
مسألة: قال: "وَإِنْ بَدَأَ بِذِراعَيْه قَبْلَ وَجْهِهِ رَجَعَ إَلَى ذِرَاعَيْهِ".
الفصل
وهذا كما قال: الترتيب شرط في الوضوء والتيمم هو أن يبدأ فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه، وبه قال ابن عباس، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وروي هذا عن علي - ﵁- في رواية، وقال أبو حنيفة: لا يلزم الترتيب فيهما،
وبه قال ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن وعطاء، والزهري، والنخعي، ومكحول، والاوزاعي، ومالك، وهو رواية عن علي﵁- واحتج الشافعي عليهم بالآية وهي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ﴾ (المائدة:٦) الآية وأشار إلى أن الواو في العطف توجب الترتيب، واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ "٧٨ أ/ ١"اللهِ﴾ (البقرة:١٥٨) فبدأ رسول الله ﷺ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله به"، والبداية بالصفا ثم بالمروة واجبة حتى لو بدأ بالمروة لم يحتسب مشيه إلى الصفا فكذلك ها هنا البداية بغسل الوجه واجبة.
فإذا تقرر هذا فلو غسل ذراعيه أولًا ثم غسل وجهه ينظر فإن كان ذاكرًا للنية عند غسل وجهه ويغسل ذراعيه وهو مراد الشافعي بقوله" رجع إلى ذراعيه فغسلهما حتى يكونا بعد وجهه" وإن لم يكن ذاكرًا للنية الأولى عند غسل الوجه استأنف غسله مع النية، وقوله: فإن صلى فالوضوء على غير ولا رجع فبني على الوضوء وأعاد الصلاة دليل على جواز تفريق الوضوء فإذا لم يجز يلزم الاستنشاق ها هنا لأنه طال الفصل بالصلاة.
فرع
لو نسي في الوضوء لا يجوز وضوءه قولًا واحدًا، وحكي ابن أبى أحمد قولًا أخر عن"القديم" أنه يجوز وليس بمشهور. وقيل: القولان فيه بناء على القولين فمن نسى قراءة الفاتحة في الصلاة، هل يجوز؟ قولان، وهذا بيس بشيء.
فرع آخر
لو غسل أعضاء أعضاؤه أربعة اثنين دفعة واحدة معًا لم يجز، لأن الترتيب لم يحصل. ولو اغتسل المحدث بدل الوضوء فيه وجهان ذكرهما ابن سريج.
أحدهما: يجوز لأنه يجوز عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأصغر (٧٨ ب/ ١) أولى.
والثاني: لا يجوز وهو الأصح، لأن الغسل غير الواجب فلا يسقط ترتيبًا واجبًا
[ ١ / ١١١ ]
ويفارق الجنب المحدث، لأن حكم الحدث سقط بالجنابة فقط ولا ترتيب فيه.
فرع آخر
لو انغمس المحدث في ماء ونوى الوضوء فمكث ساعة يترتب الماء على أعضائه جاز، وإن لم يمكث ساعة لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والأصح أنه لا
يشترط المكث لأنه لما انغمس في الماء ترتب في ألطف الأزمنة وما تقدم أصح في هذا.
فرع آخر
لو أحدث ثم أجنب، قال أبو إسحاق: يغتسل ويسقط الوضوء والترتيب نص عليه الشافعي في "الأم". وقال ابن أبي هريرة: فيه ثلاثة أوجه إحداهما: هذا، والثاني: يدخل الوضوء في الغسل دون الترتيب، فيلزمه أن يرتب أعضاء وضوءه، ثم يغسل الباقي وهذا لأنه يفرد الوضوء بالترتيب وفي غسل الأعضاء يشتركان فيه فتدخلا فيه دون الترتيب.
والثالث: يلزمه الوضوء والغسل ولا يدخل أحدهما في الآخر لأنهما عبادتان مختلفتان فعلًا وحكمًا، والأول أصح، وترتيب الوضوء يسقط بالغسل كترتيب العمرة تسقط بالحج، والعمرة تخالف الحج وتدخل في ألج، وقيل فيه وجه رابع أنه يدخل الوضوء في الغسل ولكنه يحتاج أن ينو بهما كما ينوي الحج والعمرة، وأما إذا أجنب (٧٩ أ/ ١) ولم يحدث ويتصور ذلك إذا لف على فرجه خرقة وأولج من غير أن يمس جزءًا من بدنها يلزمه الغسل وحده من غير ترتيب وجهًا واحدًا، ولو أجنب أولًا ولم يحدث على ما ذكرنا ثم أحدث. قال ابن سريج: الحكم فيه كما لو أحدث ثم أجنب، ومن أصحابنا من قال: لا حكم للحدث ها هنا وجهًا واحدًا، والفرق أن الحدث متقدم لما طرأ على أعضاء طاهرة ثبت حكمه، وهذا المتأخر طرأ على أعضاء غير طاهرة فسقط حكمه، وأيضًا الصغرى لا تدخل على الكبرى كما لا يصح إدخال العمرة على الحج في أحد القولين، ويصح أو قال: الحج على العمرة قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو أجنب الرجل فغسل بعض بدنه ولم يغسل من أعضاء وضوءه شيئًا ما بقي من بدنه عن الجنابة ويجزيه من غير ترتيب على المذهب المنصوص، ولو غسل أعضاء وضوءه ثم أحدث قبل أن يغسل الباقي من بدنه قال أكثر أصحابها: يغسل الباقي من بدنه عن الجنابة ويتوضأ للحدث مرتبًا لا يجزيه أحدهما دون الآخر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يغسل الباقي من بدنه لأن الحدث لا حكم له ما
[ ١ / ١١٢ ]
دامت الجنابة باقية كما لو أجنب، ثم أحدث قبل غسل شيء من بدنه، ولو غسل بدنه إلا رجليه، ثم أحدث فعلي قول من يقول: لا حكم للحدث مع بقاء الجنابة يغسل رجليه وبكفيه، وعلى قول سائر (٧٩ ب/ ١) أصحابهما: يغسل أعضاء الوضوء غير الرجلين من الحدث على الترتيب، ولا تأثير للحدث في الرجلين، فلو قدم غسلهما على الأعضاء الثلاثة جاز، وهذا
في الحقيقة هو وضوء ليس فيه غسل الرجلين كما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإن قدم يسرى يديه قبل اليمنى أجزأه".
وهذا هو كما قال: الترتيب بين اليمنى واليسرى هو مستحب غير واجب خلافًا للشيعة، وروي ذلك عن أحمد، والدليل عليه قوله تعالى: (وأيديكم) (المائدة:٦) يذكرهما دفعة واحدة ولأنهما كالعضو الواحد لا ترتيب فيه، وقال علي﵁- "ما أبالي بدأت بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء".
مسألة: قال: " ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا".
وهذا كما قال: وأراد بالمصحف ما كتب فيه كلام تعالى وهو القرآن. ولا يجوز للمحدث والجنب والحائض والنفساء مسه ولا حمله، وبه قال جماعة العلماء، وقال الحكم، وداود: يجوز لهم مسه وحمله، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] فإن قيل: أراد به اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة، قيل: لا يحتمل هذا لأنه قال بعده: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ (الواقعة:٨)، ولأن الملائكة لا يكونون إلا مطهرين، فدل أنه أراد به المطهرين من الآدميين الذين يتكلفون الطهارة بعد الحدث.
وروي أنا النبي ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم﵁-: " لا تمس القرآن (٨٠ أ/ ١) إلا وأنت على طهر"، وقال عبد الله بن أبي بكر كان في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبت له رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران: "أن لا يمس القرآن إلا الطهر " وروي: " لا يمس القرآن إلا طاهر".
وروي عن معاذ﵁- أن رسول الله ﷺ كتب في عهده حين بعثه: "إلى اليمن أن لا يمس القرآن إلا طاهر".
فرع
لا يجوز حمله بعلاقة ولا خريطة، وقال أبو حنيفة: يجوز، وحكاه ابن المنذر عن
الحكم، وحماد، والحسن، وعطاء، وأحمد، كما يجوز حمله في جملة الرحل والأمتعة وهذا غلط، لأنه مكلف قاصد إلى حمله من غير ضرورة فلم يجز له كما لو
[ ١ / ١١٣ ]
حمله بغير علاقة، ولأن الحمل أكثر من المس فكان أولي بالمنع، وأما حمله في جملة الأمتعة بغير مقصود، وإنما يمنع منه إذا كان قصدًا، وكما أنه لا يجوز حمل ورقه من جملته، ويجوز حمل كتاب الفقه، وإن كان فيه آيات من القرآن، لأنه لم يقصد الكتاب للقرآن.
وروى ابن عمر﵁- أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ثم كتب إليهم في كتابه: " بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ " (آل عمران:٦٤) الآية.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا يجوز حمله أصلًا، وإن كان في جملة المتاع (٨٠ ب/ ١) لأنه حامل للمصحف وهو الأقيس.
فرع آخر
لا فرق في المس عندنا بين مس المكتوب منه، وبين ما هو منسوب إليه من قبله وظرفه وحواشيه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وصندوقه المتخذ له. وهذا عندي أنه يريد به عند الحمل، فإن مش الصندوق دون المصحف لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: له أن يمس ما عدا كوضع الكتابة. وهذا غلط لأنه جزء من المصحف كالمكتوب.
فرع آخر
الدراهم التي عليها القرآن، قال أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم حملها في الرق إذا كتب فيه شيء من القرآن.
والثاني: يجوز لأنهم لا يقصدون بحملها ومسها من القرآن حمل المال ولا فرق بين أن يكون فيها ﴿قل هو الله أحد﴾ (الصمد:١) أو غير ذلك.
وقال صاحب "الحاوي": إن كان لا يتداولها الناس كثيرًا ولا هم يتعاملون بها غالبًا كالتي عليها سورة الإخلاص لا يجوز حملها لأن الحرمة للمكتوب من القرآن، وإن كان يتداولها الناس كثيرًا ويتعاملون بها غالبًا، هل يجوز لهم حملها فيه وجهان، أحدهما: يجوز للمشقة الغالبة. والثاني: لا يجوز وهو اختيار من أبي هريرة، وهذا أحوط عندي والأول أقيس.
فرع
لو كان القرآن مكتوبًا على طعام مأكول هل يحرم مسه فيه وجهان.
[ ١ / ١١٤ ]
فرع آخر
هل يجوز مس كتاب المزني ونحوه الذي (٨١ أ/ ١) فيه آيات من القرآن؟ قيل: وجهان وجه واحد أنه يجوز وهو الأصح.
فرع آخر
الثياب التي كتب على ظهرها- أي من القرآن- قال أصحابنا فيه وجهان، وقيل: فيه وجه واحد أنه يجوز، لأن المقصود غيره وهو كالبيت الذي نقش عليه القرآن يجوز مسه. وقال صاحب "الحاوي":لا يجوز لهم لبسها وجهًا واحدًا لأن الكتابة كلها قرآن والمقصود بلبسها التبرك بما عليها من القرآن.
فرع آخر
لو تصفح أوراقه بخشبة فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه غير مباشر له ولا الحامل له والخشبة بائنة منه وهو الأصح.
والثاني: لا يجوز، لأن الخشبة منسوبة إليه وهو الأظهر عند أصحابنا بخراسان.
وقال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا لما ذكرنا من العلة، ولو تصفح بكمه الملفوف على يده لم يجزه وجهًا واحدًا لأنه لا يمس لكمه واضع ليده عليه.
فرع
لو كتب وهو محدث غير حامل له كان وضع اللوح على الأرض ولا يمسه إلا رأس قلمه، فإنه يجوز لكن كتابته بأكثر من تلاوته وللمحدث لأن يتلو القرآن وإن كان جنبًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كالتلاوة.
والثاني: يجوز لأن التلاوة أغلط من الكتابة، لأن المصلي لو كتب الفاتحة لا يجوز عن تلاوتها فجاز للجنب أن يكتب القرآن، وإن لم يتناوله، هكذا ذكره صاحب (الحاوي) وسائر أصحابنا لم يفرقوا (٨١ ب/ ١) بين المحدث والجنب، وقالوا: فيها وجهان.
فرع آخر
هل يجوز للصبيان مس المصحف من غير طهارة؟ فيه وجهان.
أحدهما: يجوز لموضع الحاجة والضرورة، وإنه لا تكليف عليهم ولا يمكن حفظ طهارتهم.
والثاني: لا يجوز، ويمنعون منه كالبالغ، وهذا أحوط والأول أصح، وأما الطفل الذي لا يميز له يمنع منه مسه لأنه لا يؤمن تكربته.
فرع
قال بعض أصحابنا: لا يمنع الصبي من مس اللوح في المكتب؛ لأن فيه مشقة
[ ١ / ١١٥ ]
[وهل] يمنع البالغ من مس اللوح الذي كتب عليه القرآن في حال حدثه؟ وجهان:
أحدهما: لا يمنع لأنه كتب لغرض وهو التعليم ولهذا المجيء كل الوقت.
والثاني: أنه يمنع وهو الأصح عندي ولا شك أنه يكره ذلك.
فرع آخر
هو يجوز له مس تفسير القرآن؟ قال أصحابنا: إن كان القرآن المتلو منه أكثر من تفسيره لا يجوز، وإن كان التفسير أكثر من القرآن المتلو ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز تغليبًا لحرمة القرآن.
والثاني: يجوز اعتبارًا بالأغلب، ومن أصحابنا من قال: إن كان القرآن مكتوبًا بخط غليظ والتفسير بخط أدق منه فحكمه حكم المصحف، وإن كان مكتوبًا بخط واحد فإنه يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس القصد منه كتب القرآن ككتب الفقه التي فيها آيات القرآن، وكذلك يكره له مس (٨٢ أ/ ١) كتب أخبار رسول الله ولا يحرم.
فرع
لو كان على بدنه نجاسة فأراد أن يحمل المصحف بعضوه الذي لا نجاسة عليه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ممنوع من الصلاة وهو اختيار الصميري من أصحابنا.
والثاني: وهو الأصح أنه يجوز لأن النجاسة لا تتعدى إلى غير ما هي عليه بخلاف الحدث، ولو أراد أن يمسه بيده النجسة فلا إشكال أنه لا يجوز.
فرع آخر
لو أراد حفل التوراة والإنجيل أو سهمًا. قال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك للحرمة. وقال جمهور أصحابنا: يجوز لأنها منسوخة فقصرت حرمتها عن حرمة القرآن ولأنها مبدلة، قال الله تعالى: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) (البقرة:٧٥) والمبدل لا حرمة له.
فرع آخر
لو استباح واحد منهم فعل الصلاة إما بالطهارة بالماء عند وجوده أو بالتيمم عن عدمه ارتفع هذا المنع كما في الصلاة، ولو لم يجد ماءً ولا ترابًا، حكي في أحد القولين: ولا يمسه، ولا يحمله لأنه لا ضرورة إليه.
مسألة: قال: " ولا يمنع من قراءة القرآن إلا جنبًا".
وهذا كما قال في نسخة: إلا الجنب. فالمنصوب نصبه على الحال، أي لا يمتنع إلا في حال الجنابة، وأراد المرفوع لا يمتنع عن قراءة القرآن إلا شخص جنب، وأراد قراءة القرآن عن ظهر القلب من غير المس لا يحرم إلا على الجنب، وظاهره يقتضي أن
[ ١ / ١١٦ ]
لا تمتنع (٨٢ ب/ ١) الحائض ولا النفساء، وحكي هذا القول عن الشافعي رواه أبو ثور، وقال ابن المنذر قال الشافعي في (القديم) هذا، واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال: فيه قولان، ومنهم من قال: قول واحد أنها لا تقرأ كالجنب، زهو قوله الجديد لما روى ابن عمر﵁- أن النبي ﷺ قال: " لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن " وما ذكره ابن المنذر عن القديم لا نعرفه، وأبو ثور قال: جوز أبو عبد الله للحائض والنفساء قراءة القرآن وأراد به مالك لأن كنيته أبو عبد الله فهذا هو الصحيح لأن الجنابة هي أخف من الحيض، فإن امتنع منه الجنب فالحائض أولى واحتج مالك بأن الحيض والنفساء يمتد ويطول فيؤدي إلى نسيان القراءة بخلاف الحدث، وربما تكون معلمة فيتعطل كسبها بذلك،
قيل: يمكنها أن تتفكر فيه بقلبها ولا تحرك لسانها لئلا تنسى وتنظر في المصحف، ويقلب غيرها أوراقه.
وقال داود: يقرءون ما شاءوا به، قال ابن المنذر: روي أنه سئل سعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب؟ فقال: نعم، أليس هو في جوفه، وقال ابن عباس: يقرأ ورده، وهو جنب، وروى نحو قولنا عن عمرو وعلي، والحسن، والنخاعي والزهري، وقتادة﵃- وقال أبو حنيفة، وأحمد يقرأ دون الآية، وقال مالك (٨١ أ/ ١) في الجنب: يقرأ آيات يسيرة، وقال الأوزعي: لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب والنزول (سبحان الذي سخر لنا هذا) (الزخرف:١٣) الآية، وقال تعالى: " ربي أنزلني منزلًا مباركًا " (المؤمنون: ٢٩) الآية.
واحتج داود بأن وجوب الطهارة لا تمنع القراءة أصل وجوبها عن الحدث الأصغر. قلنا: حكم الحدث اخف ويتكرر فيشق عليه المنع بخلاف الجنابة، وهذا غلط لما روى عن علي﵁- أنه قال: أن النبي صلي الله عليه وسلم (لم يكن يحجبه عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة). ذكره أبو داود وروى لم يكن بحجزه. وقال علي﵁- أيضًا كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن بكل حال، فإذا كانت الجنابة فلا ولا حرف، وقال عمرو بن حزم: كتب إلي رسول الله ﷺ (لا تقرأ القرآن إلا طاهرًا) وأراد طاهرًا من الجنابة.
فرع
هل يجوز قراءة القرآن وفمه نجس، قال والدي﵀- يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجوز للحرمة كما لا يجوز مس المصحف ويده نجسة.
والثاني: يجوز ويكره كما يجوز قراءته محدثًا.
[ ١ / ١١٧ ]
فرع آخر
لو قال: بسم الله أو الحمد لله. فإن قصدت به قراءة القرآن لا يجوز ويأثم، وإن كان قصده التبرك، أو افتتاح الأمر عند العطاس أو الأكل، أو ابتداء الغسل يجوز ومن أصحابنا من قال: لا يسن للجنب التسمية في ابتداء الغسل، وان كان يقصد به التبرك (٨٣ ب/ ١) لأنه
نظمه نظم القرآن، ويحرم عليه القرآن، ولهم أن يذكروا الله تعالى وتسبيحًا وتهليلًا وتحميدًا. قالت عائشة﵂- لم يكن رسول الله ﷺ يترك ذكر الله تعالى على كل أحيانه، والمراد به ما ذكرناه.
فرع آخر
العادم لماء والتراب وهو جنب يؤمر بالصلاة تشبهًا في أحد القولين ولا يزيد على قراءة الفاتحة من القرآن لأنه لا يحتاج إلى قراءة الزيادة. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان. أحدهما: هذا، والثاني: لا يقرأ يل يأتي بالأذكار بدل القرآن كما لو كان عاجزًا بأنه لا يحسن القرآن؛ لأنه عاجزًا أيضًا لعقد الطهارة.
فرع أخر
الكافر لا يمنع من سماع القرآن لقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الل﴾ (التوبة:٦) وهل يمنع من التعلم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يمنع لأن رسول الله ﷺ كتب آيات القرآن إلى الكفار.
والثاني: يمنع لأنه لا يؤمن منهم إلا استهزاء في الخلوة، بخلاف السماعة.