قال الشافعي ﵀: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق" الخبر. وهذا كما قال: أعلم أن الخلطاء جمع [٥٥ ب/٤] خليط والخليط والمختلط وقد يقع هذا الاسم على الشركة لأنها حقيقة الخلطة وهي اختلاط الملكين أو الأملاك بحيث لا يتميز إلا بالقسمة وقد يقع هذا الاسم على خلطة المجاورة وهي اجتماع ماشية الاثنين والثلاثة في موضع واحد، ومرافقهما واحدة والأصل في معرفة حكم الخلطاء في الزكاة ما صدر به الشافعي هذا الباب فقال: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" (١)، وروي سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه زيادة وهي أنه قال: "والخليطان ما اجتمعا في الفحل والراعي والحوض"، فإذا تقرر هذا فإذا كان بين رجلين نصاب من الماشية إذا كثر إما خلطة الملك أو خلطة المجاورة، فإنهما يزكيان زكاة المال الواحد سواء اختلف نصيبهما في الكثرة والقلة أو استويا وبه قال عطاء والاوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا تؤثر الخلطة في الزكاة بحال وحكمها حكم المنفرد ووافقنا أن خلطة الأعيان تؤثر في جواز الأخذ حتى يأخذ الساعي الزكاة الواجبة في المال من الوسط ثم يرجع صاحب الأقل على صاحب الأكثر بالزيادة [٥٦ أ/٤] وقال مالك: إن كان كل واحد منهما يملك نصابًا كاملًا زكيًا زكاة الانفراد، وإن كان كل واحد منهما يملك دون النصاب لا تؤثر الخلطة كما قال أبو حنيفة.
مسألة: قال: والذي لا أشك فيه أن الشريكين ما لم يقتسما الماشية خليطان.
الفصل
وهذا كما قال: هذا هو إشارة إلى ما ذكرنا أن حقيقة الخلطة إنما هي الشركة وتسمى هذه خلطة الأعيان ثم بين بعد ذلك أن الخلطة من جهة المجاورة تدخل تحت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ١٤٥)، وأبو داود (١٥٧١)، وابن ماجه (١٨٠٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢١)، وعبد الرزاق (٦٨٠٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٣٠٥، ٧٣٢٩)، والدارقطني (٢/ ١٠٥).
[ ٣ / ٥٣ ]
ذلك أيضًا في الحكم وهي التي تسمى خلطة الأوصاف فيكون مال كل واحد منهما معلومًا والخلطة في أوصافه بأن يريحان معًا على ما نذكر فقال: وقد يكون الخليطان الرجلين يتخالطان بماشيتهما، وإن عرف كل واحد منهما ماشيته وهذا صحيح على ما قال، ومن أصحابنا من قال في الخبر وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وهذا يتبين بذكر المذهب، فاختلف قول الشافعي في الخلطة المطلقة ما هي؟
قال في"الأم" (١): المطلقة هي خلطة الأعيان، وهي التي ذكر هاهنا، وقال في "القديم": المطلقة خلطة الأوصاف لأنه ذكر الخبر ثم قال: والخليطان أن يعرف كل واحد عين ماشيته ويريحا، وذكر الفصل ولا خلاف أن الاسم يقع عليهما وأن [٥٦ ب/٤] اختلاف القولين لمعرفة المراد بالتراجع المذكور في الخبر لا بحكم آخر يتغير به، فإذا قلنا بقوله القديم: فالتراجع واضح، فإذا أخذ الساعي من مال إحداهما شاة أو أكثر بالحق رجع على شريكه بقدر ما أدى، وإذا قلنا بقوله الجديد: ففي أربعين شاة مشتركة إذا أخذ شاة فلا تراجع، وهكذا في أكثر وإنما يتصور التراجع في خمس من الإبل بينهما فأخذ من إحداهما شاة من ماله فإنه يرجع بنصف المأخوذ على شريكه، وكذلك إذا لم يكن عين الفريضة في المال المشترك مثل إن وجبت بنت مخاض أو بنت لبون وليست في المال فأخذها من أحد الشريكين يرجع بنصفهما، فإذا تقرر هذا قال (٢): ولا إلى عشر شرائط.
إحداها: أن يكون مسرحهما واحدًا وهو المرعى فيكون مرتعهًا واحدًا.
والثانية: أن يكون مراحهما واحدًا، وهو المبيت فيردان عشاء إلى مراح واحد.
والثالثة: أن يكون السقي واحدًا وهو أن يكون موضعهما أو منهليهما واحدًا فلا يميزان عند السقي، وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كان بين المنهلين أو الحوضين مسافة فإن لم يكن بينهما مسافة فيهما كالحوض الواحد.
والرابعة: أن يكون [٥٧ أ/٤] راعيهما واحدًا.
والخامسة: أن يكون فحولهما مختلطة وهو أن يكون الفحل الذي يطرق عنهما واحدًا، إما أن يكون مشتركًا أو ملكًا لإحداهما أو مستعارًا، ولكن لا يحص به إحداهما بحيث لا يرسله إلا في أغنامه.
والسادسة: أن يكون مال الخلطة نصابًا.
والسابعة: أن يكون كل واحد من الخليطين من أهل الزكاة حتى لو كان إحداهما ذميًا أو مكاتبًا وكان الآخر حرًا مسلمًا لا يؤثر الخلطة في مالهما فهذه سبع شرائط لا خلاف فيها بين جمهور أصحابنا، وفي ثلاث شرائط منها خلاف، إحداهما: الحلاب نقل المزني وعليًا معًا ولم يذكر الشافعي في "الأم" فمن أصحابنا من غلط المزني في
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٢).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٠٥).
[ ٣ / ٥٤ ]
نقله، وقال: لا يصح هذا الاعتبار ولأنه يؤدي إلى الربا فإنهما إذا خلطا اللبن ثم اقتسما فإنه يؤدي إلى الربا لأنه لا يجوز أن يكون لبن إحدى الماشيتين أغرز من الأخرى.
وقال أبو إسحاق: ما نقله المزني فهو صحيح ونقل حرملة مثله ومعناه: أن الماشيتين لا يفرق بينهما للحلب كما لا يفرق بينهما للسقي فيحلبان في موضع واحد، وإن كان لكل واحد محلب على حدة يحلب فيه ماشيته خاصة ولم يرد به أنهما يحلبان في إناء واحد، ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب [٥٧ ب/٤] واحد فيحلبان في إناء واحد ولا يتميز إناء إحدى الماشيتين عن الأخرى، ولكن لا يجمع بين اللبنين ولا يخلط إحداهما بالآخر، ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحد فيحلبان في إناء واحد ثم يقتسمان على قدر الماشية ويجوز ذلك عن طريق المسامحة لما يجوز أن يخلط الرفقة في السفر أزوداهم ويأكلون معًا، وإن كان إحداهما أكثر أكلًا والآخر أقل أكلًا فحصل من هذا أن أصل الحلاب هل يشترط؟ وجهان، إحداهما: لا يشترط فكل واحد منهما يحلب ماشيته فكيف شاء لأن الأخلاط تعتبر في الأصل لا في النماء كما لا يعتبر في جز الصوف، والثاني: يشترط ذلك ليحصل رفق الخلطة فإذا قلنا بهذا ففي كيفيته ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون الحلاب على موضع واحد فقط، والثاني: أن يكون المحلب واحدًا ولا يشترط أن يكون الحالب واحدًا ولا خلط اللبن، والثالث: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا ويخلطان اللبن وهذا هو أضعف الوجوه، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا فقال: لا خلاف أن خلط اللبن لا يشترط ومن اشترطه فقد سها ولكن يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا، ومن أصحابنا بخراسان من قال: [٥٨ أ/٤] الصحيح في الفحل أنه لا يشترط أن يكون واحدًا مشتركًا بل يشترط فيه من ذكرنا في الحلاب وهو ان يكون الأنزاء في موضع واحد. وإن كان لكل واحد فحل على حدة ينزيه على ماشيته خاصة، وهذا غريب والشرط الثاني من الشرائط الثلاث فيه الخلطة فهل يعتبر ذلك وجهان كما قلنا في نية السوم إحداهما: أنه شرط كما يشرط النية في أصل الزكاة، والثاني: لا يشترط وهو المذهب لأن المقصود حقه المؤنة ويجعل ذلك من دون النية، والثالثة: وجود هذه الشرائط في جميع السنة، قال الشافعي في الحديث: يعتبر من أول السنة وليس هذا بمشهور، ومن أصحابنا من قال: لا يشترط أن يكون الراعي واحدًا ويكفي أن يكون المرعى واحدًا وادعى أن هذا هو المذهب وهو غلط، لأن تخفيف الخلطة إنما يحصل بأن لا ينفرد الراعيان في التعهد والمراعاة ولا تكثر المؤنة باتخاذ كل واحد منهما راعيًا على حدته ويجوز أن يكون الراعي عشرة نفر وأكثر بعد أن يكونوا على الاشتراك في العمل، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى سواد المختصر وبيانه قال: ويكونان خليطين أي: لا يثبت لهما في الزكاة حكم الخلطة حتى توجد الشرائط ثم ذكر [٥٨ ب/٤] بعض الشرائط، قال: فإذا كانا فإنهما يصدقان صدقة الواحد
[ ٣ / ٥٥ ]
أي: يؤخذ منهما كما يؤخذ من المالك الواحد سواء، وقوله: بكل حال أي: سواء استويا في عدد الماشيتين أو (١) فيه بقليل أو كثير ثم ذكر شرطين بعد ذلك فقال: ولا يكونان خليطين حتى يحول الحول على ما ذكر وأراد أنهما إذا خلطا في خلال الحول ثم تم الحول زكيًا الآن زكاة الانفراد لأنهما كانا في أول هذا الحول الذي وجبت فيه الزكاة منفردين، ثم إذا مضى حول آخر بعد ذلك وهما خليطان حينئذٍ زكيا زكاة الواحد ثم بين انه فقد شرط من هذه الشرائط بطل حكم الخلطة في حق الزكاة.
فقال: فإن تفرقا في مراح. الفصل إلى أن قال: فليس بخليطين.
أي: في حكم الزكاة ويُصدّقان صدقة الاثنين ثم قال: وهكذا إذا كانا شريكين وأراد، وهكذا إذا كانا شريكين فاقتسما قبل الحول وتفرقا في شيء مما ذكرنا بطل حكم الخلطة فإن لم يقتسما فلا يضر تفريق الماشية ولا يؤثر في حكم الزكاة، وقال مالك: شرائط الخلطة ثلاث الرعي والفحول والسعي فقط فإن فقد واحد منهما صحت الخلطة وإن فقد شرطان لا تصح الخلطة [٥٩ أ/٤] وهذا غلط، لأن تخفيف المؤنة يحصل بما عداهما على ما ذكرنا ثم بعد هذا احتج على مالك فقال: ولما لم أعلم مخالفًا يعني من أهل المدينة إذا كان ثلاثة خلطاء لو كانت لهم مائة وعشرون شاة، أي: لكل واحد منهم نصاب كامل وهو أربعون أخذت منهم واحدة أي: كما لو كانت في ملك رجل واحد وصدقوا صدقة الواحد فنقصوا أي: أهل المدينة نقصوا في هذه المسألة المساكين شاتين من مال الخلطاء الثلاثة الذين لو تفرق مالهم كانت فيه ثلاث شياه لم يجز إلا أن يقولوا: بإزاء هذه المسألة إذا كانت أربعون شاة بين ثلاثة كانت عليهم شاة حتى تنفع الخلطة المساكين في هذا المسألة بإزاء ما ضرهم في تلك المسألة، ثم ذكر المعنى الجامع فقال: لأنهم صدقوا الخلطاء صدقة الواحد يعني أن الخلطة تصير الأملاك في حكم الملك الواحد في حق الزكاة قياسيًا لهذه المسألة على تلك المسألة.
فرع
لو تفرقت الماشيتان في المرعى بأنفسهما من غير قصد المالكين أو إحداهما إن كان لأغنام كل واحد منهما هادٍ قد ألفته الأغنام فافترقا وتبعتهما الأغنام فإن علم الملاك وسكنوا انقطعت الخلطة، وإن لم يعلموا حتى المواشي بعده فإن [٥٩ ب/٤] لم يكن امتد الزمان لا تنقطع الخلطة، وإن امتد الزمان فالحكم كما لو فرق الراعي أو اجتبى بغير إذن المالك وفيه وجهان، إحداهما: لا تنقطع الخلطة بعدم قصد المالكين، والثاني: ينقطع لافتراق مالهما بناء على أن الغاصب إذا أسام المواشي المعلوفة أو علف السائمة ففي المسألة وجهان.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٥٦ ]
مسألة: قال (١): وبهذا أقولُ في الماشيةِ كُلِّهَا والزَّرعِ والحَائطِ.
وهذا هو كما قال اختلف قول الشافعي في الخلطة فيما عدا المواشي من الأموال التي يجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار والنقد هل يثبت فيها حكمها؟ قال في القديم: لا يثبت وبه قال مالك والفرق بينهما وبين النعم هو أن النعم أوقصًا متفاوتة ومتفقة فالخلطة تارة تنفع رب المال وتارة تضر ولا وقص فيما عداها فإثبات الخلطة فيها إضرار برب المال ولا يحصل في مقابلة الضرر منفعة وتخفيف من وجه آخر فلهذا لا يثبت حكمها فيها، والثاني: يثبت حكم الخلطة فيها نص عليه هاهنا، وفي الجديد: وهو الصحيح قياسًا على المواشي، وقد اختلفت الرواية عن أحمد وهذا لأن الخلطة إنما في المواشي لما فيها من تخفيف المؤنة والإرفاق برب المال، وهذا موجود في غيرها [٦٠ أ/٤] لأن في الزروع يقتصران على ناطور واحد وهو الحافظ ونهر واحد وساق واحد، وفي النقد يقتصر على صندوق واحد وخازن والميزان والوزان المنادي والمتقاضي والنقد واحد، وفي النخيل العامل والملقح والجذاذ واحد، فإذا قلنا: بهذا القول اختلف أصاحبنا فيه على ثلاثة أوجه، أحدها: يثبت فيها خلطة الاشتراك دون خلطة المجاورة، والثاني: يثبت كلتا الخلطتين وهو الصحيح المذهب وعليه أكثر أصحابنا، والثالث: ذكره أبو إسحاق أنها تثبت في الثمار والزروع كلا الوجهين ولا يثبت في الدراهم والدنانير إلا خلطة الاشتراك والفرق أن الارتفاق بالخليط لا يتحقق في الدراهم والدنانير إذا كانت مجاورة لأن دراهم كل واحد منهما هي في كيس منفرد عن كيس صاحبه يتصرف كل واحد منهما بانفراده كيف شاء، لو أراد ولا يمكن إحداهما أن يتصرف في مال صاحبه، ولكن يتحقق الارتفاق في الثمار والزروع بما ذكرنا من الأسباب، فاقترقا وهو اختيار القفال.
فرع
لو وقف بستانًا على قوم فإن كان على قوم غير معينين فلا عشر عليهم في ثماره كمال بيت المال، وكذلك إذا أخذ الساعي الصدقات ولم يقسما حتى [٦٠ ب/٤] حال عليها الحول لم تجب فيها الزكاة، وإن كان على قوم معينين فإن كان يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا يجب العشر عليهم، وإن كان جميعها نصابًا وينقص نصيب كل واحد عن النصاب فإن قلنا: لا تثبت فيما عدا المواشي فلا عشر عليهم وإن قلنا: تثبت فيجب العشر عليهم ولو وقفه على المسجد أو القنطرة لا يجب العشر في ثماره وزرعه لأن ليس له ملك معين.
فرع آخر
لو وقف أربعين شاة أو خمسًا من الإبل فإن كان على عير معينين لا يلزم الزكاة فيها
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٠٦).
[ ٣ / ٥٧ ]
قولًا واحدًا، وإن كان على معينين فإن قلنا: ملك الموقوف لله تعالى فلا زكاة فيها، وإن قلنا: الملك للموقوف عليهم فهل تجب الزكاة فيه وجهان، إحداهما: تجب الزكاة لأنها ملكه، والثاني: لا تجب لأن ملكهم ناقص إذ لا يجوز لهم أن يتصرفوا فيه على الإطلاق فأشبه مال المكاتب وهذا أصح وعلى كلا الوجهين لا يخرج الزكاة من عينها لأنها وقف فلا يعطي المساكين، وإذا تقرر هذا فقد ذكر في المختصر فصلًا بعد هذا فقال: أرأيت لو أن حائطًا صدقته مجزأة يريد موقوفة على مائة إنسان ليس فيه إلا عشرة أوسق، أما كانت فيه صدقة الواحد وأراد بهذا أن مالكًا سلم في هذا المسألة [٦١ أ/٤] أن عليهم صدقة الواحد، وإن كان حصة كل واحد منهم لم تبلغ نصابًا، فكذلك في المواشي وجب أن يلزم ذلك واعتذر محمد بن سلمة المالكي عن هذه فقال: تلك الثمرة باقية على ملك الواقف لا تدخل، وفي ملك الموقوف عليهم إلا بالقسمة فلهذا أوجب فيها الصدقة، لأن الملك لواحد وهو تمام النصاب، وهذا خطأ لأن الواقف قد زال ملكه عنه، وقد يكون وقت وجوب الصدقة ميتًا أو على صفة تجب في ملكه الزكاة فدل أنها وجبت على الموقوف عليهم لا على الواقف، ويؤكده أنه إن أمكن أن يقال هذا في الأصل فلا يمكن أن يقال إن الثمار ملك الواقف وهي لم تكن في جبانة، وحديث حين كان ترابًا في القبر وقيل قصد بهذا الكلام الرد على مالك من وجه آخر، وهو أنه قال: لا خلطة فيما عدا المواشي أصلًا. ثم قال في هذه المسألة: أن عليهم الزكاة وقيل: قصد به الرد على أبي يوسف ومحمد، لأنهما منعا الخلطة، وقالا بالتوسيق وأوجبا العشر هاهنا، وهذه متناقضة ثم قال الشافعي: وما قلت في الخلطاء معنى الحديث نفسه ثم هو قول عطاء وغيره، فاستأنس بقولهم قال: ويروى عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن الاثنين أو النفر كأنه شك في هذين اللفظين [٦١ ب/٤] يكون لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة والشك من الشافعي ثم جاء الشافعي إلى بيان أو الحديث فقال: ومعنى قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا بجمع بين مفترق خشية الصدقة لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة وإنما عليهم شاة واحدة، فغنها إذا افترقت تجب ثلاث شياه وليس للساعي أن يفرقهما خشية نقصان الصدقة بل يقررها على الخلطة ولا يجمع بين مفترق، رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تركا متفرقتين فكليهما شاتان، وإذا جمعتا يلزم ثلاث شياه فليس للساعي أن يجمع لتكثر الصدقة، ولا لرب المال أن يفرق لتفك الصدقة، ثم قال: فالخشية خشيتان خشية الساعي أن تقل الصدقة وخشية رب المال أن يكثر الصدقة فأمر أن يقر كل على حاله وعلى هذا لو كانت منهما أربعون شاة مشتركة فرب المال لا يفرقها حتى تسقط الصدفة، وإذا كانت مائتان وشاة مشتركة فليس له أن يفرقها حتى تجب شاتاتن وهذا كثير فإن فعل فبعد الحول لا يؤثر وقبل الحول إن قصد به نقص الزكاة فيكره، وإن لم يقصد نقصها فلا يكره.
مسألة: قال: ولو وَجَبتْ عليهِمَا شاةٌ وعدَّتُهُما سواءٌ، فظَلَمَ السَّاعي فأَخَذَ منْ غَنَمِ إحداهما عنْ [٦٢ أ/٤] غَنَمِهِ وعنْ غَنَمِ الآخرِ شَاةُ رَبِّي.
[ ٣ / ٥٨ ]
الفصل
وهذا كما قال: هذا تفريغ على تراجعهما بالسوية والخلطة خلطتان خلطة أوصاف وخلطة أعيان، ففي خلطة الأعيان، لا يثبت التراجع إلا في التراجع إلا في موضعين على ما ذكرنا، والساعي يأخذ المشترك في الزكاة، وأما خلطة الأوصاف، فالكلام فيها في فصلين، إحداهما: في جواز الأخذ، والثاني في التراجع، فأما جواز الأخذ إذا جاء الساعي هل يجوز له أن يأخذ جميع الصدقة من نصيب إحداهما مثل أن يكون بينهما أربعمائة شاة لكل واحد مائتان فوجب على كل واحد منهما شاتين، وإن لم يمكن ذلك بأن يكون بينهما أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون يأخذ شاة من نصيب أيهما شاء، لأنه يتعذر عليه أن يأخذ نصف شاة من كل واحد منهما، وهكذا إذا كانت بينهما أربعمائة إلا أن الفرض موجود في نصيب إحداهما، ونصيب الآخر أعلى سنًا من الواجب يأخذ من النصيب الذي وجد فيه الفرض ولو كانت بينهما ثلاثمائة شاة فإنه يجب ثلاث شياه على كل واحد شاة ونصف فيأخذ من نصيب كل واحد شاة والشاة الأخرى يأخذ من نصيب من شاء منهما ثم يرجع من يؤخذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها، وقال ابن أبي [٦٢ ب/٤] هريرة يجوز للساعي أن يأخذ الفرض من نصيب أيهما شاء بكل حال، لأن الخلطة تجعل المالين بمنزلة المال الواحد وهذا هو المذهب الصحيح، وعليه يدل كلام الشافعي في"الأم" فإذا تقرر هذا فإذا كانت بينهما أربعون شاة فجاء الساعي وأخذ من نصيب إحداهما فإن أخذ مقدار الفرض رجع المأخوذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها وجازت الزكاة عنهما ولا يرجع بنصف شاة فإن قيل: أليس لو أتلف مال الزكاة لزمته الزكاة من جنس المال لا قيمتها فما الفرق؟ قيل: الفرق هو أن ما دفع إحداهما وقع موقع الزكاة عن الدافع وعن شريكه وصاحبه لا يؤدي الزكاة، بل يغرم لصاحبه ما أدى من قبله كما لو أمر رجلًا ليخرج عنه الزكاة ففعل فإنه يكون الرجوع بالقيمة إذا كان المؤدي من غير ذوات الأمثال كذلك هاهنا، وهناك يريد أن يؤدي الزكاة فيلزمه جنس مال الزكاة وعلى ما ذكرنا، لو كانت بينهما ستون شاة لإحداهما عشرون والأخر أربعون فثلثاها على صاحب الأربعين وثلثها على صاحب العشرين فإن أخذها من صاحب العشرين رجع على صاحب الأربعين بثلثيها، ولو أخذ من صاحب الأربعين رجع على صاحب العشرين بثلثها ولو [٦٣ أ/٤] كانت ثلاثمائة شاة بين اثنين ثلثاها لواحد وثلثاها لآخر فأخذ ثلاث شياه من صاحب المائتين لا يرجع صاحب المائتين على صاحب المائة بقيمة شاة بل يرجع بثلث قيمة الشاة الثلاث لأنها قد تفاوتت وقد حصل الكل مأخوذًا من الجملة على الشيوع، وإن أخذ ذلك من صاحب المائة رجع على صاحبه بثلثي قيمة الشياه الثلاث لا بقيمة شاتين من جملة الثلاث وعلى هذا القياس أبدًا، وإن أخذ الساعي من إحداهما أعلى من الفرض فإن كان قد أخذه بتأويل شائع مثل أن يكون مالكيًا يرى أخذ الكبار من الصغار يحتسب به ويرجع على صاحبه بنصف قيمته لأن الساعي كالحاكم، فإذا اجتهد في مسألة فيها خلاف، وحكم بقول
[ ٣ / ٥٩ ]
بعض الفقهاء لم يجز أن ينقض حكمه، وإن أخذ فوق الثنية أو أخذ الماخض أو الربى أو ذات الذر أو شاتين بدل شاة لم يكن له أن يرجع على صاحبه إلا بنصف قيمة الفرض ولا يرجع بالزيادة على صاحبه، لأنها ظلم لحقه من جهة الساعي فلا يرجع بالظلم إلا على الظالم وهذا دليل على أن الإمام لم ينعزل بالجور، وإن كان الساعي [٦٣ ب/٤] يذهب مذهب أبي حنيفة في جواز أخذ الغنم فأخذ من إحداهما قيمة الشاة، قال أبو إسحاق: لا يجوز لأنه خلاف النص الوارد فيه ولا يرجع على شريكه بشيء، لأنه جور وظلم بحقه والمنصوص فيه وهو المذهب أنه يجوز ويرجع على خليطه بحصته من القيمة لأنها مسألة اجتهاد، فإذا حكم فيها بالاجتهاد لا يجوز نقض حكمه.
فرع
لو أخذ من غنم إحداهما شاة وغنمهما سواء في العدد فتداعيا في قيمة الشاة فالقول قول من يؤخذ منه القيمة نص عليه في "الأم"، لأنه هو الغارم فأشبه الغاصب والمتلف، وإن كان مع المأخوذ منه بينة فالبينة أولى.
فرع آخر
لو وجدهما مفترقين فقال الساعي: افتراقهما بعد الحول ووجوب الزكاة، وقالا: كان ذلك قبل الحول فالقول قولهما في الوقت الذي افترقا فيه.
فرع آخر
لو كان لإحداهما أربعون من البقر والآخر ثلاثون فجاء الساعي فأخذ من صاحب الأربعين مسنة ومن صاحب الثلاثين تبيع لا نقول أعطى كل واحد ما عليه فلا تراجع بل كل واحد أدى ما أدى عن نفسه وشريكه فيرجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع مسنة وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع تبيع وعلى عكس هذا لو اخذ من صاحب الأربعين تبيعًا [٦٤ أ/٤] ومن صاحب الثلاثين مسنة رجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع تبيع وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع مسنة، وكذلك لو كانت لواحد مائة من الإبل وللآخر ثمانون وهما خليطُا فأخذ من صاحب المائة حقتين ومن صاحب الثمانين بنتي لبون رجع صاحب المائة على صاحبه بأربعة أتساع حقتين ورجع صاحب الثمانين عليه بخمسة أتساع بنتي لبون.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ لهُ أربَعُونَ شاةَ فأقامَتْ في يدِهِ شهرًا ثم باعَ نِصفَهَا ثمَّ حالَ الحَوْلُ عليهَا أخَذَ منْ نصيبِ الأوَّلِ نِصْفَ شاةٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت له أربعون شاة فأقامت في يده ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعًا فإن الحول قد بطل في النصف الذي لم يبعه فالمذهب أنه لا يبطل، وقال ابن
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٠٨).
[ ٣ / ٦٠ ]
خيران: فيه قولان، إحداهما: هذا، والثاني: أنه يبطل الحول كما لو اتلف نصفها، وإذا بطل الحول في النصف التالف بطل في النصف الباقي، قال: وهذا مخرج مما قال الشافعي في رجلين لكل واحد منهما أربعون من الغنم ستة أشهر ثم خلطاها وحال الحول هل يزكيان زكاة الخليطين أم زكاة الانفراد؟ فيه قولان: هناك يزكيان زكاة الانفراد انقطع [٦٤ ب/٤] الحول هاهنا لأنه لا يمكن بناء حول الخلطة على حول الانفراد وهذا ليس بشيء، لأن النصف الذي لم يبع انتقل من خلطة إلى خلطة، فإن كان خليطًا يملك نفسه بما صار خليطًا لملك غيره فلم ينفك طول السنة من نصاب كامل فلم يسقط حوله وهذا التخريج فاسد، لأن الشافعي خرج ذلك على القول الذي ذكره في الجديد، والشافعي نص في الجديد في"الأم" في هذه المسألة: أن حول البائع لا ينقطع فكيف يخرج في الجديد ما نص في الجديد على خلافه، فإذا تقرر هذا فإذا مضت ستة أشهر من حين باع فقد تم الحول على النصف الذي لم يبع فعليه نصف شاة، ثم إذا حال الحول على العشرين التي في يد المشتري من حين ملكه ينظر فإن كان البائع قد أخرج النصف من عين المال فلا يلزمه شيء، لأن مال الخلطة نقص عن النصاب، وإن كان قد أخرجه من غيرها فإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة فيلزمه نصف شاة في حصته، وإن قلنا: يجب في العين لا يلزمه شيء لأن نصف شاة قد صار للفقراء، وانتقض مال الخلطة عن النصاب، ولا يجوز أن يقال [٦٥ أ/٤] الفقراء إذا ملكوا النصف صار المال خلطة بينهما وبين الفقراء، لأن الفقراء غير معينين فلا تلزمهم الزكاة ومن زكاة عليه لا يثبت حكم الخلطة معه، وقال أبو إسحاق: تلزمه الزكاة في قول لأنه إذا أخرجها من غيرها تبينًا أن الزكاة لم تتعلق بالعين، ولهذا قال الشافعي: إذا باع مال الزكاة ثم أخرج الزكاة من غيره صح البيع وهذا غلط، ولا يعرف للشافعي ما قاله ولم يحكه سائر أصحابنا، وكلهم قالوا: إذا أخرج الزكاة من غيره عاد ملكه إليه بعد الزوال وعلى هذا لو نتجت واحدة مع حول البائع أو قبله فالحول بحاله في حقهما بلا إشكال، لن النصاب لم ينتقص وإن باع نصفها مفرزًا وأخرجها من المراح يبطل حولها جميعًا، فإن ردها بعد ذلك إلى المراح كان استئناف للخلطة فيعتبر الحول من حين اختلطتا، وإن لم يخرجها من المراح، ولكن أفرزها من الجملة نقل أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو اختيار ابن أبي هريرة أنه لا تبطل الخلطة وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة، ومنهم من قال تبطل الخلطة [٦٥ ب/٤] وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة، ومنهم من قال: تبطل الخلطة بالتفرقة بينهما وبه قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: لو فرز منها عشرين ثم باعها منه ثم سلمها مفرزة ثم خلطها في الحال هل ينقطع الحول؟ وجهان، لأن زمان الانفراد كان يسيرًا فلا يضر، وإن أعلم علتها ولم يفرزها من الجملة لم يبطل حكم الخلطة بلا إشكال، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا هاهنا أنه يبطل لزوال الملك على الانفراد وهو غلط.
[ ٣ / ٦١ ]
فرع
لو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مختلطة من أول الحول ثم نصف الحول جاء ثالث بعشرين وخالطهما ثم أخذ الشريكين السابقين ميز ماله من الجملة فالذي بقي وكان خليطًا من أوله يلزمه عند تمام حوله نصف شاة، لأن الخلطة له حصلت في جميع الحول، إلا أن في بعض الحول كان خليطًا لزيد وفي بعضه كان خليطًا لعمرو.
فرع آخر
لو كانت له أربعون شاة في بلد وأربعون في بلد آخر فلما مضت ستة أشهر باع نصف إحدى الأربعين مشاعًا ثم حال حول البائع [٦٦ أ/٤] من حين ملك فما الذي يجب؟ قولان، إحداهما: يجب ثلاثة أرباع شاة لأنه في أول الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره، ثم إذا تم حول المشتري يلزمه ربع شاة، والثاني: على البائع شاة، لأنه إذا باع نصف الأربعين انقطع حول الأربعين وصار كأنه لا يملك إلا الأربعين الأخرى، ثم إذا حال حول المشتري على العشرين فإنه يلزمه نصف شاة نص عليه في باب افتراق الماشية (١)، قال القاضي أبو علي البندنيجي قال: ومن هاهنا خرج ابن خيران ذلك القول وثبت القولان.
مسألة: قال (٢): ولو كانتْ لهُ غَنَمٌ يَجِبُ فيها الزَّكاةُ فخَالَطَهُ رَجُلٌ بغَنَمٍ يَجِبُ فيها الزَّكَاةُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك رجل أربعين شاة في أول المحرم وملك آخر أربعين في أول المحرم وأمسكا ستة أشهر ثم خلطا فعلى قوله الجديد: لا خلطة بينهما في السنة الأولى ويخرج كل واحد منهما شاة كاملة عن ماشيته، وقال في القديم: تعتبر الخلطة في آخر السنة وهو مذهب مالك وهذا غلط، لأن ماشيتهما قد انفردتا في بعض السنة فوجب عليهما أن يزكيا زكاة الانفراد، كما لو كانتا مختلطتين في أول السنة منفردتين [٦٦ ب/٤] في آخرها، وأيضًا وجدت في هذه السنة حالة الاختلاط وحالة الانفراد فاعتبار حالة الانفراد أولى لأنها مجمع على حكمها وحكم الخلطة مختلف فيه ولأنها اليقين، فكان اعتبارها أولى، وأما في السنة الثانية: يزكيان زكاة الخلطة لأن الخلطة حصلت في السنة الثانية فيها من أولها إلى آخرها، وقول الشافعي ولم يكونا تبايعًا زكيت ماشية كل واحد منهما على حولها دليل على أنهما لو تابعيًا استأنف كل واحد منهما الحول على ما ملك من ماشية صاحبه ثم لا يخلو إذا تبايعا، إما أن يتبايعا الكل بالكل أو البعض بالبعض، فإن تبايعا الكل بالكل بأن قال بعتك غنمي هذه بغنمك هذه يستأنفان الحول من حين التبايع، فإن خلطا حين تبايعا زكيا زكاة الخليطين، ولو مضت
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٦).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٠٨).
[ ٣ / ٦٢ ]
مدة ثم اختلطا زكيا الزكاة المنفرد ويجيء فيه قوله القديم، وإن تبايعا البعض بالبعض مثل أن باع إحداهما نصف غنمه بنصف غنم صاحبه فإنه يصح مشاعًا ومفرزًا فالمشاع أن يقول: بعتك نصف غنمي هذه بنصف غنمك هذه والمفرز هو أن يعلم على كل واحد [٧٦ أ/٤] من العشرين علامة، ويقول: بعتك المعلم من غنمي بالمعلم من غنمك فإذا فعلًا هكذا حول المبيع على الطريقين، فإذا قلنا: لا ينقطع فحال الحول على غير المبيع وهو أربعون بينهما فعليهما فيها شاة، لأنه قد ثبت لهما حكم الانفراد في أول الحول، وكان خليط نفسه فيها وخليط غيره في باقيها وعلى قوله القديم: يجب عليهما نصف شاة لأنهما خليطان حال الوجوب بثمانين، ثم إذا حال حول المبيع هل تجب الزكاة؟ فيه وجهان: فإذا قلنا: لا يجب فلا كلام، وإذا قلنا: يجب فما تلك الزكاة؟ فيه وجهان، إحداهما: شاة كاملة عليهما كالأربعين غير المبيعة، لأن كل واحد منهما لم يرتفق على التمام بالخلطة، والثاني: نصف شاة عليهما على كل واحد ربعها لأنها أربعون خلطها مع أربعين طول الحول هذا على قوله الجديد، وعلى قوله القديم: تجب نصف شاة عليهما.
فرع
لو كان لكل واحد ثمانون فتبايعا فإن تبايعا الكل بالكل استأنفا الحول، وإن تبايعا البعض بالبعض مشاعًا أو مفرزًا على ما ذكرنا انقطع الحول في المبيع، والمبيع ثمانون لكل [٦٧ ب/٤] واحد أربعون، وفي غير المبيع لا ينقطع قولًا واحدًا، وبه قال ابن خيران، لأن الباقي نصاب بعد البيع في حق كل واحد منهما، ولكن إذا حال حول غير المبيع فعلى قول ابن خيران يزكي كل واحد منهما زكاة الانفراد فعليه في ملكه شاة، لأن عنده خلطة آخر الحول لا يسقط حكم الانفراد، وعلى قول الشافعي: عليهما شاة على كل واحد منهما نصف شاة لأن ماله ما انفك عن الخلطة طول الحول في أوله خليط نفسه وما فيه خليط غيره، ثم إذا حال حول المبيع ففيه الزكاة قولًا واحدًا، لأنا إن اعتبرنا الانفراد فهي كالأولى زكاتها شاة، وإن اعتبرنا الخلطة فهي ثمانون إلى ثمانين ففيها شاة.
فرع آخر
لو باع مال الزكاة من آخره وتأخر القبض عن وقت العقد زمانًا ثم حصل القبض هل يحتسب بذلك الزمان من حول المشتري؟ اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: لا يحتسب لعدم تصرفه، وأن الملك لا يتم إلا بعد قبضه، ومنهم من قال: يحتسب لثبوت ملكه عليه في ذلك الزمان وهو الأقرب.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ ماشيتِهُما سواء [٦٨ أ/٤] وحَوْلُ إحداهما: في المُحَرَّمِ وحَوْلُ الآخَرِ في صَفَرِ.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٠٨).
[ ٣ / ٦٣ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى رجل أربعين في المحرم واشترى آخر أربعين في صفر وأمسكاهما متفرقين فلما كان أول الربيع خلطا المال فإنهما يزكيان في السنة الأولى زكاة الانفراد، إلا أن حول صاحب المحرم أسبق، فإذا تم حوله أخرج شاة، وإذا جاء صفر فقد تم حول الثاني فيخرج شاة، وأما في السنة الثانية فإنهما خليطان من أولها إلى آخرها فيخرج نصف شاة من المحرم ويخرج الآخر نصف شاة في صفر وهو مراد الشافعي هاهنا بقوله: أخذ منهما نصف شاة من المحرم ونصف شاة في الصفر، وفي قوله القديم: يثبت هذا الحكم أيضًا في الحول الأول، لأنهما خليطان حال الوجوب، وقال ابن سريج: إذا اختلف حولهما لا يثبت حكم الخلطة أبدًا فتجب في الحول الثاني عليهما ما يجب في الحول الأول، وهذا غلط، لأن الخلطة وجدت من أول الحول إلى آخره فيها فيجب أن تكون زكاة هذا الحول زكاة الخلطة.
فرع
لو ملك أربعين شاة من أول المحرم وملك آخر أربعين شاة [٦٨ ب/٤] من أول صفر (١) ملك ولم يثبت للثاني حكم الانفراد فإن (٢) خرج في السنة الأولى شاة، لأنه ثبت له حكم الانفراد، وأما صاحب صفر إذا دخل صفر فيه وجهان، إحداهما: يزكي زكاة الانفراد شاة كاملة لأنه لما لم يرتفق صاحبه بخلطته لم يرتفق هو أيضًا بخلطة صاحبه، والثاني: عليه نصف شاة وهو الصحيح لأنه كان خليطًا من أول الحول ولا يصح اعتبار الرفق لأن في هذه المسألة يؤخذ في الحول الثاني (٣) الأول نصف شاة ولو تفرقا واقتسما المال قبل ان يتم حول الثاني لزمته شاة كاملة فارتفق الأول بالثاني، ولم يرتفق الثاني بالأول وهذا كله على القول الجديد وفي قوله القديم: يجب على الأول نصف شاة في السنة الأولى وعلى الثاني نصف شاة إذا حال حوله.
فرع آخر
لو ملك أربعين في المحرم ثم ملك إحدى وثمانين في صفر فحال حول الأولى يلزمه زكاة الانفراد شاة، ثم إذا تم حول الثانية تلزمه شاة أخرى بلا خلاف، لأن الكل مائة وإحدى وعشرون وقد أخرج شاة فبقيت عليه شاة [٦٩ أ/٤] أخرى فإن قيل: أليس المستفاد لا يضم إلى ما عنده عندكم فكيف ضممتم هاهنا؟ قيل: نحن تعبر حولها بنفسها ولا تضم إلى ما سبق في الحول، ولكن يضم في اعتبار النصاب وهذا مذهبنا.
مسألة: قال (٤): ولو كانُ بَيْنَ رَجُلَينِ أربَعُونَ شاةٌ ولإحداهما ببلدٍ آخَرَ أربعونَ شاةً.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) موضع النقط بياض بالأصل.
(٤) انظر الأم (١/ ١٠٩).
[ ٣ / ٦٤ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان بين رجلين أربعون شاة ولإحداهما في بلد آخر أربعون شاة كانت عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين وثلاثة أرباعها على صاحب الستين لأن ملك الرجل يجب ضم بعضه إلى بعض، وإن كان متفرقًا في مكان فيضم الأربعون الغائبة إلى العشرين التي له في الخلطة فيصير كأن مال الخلطة ثمانون لإحداهما وعشرون للآخر، وهذا هو المذهب المنصوص في كتبه، وقال ابن أبي هريرة: يجب على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة لأنه يضم ماله الغائب إلى ماله الحاضر في حقه دون حق صاحبه لأنا إنما نضم بعضها إلى بعض بالملك دون الخلطة ثمانون منها ستون له ويصير في حق صاحب العشرين كأن [٦٩ ب/٤] مال الخلطة أربعون له نصفها فيلزم الأول ثلاثة أرباع شاة بحساب الثمانين، وعلى الثاني نصفها بحساب الأربعين (١)، وهذا لا يعرف للشافعي ﵀.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي زيد المرزوي يلزم صاحب الستين شاة إلا نصف سدس شاة ويلزم صاحب العشرين نصف شاة لأن لصاحب الستين أربعين منفردة فيزكي زكاة الانفراد، فكأنه منفرد بستين شاة عليه فيها شاة فتخص الأربعين منها ثلثا شاة وله عشرون مختلطة فيزكي زكاة الخلطة فكان جميع الثمانين مختلط فيخص العشرين منها ربع شاة فتكون شاة إلا نصف سدس شاة، وأقل عدد يخرج منه ربع وثلثان منها ثمانية والربع منها ثلاثة فلذلك أحد عشر سهمًا فيجب عليه أحد عشر سهمًا من اثني عشر سهمًا من شاة، ويجب على صاحب العشرين نصف شاةٍ لأن الخلطة ثبتت في حقه في الأربعين الحاضرة، قال بعض أصحابنا: ونسب إلى ابن سريج يلزم على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين شاة وسدس شاة وهذا لأن في الأربعين ثلثي شاة لما ذكرنا من العلة [٧٠ أ/٤] وفي العشرين نصف شاة لوجوب نصفها على شريكه إذ لا تجوز المخالفة بين الشريكين، وهذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الإمام أبي بكر الأردني يجب على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة، لأنه اجتمع في ملكه الاختلاط والانفراد فصار كما لو كان في بعض الحول منفردًا، وفي بعضه مختلطًا فيغلب حكم الانفراد، فأما صاحب العشرين فمخالط لعشرين فيلزمه نصف شاة فحصلت خمسة أوجه، وقال القفال: حكم المسألة مبني على القولين، أن الخلطة خلطة ملك أ، خلطة عين ومعنى هذا أن من خالط بعض ماله بمال رجل هل يجعل كأنه خالط جميع ماله أم لا حكم للخلطة إلا في القدر الذي خالط؟ فأحد القولين أنها خلطة ملك وبه أجاب هاهنا لا يختلف أصحابنا فيه، وإذا قلنا: هي خلطة عين تجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف، وفي صاحب الستين أربعة أوجه، إحداهما: يلزم شاة إلا نصف سدس شاة،
_________________
(١) انظر الحلوي للماوردي (٣/ ١٥٠).
[ ٣ / ٦٥ ]
والثاني: شاة وسدس شاة، والثالث: شاة، والرابع: شاة ونصف شاة وهذا لأنه يجعل ملكه كملك المالكين لأن ملكيه اختلف حكمهما بالاختلاط الانفراد [٧٠ ب/٤] فيلزم في الأربعين المنفردة شاة، وفي العشرين نصف شاة إذ لو كان صاحب العشرين غير صاحب الأربعين لكان الحكم هكذا فعلى هذه الطريقة يكون في المسألة ستة أوجه، وفرع أصحابنا على هذا أنه لو كانت لرجل ستون شاة ولثلاثة أنفس لكل واحد منهم عشرون شاة فخالط صاحب الستين كل واحد من الثلاثة بعشرين شاة فعلى المذهب المنصوص تجل عليهم شاة نصفها على صاحب الستين لأن له نصف المال ويجب النصف على الثلاثة على كل واحد منهم ثلاثة وهو سدس الجميع وعلى قول ابن أبي هريرة لا يمكن ضم أملاك الثلاثة بعضها إلى بعض بالملك، ولا يمكن ضم كل عشرين منها إلى واحد من الثلاثة فيقال لصاحب الستين قد انضمت غنمك بعضها إلى بعض فضم الستين إلى غنم من شئت منهم فتصير ثمانين فتجب فيها شاة ثلاث أرباعها على صاحب الستين وعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة، لأن الخلطة هي ثلث في حق كل واحد منهم في الأربعين وعلى القول الذي اختاره أبو بكر الأردني يجب هاهنا على صاحب الستين شاة لأن غنمه يضم بعضها إلى بعض وتجعل كأنها منفردة فيجب فيها شاة ويجب على كل واحد من الثلاثة [٧١ أ/٤] نصف شاة لأن الخلطة في حق كل واحد منهم ثابتة في العشرين التي له وفي العشرين التي لخليطه وعلى القول الذي اختاره أبو زيد المروزي يلزم على صاحب الستين نصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرين نصف شاة، لأن كل ماله خلطة وعلى ما حكي عن ابن سريج على صاحب الستين شاة ونصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرية نصف شاة.
فرع
لو كانت له خمس من الإبل ولخمسة أنفس عشرون من الإبل لكل واحد أربعة فخالط صاحب الخمسة كل واحد من الخمسة إلا نفس ببعير واحد يجد عليهم بنت مخاض فمنها على صاحب الخمس وعلى كل واحد من الخمسة أربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءًا من ابنة مخاض، وعلى قول أبي هريرة: يجب على الخمسة على كل واحد منهم أربعة أخماس شاة وعلى صاحب الخمسة خمس بنات مخاض وعلى هذا لو كانت مع رجل أربعون شاة فخالط رجلًا له أربعون بعشرين شاة منها وخالط آخر معه أربعون بالعشرين الأخرى على كل واحد منهم ثلثاه، وعلى قول أبي هريرة: يجب على الذي فرق ماله ثلث شاة وعلى كل شاة وعلى كل واحد منهما ثلثا شاة.
فرع
لو كان مع رجل عشر من الإبل فخالط رجلًا معه عشرون من الإبل بخمس وخالط [٧١ أ/٤] رجلًا آخر معه عشرون بخمس ففيه ثلاثة أوجه أحدها: وهو المذهب على صاحب العشرة خمس حقه باعتبار جمع جميع الأملاك حتى يصير خمسين، وعلى هذه
[ ٣ / ٦٦ ]
الطريقة يجب على كل واحد من صاحب العشرين خمسا حقه، والثاني: يجب عليه ثلث بنت مخاض باعتبار جمع ملكه إلى ملك أحد خليطيه فعلى هذا على كل واحد من خليطيه ثلثا ابنة مخاض، والثالث: عليه خمس بنت مخاض وهذا على قولنا الخلطة خلطة عين لأن المجتمع في المكان خمسة وعشرون فيجب في كل جملة بنت مخاض ويلزمه الخمس فيها ويجب على كل واحد من صاحبه أربعة أخماس بنت مخاض.