قال (٢): أخبرنا مالِكٌ عن عمرو بنِ يَحيَى المازِنيِّ الخبر.
وهذا كما قال الفضة والورق والرقة هي عبارة عن معنى واحد وقيل: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة وهي من الحروف الناقصة كما قالوا في الوصل: صلة وفي الوزن زنة ويجمع الرقين والعرب قالوا: إن الرقين تغطي أفن الأفين أي: الدراهم تستر حمق الأحمق والأصل في وجوب الزكاة فيها قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، وقوله ﷺ " في الرقة ربع [١٤٠ أ/٤] العشر (٣) " فإذا تقرر هذا فلا زكاة فيما دون خمس أوراق منها لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: " ليس فيما دون خمِس أواق من الورق صدقة" (٤) والأوقية أربعون درهمًا وجمعها أواق بالتخفيف وأواقَّي بالتشديد، وروى علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا كان الورق تسعة
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ٣٢).
(٢) أنظر الأم (٢/ ٣٢).
(٣) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٣٥١٨)
(٤) أخرجه البخاري (١٤٠٥)، ومسلم (٦/ ٩٨٠).
[ ٣ / ١٢٨ ]
وتسعين ومائة فلا شئ فيه فإذا بلغ مائتين ففيه خمسة دراهم" (١)، وقال المعرفي: الاعتبار بمائتي درهم عدًا لا وزنًا حتى لو كانت معه مائة درهم وزنها مائتا درهم فلا زكاة وهذا جهل ببعض الأخبار والإجماع، فإذا تقرر هذا فجملة خمس أواق مائتا درهم بدراهم الإسلام وكل عشرة من دراهم الإسلام هي وزن سبعة مثاقيل ذهبًا ويريد بدراهم الإسلام وزن مكة دون ما أحدثه الناس، وكذلك بريد بالمثاقيل وزن مكة دون غيرها من البلدان، ولهذا قال ﷺ: "الميزان ميزان مكة والمكيال مكيال المدينة" وقيل: إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب لأن الذهب هو أوزن من الورق فكأنهم جربوا خثة من الورق ومثلها من الذهب فوزنوهما فكان وزن الذهب زائدًا على وزن الفضة بمثل ثلاثة أسباعها فكذلك [١٤٠ ب/٤] جعلوا كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل.
قال أبو القاسم بن سلام في "كتاب الأموال": سمعت شيخًا من أهل المعرفة بهذا الشأن يعني بأصل الدراهم وسبب ضربها في الإسلام فقال: إنَّ الدراهم كانت على وجه الدهر نوعين هذه السوداء البعلية الوافية وهذه الطبرية الخفيفة أي: طبرية الشام فكانت الزكاة تجب في صدر الإسلام في مائتين منهما فلما كان في زمان بني أمية أرادوا ضرب الدراهم فنظروا في المتعقب وأنهم إن ضربوا من الوافية التي في كل درهم منها درهم ودانقان، أضر ذلك بالمساكين وإن ضربوا من هذه الطبرية الخفيفة أضر ذلك برب المال فحملوا زيادة هذه على نقصها من هذه، لأن المقصود سكته وعينه لا قدر الفضة منه، ولهذا جاز البيع بالدراهم الغطرفية ببخاري وسمرقند، ولم يختلف فيه العلماء أو نقول صارت بحملتها مقصودة مع الأخلاط بعد الضرب فضارت كالغالية والأودية المعجونة، وقال بعض أصحابنا: ينظر في المغشوش فإن كانت الفضة غير ممازجة للغش من النحاس بل الفضة على ظاهرها والنحاس في باطنها لا يجوز المعاملة بها لا معينة ولا في الذمة، لأن الفضة وإن شوهدت فالمقصود الأخر غير معلوم ولا مشاهد [١٤١ أ/٤] كما لا يجوز المعاملة بالفضة المطلية بالذهب، وإن كانت الفضة ممازجة للغش لم تجز المعاملة بها في الذمة للجهل وهل يجوز بالعين؟ وجهان، إحداهما: لا يجوز لجهل بالمقصود، والثاني: هو الأظهر أنه يجوز كما يجوز بيع الحنطة المختلطة بالشعير إذا شوهدت، وإن لم يجز السلم فيها، وإن كان الغش غير مقصود فإن كانا ممتزجين لا يجوز المعاملة بها لا معينة ولا في الذمة، لأن مقصودها مجهول بمخالطة ما ليس بمقصود، وإن كانا غير ممتزجين بل الفضة على ظاهرها والغش في باطنها كالزرنيخية يجوز المعاملة بها إذا كانت حاضرة لا معينة، لأن المقصود منها مشاهد ولا يجوز في الذمة للجهل ولو أتلفها رجل فإنه يلزمه رد قيمتها ذهبًا وهذا كله ذكره في "الحاوي" (٢) ويحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان الأكثر فضة جازت المعاملة وإلا فلا يجوز، وأما لفظ "المختصر": قرئ لئلا يغريه أحدًا
_________________
(١) أخرجه أبو داوود (١٥٧٣)، والترمذي (٦٢٠). (٢).
(٢) أنظر الحاوي للماوردي (٣/ ٢٦٠، ٢٦١)
[ ٣ / ١٢٩ ]
وقرئ لئلا يغريه أحد وقرئ لئلا يعذية أحد فاللفظة الأولى هي محمولة على مباشرة التغرير والتدليس. واللفظة الثانية محمولة على مباشرة وازنه التغرير بعده جاهلًا بأنها مغشوشة. واللفظة الثالثة هي أحج عند من لا يجوز به التصرف أًصلًا، لأن من يعلم أنه مغشوش لا ينهي عنه كي لا يغير [١٤١ ب/٤] وإنما ينهي عنه، لأن تصرفه باطل، وأما حكم الزكاة فلا زكاة فيها حتى يعلم أنها إذا صفيت بلغت نصابًا ثم يجب فيها الزكاة، وقال أبو حنيفة: إن كان الغش أكثر فلا زكاة، وإن كان الغش أقل من نصفها تلزم الزكاة بناء على أن أصله أن الغش إذا نقص عن النصف سقط حكمه حتى لو اقترض رجل عشرة دراهم فضة لا غش فيها فرد عشرة فيها أربعة دراهم غش يلزم المقرض قبولها ويجوز أن يخرجها عن الفضة الخالصة في الزكاة على سواء، وهذا ظاهر الفساد يخالف ظاهر الخبر الذي رويناه، فإذا تقرر هذا فإن كان عنده ألف درهم مغشوشة فإن أخرج خمسة وعشرين درهمًا فضة خالصة أجزأته لأنه تطوع بالفضل، وإن أراد إخراج الزكاة منها نص في "الأم" (١) على ثلاث مسائل، أحدها: أنه أحاط العلم بقدر الغش منها فكانت منها خمسة وعشرين أجزاته لأن الفضة ستمائة وقد اخرج ربع العشر منه، والثانية: أن لا يحيط علمه بالمقدار ولكنه إذا استظهر عرف أنه أخرج الواجب وزيادة ففعل ذلك أجزأه، والثالثة: قال: لا أعرف المبلغ ولا استظهر [١٤٢ أ/٤] قلنا: فعليك التصفية لتعلم المقدار فتخرج منه هذا إذا أخرجها رب المال بنفسه إلى أهل السهمان فإن دفعها إلى الساعي وقال له: قد اجتهدت حتى أحاط علمي بالمقدار وهذا كل الواجب أو أكثر كان القول قول رب المال مع يمينه على الاستظهار، لأنه لا يخالف الظاهر فإن قال رب المال: لا أعرف المبلغ قطعًا لكن اجتهدت فأدى اختياري إلى هذا لم يكن للساعي أن يرجع إليه ولا يقبل منه حتى يشهد شاهدان من أهل الخبرة أن الأمر على ما حكاه، ولو أخرج الدراهم المغشوشة عن الدراهم الجيدة لم يجز وعليه أن يخرج خمسة دراهم لا فش فيها وهل له أن يرجع فيما أخرج من المغشوش قال ابن سريج فيه مثل ما قال فيما لو أخرج الرديء عن الجيد، وقد ذكرنا ما يقتضيه مذهب الشافعي إلا أنّا نقول: وها هنا إذا لم يذكر أنه عن فرصة لا يرجع وما أخرجه يجزيه بالقدر الذي فيه من القصد وعليه أن يخرج الباقي.
مسألة: قال (٢): ولو كانتْ لهُ فِضَّةٌ خَلَطَهَا بذَهَبٍ كانَ عليهِ أنْ يُدخِلَهَا النَّارَ حتَّى يَمِيزَ بَينَهُما.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت معه فضة مختلطة بذهب وقدر كل واحد منهما يبلغ [١٤٢ ب/٤] نصابًا فإنه تجب الزكاة فيها، وإذا أراد إخراجها فإن تيقن مقدار كل واحد
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ٣٣، ٣٤)
(٢) أنظر الأم (٢/ ٣٤)
[ ٣ / ١٣٠ ]
منهما أخرج زكاة كل واحد منهما بقدره، وإن لم يعرف مقداره وأراد أن يستظهر فيخرج كل ما يعلم أنه قد أدّى الواجب أجزأه، والاستظهار أن يخرج من كل واحد منهما أكثر ما يتوهم مثل أن يكون للكل وزن ألف درهم ويحتمل أن وزن خمسمائة منها فضة وخمسمائة ذهب ويحتمل أن وزن ستمائة فضة وأربعمائة ذهب فلا يكفي في الاحتياط أن يجعل قدر الشك ذهبًا فيخرج زكاة خمسمائة ذهبًا وخمسمائة فضة لأن عندنا لا تجزي القيمة في الزكاة ولا يجزي الذهب من الفضة، وان أخرج منه بوزن الفضة بل الاحتياط بقدر وزن خمسمائة وستمائة وإن لم يفعل ذلك (١) بالنار ليخرج من كل واحد منهما ما وجب وفي مؤنة السبك وجهان، إحداهما: من وسط المال لأن المساكين يتزكانه في المال قبل السبك فلم يجز أن يختص بمؤنته دونهم، والثاني: وهو الأظهر المؤنة على رب المال لأنه لا يمكن أخذ الزكاة إلا بها فهي كأجرة الحصاد في الزرع، وقال بعض أصحابنا: يمكن معرفة مقدار كل واحد منهما من غير التمييز بالنار بأحد [١٤٣ أ/ب] طريقين إحداهما: أن يأتي بإناء فيه ماء وتطرح فيه السبيكة المخلوطة فيعلو الماء لا محالة فيعلم على رأس الماء في الإناء علامة ثم يخرج السبيكة ويطرح بوزنها من النقرة الخالصة في الماء فيعلو الماء أكثر لأن الفضة أكثر جثة وأخف وزنًا ويعلم على الموضع الذي ارتفع الماء إليه علامة نم يخرج الفضة من الماء ويطرح في الإناء بقدرها ذهبًا فيعلو الماء أقل لأن الذهب هو أصغر جثة وأكثر وزنًا فتعلم على رأس الماء علامة أخرى فيحصل ثلاث علامات تعرف بمقدار تفاوت العلامات قدر كل واحد منهما، مثاله ارتفع الماء بألف مثقال فضة قدر أصح وبألف مثقال ذهب قدر ثلثي أصبع وبالمخلوط خمسة أسداس الأصبع فتعلم أن المخلوط نصفه ذهب ونصفه فضة فعلا الماء فيه نصف الإصبع بخمسمائة مثقال فضة وقدر ثلث أصبع بخمسمائة مثقال ذهب والطريقة الثانية: أن يطرح السبيكة المخلوطة في الإناء حتى يعلو الماء ويعلم على الموضع الذي ارتفع إليه علامة ثم يخرج المخلوط ويطرح فيه من الفضة الخالصة حتى يعلو الماء إلى موضع العلامة ويخرجها ويزنها نم يطرح فيه الذهب الخالص حتى يبلغ الماء إلى موضع العلامة وتخرجه وتزنه فتكون النقرة أقل [١٤٣ ب/ (٤)] من الذهب لا محالة فتعرف بقدر التفاوت قدر المخلوط مثاله ارتفع الماء إلى موضع العلامة بثمانمائة مثقال من الفضة ولما طرحنا الذهب لم يرتفع الماء إلى موضع العلامة إلا بألف ومائتين وخمسين مثقالًا فعلمنا أن كل مثقال من الفضة يشغل مكان مثقال ونصف ذهب، وان المخلوط نصفه فضة فشغل مكان سبعمائة وخمسين مثقالًا من الذهب وفيها خمسمائة ذهب.
فرع
لو كان عليه ألفين من الدراهم وليس له من أن يزن به يقضي الدين بهذا الطريق فإنه يجوز، ولو كان عليه دين من المكيلات فقض الدين بطريق الخرص فإنه يجوز، ولو
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ١٣١ ]
باع النقرة بالنقرة بهذا الطريق فإنه لا يجوز فإنه يعتبر في الربا تقدير مخصوص، ولهذا لو باع الحنطة بالحنطة وزنًا بوزن فإنه لا يجوز.
مسألة: قال (١): ولو كَانَتْ لهُ فِضَّةٌ مَلطوخَةٌ على لجامٍ أو مُمَوَّهٌ بِهَا سَقْفُ بيته.
الفصل
وهذا كما قال: صورة السقف بالذهب والقفة حرام لأنه من السرف والخيلاء، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز لأنه يصير تابعًا لمباح ولو فعل ذلك فإن كان متهلكًا لا يحمل منه شيء فلا زكاة فيه، وإن كان يحصل عنه شيء فالحكم فيه كالمسألة قبلها، وفي حلية اللجام كلام وظاهر [١٤٤ أ/٤] نصه هاهنا أنها محرمة وتجب الزكاة فيها.
مسألة: قال (٢): وإذا كانَ في يديهِ أقلٌ من خمسِ أواقٍ وما يُتمَّ خمَْسَ أواقٍ دينًا لَهُ أو غائبًا عَنهُ أحصَى الحاضِرَةً.
الفصل
وهذا كما قال؛ صورة المسألة أن يكون له عين ودين أو يكون له مال حاضر ومال غائب قال الشافعي: يضم بعضه إلى بعض فيذكر أولًا وجوب الزكاة في الدين (٣)، ثم نرجع إلى حكم المسألة، أما الدين فقال الشافعي في عامة كتبه: فيه الزكاة وقال في باب الزكاة في الدين من القديم الذي نقله الزعفراني: لا أعرف في الزكاة في الدين أمرًا صحيحًا يأخذ به ولا يتركه وأرى والله أعلم أن ليست، فيه زكاة وهذا نص منه على أن لا زكاة في الدين ولم ينقل هذه الرواية سواه من أصحابنا فمن أصحابنا من قال: فيه قولان ومنهم من قال: قول واحد، يجب فيه الزكاة فإذا تقرر هذا فالدين على ضربين، حال ومؤجل، فالحال: على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون الدين على مليء مقربه أي: وقت طالبه دفعه إليه فتجب الزكاة فيه لأنه في ملكه، ومقدوره كالوديعة ويجب عليه إخراجها قبضه أو لم يقبضه، وقال أبو حنيفة: تجب فيه الزكاة [١٤٤ ب/٤ [ولكنه لا يلزمه إخراج ما لم يقبضه، والثاني: أن يكون على مليء باذل في الباطن جاحد في الظاهر ويخاف أن يطالبه بغير حجة ويمنعه أو على مقر ملئ مماطل مدافع لم يجب عليه إخراجها إذا حال الحول لأنه ممنوع، ولكن متى قبضه زكاه لما مضى قولًا واحدًا، وكذلك إن كان الدين على ملئ غائب، والثالث: أن يكون على مليء جاحد في الظاهر والباطن لهو كما لو كان على معسر ولو كان على معسر كان كالمغصوب فلا يجب الإخراج في الحال، وإذا رجع إليه هل يزكيه لما مضى قد بيناه من قبل، وإن كان الدين على مليء مؤجلًا إلى سنة فإذا حل الدين هل يستأنف الحول؟
قال ابن أبي هريرة: يستأنف الحول قولًا واحدًا لأن عنده الدين المؤجل غير مملوك حتى قال لو حلف لا دين لي عليه قبل حلول الأجل لا يحنث ولو حلف أنه لا يستحقه
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٤)
(٢) انظر الأم (٢/ ٣٤)
(٣) موضع النقط بياض بالأصل
[ ٣ / ١٣٢ ]
كان بارًا بالإجماع، وقال أبو إسحاق: هو كالدين الحال على معسر أو مليء جاحد فيكون على قولين والصحيح هذا لأن الدين المؤجل هو مملوك لكن تتأخر به المطالبة كما تتأخر المطالبة عند المعسر للاعتبار، والدين على أنه مملوك أنه يصح [١٤٥ أ/٤] الإبراء عنه قبل محله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جاء الحول قبل حلول الأجل يزكي في الحال في أحد الوجهين وفي الوجه الثاني: يزكي لما مضى عند الاستيفاء وقبله لا يلزمه الإخراج وهذا غلط، وإن كان الدين غير لازم كمال الكتابة لا يلزمه زكاته لأن ملكه لم يتم عليه لأن له أن يعجز نفسه، ولو كان على مليء وله بينة أو يعلمه الحاكم فالذي يقتضيه المذهب أنه تجب الزكاة فيه، وقادت إن علمه الحاكم يجب، وإن كان ببينة لم تجب لأنه ربما لا يقبلها الحاكم وهذا غلط، لأن البينة هي حجة كعلم القاضي، وروي عن سهل بن قيس المازني أن النبي ﷺ قال: "ليس على من أسلف مالًا زكاة" (١) وقيل: المذهب أنه يلزم وهل يلزم الإخراج؟ وجهان، إحداهما: لا يلزم لأن يده قاصرة عن ماله، والثاني: يلزم لأن تأخير حقه كان برضاه ولم يوجد الرضا من المساكين، وأما المال الغائب فإن كان لا يعرف موضعه أو كان يعرف موضعه ولكن لا يصل هو إليه فهو بمنزلة المدفون الذي لا يعرف موضعه والمغصوب، وإن كان يعلم موضعه وهو مقدور [١٤٥ ب/٤] عليه مثل أن يكون مع مضاربه في بلد آخر أو في بلد آخر أو مع وكيله أو مع عبده المأذون له في التجارة، قال بعض أصحابنا: يلزمه إخراج زكاته في الحال كالوديعة نم إما أن يأمر بإخراج زكاته في بلد المال فيجزيه قولًا واحدًا أو يخرجها في بلده فتجريه في أحد القولين، وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان:
إحداهما: هذا، والثاني: أنه لا يلزمه الإخراج في الحال، فإذا استوفاه زكاه لما مضى والأول أصح.
ومن أصحابنا من قال: إن المال الغائب ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مستقرًا في بلد تعرف سلامته فيلزمه إخراج زكاته في البلد الذي هو فيه.
والثاني: أن يكون سائرًا غير مستقر ويعرف سلامته فلا زكاة قبل وصوله إليه فإذا وصل زكاه لما مضى قولًا واحدًا.
والثالث: أن يكون سائرًا ولا يعرف سلامته فهو كالمال الضال والمعصوب فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب إذا كان ماله عينًا ودينًا فإن كانت في يده مائة درهم عين ومائة درهم دين له على رجل أو غائب عنه، فإن كان الدين أو الغائب بحيث يلزمه [١٤٦ أ/٤] إخراج الزكاة عنه في الحال يلزمه أن يخرج من المائة في الحال، وإن كان بحيث لا يلزمه إخراج الزكاة عنه في الحال ويلزمه إذا رجع إليه في أحد القولين لم
_________________
(١) أخرجه ابن عدى في "الكامل" (٦/ ٢٢١١)
[ ٣ / ١٣٣ ]
يلزمه أن يخرج الزكاة من الحاضرة ولا من الغائبة حتى يرجع إليه ثم يخرج زكاتهما، فإن قيل: كان يجب أن يقولوا: يخرج زكاة المائة الحاضرة لأن الزكاة قد وجبت عليه وإنما لا يلزمه إخراجها في الحال لتعذر الوصول إليه والمائة الحاضرة مقدور عليها فلزمه إخراج زكاتها بمقدارها، قلنا: المائة الحاضرة غير منفردة بحكمها لأنها نصاب مع المائة الأخرى فإذا لم يجب إخراج الزكاة عن إحدى المائتين كذلك لا يجب إخراجها عن المائة الأخرى ولأن هذه المائة لما كانت متصلة بالأخرى في الوجوب فكذلك في الإخراج، وقال بعض أصحابنا: وهذا إذا قلنا: إمكان الأداء من شرائط الوجوب فأما إذا قلنا: إنه من شرائط الضمان فالإمكان فيما في يده حاصل فعليه أن يؤدي منه بقدره ثم كلما وصل إليه من الغائب أو الدين شيء زكاه بقدره لأن أكثر ما في الباب أن يجعل ذلك كالتالف وهذا صحيح.
فرع
مسألة: قال (١): وما زاد ولو [١٤٦ ب/٤] قيراطًا فبحسابه.
وهذا كما قال: عندنا لا وقص للدنانير والدراهم بعد الوجوب، وقال أبو حنيفة: للدراهم أوقاص بعد المائتين كل وقص أربعون درهمًا وللذهب أوقاص كل وقص أربعة دنانير، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس والشعبي ومكحول والزهري ﵏، وبقولنا قال علي وابن عمر ﵄، والنخعي وسفيان وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وأبو عبيد، ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكم المرتد واختار قول الوقف وقد ذكرنا ثم ختم المزني الباب بمسألة ذكرها من عند نفسه فقال: وحرام أن يؤدي الرجل الزكاة من عشر ماله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني لا تعطوا في الزكاة الخبيث الذي لا تطيب أنفسكم به ولو دفع إليكم بل عليكم إعطاء الطيب مما أخرجت الأرض ومن الكسب والأمر على ما ذكره المزتي، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: (٢٦٧)] أراد إلا أن تكونوا مسامحين في ذلك ومواسين، فأما إذا أردتم الانتصاف واستيفاء الحق فلا تأخذوه، وقيل: أراد إلا أن يأخذوه بنقصان وبخس أراد أنه ولا يأخذوه بمثل القيمة التي يؤخذ فيها الجيد.