من الصلاة وما لا يؤذن
اعلم أن معنى الأذان والتأذين الإعلام، يقال: أذن يؤذن تأذينًا وأذانًا. إذا أعلم الناس بشيء يحتاجون إليه. قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر" [التوبة: ٣]، معناه إعلامٌ من الله تعالى بذلك.
وقال الله تعالى: "آذناك ما منا من شهيد" [فصلت: ٤٧]، أي: أعلمناك، وإنما قيل: أذن بالتشديد مبالغة وتكثيرا. وقال الزجاج: إنما سمي الإعلام إيذانًا اشتقاقًا من الأذن، ومعنى الإعلام في الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو مقاربة الوقت. والإقامة: معناها الأمر بالقيام لافتتاح الصلاة، وقوله في الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح "، أي: هلم وتعال، يقال: حي على كذا، أي: أسرع وعجل إليه. وقيل: معناه: يا أهل الحي هلموا وأقبلوا على الصلاة. وقيل: معناه: بادروا وأسرعوا إلى فعل الصلاة ومنه قول ابن مسعود ﵁: إذا ذكر الصالحون فحيّ هلا بعمر، أي: فبادر بذكره في أولهم، وقيل في حي على الفلاح، تأويلان:
أحدهما: إن الفلاح إدراك الطلبة واللطف بالحاجة.
والثاني: إنه البقاء والخلود في الجنة.
والتثويب عبارة عن قوله: الصلاة خير من النوم، وإنما سمي تثويبًا من ثاب فلان إلى كذا [١٨ أ/ ٢] إذا عاد إليه، فإذا قال: الصلاة خير من النوم بعد الحيعلة، فقد عاد إلى الدعاء إلى الصلاة فسمي تثويبًا، فإذا تقرر هذا، فالأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: "وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا" [المائدة: ٥٨] فذمَّ الله تعالى من يستهزئ بالأذان. وأيضًا قوله تعالى: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" [الجمعة: ٩].
وأفا السنة، ما روي أنه لما انتشر الإسلام في الناس واشتغل كثير منهم بالمعاش أهمهم أمر الصلاة واحتاجوا إلى إمارة يعرفون بها الوقت، فاجتمع قوم من الصحابة في
[ ١ / ٤٠٠ ]
المسجد فتشاوروا، فقال بعضهم: نضرب بالناقوس. وقال آخرون: تلك علامة النصارى لا نريده. وقال بعضهم: نضرب بالبوق، فقال آخرون: تلك علامة اليهود لا نريده. وقال بعضهم: نوقد النار بالليل وندخن بالنهار، فقال آخرون: تلك علامة المجوس لا نريده ولا ندخل النار مسجد رسول الله ﷺ.
ثم تفرقوا مهتمين لهذا الشأن، ثم جاء عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري إلى رسول الله ﷺ من الغد، وقال: كنت بين النائم واليقظان إذ نزل ملك من السماء عليه ثياب خضر بيده قوس، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: أضرب به في مسجد رسول الله ﷺ، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟. قلت: بلى، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، وذكر الأذان ثم صعد جذم حائط فأقام مثل ذلك، فقال: رسول الله ﷺ «حق إن شاء الله، ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتًا»، فقلت: يا رسول الله [١٨ ب/٢]، ائذن لي أن أؤذن مرة، فأذن فأذنت، فلما سمع عمر بن الخطاب ﵁ صوتي خرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال: الحمد لله، فذاك أثبت ثم أتاه بضع عشرة من الصحابة كلهم رأوا مثل ذلك إلا أنه نسب إلى عبد الله بن زيد، لأنه كان أول من أخبر الرسول ﷺ، وهو أول من أذن في الإسلام.
قال ابن عمر ابن أنس الأنصاري: نزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضًا لجعله رسول الله ﷺ مؤذنًا. وروي أن عمر ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر رسول الله ﷺ، فقال له: «لم لم تخبرنا به؟» فقال: سبقني به عبد الله بن زيد فاستحييت وروى أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: ائتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القمع يعني الشبور فلم يعجبه ذلك. وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له الناقوس. قال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو (مهتم) لهم رسول الله ﷺ فأدى الأذان في منامه فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «يا بلال، قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، فأذن بلال.
[ ١ / ٤٠١ ]
وقال أبو داود: القنع بالنون ساكنة. وقال مرة أخرى: القبع بالباء مفتوحة، وتفسيره ما ذكر في الحديث. قال الإمام أبو سليمان الخطابي: إن كانت الرواية بالنون فهو من إقناع الصوت، وهو رفعه [١٩ أ/ ٢] يقال: أقنع الرجل صوته، وأقنع رأسه إذا رفعه. وأما القبع، فلأنه يقبع صاحبه، أي: يستره. يقال: قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه.
وقال أبو عمر: هو من القثع بالثاء، يعني البوق، وليس هذا عن غيره.
وأما الإجماع، فلا خلاف بين المسلمين فيه.
مسألة: قال: «ولا أحب أن يكون في أذانه وإقامته إلا مستقبلًا القبلة».
الفصل
وهذا كما قال المستحب للمؤذن أن يؤذن على مكانٍ عالٍ من منارةٍ أو سطح أو تل حتى يكون أبلغ في الإعلام.
ولما روي في خبر عبد الله بن زيد أن الملك صعد جذم حائط، وقال: الله أكبر، ويستحب له استقبال القبلة في أذانه بالإجماع. وقد روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: رأيت رجلًا قائمًا مستقبلًا القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، ولأن الجهات سواء فكانت جهة القبلة أولى، لقوله ﷺ: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»، فإن ترك الاستقبال كره وأجزأه لحصول المقصود نص عليه في «الأم»، وخرج الشيخ الإمام سهل الصعلوكي قولًا، أنه لا يجوز ولا يحتسب به. قد تفرَّد بهذا القول.
وقال في «الأم»: وأحب أن يؤذن قائمًا لأن النبي ﷺ قال: «يا بلال قم فناد للصلاة»، ولأن ذلك أبلغ لصوته، ولو أذن جالسًا، فإن كان مريضًا أو على سفر راكبًا لايكره وإن كان من غير عذر يكره، ويجوز نصَّ عليه، لأنه ليس بواجب فلا يجب له القيام. وذكر الإمام سهل فيه قولًا مخرجًا، لا يجوز.
مسألةٌ: قال: «ويقول: الله أكبر، الله أكبر».
[ ١ / ٤٠٢ ]
الفصل:
وهذا كما قال: الكلام، الأذان في صفة الأذان. واختلف الناس فيه [١٩ ب/ ٢]، في مذهبنا أنه تسع عشرة كلمة، وكيفيته على ما رواه أبو محذورة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان. فقال: «تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. وهذا هو الترجيع المسنون، ثم تقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فإن كان أذان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»، فيبلغ إحدى وعشرين كلمة.
وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة فالتكبير مرتين في الابتداء ووافقنا في الترجيع. وقال أبو حنيفة والثوري خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع وافقنا في التكبير، وروي عن أبي يوسف: ثلاث عشرة كلمة فنقص التكبير وترك الترجيع وقيل: إنه رجع بعد ذلك إلى قول أبي حنيفة. وروى ابن المنذر عن أحمد، قال: إن رجّع فلا بأس، وإن ترك فلا بأس.
وقال إسحق: قد ثبت أذان بلال وأذان أبو محذورة وكل سنة. وقال الشافعي: رأيت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: يؤذن نحو قولنا، ويقول: أدركت أبي وجدي يؤذنون هكذا. وروي أيضًا أن سعد القرظ أذن ورجع، وقال: هذا أذان بلال، ولو ترك الترجيع فقد ترك سنة، ويجوز أذانه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: لا يحتسب [٢٠ أ/ ٢] كما لو ترك التكبير.
والثاني: يحتسب كما لو ترك التثويب، وحكي هذا عن الشافعي، وهو خلاف المذهب.
[ ١ / ٤٠٣ ]
مسألة: قال: «ويلتوي في حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح يمينًا وشمالًا ليسمع النواحي».
وهذا كما قال: يستحب للمؤذن أن يلتوي في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح برأسه وعنقه يمينًا وشمالًا، ولا يدير بدنه، ولا يلوي غير رأسه وعنقه.
وروي عن بلال أنه لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يزل قدميه، وروي أنه لوى شدقيه يمينًا وشمالًا. ولا فرق بين أن يكون على المنارة أو على الأرض وكيفيته أن يلتوي يمينًا، فيقول: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم شمالًا، فيقول: حي على الفلاح مرتين. وقال القفال: وحده الصحيح أن يلتوي يمينًا، فيقول: حي على الصلاة مرة ثم شمالًا، ويقول: ذلك مرة. وكذلك في حيَّ على الفلاح، لأنه إذا فعل على ذلك الوجه، فقد خص أهل كل واحدة من الناحيتين بلفظٍ ومعنى يخالفه أهل الناحية الأخرى، وهذا حسن.
وقال ابن سيرين: لا يلتوي في شيء من الأذان ويكره ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولأن القصد منه الإعلام، وإنما يتم ذلك بالالتواء على ما ذكرنا. واحتج بأن في الخطبة لا يلتوي يمينًا وشمالًا، فكذلك في الأذان، ولأن في سائر كلمات الأذان لا يلتوي، فكذلك في هذه الكلمة، قلنا: الفرق أن الخطبة خطاب الحاضرين، وفي صرف الوجه عمن هو في قصد وجهه إلى غيره سوء الأدب فلا يسن ذلك. والأذان: إعلام الوقت. وفي هذا تأكيد الإعلام فسن، أن تختلف ألفاظ الخطبة. والقصد منه العظة والإفهام فمن فاته بعض الفصول لا يفهم الباقي بخلاف الأذان، كلامه معهود، والقصد منه الإعلام والصوت، وهو يحصل بكل حال.
وأما سائر الكلمات، فذكر الله تعالى محضًا فلا بأس فيها الالتفات. وهذه الكلمة [٢٠ ب/ ٢]، خطاب آدمي فهو كالسلام من الصلاة فسن فيه الالتفات عن اليمين والشمال، لأنه خطاب آدمي إلا أنه جعل للتجليل، فلم يجز في وسط الصلاة. إذ الكلام في الصلاة لا يجوز، ويجوز في الأذان، فورد خطاب الآدمي في خلال الأذان دون خلال الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إن أذن على المنارة دار حول الحجرة، وإن أذن على الأرض لوى
[ ١ / ٤٠٤ ]
عنقه. وروي هذا عن أحمد، واحتج بما روي عن أبي جحيفة ﵁، قال: «رأيت بلالًا يؤذن يدور فاتبع فاه ههنا وههنا وأصبعاه في أذنيه»، وهذا غلط. لما روى سفيان الثوري بإسناده عن أبي جحيفة أنه قال: «أتيت رسول الله ﷺ بمكة، وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر». ويحمل ما رويتم على هذا الالتواء، ولأنه إذا استدار استدبر القبلة، فكره كما لو كان على الأرض.
وقال صاحب «الحاوي»: قد كانت المنارة على عهد رسول الله ﷺ وعهد خلفائه مربعة لا مجال لها حتى أحدث المنارة المدورة عبيد الله بن زياد بالبصرة والكوفة، فإن كان البلد لطيفًا والعدد يسيرًا لا يدور المؤذن في المنارة في مجالها، لأنه لا حاجة. وإن كان البلد واسعًا والعدد كثيرًا كالبصرة، ففي جواز طوافه في مجالها وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن فيه زيادة الإبلاغ والتسوية من الجهات. وإن علماء الأمصار أقروا المؤذنين عليه، ولم ينكروا.
والثاني: لا يجوز إلا على ما ذكرنا، ولا يدور في الحيعلة بحالٍ، وهذا حسن، ولكنه خلاف مذهب الشافعي ﵁.
فرع
لو خطب مستقبل القبلة، قال بعض أصحابنا: أساء ويجوز كما لو استدبر القبلة في الأذان. وقال جمهور أصحابنا: لا يجوز [٢١ أ/ ٢]، بخلاف الأذان. والفرق أن الخطبة لما كانت فرضًا، كانت جهة الاستقبال المشروعة فيها فرضًا بخلاف الأذان، ولأن في العدول في الخطبة عدولًا عن أهلها المقصودين بها بخلاف الأذان.
فرع آخر
لو أذن ماشيًا، فإن انتهى في مشيه إلى حيث لا يسمع من كان في الموضع الذي ابتدأ الأذان فيه بقية الأذان لم يجز وإن كان يسمع من سمع ابتداءه لا يجوز.
مسألة: قال: «وحسن أن يضع أصبعيه في أذنيه».
[ ١ / ٤٠٥ ]
وهذا كما قال: يستحب وضع أصبعيه في أذنيه لما ذكرنا في خبر أبي جحيفة، ولأنه إذا انسد خروق الأذن يكون صوته أرفع وأبلغ في الإعلام، ولا يفعل ذلك في الإقامة، لأنه لا يحتاج فيها إلى الرفع البليغ.
مسألة: قال: "ويكون على طهر".
وهذا كما قال أراده، وحسن أن يكون على طهر، وإنما يستحب ذلك لما روى وائل بن حجر عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «حق وسنة أن لا يؤذن أحد (إلا) وهو طاهر»، ولأنه يستحب أن يؤذن عقيب الأذان ركعتين، ولأن الأذان يراد للصلاة التي تجب فيها الطهارة، فيسن فيه الطهارة فإن أذن على غير طهارة نظر، فإن كانت المنارة خارج المسجد كره ذلك لكونه غير طاهر وأجزأه جنبًا كان أو محدثًا وإن كانت المنارة في المسجد فإن كان محدثًا فكذلك، وإن كان جنبًا حرم عليه اللبث في المسجد، ولكنه لو لبث وأذن أجزأه الأذان.
وقال الشافعي في «الجامع الكبير»: «وأن للأذان مجنبًا أكره للأذان محدثًا، وأن للإقامة محدثًا أكره مني للأذان محدثًا لأنهم إن انتظروه شقَّ عليهم، وإن لم ينتظروه كان موضعًا للتهمة».
قال أصحابنا: أما زيادة كراهية أذان الجنب على أذان المحدث، فلأجل أن طهر المحدث أخف وأقل شغلًا والغسل أكثر شغلًا فيشق على الناس انتظاره، ولأنه لا يمكنه [٢١ ب/ ٢] الوقوف في المسجد بخلاف المحدث. وأما زيادة كراهية الإقامة، فلما ذكره الشافعي ﵀. وأيضًا السنة أن لا تباعد الصلاة عن الإقامة، فلا ينتظره الناس ويتهم في تخلفه عن الصلاة ويلحقه الاستخفاف.
وقال أحمد وإسحق: لا يجوز الأذان على غير طهارة قياسًا على الخطبة. وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، فأخبر أنه سنة، ولأنه ذكر مشروع خارج الصلاة، فلا يجب فيه الطهارة كالتكبير في العيد بعد الصلاة. وأما الخطبة ففيها قولان، وإن سلمنا، فالفرق أنها ذكر واجب أقيمت مقام ركعتين بخلاف الأذان.
فرع آخر:
لو افتتح الأذان على طهر ثم أحدث في خلاله، قال في «الأم»: بنى على أذانه،
[ ١ / ٤٠٦ ]
ولا يقطعه سواء كان الحدث جنابة أو غيرها، وأراد به إذا كان هذا خارج المسجد، فإن كان في المسجد نظر. فإن كان غير الجنابة فكما قال: وإن كان جنابة حرم عليه المقام في المسجد فيحرم إلينا لا للأذان بل للمكان. وإنما قال: ولا يقطعه لأنه إذا قطعه وتطهر ورجع أخل بالإعلام، فإنه يشتبه على الناس بما يجعل بينهما من القطع وإذا مضى فيه أخل بالطهارة، إلا أن الإخلال بالطهارة في الأذان هيئة، والإعلام مقصود.
قال: فإن قطعه وتطهر ورجع بنى على أذانه، ولو استأنف كان أحب إلي، وإنما استحب الاسئتئناف لما وقع من الخلل في الإعلام.
مسألة: قال: "وأحب رفع الصوت لأمر رسول الله ﷺ به"، وهذا كما قال: أراد
به في الأذان، وأراد بأمر الرسول ﷺ قوله لأبي محذورة: «ارجع ومدَّ صوتك». وقال في خبر عبد الله بن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا». وروي أن النبي ﷺ قال لأبي سعيد الخدري ﵁: «إني أراك تحب البادية والغنم [٢٢ أ/ ٢]، فإذا كنت في باديتك أو غنمك، فدخل وقت الصلاة، فأذن وارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك حجر ولا مدر إلا شهد لك به يوم القيامة».
وروي أنه قال: «لا يسمع صوتك جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة». وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب يابس». وروي: مدّ صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة، ويكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما. وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يغفر للمؤذن منتهى صوته، ولا يسمع صوته رطب ولا يابس إلا جاء يوم القيامة يشهد له».
قال الإمام أبو سليمان: مدى الشيء غايته، والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وقيل: أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبًا تملأ تلك المسافة يغفرها الله تعالى له. والمعنى فيه أنه أبلغ في المقصود به، وهو الإسماع والإعلام.
وقال في «القديم»: يرفع صوته ما أمكنه ما لم يجهده، لأنه إذا أجهد نفسه انقطع صوته.
فرع
قال في «الأم»: لو جهر بشيء منه وخافت في بعضه لم يكن عليه إعادة ما خافت به. قال أصحابنا: هذا إذا كان يؤذن لنفسه فإن كان يؤذن لجماعة لم يحتسب به، وأعاد ما خافت فيه أو استأنف ويحتمل مراد الشافعي إذا خافت بشيء منه لا يخرجه من الإعلام كتكبيرة أو شهادة، فيكون الباقي كافيًا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي ﵀ على أنه يرفع صوته في ابتداء الترجيع [٢٢ ب/ ٢] قدر ما يسمع أهل المسجد، وهذا صحيح.
مسألة: قال: "وأن لا يتكلم في آذانه".
الفصل
وهذا كما قال: أراد وأحب أن لا يتكلم في أذانه. والكلام ضربان:
ضرب: لا يتعلق بمصلحة الناس والصلاة، فيكره له ذلك في خلال الأذان، لأنه يخل بالإعلام ويرفع اللبس والإشكال.
وضرب: يتعلق بمصلحة الناس مثل أن يحذر أعمى أن يقع في بئر، ونحو هذا فإن أمكن أن يؤخر عن الأذان فعل، وإن لم يمكن يجوز له أن يتكلم في خلاله ولا يكره، ثم ينظر في كلها، فإن لم يكن طويلًا بنى وإن طال، فالمستحب أن يستأنف، ولو بنى جاز نصَّ عليه.
وحكي عن سليمان بن صرد أنه كان يأمر بحاجته في أذانه، وكان بين الصحابة.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ «كان يأمر مناديه في الليلة ذات الريح أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم».
فرع آخر
قال في «الأم»: لو سكت سكوتًا طويلًا أحببت استئنافه، وكان له البناء، ففرق الشافعي بين الطويل والقليل في استحباب الاستئناف. وقال صاحب «الإفصاح»: وكذلك الكلام إذا كان قليلًا لا يستحب له الاستئناف، وإذا كان كثيرًا استحب. وقال غيره: هذا خلاف ظاهر قول الشافعي، فإنه في الكلام لم يفرق بين القليل والكثير في استحباب الاستئناف. والفرق أن القليل من السكوت لا بد منه للتنفس والاستراحة ولا يحتاج إلى قليل الكلام أصلًا من غير ضرورة.
فرع آخر
لو نام في أثناء الأذان أو غلب عليه عقله أو جن ثم ثاب إليه عقله فالمستحب أن يستأنف. قال في «الأم»: طال أو قصر فإن بنى جاز. وإنما قلنا كذلك، لأنه إذا استأنف يكون أبلغ في الإعلام، وإذا بنى حصل الإعلام [٢٣ أ/ ٢] في الجملة، وإن لم يكن تامًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا طال الفصل يبني على ما لو سبقه الحدث في الصلاة، فخرج وتوضأ لها يبني أم يستأنف؟ قولان، فإن قلنا: هناك يبني ففي الأذان أولى، وإن قلنا: هناك لا يبني، ففي الأذان قولان: والفرق أن الأذان يتخلله ما ليس منه بخلاف الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: يجب الاستئناف ههنا قولًا واحدًا، لأنه لا يحصل الإعلام، ولا يصح البناء على ما سبق الحدث في الصلاة، لكن هناك لا فصل بين اليسير والكثير، وههنا اليسير لا يوثر بالإجماع. وهذا أقيس، ولكنه خلاف المنصوص.
فرع آخر
لو ارتد في خلال أذانه، فإن أكمله مرتدًا لا يعتد به، وإن عاد إلى الإسلام هل يبني أو يستأنف؟ فيه وجهان:
[ ١ / ٤٠٩ ]
أحدهما: يبني كما لو جن ثم أفاق، ولأن الردة لا تحبط العمل ما لم يتصل بها الموت، فهو أذان من مسلم يقع به الإعلام، وهذا أصح.
والثاني: يستأنف لأن الردة تبطل العبادة التي هو فيها. ومن أصحابنا من قال: نص في الأذان أنه يستأنف. وقال: إذا ارتد في خلال إعتاقه ثم أسلم لا يستأنف. فمن أصحابنا من قال: فيها قولان على سبيل النقل والتخريج، ومنهم من قال: هما على حالين. وأراد في الأذان إذا أحدث الردة وفي الاعتكاف إذا لم يمتد.
وفي هذا نظر.
فرع آخر
لو أذن ثم ارتد قال في «الأم»: لو أذن بعض الأذان أو كله، ثم ارتد لم يترك يعود لأذانه ولا يصلى بأذانه، ويؤمر غيره فيؤذن أذانًا مستأنفًا. وهذا استحباب حتى لا يُصلى بأذان مرتد. ويجوز لأن مجرد الردة لا تحبط العمل عندنا، وقد أتى به في حال السلامة.
فرع آخر
إذا كانت الليلة باردة أو ذات ريح وظلمة، قال الشافعي ﵀: يستحب أن يأمر المؤذن [٢٣ ب/ ٢] يقول إذا فرغ من أذانه: ألا صلوا في رحالكم، فإن قال في أثناء الأذان بعد قوله: حي على الفلاح، فلا بأس، فقد أمر ابن عباس ﵁ بذلك. وقد ذكرنا فيه خبر عمر ﵁ عن النبي ﷺ.
فرع آخر
كل موضع قلنا: يبني على أذانه كان هو الباني على ما مضى، فإن بنى غيره لم يجز قرب أم بعد، نص عليه. وقال: ولا يشبه هذا الصلاة يبني الإمام فيها على صلاة إمامه قبله، لأنه يفرغ من الصلاة فيتمم ما عليه ولا يمكنه العودة في الأذان بعد الفراغ، ولأنه إذا ابتدأ بالصلاة يكون أول صلاته، ولا يكون أول الأذان شيء غير التكبير، ولأنه لا يحصل الإعلام به لأنه تختلف أصواتهما، ويحمله الناس على اللهو واللعب بخلاف الصلاة، فإن المقصود يحصل هناك.
[ ١ / ٤١٠ ]
فرع آخر
يلزمه أن يأتي بالأذان على الولاء والترتيب، ولا يقدم كلمة على كلمة فإن نكس أعاد مرتبًا، وإن ترك منها كلمة أعادها وبنى عليها ما بعدها، ولفظ الشافعي في «الأم»: لو كبر ثم قال: حي على الصلاة عاد فتشهد، ثم أعاد: حي على الصلاة حتى يضع كل شيء منه موضعه، وهذا لأنه نكس لا يحصل به الإعلام ويعد لعبًا واستهزاء، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز إذا حصل به الإعلام، وهو غير صحيح عنه عندي.
فرع آخر
يستحب للمؤذن أن يجمع بين الأذان والإقامة ليكمل له الثواب. وقال في «الأم»: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى فيه أن من أذن أقام. وقال: وإن أقام غيره أجزأه، وبه قال الثوري والليث، وقال مالك وأبو حنيفة في رواية: لا بأس أن يقيم غير من أذن، واحتج بأن النبي ﷺ «أمر بلالًا بالأذان في الأول، فأذن، فقال عبد الله بن زيد: إني رأيته، وإني أردت ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بالإقامة» [٢٤ أ/ ٢]، وهذا غلط لما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: «لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي ﷺ فأذنت فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر فيقول: لا حتى إذا طلع الفجر نزل ويلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي ﷺ: «إن أخا صداء من أذن، ومن أذن فهو يقيم». قال: فأقمت. وخبرهم محمول على الجواز إن صح.
وقد روينا فيما تقدم خلاف هذا، وهو الأصح عندي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي ﵀: «فإن أذن واحد وأقام غيره أجزأه إن شاء الله»، فقال أصحابنا: هل يحتسب بتلك الإقامة؟ قولان: بناء على ما لو خطب واحد وصلى آخر هل يصح؟ قولان. وهذا لا يصح لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين من الصلاة، فيجوز فيه التخريج على قولين كما في الصلاة بخلاف الأذان.
[ ١ / ٤١١ ]
فرع آخر
لو أذن بعض الأذان ثم دخل الوقت، قال الشافعي ﵀: «استأنف». قال أصحابنا: يحتسب بما وقع في الوقت على الترتيب، وهو أنه لو أتى بتكبيرتين ثم دخل الوقت احتسب بتكبيرتين أخريين في آخر الأذان ويبني على ذلك هو إن دخل الوقت بعد ذلك احتسب بالتكبيرتين في آخر الأذان وبنى عليها.
فرع آخر
إذا لم يكن منارة يستحب أن يؤذن على باب المسجد، فإن أذن في صحن المسجد جاز، وإن ترك المستحب.
مسألة: قال: "وإن فات وقته أقام ولم يؤذن"، وهذا كما قال: أراد، وما فات وقته من الصلوات المكتوبة، وجملته أنه إذا (أراد) أن يصلي صلاة فاتته يقام لها، وفي الأذان لها ثلاثة أقاويل:
أحدها: لا يستحب لها الأذان قاله في «الأم»، و«البويطي». وبه قال الأوزاعي ومالك وإسحق.
والثاني: يؤذن لها [٢٤/ ٢]. قاله المزني في «القديم»، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثالث: قاله «الإملاء» إن رجى اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يرج اجتماعهم أقام ولا يؤذن، وكأنه في الأول اعتبر الأذان لحرمة الوقت، وفي الثاني: لحرمة الصلاة، وفي الثالث: لحرمة الجماعة، واجتماع الناس.
ووجه قوله «الجديد» ما احتج الشافعي به، وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي
الله عنه، قال: «حبس رسول الله ﷺ عن الصلاة يوم الخندق يعني: شغل بالحرب عن الصلاة حتى بعد المغرب فظهر شيء من الليل فدعا رسول الله صلى اله عليه وسلم بلالًا وأمره أن يقيم، فأقام العصر، ولم يؤذن».
وقد روي بخلاف هذا، ولكن هذه الرواية أشهر وأصح.
ووجه قوله «القديم» ما روى عمران بن الحصين ﵁، قال: «سافرنا مع
[ ١ / ٤١٢ ]
رسول الله ﷺ في غزوة، أو قال: سرية، فلما كان آخر السحر عرسنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم وأمز بلالًا، فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام الغداة».
وروي عن أبي هريرة أنه صرح عن هذا، فقال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة خيبر سار ليلة حتى أدركنا الكرى فعرَّس وقال لبلال: اكلأ إناء الليل، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته ولم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ، فقال: «يا بلال»، فقال: أخذ نفسي الذي أخذ نفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فقادوا رواحلهم شيئًا ثم توضأ النبي ﷺ وأمر بلالًا فأذن وأقام وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسي صلاة فليصلها [٢٥ أ/ ٢] إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: "وأقم الصلاة لذكري" [طه: ١٤] والكرى النوم». وقوله: عرس، أي: نزل للنوم والاستراحة. والتعريس: النزول لغير إقامة.
وقوله: فزع رسول الله ﷺ، معناه: انتبه من نومه يقال: أفزعت الرجل من نومه، ففزع، أي: فانتبه وإنما تحوَّل عن ذلك المكان قبل الصلاة لئلا يصلي في المكان الذي أصابته الغفلة فيه. وقد روي في هذا الخبر الإقامة من دون الأذان. وهذا القول اختيار كثير من أصحابنا لهذا الخبر.
وقالوا: الزيادة إذا صحت فالعمل بها واجب. ووجه قوله في «الإملاء»: إن النبي ﷺ لم يؤذن للعصر بعرفات ولا العشاء بمزدلفة لاجتماع الناس. وقال أبو إسحاق: هذا أصح الأقاويل لإمكان حمل الأخبار المختلفة على اختلاف الحالين. وهذا اختيار القاضي أبي الطيب. وفرع أبو إسحق على هذا، فقال: لا فرق على هذا بين الفائتة والحاضرة في وقتها، فإذا صلى الصلاة الحاضرة في وقتها في موضع لا يرجو اجتماع الناس أقام ولم يؤذن استحبابًا، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة قضى كل واحدة منها في وقت دون الوقت الآخر. فالحكم على ما مضى وإن قضاها في وقت واحد، فالحكم في الأولى على ما مضى. وأمّا الباقيات فلا يؤذن لها قولًا واحدًا، ولكنه يقيم لكل واحدة. وعند أبي حنيفة، يؤذن لكل واحدة وهذا غلط، لما روى ابن مسعود
[ ١ / ٤١٣ ]
﵁ في خبر الخندق أن الكفار شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات، «فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء».
وقد روى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ﵁ أنه أذن وأقام لكل واحدة، ولكنه غير محفوظ عند أهل الحديث. واحتج الشافعي أيضًا بما روي أن النبي ﷺ «جمع بعرفة بأذن وإقامتين، وبمزدلفة بإقامتين [٢٥ ب/ ٢]، ولم يؤذن». وأراد أن الظهر بعرفة كانت في وقتها فأذن لها وأقام، والعصر لم تكن في وقتها أو كان أيضًا جامعًا بينها وبين الظهر، فلذلك لم يؤذن لها، وفي المغرب بمزدلفة لم يؤذن، لأنه نقلها عن وقتها، ولم يؤذن للعشاء لئلا يطول الفصل بينهما. ونذكر حكم الأذان عند الجمع، فنقول: إن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى قولًا واحدًا، وأقام للثانية ولم يؤذن، وإن جمع بينهما في وقت الثانية، فالحكم فيها كالحكم الفائتين. هل يؤذن للأولى ثلاثة أقاويل؟ ويقيم الثانية ولا يؤذن.
وقال أبو حنيفة: يقيم للعشاء بمزدلفة، وإن أراد أن يقدم العصر في هذا الجمع، هل يجوز وجهان، فإن جوَّزنا يؤذن للعصر ويقيم دون الظهر.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت عليه فائتة وفريضة الوقت، فإن قدم الفائتة ففي الأذان لها ما ذكرنا من الأقوال، ثم يقيم لفريضة الوقت ولا يؤذن، وإن قدم فريضة الوقت أذن لها وأقام، ولا يؤذن للفائتة قولًا واحدًا، وهذا يقرب من اختيار أبي إسحاق.
فرع آخر
الصلوات على ثلاثة أضرب منها: ما يؤذن لها ويقام كالصلوات الخمس، ومنها ما
لا يؤذن لها ولا يقام. ولكن يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء وقيام شهر رمضان.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ومعاوية أنهما أذنا لصلاة العيد وهذا غلط، لما روى
[ ١ / ٤١٤ ]
جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ «لم يؤذن لها ولم يقم».
ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام ولا يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة الجنازة والنوافل مما ليس فيه الجماعة.
مسألة: قال: "ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة ولا وحده إلا بأذان وإقامة".
وهذا كما قال: أراد به الصلاة المكتوبة، وجملته أن الأذان والإقامة مسنونان في [٢٦ أ/ ٢] صلاة الانفراد والجماعة. وبه قال جماعة العلماء، فإن اتفق أهل بلده على تركه لم يقاتلهم الإمام على ذلك. وقيل: في وجه آخر: يقاتلهم الإمام، لأنه شعار الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار الإصطخري وجماعة، وهما فرائض الكفايات، فإذا أقام بها قوم سقط الفرض على الباقين، إلا خرجوا أجمعين. وبه قال أحمد والكفاية أن لا يبقى بالمكان أحد إلا ويعلم أنه قد أذن فيه، فإن كان المكان قرية يبلغ النداء إلى جميعها أجزى ذلك في مكان واحد. وكذلك الرفقة في السفر، وإن كانت أكبر من ذلك فلا بد من الأذان في موضعين، فإن كانت بلدة كبيرة، فالكفاية أن تقام في كل محل منها حتى يتصل بعض المحال ببعضٍ، فعلى هذا إذا اجتمع أهل بلدٍ على تركهما أو ترك أحدهما قاتلهم الإمام. وهذا خلاف المنصوص.
ومن أصحابنا من قال: هما سنَّة إلا في الجمعة فإنهما من فرائض الكفايات فيها، وهو النداء الذي يحرم البيع عنده. وهو إذا جلس الإمام على المنبر. وحكي عن ابن خيرات والإصطخري أيضًا. وقال عطاء وداود يجب كلاهما في صلاة الجماعة في كل يوم خمس مرات. وحكي عن عطاء، وهو الأصح أنه قال: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن بعذرٍ يجوز، وإلا فلا يجوز.
وروي عنه أنه قال: من نسي الإقامة يعيد الصلاة. وقال مجاهد: هما واجبان، فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته. وقال الأوزاعي: هما واجبان ولكن أحدهما ينوب عن الآخر، فإن أتى بأحدهما يجوز، وإن تركهما لم يجز وأعاد الصلاة إن كان وقتها
[ ١ / ٤١٥ ]
باقيًا، ولا يعيد إن كان فائتًا، وهذا كله غلط لما روي أن النبي ﷺ قال للأعرابي: والمسيء صلاته «إذا أردت الصلاة، فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر»، ولم يأمره بالأذان.
وروي أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم بأرض فلاةٍ، [٢٦ ب/ ٢]، فدخل عليه وقت الصلاة، فإن صلى من غير أذان ولا إقامة صلى وحده وإن صلى بإقامة صلى بصلاته (ملكان)، وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب».
واحتجوا بما روي عن مالك بن الحويرث أنه أتى النبي ﷺ مع صاحب له، فقال لهما: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما». وروي أن النبي ﷺ «كان إذا نزل بقبلة استمع إذا أصبح، فإن سمع الأذان وإلا شن الغارة». قلنا: أمَّا الأول، نحمله على الاستحباب.
وأما الثاني: فلأنه كان يستدل بتركهم الأذان على كفرهم لا أنه كان يقاتلهم لترك
الأذان.
فرع
قال الشافعي﵀-: يأتي بالأذان المقيم والمسافر، والحر والعبد سواء صلى منفردًا أو في جماعة، وسواء كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا، ولكنه في المساجد العظام أشد استحبابًا، فإن ترك رجل الأذان والإقامة منفردًا أو في جماعة كرهت له ولا إعادة. وهذا يدل على خلاف قول أبي إسحق على ما ذكرنا قبل هذا في الصلاة الحاضرة إذا لم يكن جماعة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يسن الأذان للمنفرد؟ قولان: قال في «القديم»:
لا يسن. وقال في «الجديد»: يسن. وهذا غير مشهور.
[ ١ / ٤١٦ ]
فرع آخر
قال في «الأم»: لو صلى الرجل مع إمامه جماعة، فأذن المؤذن وإقامته تكفيه ولا حاجة به إلى أن يؤذن لنفسه، ويصلي بأذان غيره، وإن كان المؤذن ما أذن له ولا نواه مثل أن يجتاز بمسجد قد أذن فيه والناس على أن يصلوا فيه، فإنه يصلي مع القوم، ولا يؤذن لنفسه.
فرع آخر
لو دخل رجل المسجد، وقد صلى فيه بأذان وإقامة، هل يؤذن فيه لنفسه؟. قال في «الأم»: أحببت أن يؤذن ويقيم لنفسه. وقال في موضع آخر من «الأم»: ولا أعلم مخالفًا أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف [٢٧ أ/ ٢] حالين، فالذي يؤذن ويقيم إذا كان الإمام والناس قد انصرفوا وفرغوا، والذي قال لا يؤذن ولا يقيم، إذا دخل حين فرغ الإمام من الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: يؤذن ويقيم بكل حال في نفسه ولا يرفع صوته، لأنه يوقع الإشكال للسامع، فإنه إذا سمع الأذان الثاني قدر الصلاة الأخرى، قد دخل وقتها. وما قال في «الأم»: له أن يصلي بلا أذان أراد به الجواز.
فرع آخر
لو كان في بيته فسمع أذان المؤذن وأراد أن يصلي في بيته هل يجزئه أذان المؤذن؟ قال في «القديم»: يكفيه أذانه وإقامته، وقال في «الأم»: لا يكفيه، وهو الأصح عندي.
مسألة: قال: "وأحب للمرأة أن تقيم".
وهذا كما قال: الأذان للنساء غير مسنون، وهذا لأن الأذان لإعلام الغائبين، ولا يستحبُّ لها رفع الصوت.
[ ١ / ٤١٧ ]
وروي عن ابن عمر وأنس ﵄ أنهما قالا: ليس على النساء أذان. ولو أذنت قال الشافعي: لم يكن مكروهًا. وقال البويطي: لأن ذلك تحميد. ومن أصحابنا من قال: يكره لها، وهو خلاف النص. وقال الحسن وابن سيرين: ليس عليهن أذان، فإن فعلن، فهو ذكز ولا يكون أذانًا شرعيًا. وهو قول بعض أصحابنا ولو صفين جماعة، وأذنت واحدة منهن. قال في «الأم»: "لا بأس ولا ترفع صوتها إلا بقدر ما يسمع صواحباتها".
وأما الإقامة فإنها مسنونة لها، فإن تركت الإقامة قال في «الأم»: أكره لها من تركها ما أكره للرجال. وروي عن جابر ﵁ أنه سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: نعم. لأن الإقامة تراه لافتتاح الصلاة ولا تبالغ فيها برفع الصوت بخلاف الأذان.
فرع
قال في «الأم»: "لو أذنت امرأة للرجال لم يجز عنهم"، لأن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا للرجال، فلا يعتد بأذانها لهم. وقال أبو حنيفة: يعتد بأذانها لهم. وقيل: هو قول بعض أصحابنا لأنها تخبر عن دخول الوقت وخبرها مقبول.
مسألة: قال: "ومن سمع المؤذن أحببت أن يقول مثل ما يقول". [٢٧ ب/ ٢]. الفصل
وهذا كما قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، لأنه لا يقول مثل ما يقول في جميع الكلمات، وأراد به فيما عدا الحيعلة، فإذا ثبت هذا ينظر، فإن سمع الأذان خارج الصلاة، فالمستحب أن يقول مثل ما يقوله إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول في ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا لأن سائر الألفاظ ذكرًا لله تعالى، وهاتان اللفظتان ليستا بذكر بل يقصد بهما الإعلام فلا يتابعه فيهما. والأصل في ذلك ما روى عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله كبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد
[ ١ / ٤١٨ ]
أن محمدًا رسول الله، فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة».
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن».
فرع
قال بعض أصحابنا: ويستحب قول: لا حول ولا قوة إلا بالله مرة مرة، وإن كان المؤذن يقول: حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة.
فرع آخر
قال في «الأم»: وأحب لكل من كان خارج الصلاة، أو ذاكر أو صامت أو متحدث أن يقول ذلك، فأستحب قطع القراءة لذلك، وهذا لأن قراءة القرآن لا تفوت، والقول مع المؤذن يفوت ويفارق هذا المصلي لأن تحريمته أوجبت عليه الاشتغال بها، ولا يجوز الإعراض عنها.
فرع آخر
قال الشافعي رحمة الله عليه: المستحب للسامع والمؤذن بعد الفراغ أن يصلي على النبي ﷺ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ [٢٨ أ/ ٢] قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة إلا تكون لعبد من عباد الله ﷿ وأرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حقت لهُ الشفاعة». ثم يقول ما روى عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قال أحدكم حين يسمع الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الفضيلة والوسيلة وابعثه المقام
[ ١ / ٤١٩ ]
المحمود الذي وعدته حلَّت له الشفاعة يوم القيامة».
وروى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا غفر له ذنبه». وهذا يدل على أنه يقوله في أثناء الأذان. وهذا محتمل لتطويل المؤذن ألفاظه، وإن قاله بعد الفراغ من الأذان جاز ويزيد فيه عند أذان المغرب، فيقول: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، فاغفر لي»؛ لأن النبي ﷺ أمر أم سلمة ﵂ بذلك، ويستحب أن يدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة، لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا».
وروى سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد دعوته حضر النداء بالصلاة والصف في سبيل الله». قلت: ويستحب أن يقرأ آية الكرسي لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ ذلك بين الأذان والإقامة لم يكتب عليه ما بين الصلاتين».
فرع آخر
قال أصحابنا: [٢٨ ب/ ٢] المستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة مدة ينتظر فيها الجماعة، لأن الملك الذي رآه عبد الله بن زيد أذن وقعد قعدة، ولأنه لو وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة، فلا يحصل المقصود بالأذان.
فرع آخر
يستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره للإقامة لما روي في خبر عبد الله بن زيد، «ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال وجعلها وترًا».
فرع آخر
إذا سمع الإقامة يستحب له أن يقول مثل ما يقول على ما ذكرنا، فإذا قال: قد
[ ١ / ٤٢٠ ]
قامت الصلاة، يقول: أقامها الله وأدامها وجعلنا من صالحي أهلها لما روى أبو أسامة أن النبي ﷺ قال: «أقامها الله وأدامها».
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: إذا قال المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وقيل: يقول صدق رسول الله ﷺ: «الصلاة خير من النوم».
فع آخر
قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ منها قاله.
وقال الشافعي في «الأم»: ولا فرق بين أن يكون في صلاة فرض أو نافلة، وإنما يقوله بعد الفراغ منها تحصيلًا للقربة، والمستحب أن لا يقوله في أثناء الصلاة.
وقال مالكٌ والليث: إن كان في صلاة النافلة يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا غلط، لأنه يقطعه عن الإقبال على الصلاة والاشتغال بها فأشبه صلاة الفريضة.
فرع آخر
قال أبو إسحق: إذا فرغ منها لا يكون من تأكيد الاستحباب ما يكون في حال ما يسمعه.
فرع آخر
لو قال ذلك في الصلاة، قال الشافعي: لم يكن مفسدًا لها إن شاء الله، والاختيار أن لا يقوله. قال أصحابنا: أراد به إذا قال ما سن له من القول، فأما إذا قال ما قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح بطلت صلاته [٢٩ أ/ ٢] إن كان عالمًا بأنه خطاب الآدميين، وإن كان جاهلًا لا تبطل ويسجد للسهو، وهذا لأن هذا بذكر الله تعالى بخلاف سائر الألفاظ.
[ ١ / ٤٢١ ]
فرع آخر
قال أصحابنا: هذا إذا ذكر في غير الفاتحة، فإذا ذكر في الفاتحة وأجاب المؤذن كما هو السنة في غير الصلاة بطلت قراءته، لأن التتابع فيها شرط، ويتسأنف القراءة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لا أكره أن يجيب المؤذن في الصلاة وليس على قولين بل لا يكره ولا يستحب ويباح، وقيل: هل يستحب في الصلاة؟ قولان. وقيل: هل يكره؟ وجهان، وهذا غلط ظاهر.
مسألة: قال: "والإقامة فرادى".
الفصل
وهذا كما قال: الإقامة فرادى، وهي إحدى عشرة كلمة التكبير مرتين، والشهادتان مرتين، وحي على الصلاة مرة، وحي على الفلاح مرة، وقد قامت الصلاة مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة. وبه قال عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ﵃، وكان عليه عمل أهل مكة والمدينة والشام. وقيل: عبارة أصحابنا الإقامة فرادى على المجاز، ومعناه كل ما كان في الأذان مثنى ففي الإقامة مرة، لأن التكبير مرتان وكذلك كلمة الإقامة [٢٩ ب/ ٢] وقال بعض أهل خراسان للشافعي قول أنه يفرد التكبير في الانتهاء وثنيه في الابتداء، وفيه نظر.
وقال الشافعي في «القديم»: هي عشر كلمات يقول: قد قامت الصلاة مرة، وبه قال مالك وداود، وحكي عن مالك أنه قال: التكبير فيها مرة أيضًا. وقال الثوري وأبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان ويزيد لفظ الإقامة مرتين، واحتج بما روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: «فأمهل هنيهة، ثم قام، فقال مثلها إلا أنه زاد: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة».
وروى ابن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ «علّمه سنة الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة»، وهذا غلط لما روي عن أنس ﵁ أنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». وروي: إلا الإقامة، ومعناه إلا كلمة الإقامة. وقوله: أمر بلال يريد به رسول الله ﷺ هو الذي أمره به، والأمر مضاف إليه دون غيره، وقد قالوا: كان الآمر فيه أبو بكر وعمر ﵄، وهذا خطأ ظاهر
[ ١ / ٤٢٢ ]
لأن بلالًا لحق بالشام بعد موت رسول الله ﷺ، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله ﷺ.
وأما خبرهم الأول قلنا روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن زيد أنه قال في الخبر:
ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. وذكر نحو قولنا إلى آخرها.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: قد روي هذا بأسانيد مختلفة وإسناد هذا أصحها وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد اليمن وديار مصر ونواحي المغرب، وحكاه سعد القرظ، وكان أذن لرسول الله ﷺ في حياته بقباء، ثم استخلفه بلال وسأل عمر ﵁، وكان يفرد الإقامة. [٣٠ أ/ ٢]
وأما الخبر الثاني، قلنا: روى الحميدي في الرد على أهل الحذف قال: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أدركت أبي وجدي يقيمون فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وذكر نحو قولنا، ويشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على إفراد الإقامة فاتبعه وكان أمر الأذان ينقل من حال إلى حال وتدخله الزيادة والنقصان، ولأنها إنما تبلع تسع عشرة كلمة بالترجيع، وهم لا يقولون. وقال بعض أصحابنا: إذا رجع في أذانه ثنى الإقامة لهذا الخبر.
وحكاه شيخنا الإمام ناصر ﵀ عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهذا خلاف مذهب الشافعي. وقال ابن شريح: الترجيع والتثنية في الإقامة من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من البعض، وهذا قول مطروح بالإجماع، فإذا تقرر هذا لزم الشافعي رحمة الله عليه نفسه سؤالًا، فقال: فإن قال قائل: فقد أمر أن يوتر الإقامة. واختلف أصحابنا في معنى هذا السؤال، فمنهم من قال: هذا سؤال من جهة مالك في إفراد التكبير، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، وأنت تأمر بتشفيع التكبير، فأجابه بأن عارض، فقال: قيل له: فأنت تثني الله أكبر، فتجعلها مرتين، يعني مرة في ابتداء الإقامة، ومرة في آخرها، فيلزمك من الخبر ما ألزمتنا.
ومن أصحابنا من قال: هذا سؤال من قوله «القديم» على قوله «الجديد» في إفراد
[ ١ / ٤٢٣ ]
قوله: قد قامت الصلاة، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، فلم ثنيت، قوله: قد قامت الصلاة، فأجاب على قوله الجديد بقوله: تثني الله أكبر، الله أكبر، فتجعلها مرتين في ابتداء الإقامة ومرتين في آخرها، ولأنه روي استثناء كلمة الإقامة من الإفراد على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وقال في القديم: [٣٠ ب/ ٢] ويزيد في صلاة الصبح التثويب وهو: الصلاة خير من النوم" مرتين.
الفصل
وهذا كما قال: السنة أن يقول ذلك نص عليه في «القديم» و«الجديد» في «الإملاء»، و«البويطي»، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال في كتاب استقبال القبلة من «الجديد»: يكره ذلك، لأن أبا محذورة لم يحكه. قال أصحابنا: هذا القول سهو من الشافعي ونسيان حتى سطر هذه المسالة، فإنه حكي ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، ولأن أصحابنا رووا هذا في خبر أبي محذورة على ما سبق بيانه.
وقيل: هذه الرواية لم تبلغ الشافعي ولو بلغه لقال بها، فالمسألة على قول واحد. وقد قال الشافعي: إذا رأيتم قولي خلاف السنة، فاطرحوا قولي في الحش. وقال أبو إسحاق: في المسألة قولان: أصحهما الأخذ بالزيادة كما قلنا في الترجيع، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثل قولنا وروي عنه أنه قال: هو بدعة.
وروى محمد عنه أنه قال: لأن التثويب الأول، الصلاة خير من النوم مرتين من الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة، حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين من الأذان والإقامة وهو حسن. وهذا اختيار أبي بكر الرازي. واحتج بما روي عن بلال أنه أذن، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقيل له: إنه نام فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقره عليه. وهذا غلط لما روي عن أبي محذورة أنه قال: «قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، فذكر الخبر إلى أن قال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر».
[ ١ / ٤٢٤ ]
وأما خبر بلال قلنا: روى ابن المنذر عن سويد بن غفلة أن بلالًا كان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم [٣١ أ/ ٢]. وقال أبو هريرة: جاء بلال إلى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الصبح، فقيل: هو نائم فقال: الصلاة خير من النوم، فقال لنا النبي ﷺ: «ما الذي زدت في أذانك»؟ فقال: الصلاة خير من النوم، ظننتك وسنت يا رسول الله، وثقلت عن الصلاة، فقال: «زدها في أذانك».
وروى نافع عن ابن عمر ﵁ أنه قال: أذن بلال للصبح، ثم أتى النبي ﷺ ليؤذنه، فقيل: إنه نائم، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الصلاة خير من النوم مرتين، ثم دخل فحرك رسول الله ﷺ فقال له: اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم».
وروى الشافعي رحمة الله عليه عن علي ﵁ نحو قولنا، ثم قال المزني: الزيادة أولى في الأخبار كما قال في التشهد وصلاة رسول الله ﷺ في البيت. وأراد بخبر التشهد رواية ابن عباس ﵁: «التحيات المباركات». وأراد بصلاة رسول الله ﷺ في البيت ما روى ابن عمر ﵁، قال: «دخل رسول الله ﷺ البيت ومعه أسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، فأخبرت فبادرت إلى المسجد فوجدته قد خرج فادركت بلالًا، فقلت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قال: صلى رسول الله ﷺ، قلت: أين صلى؟ فأشار إلى موضع، فنسيت أن أسأله: كم صلى؟».
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «دخل البيت ودعا ولم يصل» فأخذ الشافعي بالزيادة وهذا قاله صحيح، وهو المذهب ومن نصر مخالفيه، أجاب عن هذا بأن الزيادة إنما تكون أولى فيما يجوز أن يخفى على العامة كالتشهد وصلاة الرسول ﷺ في الكعبة، فإنه لم يدخلها إلا مع نفر يسير، فأمَّا أمر الأذان فهو من الأمور الظاهرة [٣١ ب/ ٢] الشائعة المتكررة في كل يوم وما كان هذا سبيله فالزائد والناقص فيه سواء، لأنه مما لا يخفى على العامة، ولهذا أخذ بإفراد الإقامة دون التثنية.
ثم اعلم أن ابن شجاع قال: قال أبو حنيفة: التثويب الأول في نفس الأذان، والثاني من الأذان والإقامة، فيقول بعد الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: يثوب بعد الأذان بقدر عشرين آية، واحتج بما روى أبو يوسف عن كامل بن العلاء السعدي أنه قال: «كان بلال إذا أذن أتى رسول الله ﷺ
[ ١ / ٤٢٥ ]
فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يرحمك الله». وهذا عندنا بدعة لما روى مجاهد قال: لما قدم عمر ﵁ مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك، أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوته ما نأتيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكره عمر ﵁، وسئل الأوزاعي عن التسليم على الأمراء، فقالى: أول من أحدثه معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز.
وأما كامل بن العلاء فلم يلق بلالًا، فلا حجة فيه. قال أصحابنا: يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة كما روت عائشة ﵂ أن بلالًا جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي ﷺ: «مر أبا بكر فليصل بالناس». قال: إنه قال: فكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر كما كان يسلم على رسول الله ﷺ، فإذا تقرر هذا لا يستحب التثويب في غير الصبح عندنا. وقال: يثوب في العشاء وأيضًا لأنه وقت النوم.
وقال النخعي: يثوب في جميع الصلوات، وهذا غلط لما روى يزيد بن غفلة عن بلال ﵁ [٣٢ أ/ ٢]، قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أثوب في أذان الصبح ولا أثوب في غيرها». وروي أن عمر ﵁ أنه دخل المسجد يصلي فسمع رجلًا يثوب في أذان الظهر، فخرج عنه فقيل له: إلى أين تخرج؟! فقال: أخرجتني البدعة.
مسألة: قال: "وأحب أن لا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلًا ثقة لإشرافه على الناس".
وهذا كما قال، قوله ثقة تأكيد لأن العدل لا يكون إلا ثقة، وقيل: معناه إلا عدلًا إن كان حرًا، ثقة إن كان عبدًا، لأن العبد لا يوصف بالعدالة، ولكن يوصف بالثقة والأمانة. وقيل: أراد إلا عدلًا في دينه ثقة في علمه بمواقيت الصلاة، وجملته أنه
[ ١ / ٤٢٦ ]
يستحب أن يكون المؤذن عدلًا أمينًا لاطلاعه على الناس عارفًا بالمواقيت لأن الناس يعتمدون عليه وقوله: لإشرافه على الناس، يحتمل شرف المكان عند الأذان فيطلع على عورات الناس.
وقيل: أراد الإشراف على المواقيت، وقد قال في «الإملاء» لإشرافه على عوراتهم وأمانته على الوقت. وقال في «القديم»: لإشرافه على بعض عورات الناس ولأجل المواقيت وهذا أصح، لأنه لا يقدر أن يشرف على عورات الكل، وهذا لأنه إذا لم يكن عدلًا ثقة يخاف منه الفتنة في الإشراف والتلبيس على الناس في الأوقات.
قال: وأحب أن يكون حرًا كاملًا من خيار الناس لقوله ﷺ: «يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم».
وقال عمر ﵁ لرجل: من مؤذنكم؟ فقال: موالينا أو عبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كثير. وقال في «القديم»: الأولى أن يكون من أولاد المؤذنين الذين جعل رسول الله ﷺ الأذان فيهم، وهم أبو محذورة وبلال وسعد القرظ، فإن لم يبق منهم أحد فإلى من أنابهم فإن لم يبق منهم أحد جعله في أولاد أحد من الصحابة، فإن انقرضوا جعل إلى الأقرب فالأقرب، [٣٢ ب/ ٢] فإن لم يكن جعل إلى من يراه من خيار الناس على ما وصفنا.
وقال أبو محذورة: جعل رسول الله ﷺ الأذان لنا. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الملك في قريشٍ والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد».
فرع
قال في «الأم»: "ومن أذن من عبد مكاتب وحر أجزأ، فأما الصبي فيكره أن يكون مؤذنًا". قال في «الأم»: «وأحب أن لا يؤذن إلا بعد البلوغ لما رويناه فإن أذن قبل البلوغ أجزأه». وقال داود: لا يعتد بأذانه، لأنه ليس بمكلف بالشرع فأشبه المجنون، وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكرة، قال:
[ ١ / ٤٢٧ ]
«كان عمومتي يأمرونني بأن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم». وأنس ابن مالك ﵁ شاهد ولم ينكر، وهذا فيما يظهر ولا يخفى، فثبت أنه إجماع منهم ولأنه تجوز إمامته في النوافل بالإجماع كالعبد، وأما المجنون، فلأنه لا يعقل معنى ما يقول هذا.
فرع آخر
لو كان خصيًا أو مجبوبًا لا يكره ويجوز، ولو كان فاسقًا يكره ولو أذن جاز لما قلنا في إمامته، والكافر لا يجوز بحالٍ.
فرع آخر
قال: لو كان أعمى فإن معه بصير يؤذن قبله أو يعرفه المواقيت جاز ولا يكره، وإن كان وحده كره ذلك، لأنه لا يشاهد علامات الوقت، فإن أذن جاز، لأن له أن يجتهد في المواقيت. وجملته: أن الناس على أربعة أضرب: من يستحب أن يكون مؤذنًا، وهو من ذكرنا، ومن يجوز أن يكون مؤذنًا وإن كان غيره أولى منه، وهو العبد ونحوه، ومن يكره أن يكون مؤذنًا، ويجوز كالأعمى إذا كان وحده، والصبي والفاسق، ومن لا يجوز بحال، وهو الكافر والمجنون والمرأة للرجال.
فرع آخر
لو تنازع جماعة في الأذان مع تساويهم استمعوا. روى ابن المنذر أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم.
وروي عن عمر [٣٣ أ/ ٢] بن الخطاب ﵁ أنه اختصم إليه ثلاثة نفر في الأذان، فقضى لأحدهم بأذان الفجر وقضى للأخر بالظهر والعصر وللآخر بالمغرب والعشاء.
مسألة: قال: وأحب أن يكون صيتًا. أي: رفيع الصوت لقوله ﷺ لعبد الله: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتًا»، ولأنه أبلغ في الإعلام.
[ ١ / ٤٢٨ ]
مسألة: قال: "وأن يكون حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه".
وهذا كما قال، أراد أنه إذا كان حسن الصوت يكون أدعى إلى الإجابة، لأن الداعي إلى الطاعة ينبغي أن يكون حلو المقال، ترق القلوب له.
قال الله تعالى: "ولو كنت فظًا غيظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: ١٥٩]. وقال النبي ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم»، وأراد به تحسين الصوت بالقراءة. وقال الله تعالى لموسى وهارون ﵉ حين أرسلهما إلى فرعون: "فقولا له قولًا لينا" [طه: ٤٤] الآية.
مسألة: قال: "وأحب أن يؤذن مترسلًا بغير تمطيط".
وهذا كما قال، أراد بالترسل إفراد كل كلمة من الأذان وإرسال النفس عند انتهائها. يقال: جاء فلان على رسله، أي: على هينة غير عجل ولا متعب نفسه. وروى ابن عمر ﵁ سمع أبا محذورة وقد رفع صوته، فقال له: «أما خشيت أن ينشق من تطاول، فقال: أحببت أن تسمع صوتي». والتمطيط: التمديد.
وقيل: إنه الإفراط في المد، وقوله: ولا نفي فيه، أراد أن يرفع صوته حتى يجاوز به المقدار. وقرئ، ولا يغني فيه. وأراد تشبيهه بالغناء في التطريب والتلحين. وروي أن رجلًا قال لابن عمر ﵁: «إني أحبك في الله، فقال: وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك». قال حماد: يعني التطريب.
مسألة: قال: "وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا".
وهذا كما قال. الإدراج: أن يدرج كلمة في كلمة ويجمع بينهما في نفس واحد بخلاف الترسل، ولكن مع الإدراج [٣٣ ب/ ٢] يجب أن يكون مبينًا، وإنما قلنا كذلك لما روي أن النبي ﷺ قال لبلال: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذر!».
رواه جابر، وروى أبو الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب رضي
[ ١ / ٤٢٩ ]
الله عنه، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذر، ولأن الأذان يراد الإعلام، والترسل فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة تراد لافتتاح الصلاة. والإدراج فيه أقرب إلى الاستفتاح ولا يستحب فيه الصعود على المنارة، وهل يلتوي فيها في كلمة الحيعلة؟.
قال القفال: مرة يلتوي كما في الأذان، وقال: مرة لا يلتوي، والصحيح عندي الأول، وهو ظاهر المذهب. وقول الشافعي: «ويلتوي في حي على الصلاة يرجع» إليهما. وقيل: الصحيح لا يلتوي لأن القوم يسمعون من غير التفات حتى لو كان المسجد كبيرًا يلتوي ليحصل الإعلام. ثم قال الشافعي: «وكيف ما جاء بهما أجزأه». يعني إن خالف ما قلناه، فأدرج الأذان وأقام مترسلًا جاز، وإن كان تاركًا للسنة لأنهما هيئتان فيهما، فهو كترك الجهر والإبراد في الصلاة.
فرع
إذا أذن بالفارسية للجماعة لم يجز وإن كان لنفسه ولا يحسن العربية أجزأه، وعليه أن يتعلم وإن كان يحسن العربية لم يجز. كأذكار الصلاة ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر
متى يقوم الناس إلى الصلاة عند إقامة المؤذن؟ قال أصحابنا: ينبغي لمن كان منهم شيخًا بطئ النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن كان شابًا سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة فيختلف باختلاف القائمين ليستووا في صفوفهم قيامًا في وقت واحد.
مسألة: قال: "وأحب أن يكون المصلي بهم عالمًا فاضلًا".
وهذا كما قال أراد أن الإمام سفير بين القوم وبين الله تعالى، فيجب أن يكون أفضلهم وأعلمهم، وأي الناس صلى بالإمامة من الرجال [٣٤ أ/ ٢] المسلمين جاز، وإن كان فاسقًا وشرح هذا يجيء في موضعه، فإن هذه المسألة ليست من مسائل الأذان، بل هي من مسائل الإمامة.
[ ١ / ٤٣٠ ]
مسألة: قال: "وأحب أن يكون المؤذنون اثنين".
الفصل
وهذا كما قال: يجب أن يكون لكل مسجد كبير مؤذنان لكل صلاة، لأن النبي ﷺ كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فإن اقتصر على مؤذن واحد جاز، لأن النبي ﷺ اقتصر على أذان سعد القرظ وعلى أذان زياد بن الحارث. قال في «الأم»: ولا يضيق أن يؤذن أكثر من اثنين.
قال أصحابنا: ولا يستحب أن يزيد على أربعة، لأن عثمان ﵁ اتخذ أربعة من المؤذنين، ونص في «القديم»: أنه يجوز أكثر من ذلك.
قال الشافعي: وإذا كان المؤذنون أكثر أذن واحد بعد واحد لما روت عائشة ﵂، قالت: لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ولأنهما إذا أذنا معًا كما يعملون اليوم في بلدنا يتشوش، ولو كان مسجد كبير في كل جانب منه منارة، فأذنوا في وقت واحد كل واحد منهم يسمع من يليه، فلا بأس، فكذلك إذا أذنوا في نواحيه معًا جاز. نص عليه في «الأم».
قال أصحابنا: وإذا اجتمعوا هكذا يتفقون في الأذان كلمة كلمة فإن اشتراكهم في كل كلمة منه أبين في الإعلام.
فرع
لو كثر المؤذنون، فلا يبطئ الإمام بالصلاة لانتظار فراغهم فيؤدي إلى ترك فضيلة أول الوقت، ولكنه يخرج بعد الأذان الأول، ويصلي في أول الوقت، ويقطع من بقي من المؤذنين من الأذان.
فرع آخر
لا يستحب أن يقيم إلا واحدًا منهم، فإن أذن واحد بعد واحد، يقيم الأول وإن أذنوا معًا في جوانب المسجد فأيهم أقام فقد أتى بالسنة، فإن تشاجروا أقرع بينهم
[ ١ / ٤٣١ ]
[٣٤ ب/ ٢]، فيقيم من خرجت قرعته. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أذنوا معًا اجتمعوا في الإقامة ولا يترتبون لأن من سنة الإقامة أن يتصل بطرف الصلاة، والأول أظهر وهذا محتمل إذا كان المسجد كبيرًا وأذن المؤذنون في جوانبه يقيمون في كل جانب معًا إذا كانوا لا يسمعون الإقامة إلا هكذا.
مسألة: قال: "ولا يرزقهم الإمام وهو يجد متطوعًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا وجد الإمام من يتطوع بالأذان وكان أمينًا لم يجز للإمام أن يعطيه الرزق من بيت المال، لأن منزلة الإمام من بيت المال كمنزلة ولي اليتيم من مال اليتيم لا ينفق منه إلا ما لا غنى باليتيم عنه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعثمان بن أبي العاص ﵁ حين ولاه الطائف: «صل بهم صلاة أضعفهم ولا تتخذ مؤذنًا يأخذ على أذانه أجرًا»، فإن لم يجد متطوعًا جاز له أن يرزق مؤذنًا واحدًا، ولا يزيد عليه لأن هذا من جملة مصالح المسلمين. وهكذا لو وجد فاسقًا متطوعًا ووجد أمينًا لا يتطوع به كان له بذل الرزق من بيت المال للأمين. وقيل: فيه وجه آخر. المتبرع أولى وإن كان فاسقًا حتى لا يحتاج إلى التزام مؤنة، ولو كان المتبرع ليس بحسن الصوت، فيه وجهان، لأنه تتوفر الجماعة به.
وقال الشافعي في «القديم»: رزقهم إمام هدى عثمان بن عفان ﵁. ولو عظمت البلدة ولم يكمهم مؤذن واحد نصب في كل محلة مؤذنًا ورزقهم. وروي أن عثمان بن عفان ﵁ أجرى الرزق على أربعة مؤذنين بالمدينة، ونص الشافعي رحمة الله عليه في «الأم»، فقال: «رزق منهم قدر ما يحتاج إليه، ولو أراد الإمام أن يرزق مؤذنًا من مال نفسه مع وجود من يتطوع به فلا بأس به».
فرع
اختلف أصحابنا في جواز عقد الإجارة على الأذان من الإمام [٣٥ أ/ ٢]، أو من واحد من الرعايا، فقال الأكثرون: يجوز كما يجوز على تعليم القرآن وأداء الحج عن الغير وبه قال مالك، وهذا أشبه بالمذهب، واختار القاضي الطبري وجماعة أئمة
[ ١ / ٤٣٢ ]
خراسان. وقال أبو حامد: لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال. وغلط من أجازه وليس للشافعي ما يدل على جوازه. وقد قال ههنا: «فإن لم يجد متطوعًا فلا بأس أن يرزق مؤذنًا» فسماه رزقًا ولم يسمه أجرة.
وقال في الحج: استأجر من يحج عنه فدل على الفرق. وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: يجوز أخذ الرزق، ولا يجوز أخذ الأجرة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد. وروي عن أبي حنيفة لا يجوز أخذ الرزق أيضًا، وقيل: يجوز من الإمام ولا تجوز الإجارة من آحاد الرعية، وعلى ماذا يأخذ الأجرة؟ فالظاهر أنها على جميع الأذان كما في تعليم القرآن. وقيل: فيه أوجه:
أحدهما: على مراعاة الوقت.
والثاني: على رفع الصوت.
والثالث: على كلمتي الحيعلة، لأنهما ليستا بذكر الله تعالى، ويجوز أخذ الأجرة على إعادة الدروس واحتجوا بخبر عثمان بن أبي العاص الذي ذكرنا. وهذا غير صحيح عندي، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، ككتبة المصاحف. والخبر محمول على ما لو وجد متطوعًا ٠ ومن نصر قول أبي حامد قال: يجوز أخذ الرزق على القضاء، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه ٠ وكذلك على الإمامة. وقال هذا القائل القرب في باب الإجارة والرزق على ثلاثة أضرب:
قربة يفعلها عن نفسه، ولا يعود نفعها إلى غيره، فلا يجوز أن يأخذ عليها رزقًا ولا أجرة بحالٍ كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
وقربة يفعلها عن الغير وتقع عنه كالحج وتعليم القرآن وبناء القناطر والمساجد يجوز أخذ الأجرة والرزق عليها معًا. وقربة يفعلها عن نفسه ويعود نفعها إلى غيره كالأذان والقضاء والخلافة، ويجوز أخذ الرزق عليها دون الأجرة [٣٥ ب/ ٢]
قلت: إذا كان الأذان بأجرة فهو قربة يفعلها للغير وهو إعلامهم بوقت الصلاة ودعائهم إلى حضور الجماعة فهو كالحج وتعليم القرآن، فلا يصح هذا التقسيم.
فرع آخر
قال: "ولا يرزقهم إلا من خمس الخمس"، سهم النبي ﷺ، وأراد به سهم
[ ١ / ٤٣٣ ]
النبي ﷺ من الغنيمة والفيء جميعًا فإنه مرصد لمصالح المسلمين وهذا من المصالح، ثم نقل المزني: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء ولا من الصدقات، لأن لكل مالكًا موصوفًا وفيه خلل، لأنه معقول أن خمس خمس الفيء مع خمس خمس الغنيمة سهمان لرسول الله ﷺ مصروفان إلى مصالح الإسلام، فيجوز صرف بعض هذا السهم من الفيء إليهم، والشافعي لم يقل هكذا، بل قال: ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي ﷺ، ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء يعني من الأخماس الأربعة ألا ترى أنه علَّل فقال: لأن لكل مالكًا يريد فما عدا سهم النبي ﷺ من الغنيمة، والفيء والصدقات ملاكًا موصوفين في القرآن والسنة وليس لسهم النبي ﷺ من الغنيمة ولا من الفيء مالًا موصوف بل هو للمصالح.
وهذا على القول الذي يقول: أربعة أخماس الفيء للمقاتلة. فأما على القول الثاني، أنها للمصالح فإنه يبدأ بالأهم، فالأهم، والأهم أن يبدأ بالمقاتلة أيضًا، ثم بسد الثغور، ويجوز ذلك فما فضل جاز أن يرزقهم الإمام منه ويرزق الحكام وغيرهم أيضًا.
مسألة: قال: "وأحب الأذان لما جاء فيه".
وهذا كما قال، أراد به يستحب التأذين لما جاء في فضله من الأخبار، ثم روى من الأخبار خبرًا واحدًا، وهو قوله ﷺ: «الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين». ومعنى قوله: الأئمة ضمناء، أي: ضمنوا إتمام الصلاة بالقوم كما جاء في خبر آخر. قال: فإن أتموا فلكم ولهم وإن نقصوا فلكم وعليهم [٣٦ أ/ ٢].
وقيل: الضامن في كلام العرب الراعي والضمان معناه الرعاية، فمعنى الخبر أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم. وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم. ومعنى قوله: «المؤذنون أمناء»، أي: هم مؤتمنون على الأوقات، وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أذن سبع سنين صابرًا محتسبًا كتبت له براءة من النار».
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أذن اثني عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان مسنون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة»، أورده الدارقطني.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وروي أن النبي ﷺ قال: «يشفع المؤذنون يوم القيامة»، فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في الأذان والإقامة أيهما أفضل؟ فقال أبو حامد وجماعة: الأذان أفضل، قالوا: وهذا هو المذهب، وقد صرح به في كتاب الإمامة، فقال: وأحبّ الأذان لما فيه من قول الرسول ﷺ: «اغفر للمؤذنين». وذكره الإمامة للضمان. وهذا اختيار أبي إسحق ووجه هذا ما ذكرنا من الخبر، «الأئمة ضمناء» فإن الإمامة موضع السلامة، ولا يخاف منها شيء. والضمان موضع الخطر والغرامة ودعاء الرسول ﷺ لكل واحد منهما فكان دعاؤه للأئمة بالرشد الذي هو سبب المغفرة، وكان دعاؤه للمؤذنين بنفس المغفرة.
وروي أن النبي ﷺ قال: «المؤذنون أطول أعناقًا يوم القيامة». وفي لفظ: «يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقًا»، ومعناه أطول رجاء يقال: طال عنقي إلى وعدك، أي: رجائي. وقيل: أراد طولًا حتى لا يبلغ العرق إلى أفواههم فيلجمهم كما يلجم غيرهم. وقيل: لم يرد به أن أعناقهم تطول لكن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه. والمؤذنون [٣٦ ب/ ٢] لا يعطشون فأعناقهم قائمة.
وقيل: أراد أطول الناس أصواتًا وعبر عن الصوت بالعنق، لأنه محل الصوت. وقيل: أراد أكثر أتباعًا. والعنق: الجماعة من الناس، يقال: ما تبعه عنق من الناس. ومعناه من أجابهم إلى الصلاة تبعهم إلى الجنة يوم القيامة. وقيل: أراد أطولهم أعناقًا لأمنهم، إذ الأمين مشرفٌ رافع رأسه والخائن متوارٍ منقبض.
وقيل: إعناقا بكسر الألف، ويراد به سرعة السير إلى الجنة. وروى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في الأذان لتضاربوا عليه بالسيوف». وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وأنه يغفر له مدى صوته أين بلغ». وروي أن عمر ﵁ قال: «لو كنت مؤذنًا لما باليت أن لا أجاهد، ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام».
[ ١ / ٤٣٥ ]
وقالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: "ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله" [فصلت: ٣٣] نزلت في المؤذنين.
ومن أصحابنا من قال: الإمامة أفضل لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده اختاروا الإمامة، ولأنها أشق فكانت أفضل. ومن قال بالأول، قال: إنما ترك النبي ﷺ الأذان لاشتغاله بما هو أهم. وكذلك الخلفاء، وهو ظاهر في قول عمر ﵁ لولا الخلافة لأذنت. ولا بد من الصلاة إن لم يكن إمامًا فمأمومًا فلهذا تولى الإقامة. وقيل: إنما تركه لأنه يحتاج أن يشهد لنفسه، ويقول: أشهد أني رسول الله وفيه تغيير نظم الأذان أيضًا.
وقيل: إنما تركه، لأنه لو دعا الناس بنفسه إلى الصلاة لم يسع لأحد منهم التخلف، وفيه ضيق على الناس. وقيل: كانت الإمامة له أفضل، لأنه كان مأمونًا من الخطأ والزلل والتقصير في أداء الضمان [٣٧ أ/ ٢]، فإنه لا يقر على الخطأ والسهو.
وقال بعض أصحابنا وهو قول أئمة خراسان، وهو الصحيح عندي: الإمامة أفضل إذا كان عالمًا بما يلزم الإمام في صلاته وما ينوب فيها ويعلم من نفسه القيام بحقها، لأنها أشق والإمام الضامن أكثر عملًا من المؤذن الأمين. وكلما كثر العمل فالثواب أكثر، وهذا اختيار صاحب «الإفصاح» وصرح الشافعي به في كتاب الإمامة، فقال: وأحب الأذان وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أم ينبغي أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإذا فعل رجوت أن يكون خير حال من غيره. وفيما ذكروه من لفظه في كتاب الإمامة خلل، ولم يذكروا تمام الكلام على هذا الوجه، وهذا يزيل الإشكال.
فرع
قال أصحابنا: لا يستحب أن يتولى واحد كلا الأمرين: التأذين والإمامة، لأن ذلك لم يكن على عهد الرسول ﷺ وعهد الصحابة ﵃، ولأن المؤذن والقوم تبع للإمام. ومن أدب المؤذن إذا أذن أن ينتظر اجتماع القوم، ثم إذا اجتمعوا يأتي نائب الإمام فيؤذنه باجتماعهم كما ذكرنا عن بلال.
وقال صاحب «الحاوي»: «لو أمكن القيام بهما والجمع بينهما أولى، فيجوز
[ ١ / ٤٣٦ ]
شرف المنزلتين وثواب الفضيلتين»، والأول أصح عندي، وهو ظاهر المذهب.
فرع آخر
روي أن النبي ﷺ قال: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، ولم يرد به أن الإمام يقيم بل أراد أن المؤذن يؤذن متى شاء إذا دخل الوقت، ولكن لا يقيم إلا أن يرضى الإمام أو يأذن فيها، ويجوز انتظاره لها.
مسألة: قال: "وأحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها"، وهذا كما قال: يستحب تعجيل الصلوات في أول وقتها في الجملة. وقال أبو حنيفة: يستحب تأخيرها عن أول وقتها، وهذا غلط لما احتج به [٣٧ ب/ ٢] الشافعي، وهو أن النبي ﷺ قال: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله».
قال أبو بكر الصديق ﵁: رضوان الله أحب إلينا من عفوه، ثم بين الشافعي المعنى فيه، فقال: وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظًا، ومن المخاطرة بالنسيان والشغل والآفات خارجًا، وهذه إشارة منه إلى تأويل قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" [البقرة: ٢٣٨]، وفيه خلل، لأن الشافعي احتج بهذه الآية، ثم ذكر هذه اللفظة على جهة الاستدلال، فترك المزني نقل الدليل ونقل جهة الاستدلال، ولا يحسن ذلك، وفيه خلل آخر.
وقال: «ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين» ولم يقل الشافعي هذا، لأن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت موسع فلا ينسب إلى التقصير، ولفظ الشافعي: ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو عفوان عفو تقصير وعفو توسعة، ويشبه أن يكون الفضل في غير التوسعة ما لم ينه عن ذلك الغير، ومعنى ذلك أن الفطر رخصة في السفر، والصوم أفضل ما لم يجهده، فيكون الفطر أفضل. فأما إذا لم ينه عن ترك الرخصة، فالفصل في تركها، فلم يجعل الشافعي التأخير من باب
[ ١ / ٤٣٧ ]
التقصير، وإنما جعله من باب التوسعة، فألحقه المزني بالتقصير.
وقيل: أراد به أنه مقصر بإضافته إلى ثواب من صلى في أول الوقت كالمصلي عشر ركعات نفلًا مقصر بإضافته إلى من صلى عشرين، ولم يرد به تقصير الإثم. وقيل: أنه مقصر لولا عفو الله في إباحة التأخير، فإذا تقرر هذا نذكر كل صلاة على التفصيل.
أما الصبح: التغليس بها أفضل إذا تحقق طلوع الفجر، فإذا غلب على ظنه طلوعه يجوز له أن يصلي ولكن يستحب له تأخيرها إلى أن يتحقق. وبه قال عمر وعثمان وابن الزبير [٣٨ أ/ ٢] وأنس وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة ومالك والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وجماعة. وقال الثوري وأبو حنيفة: الإسفار بها أفضل ما لم يخشَ طلوع الشمس إلا الصبح بمزدلفة، فإن تعجيلها أفضل.
وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي واحتجوا بما روى رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر».
وروي: «أصبحوا بالصبح» الخبر، هذا غلط لما روي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ «صلى الصبح بغلس ثم أسفر مرة ثم غلس ولم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى».
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس»، والغلس اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والغبش قريب منه إلا أنه دون، والمروط أكسية تلبس، والتلفع بالثوب الاشتمال به.
وروي: متلفقات، أورده مسلم في «صحيحه». وروي أن النبي ﷺ، قال: «أفضل الأعمال عند الله الصلاة لأول وقتها». وروي أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «ثلاث لا تؤخرها، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤًا».
وأما خبرهم أراد به إسفار الفجر، وهو ظهوره واستنارته، وهذا لأنه يحتمل أنه لما
[ ١ / ٤٣٨ ]
أمر بتعجيل الصلوات كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والفجر الثاني طلبًا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب، فقال لهم: صلوها بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر، فإن ذلك أعظم للأجر، فإن قيل: كيف يقال هذا، والصلاة إذا لم تجز لم يكن فيها أجر؟ [٣٨ ب/ ٢] قلنا: لا جواز لها، ولكن أجرهم فيما نووه بالخطأ ثابث كقوله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر».
وقيل: الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة. وذلك أن الصبح لا يتبين فيها جيدًا، فأمرهم بزيادة التبيين استظهارًا باليقين في الصلاة، فإذا تقرر هذا يستحب أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس. وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يدخل فيها بغلس ويخرج منها بالإسفار جمعًا بين الأخبار، وهذا حسن. وروي أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «صلوا الفجر في الشتاء وتغلسوا بها، وأطيلوا القراءة على قدر ما تطيقون وإذا كان الصيف فأسفر فإن الليل قصير ليدركها النوام». وأما صلاة الظهر: يستحب تعجيلها في كل وقت لكل أحد إلا أن يشتد الحر، فيستحب أن يؤخرها عن أول وقتها باربع شرائط:
أحدها: أن يكون الرجل إمام القوم يصلي بهم جماعة.
والثاني: أن يكون في شدة الحر في الصيف.
والثالث: أن يكون في البلاد الحارة مثل الحجاز ونحوه.
أن تنتابها الجماعة ويحضرها من مكان بعيد، فإن اختل شرط من هذه الشرائط لا يستحب تأخيرها مثل أن يصلي وحده أو في جماعة في جوار المسجد، أو في زمان معتدل، أو في شدة الحر في البلاد الباردة، أو في مسجد يكون الطرق إليه في ظل أو كنين.
وقال في «البويطي»: القريب والبعيد فيه سواء لأن القريب يلحقه حر المسجد ويشق عليه ذلك. وقيل: الإبراد في حق من يصلي في بيته قولان:
أحدهما: يسن لعموم الخبر.
والثاني: لا يسن، لأنه لا مشقة، وهذا غريب. وإذا وجدت هذه الشرائط أخرها حتى تكسر شدة الحر ويتسع فيء الحيطان، ثم صلاها. قال الشافعي ﵀:
[ ١ / ٤٣٩ ]
«ولا [٣٩ أ/ ٢] يبلغ بتأخيرها آخر وقتها حتى يصليها معًا، يعني: الظهر مع العصر من يصيبها، وينصرف منها قبل آخر وقتها».
وقال أيضًا: «يصليها في وقت إذا فرغ منها يكون بينه وبين آخر الوقت فصل».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا ينبغي أن يبلغ بالتأخير نصف الوقت، وهذا صحيح موافق للنص الذي ذكرنا. وقيل: يؤخر إلى أن يحصل فيء ويمشي فيه القاصد إلى الصلاة، وهذا قريب مما تقدم، والأصل في هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب قد أكل بعضي بعضًا، فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حرها وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وقوله: فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره، يقال: مكان أفيح، أي: واسع.
وقيل: هذا في الحقيقة من وهج حر جهنم. وقيل: خرج هذا الكلام مخرج التقريب، أي: كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها، فإن قيل. روى خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة حر الرمضاء، فلم يشكنا»، وهذا يدل على أنه لم يجوز لهم التأخير لشدة الحر.
وقال جابر ﵁: «كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر». قلنا: يحتمل أنه لا يزول ذلك بالإبراد وإنما يزول بالسترة ويحتمل أن يكون رخص بعد ذلك وأمر بالإبراد.
وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها أبدًا حتى يصير الفيء قدر ذراع لأن الناس يكونون في أشغالهم فإذا أخرت قليلًا اجتمع لها الناس، وهذا غلط لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ «كان يصلي الظهر حين ترجع الشمس». وأما ما قاله لا يصح لأنه لو صح لكان يؤخرها إلى وسط الوقت ليكثر الناس [٣٩ ب/ ٢].
وقال أبو حنيفة: «تأخيرها أبدًا إلا الظهر في الشتاء»، وهذا غلظ لما ذكرنا.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فرع
الإبراد بالظهر على ما ذكرنا هل هو سنة أو رخصة؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: سنة، وهو ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي إسحق لأن شدة الحر تذهب بالخشوع فهي كشدة الجوع، ومنهم من قال: هو رخصة، لأن الشافعي، قال في البويطي: أمر رسول الله ﷺ بتأخيرها في الحر توسعة منه ورفقًا بالذين ينتابونه مثل توسعته ﷺ في الجمع بين الصلاتين، فحصل قولان.
فرع آخر
الإبراد بصلاة الجمعة عند اشتداد الحر بهذه الشرائط، هل يستحب؟ وجهان:
أحدهما: لا يستحب، لأن الناس ندبوا إلى التبكير إليها، فإذا اشتد الحر يكونون مجتمعين في الجامع، فتعجيل الجمعة بهم أرفق من تأخيرها، وهذا أظهر. وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ «كان إذا اشتد البرد بكر بها، وإذا اشتد الحر أبرد بها».
والثاني: يستحب فيها ذلك أيضًا، لأنها في يوم الجمعة كالظهر في سائر الأيام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا في المسجد الكبير الذي يجتمع فيه الناس الكثير في الجماعات وجهان أيضًا، وهذا محتمل قياسًا على الجمعة.
وأما صلاة العصر: فتعجيلها أفضل، وبه قال من ذكرنا من الصحابة وغيرهم. وقال مالك: يؤخرها يسيرًا كما قال في الظهر.
وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل ما دامت الشمس بيضاء نقية، وبه قال الثوري إلا في يوم الغيم وعن إبراهيم أنه كان يؤخر العصر. وروي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لأنها تعصر، واحتج بما روى رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ «كان يأمر بتأخير هذه الصلاة»، يعني صلاة العصر، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن أنسٍ ﵁ [٤٠ أ/ ٢] أن النبي ﷺ «كان يصلي العصر والشمس بيضاء حية ثم يذهب الذاهب إلى العوإلي فيأتيها والشمس مرتفعة». وحياتها شدة وهجها وبقاء حرها. وقيل: حياتها صفاء لونها لم تتغير.
وقال الزبيري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة. قال الراوي: وأحسبه قال: أو أربعة.
[ ١ / ٤٤١ ]
وروي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ «كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» ومعنى الظهور هنا: الصعود. يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته. ووجه الدليل أن حجرة عائشة كانت ضيقة الرقعة والفناء والشمس تتقلص عنها سريعًا، فلا يكون مصليًا للعصر قبل أن تصعد الشمس عنها، إلا وقد بكر بها.
وأما خبرهم رواه عبد الواحد بن رافع، وهو مطعون فيه. وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأوزاعي عن ابن المجادي عن رافع بن خديج. قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العصر، ثم ننحر الجزور فنقسمه ثم نطبخ فنأكل لحمًا نضجًا قبل أن تغيب الشمس» فدل على ما قلنا.
وأما صلاة المغرب: فلا خلاف بين العلماء أنه يستحب تعجيلها.
والأصل فيه ما روى جابر ﵁، قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب ثم نخرج فنناضل حتى يخرج صوت بني سلمة فننظر إلى مواقع النبل من الإسفار». وروي أن النبي ﷺ قال: «بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم».
وأما العشاء الآخرة: قال في «الإملاء» و«القديم»: «تعجيلها أولى»، وهو الصحيح لما روي عن النعمان بن بشير ﵁، قال: أنا أعلمكم بوقت هذه الصلاة، صلاة عشاء الآخرة، «كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة»، وهذا إخبار عن دوام فعله. [٤٠ ب/ ٢]
وقال في «الأم»: «تأخيرها أفضل». وبه قال أبو حنيفة لقوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل». وروي إلى نصف الليل. واختلف قوله في قدر التأخير لاختلاف الرواية. وروى معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها
[ ١ / ٤٤٢ ]
أمة قبلكم». ومعناه أخروها.
فرع
قال أصحابنا: يكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة، قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها».
فرع آخر
أوكد الصلوات في المحافظة عليها، الصلاة الوسطى، لأن الله تعالى قال: "والصلاة الوسطى" [البقرة: ٢٣٨] فخصها بالذكر، والصلاة الوسطى هي صلاة الصبح. وبه قال مالك، وروي هذا عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر ﵃. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة أنها العصر. ورواه ابن المنذر عن علي وأبي هريرة وأبي أيوب وأبي سعيد ﵃.
وروي عن عائشة وزيد أنهما قالا: هي الظهر. وروي هذا عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وهذا كله غلط لقوله تعالى: "وقوموا لله قانتين" [البقرة: ٢٣٨]، فقرنها بالقنوت، ولا قنوت إلا في صلاة الصبح. وروى مالك عن ابن عباس ﵁ أنه صلى وقنت فيها، ثم قال: «هذه الصلاة التي أمرنا الله فيها أن نقوم قانتين».
وروى مالك في «الموطأ»: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أم المؤمنين ﵂ أن أكتب لها مصحفًا، فإذا بلغت هذه الآية فأذنتني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" قال: فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: حافظوا [٤١ أ/ ٢] على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، ثم قالت: «سمعتها من رسول الله ﷺ»، ولأن صلاة الصبح لا تتبع إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فهي منفردة قبلها صلاتا الليل وبعدها صلاتا نهار.
واحتج أبو حنيفة بما روى علي بن أبي طالب ﵁، قال: لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي ﷺ: «شغلونا عن الصلاة
[ ١ / ٤٤٣ ]
الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا». قلنا: يحتمل أنه ﷺ سماها وسطى ونحن لا نمنع من ذلك وخلافنا في المراد بالآية. واحتج زيد بن ثابت ﵁ بأن صلاة الظهر وسط صلوات النهار وفيها مشقة لكونها في شدة الحر ووقت القيلولة.
واحتج قبيصة بأن المغرب أوسط أعداد الصلوات ووقتها مضيق فنهى عن تأخيرها. قلنا: أخبارنا أولى لأنها صريحة منصوصة، ويعارضهم بأن الله تعالى حث على صلاة الصبح دون غيرها، فقال: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: ٧٨].