مَسْأَلُة: قال: (وإذا أحرم إمامًا، أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده).
وهذا كما قال: لا تصح الصلاة إلا بنية. والأصل فيها ما تقدم من الآية والخبر، فإذا ثبت ذلك، فإن الكلام فيها في ثلاثة فصول في محّلها وكيفيتها ووقتها.
فأما محّلها فالقلب، فإن نوى بقلبه ونطَق بلسانه، فهو الكمال، وهذا إذا نطق قبل التكبير، ثم كبرّ ناويًا، وإن نطق بلسانه بهما، ولم ينِو بقلبه لم يعتد بهما، وإن نوى بقلبه، ولم ينطق بلسانه أجزأته.
ومن أصحابنا من سها، فقال: لا تجزئه حتى ينطق بلسانه، لأن الشافعي ﵀، قال في كتاب الحج: (وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة، وليس كالصلاة التي لا تصحّ إلا بالنطق)، وهذا غلٌط، لأن الشافعي قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا بدّ مع النية في الحج من التلبية أو سوق الهدي حتى ينعقد، وأراد بالنطق في الصلاة التكبير لا التلفظ بالنية.
وأما كيفية النية، قال في (الأم): وكان على المصّلي في كل صلاٍة واجبة أن يصّليها وينويها بعينها فأوجب تعيين النّية [٥٧ أ/ ٢]. واختلف أصحابنا في ذلك، فقال أبو إسحق ﵀: عليه أن ينوي ثلاثة أشياء: الفعل والتعيين والفرض.
فالفعل أصلي، والتعيين قوله: الظهر أو العصر، والفرض قوله: فرض، قال ابن أبي هريرة ﵀: يكفيه أن ينوي الفعل والتعيين، فينوي صلاة الظهر، ولا يحتاج إلى نية الفرض، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فريضة فاستغنى عن نية الفرض. وبه قال أبو حنيفة ﵀، ولأن الصبي إذا صلّى بنية صلاة الوقت، ثم بلغ أجزأه، وإن لم يكن نوى الفريضة. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن من أعاد الصلاة في جماعة ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، وكذلك الصبي مأمور بأن يصّلي ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، والأشهر قول أبي إسحق، ولكن قول ابن أبي هريرة أصح في القياس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتاج أن ينوي فرض الوقت ليتميز عن القضاء، ولم يذكره أهل العراق، أو يقول: أؤدي صلاة الظهر فريضة، وقيل: يحتاج أن ينوي لله
[ ٢ / ٣ ]
تعالى، وهو ضعيف، وهذا لإظهار الإخلاص. والمذهب أنه يستحب ذلك، لأنها لا تكون إلا لله تعالى.
فَرْعٌ
لو قال: نويت أداء فرض الظهر، ولم يقل: فريضة صلاة الظهر، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن الظهر اسم الوقت لا العبادة.
والثاني: يجوز لأن الظهر في الُعرف اسم الصلاة والمفهوم عند الإطلاق اسم العبادة لا الوقت.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: نية الأداء مأمور بها في ظاهر المذهب لأن الصلاة تنقسم إلى قضاء وأداء وعلى هذا لو قال: نويت أن أصلي فريضة صلاة الوقت، ولم يقيد بالأداء لا يجوز، والتقييد بفرض الوقت لا يقوم مقامه، لأنه يتصور صلاة في الوقت وتكون قضاء، وهو إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم أراد أن يصّلي ثانيًا، فهو قضاٌء [٥٧ ب/ ٢]، ويظهر لمسألتين:
أحديهما: مقيٌم شرع فيها ثم أفسدها، ثم سافر لا يقصرها.
والثانية، مسافٌر نوى الإتمام، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لا يجوز له القصر فلو لم يكن قضاء لا يلزمه الإتمام، لأن القصر جاز للمسافر بلا خلاف.
فَرْعٌ آخرُ
لو قال: على ما ذكرنا أقضي صلاة فريضة الوقت، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن بين القضاء والأداء اختلافًا في الحكم، فإن لم يكن في الفعل فلا بدّ من التمييز. وظاهر نصّ الشافعي: يجوز لأن القضاء يعّبر عنه بالأداء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] الآية، أراد: أديت. وقيل: العبارات على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يكفي فيه نية الفعل فقط، وهو الحّج والعمرة والطهارة.
والثاني: ما يكفي فيه الفعل والفرض من غير تعيين، وهو الزكاة والكفارة.
والثالث: ما يفتقر إلى نية الفعل والفرض والتعيين، وهو الصلاة ونحوها، وبماذا يحصل بأدائها بهذه الثلاثة؟.
قال أبو إسحق: بأن ينوي ثلاثة أشياء. وقال ابن أبي هريرة: يحصل بأن ينوي شيئين. وأما نية استقبال القبلة لا يشترط بل إذا علم قبل التكبير أنه مستقل القبلة كفاه، ولا يجوز أن يعتقد أنه غير مستقبل لها. وقيل: نية الاستقبال شرٌط، وليس بشيء، ونية أعداد الركعات لا يشترط.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: تستحبّ. وفيه نظٌر. وأما في الفائتة. قال بعض أصحابنا: يحتاج أن ينوي أربعة أشياء: الفعل، والفرض، والتعيين، والفوات ليتميز من
[ ٢ / ٤ ]
الأداء. نصّ عليه في (الأم)، وهذا اختيار أبي حامد. وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نصّ الشافعي؛ لأنه قال: ولو صلّى في يوم غيم ثّم بان أنه صلّى بعد الوقت أجزأه، وإن لم يكن نوى الفائتة. وهذا قال في الأسير: إذا تحرى صوم رمضان فبان أنه صام شوالًا أجزأه، ولم ينِو القضاء، وكذلك لو اعتقد [٥٨ أ/ ٢] أن وقت الصلاة فات فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت ما فات أجزأه فبان أن نية القضاء والأداء لا تجب.
ويمكن أن يجاب عن هذا فنقول: ههنا نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم، فكيف وقعت أجزأته سوًاء وقعت أدًاء؛ أو قضًاء، لأنه غير وقت وجوبها وجرى مجرى من نوى صلاة أمس تجزئه، وإن لم ينِو القضاء، وإنما يتصور الخلاف فيمن كانت عليه فائتة الظهر، فصلّى في وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة تقع بحكم الوقت، فإن نسي أنه صلاها، فصلّى ثانيًا ينوي صلاة الظهر الفريضة على ما ذكره أبو حاحد لا تجزئه عن القضاء، وتقع نافلًة وعلى ما قاله القاضي تجزيه، ويلزمه أن يقول فيمن صلّى الظهر قبل الوقت معتقدًا أن الوقت قد دخل ولم يكن قد دخل أنها ُتجزئه عن فائتة الظهر. وفي هذا نظٌر، لأنه إذا اعتقد دخول الوقت فقد عين ظهر ذلك اليوم، فلا يلزمه هذا.
وأما من صلّى في غير وقت الظهر ونوى الظهر الفريضة، وهو عالم بالوقت، فلا بدّ أن يكون عالمًا بسبب الوجوب، وهو فوات الظهر في وقتها فقد تضمنت نيته القضاء ومثل ما صورناه في الصلاة لا يتصور في الصوم، لأنه لا يقضيه إلا في غير زمانه، فإذا نواه عن رمضان فقد تضمن نية القضاء، ووجه قول أبي حامد أنه لم ينِو بهذه الصلاة الظهر التي تركها، فلا تجزئه كما لو لم ينو الظهر. ووجه القول الآخر أنه أتي في قضائها ما كان لزمه في الأداء فأجزأه، كسائر الأفعال ذكره صاحب (الشامل)، وما قاله القاضي أصح عندي، وإن كان يصّلي جماعة فنية الإقتداء شرط ليحوز فضيلة الجماعة، وكذلك نية الإمامة شرط إن أراد حيازة فضيلة الجماعة.
فَرْعٌ
إذا لم ينِو الجماعة هل تصح صلاته منفردًا؟ فيه وجهان! [٥٨ ب/ ٢]
أحدهما: يصحّ لأنه أتى بجميع أركانها.
والثاني: لا يصحّ لأنه ينتظر في أركانها من ليس بإماٍم له فيبطلها.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لم ينِو الإمامة، هل تكون صلاته جماعة؟ وجهان:
أحدهما: لا تكون.
والثاني: تكون، لأن سبب الفضيلة اجتماع القوم على العبادة، ولهذا تزداد الفضيلة بزيادة الجماعة، وإن لم يكن للإمام ولا لأحد المأمومين قصد فيه تظهر فائدته إذا لم ينِو الإمامة في صلاة الجمعة، فإن قلنا: صلاته جماعة تصحّ جمعته، وإن قلنا: صلاته انفراد لا تصحّ جمعته.
[ ٢ / ٥ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يشترط في الجمعة شرطان زائدان نية الاقتداء وتقييد النية بما يتميز عن الظهر الذي هو فرض الوقت في سائر الأيام بأن يقول: أصّلي صلاة الجمعة فرض الوقت، أو يقول: الصلاة المفروضة ركعتين، ونية القصر عند الافتتاح شرٌط ليجوز له القصر. وأما صلاة النافلة، فعلى ضربين: مقيدة وغير مقيدة، فالمقيدة كصلاة العيدين والخسوف والكسوف، وصلاة الاستسقاء وقيام رمضان والوتر وركعتي الفجر، فهذه الصلوات لا تقع إلا بنيتها، فيلزمه أن ينوي الفعل، والتقييد.
وأما غير المقيدة مثل صلاة الليل وسائر النوافل يكفيه أن ينوي الفعل فقط. ومن أصحابنا من قال في النوافل الراتبة في الصلوات الخمس يلزم التقييد، وهذا َاقَيُس عندي وليس بمشهور. ومن أصحابنا من قال: في جمع النوافل المرتبة مع الفرائض سوى ركعتي الفجر يكفيه نية الفعل، لأن فعلها قبل الفريضة وبعدها يغني عن تقييدها وتخالف ركعتي الفجر، لأنها تقع سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر، وإن صلّى الفريضة في آخره، ويصليها بعد الفريضة أيضًا إذا تركها، وهذا ضعيٌف عندي، لأن النوافل الراتبة وسواها في هذا المعنى سواء، وهذه النوافل مزية على غيرها، لأن النبي - ﷺ - سّنها وواظب على فعلها، فلا بدّ من تعيينها.
وأما وقت النية [٥٩ أ/ ٢] في الإحرام لا قبله ولا بعده، فيحتاج أن تكون نيته مقارنة لجميع التكبير، ولو قدمها واستصحبها إلى حال التكبير جاز، والحكم للنية المقارنة، ولو أتى بتمام النية مع ابتداء التكبير واستصحبها إلى آخره أجزأه، وإن لم يستصحب ذكرها إلى آخر التكبير لم ُيْجِز، فإن قيل: هلّا قلتم: إنه إذا نوى مع أول جزء من التكبير أجزأه، لأنه عندكم من الصلاة كما قلتم فيمن ينوي الطهارة مع أول جزء من وجهه أجزأه؟ قلنا: لأن في الطهارة كل جزء منها سقط به الفرض عن محله، فإذا نوى عن أول جزء منها أجزأه، وههنا الصلاة عقد ينعقد لجمح لفظ التكبير، وإذا أتّمه يدخل به في الصلاة وانعقدت به، فيلزمه أن لا يعري شيئًا منه عن النية.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يأتي بجميع النية مع ابتداء التكبير، لأن النية لحظة، وهذا غلٌط. وأما قول الشافعي ﵀: (لا قبله) لم يرد به أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، بل أراد: لا ينوي قبله ويقطع قبل التكبير، وكذلك قوله: ولا بعده لم يرد أنه لا يجوز استدامة النية بعد التكبير، بل أراد: لا يجوز إنشاؤها بعد التكبير وقصد به الرّد على أبى حنيفة حيث قال: إذا نوى قبل التكبير بلحظة يجوز، وبه قال أحمد، وهذا لأن عبادات الأبدان مبنية على أن نيتها تقارن الشروع فيها، إلا في النية في الصوم للضرورة بدليل الحّج وغيره.
وروى الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة مثل مذهبنا، وقال داود: يلزمه أن يقدم النية على التكبير لئلا يعرى جزء منها عن النية، وهذا غلٌط لأنا نوجب أن يقارن جميع النية ابتداء التكبير، فلا يخلو جٌزء منها عن النية. وقال القفال: قال المتقدمون من أصحابنا: يلزمه أن
[ ٢ / ٦ ]
ينوي ابتداء النية مع ابتداء التكبير وانتهائها مع انتهائه، لأن الشافعي ﵀، قال: (لا قبله ولا بعده)، وهذا لا يصحّ، لأن النية ليست شيئًا يمتد حتى لو فعل [٥٩ ب/ ٢] هكذا، بطلت صلاته. والأصح أن يأتي بجميع النية قبل التكبير ويستصحبها حتى يفرغ من التكبير، لأنه إنما يصير داخلًا في الصلاة بالفراغ من التكبير، وهذا صحيح موافق لما ذكرناه.
فَرْعٌ آخرُ
لو تراخى بعض النية عن آخر حرٍف من حروف التكبير لم تجز صلاته، ولو نوى بعض النية قبل التكبير وأتمها مع التكبير لم تجز أيضًا، ولو نوى كلها قبل التكبير وكلها مع التكبير يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
إذا نوى على ما ذكرنا لا يلزمه استصحاب ذكرها إلى آخر الصلاة ولو عزبت نيته جازت صلاته لأنا لو كلفناه. ذكرها إلى آخرها أّدى إلى المشقة ويلزمه استصحاب حكمها حتى لا يغيرها، فإن َغيرها ُنِظر، فإن اعتقد أنه يقطعها أو أنه سيقطعها قبل الفراغ منها أو تفكر على أن يقطعها أم لا؟ بطلت صلاته، لأنه زالت نيته عن الُمضَّي فيها، فأشبه إذا سلم ونوى الخروج.
وحكي عن أبي حنيفة ﵀ لا تبطل قياسًا على الحّج، وهذا غلط، لأن الحج لا يقبل القطع بخلاف الصلاة، ولو قال: سأخرج إن لقيت فلانًا هل تبطل صلاته في الحال؟ وجهان، وقيل: وجه واحٌد لا تبطل.
فَرْعٌ آخرُ
لو نوى في الابتداء مثل هذا لم تنعقد صلاته خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأنه لم يقطع النية الواجبة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك هل نوى الخروج منها أم لا؟ ُنِظر فإن تذكر في الحال مضى في صلاته، وإن تذّكر بعد ما انتقل من ركٍن إلى ركٍن بعد الشك بطلت صلاته لأن العمل الذي يأتي به في حال الشك لا يحسب، ولو شاك هل دخلها بنية صحيحة أم لا؟ فإن ذكر قبل أن ُيْحِدث عملًا جاز، والعمل مثل القراءة، أو الركوع أو السجود، وإن ذكر بعد أن طال الأمر، وبعد أن عمل شيئًا من هذا بطلت صلاته، فإن قيل: وإن لم يعمل عملًا فهو متلبٌس بالصلاة، وقد مضى جزء منها مع الشك في النية فوجب أن تبطل، قلنا: ذلك الجزء لو حلّت منه الصلاة لجاز بخلاف الأفعال التي ذكرناها، فعفي عن الشك فيه.
فإن قيل: َأَلْيَس لو شّك المسافر أنه نوى القصر أو الإتمام وطال الفصل، ثم تذّكر [٦٠ أ/ ٢] فصلاته جائٌزة، ويلزمه الإتماُم، وإن تذّكر في الحال، يلزمه الإتمام أيضًا، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ما مضى في حال الشّك محسوب من صلاته، ولكن إتمامًا لا قصرًا، وإذا لزم الإتمام في جزء لزم في الكل كما لو نوى الإتمام قبيل التسليم،
[ ٢ / ٧ ]
فلهذا لم يُجز القصر وههنا ذلك القدر لم يحسب من صلاته فُجعل كأن لم يكن ثم جازت صلاته حين لم يبطل الفصل، فلهذا لم نبطلها.
فَرْعٌ آخرُ
لو عزبت نيته عن الصلاة التي هو فيها، فاعتقد أنه في غيرها كالفائتة أو صلاة الوقت، ثم ذكر التي دخل بها. قال في (الأم): لا يجزئه ما انتقل إليه، وقال أبو حامد: لا يجزئه ما انتقل عنه، وإن كان ساهيًا وإن تذكر ذلك، وهو في الصلاة.
سمعت بعض أصحابنا يقول: يعيد ما أدّى بالنّية الثانية ويسجد للسهو، وإن طال مثل أن يصلي ركعتين من الظهر بنية الظهر، ثم صلّى ركعتين منه بنية العصر، ثم تذّكر يعيد ركعتين بنية الظهر، وهذا صحح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو غّير النية إلى غيرها عمدًا، فإن كان إلى فريضة أخرى لم تجز كلتاهما، لأن الصلاة الأولى بطلت بقطع نيتها ولم يصحّ الصلاة الثانية، لأنه لم ينوها من أول صلاته، وكذلك لو صرفها من القضاء إلى الأداء أو من الأداء إلى القضاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تبطل، أو تصير نفلًا؟ قولان، وليس بمشهور.
فَرْعٌ آخرُ
لو غيرها إلى نفٍل قال في (الأم): لا يجوز، وقال في باب اختلاف نية المأموم والإمام، ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقّدم بجماعة، فأحّب أن يكمل ركعتين تكونان له نافلًة. فالمسألة على قولين:
أحدهما، لا يجوز، لأنه لم ينو النفل في جميع الصلاة، وهذا أصح.
والثاني، يجوز، لأن نية النفل دخلت في نية الفرض، وهو نية الصلاة، فقد حصلت نية النفل في جميع الصلاة ألا ترى أن من نوى صلاة قبل دخول وقتها انعقدت نافلًة لوجود نية النفل [٦٠ ب/ ٢] في نّية الفرض؟ ومن أصحابنا من قال: قوٌل واحٌد، أنه لا يجوز. وقوله: تكونان له نافلًة إنما أجاز لفرٍض صحيح، وهو أن يحصل له الجماعة في الفرضية، فإذا لم يكن هذا الفرض فلا يجوز، ولأن الشافعي قال: تكونان له نافلة بفعله شرعًا لا بتعين نيته ولو نقلها إلى نافلٍة معنيٍة كركعتي الفجر ونحوهما لا تجوز قولًا واحدًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال القفّال: وكذلك لو أن مريضًا كان يصلي بقوم فوجد قوة القيام عليه أن يقوم، فإن لم يفعل، قال الشافعي: بطلت صلاته، وكذلك صلاة من خلفه وعلم بحاله. وقال: قال أصحابنا، هل تبطل أو تصير نفلًا؟ قولان. وكذلك لو كبرّ للفرض قاعدًا مع
[ ٢ / ٨ ]
القدرة على القيام وأحرم بالظهر قبل الزوال مع العلم. قال: وعلى هذا لو أحرم بالحج قل أشهر الحج، هل يبطل أو ينعقد عمرًة؟ قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو شرع في الجمعة بنية الظهر لم َيُحز، ولو شرع في الظهر بنية الجمعة، قال القفال: فيه وجهان بنًاء على أنها ظهٌر مقصورٌة أو فرض مبتدأ، وفيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان في نافٍلة فنقلها إلى فريضٍة لم تجز التي انتقل عنها، ولا التي انتقل إليها، والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها على أحد القولين، أن نية الصلاة تكفي للنفل، فإذا ترك ما زاد على هذه النية لا يمنع أن يكون نفلًا محسوبًا بخلاف الفرض، فإنه لا يجوز إلا بنية معينة في ابتدائه.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): (إذا فاتته صلاة لا يدري أهي الظهر أم العصر أو غيرها، فكبر ينوي الصلاة الفائتة لم تجزءه لأنه لم يقصد الفائتة قصد صلاٍة بعينها). وهذا صحح، ويلزمه أن يأتي بالصلوات الخمس، وقال المزني ﵀: القياس عندي، والله أعلم. أنه يجزئه أربع ركعات ينوي بها ما عليه يجهر في الأوليين ثم يجلس بعد الثالثة أيضًا، فإن كانت عليه الصبح فقد صلاها وزاد فيها ركعتين على وجه الشك والنسيان، [٦١ أ/ ٢] فتجري مجرى من صلّى الصبح أربعًا، ناسيًا فإنها تجزئه وتسقط، الزيادة وإن كانت مغربًا، فقد زاد ركعًة بعد أن تشهد لها التشهد الأخير على وجه السهو كما ذكرنا، وإن كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو عشًاء فقد أتى بها وزاد تشهدًا احتياطًا كمن شّك في صلاته فأتى بركعٍة زائدٍة وجهر بالقراءة فلا تضر صلاته وإنما أمره بالجهر، لأن الجهر في ثلاث صلوات من الخمس وذلك أكثرها قال المزني: وهو كما لو كان عليه كّفارة ولم يعلم من أي جهة أجزأه أن يعتق رقبة ينوي بها الكفارة كذلك ههنا، وهذا غلط، لأنه بتعيين النية وتعيينها واجٌب في الأداِء فلم يجز تركها في القضاء، ويفارق الكفارة لأن تعيينها لا يجب في الأداء، فلم يجب في القضاء، وأما تشبيهه سهوًا، لا يصحّ لان ذلك يقع، ولا يمكن الاحتراز منه، لأنا نأمن مثله في القضاء وههنا يمكن الاحتراز بأن يأتي جميع الصلوات الخمس فيلزمه ذلك.
فَرْعٌ
قال في (الأم): (ولو فاتته الظهر والعصر، فدخل في الصلاة ينوي بها الظهر والعصر لم يجزه) لأن تشريكه بين الصلاتين يمنع وقوع التعيين بأحدهما. وقال أيضًا: لو دخل نّيته أحديهما ثم شك فلم يدِر آيتهما نوى لم يجزئه على يقين من التي نواها.
[ ٢ / ٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو كبرّ لافتتاح الصلاة ثم كبر مرًة أخرى، قال صاحب (التلخيص): بطلت صلاته، فإن كبرّ ثالثة جاز فإن كبرّ رابعة بطلت. قال أصحابنا: هذا بشرطين:
أحدهما: أن يقصد محل تكبيرة الافتتاح.
والثاني: أن لا ينوي الخروج من الصلاة قبل التكبير الثاني فإن نوى ذلك صّح خروجه ثم إذا كبرّ الثانية صّح افتتاحه.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي ﵀: لو صلّى أرع ركعاٍت ظهرًا بنية الفاقة ولم يعلم أن عليه ذلك ثم علم أنه كان عليه ذلك هل يجوز عن فرضه الفائت؟ ينبغي أنه يجوز [٦١ ب/ ٢] لأّن بالإجماع لو صلّى الظهر وفرغ منه، ثم شّك في بعض فرائضه يستحب له الإعادة بنية الفرض، فلولا أن الأولى إذا تبين فساده تقع الثانية عن فرضه، لم يكن للإعادة معنًى، وبان ذلك أن شّكه في وجوبه عليه لا يمنع صحة فعله، وقد صّح أيضًا أن من نسي صلاة من خمس صلوات يؤديها كلها، وفي كل صلاة منها لا يعلم أنها واجبة عليه بنيتها، فبان بهذا أن هذه المعرفة لا تكون شرطًا، إنما يؤديه من الصلوات.
مَسْألةٌ: قال: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر)، وهذا كما قال. اختلف العلماء فيما تنعقد به الصلاة على خمسة مذاهب، فعندنا لا تنعقد إلا بالتكبير مع القدرة، والتكبير قوله: الله أكبر لا غير ونقل المزني ﵀ لا تنعقد إلا بقوله؛ الله أكبر، أو الله الأكبر، وهو عبارة عامة أصحابنا، وص غلٌط لأن الشافعي ﵀ نصّ في (الأم): إذا قال: الله الأكبر، انعقدت صلاته بما فيه من قوله: الله أكبر، والألف واللام زيادتان لا ُيخلان بالمعنى ولا تنعقد بما عدا هذا من الألفاظ.
وبه قال ابن مسعود، وطاوس، والثوري، وداود، وإسحاق ﵏، وقال مالك وأحمد رحمهما الله: لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، ولو قال: الله الأكبر لا تجوز صلاته.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تنعقد بكل اسم لله تعالى علي وجه التعظيم كقوله: الله العظيم أو الجليل، وبقوله: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ولو قال: الله أو الرحمن من غير وصٍف، فيه روايتان.
روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول أنه لا يجوز من دون ذكر الصفة ووافقنا أنه لو قال: على وجه النداء: يا الله، لم تنعقد. وبه قال النخعي، والحكم، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير قوله: [٦٢ أ/ ٢] الله أكبر. وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير خاصة، فلو قال: الله الكبير أجزأه، ولا تنعقد بما عداه.
[ ٢ / ١٠ ]
وقال الزهري: تنعقد بمجرد النية من غير لفٍظ، وهذا غلط لقوله - ﷺ - (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسلم)، فدّل على أنها لا تنعقد بغير التكبير. وروي أن النبي - ﷺ - قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)، الخبر إلى أن قال: (ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر)، لأن في قوله: الله أكبر معنى العِظم والقِدم قبل كّل شيء، وهذا لا يحصل بغير هذا اللفظ.
واحتّج مالك ﵀ بأنه عدل عن قوله: الله أكبر، فلا يجوز، قلنا: قوله: الله الأكبر لم يتغير عن نيته ومعناه؛ لأن لام التعريف الزائدة لا تنقص معناه بل تفيد التعريف كقول القائل رجل، والرجل فجرئ مجرى قوله: الله أكبر كبيرًا ونحو ذلك.
واحتّج الزهري، بأنه يكفي للشروع في العبادة النية كما في الحّج والصوم. قلنا في الأصل: لا يجب النطق في الانتهاء، فلا يجب النطق في الأول بخلاف الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): (لو قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، واش أكبر كبيرًا فقد كبرّ وزاد شيئًا، فهو داخل في الصلاة بالتكبير والزيادة نافلٌة) كما لو أتى بالقدر الواجب من القراءة وزاد عليها.
وروى جبير بن مطعم: أن رسول الله - ﷺ - دخل في الصلاة، وقال: والله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد هـ كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه).
قال عمرو بن مرة راويه: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أتى من ذكر الله تعالى بين التكبير شيئًا من صفات الله تعالى ومدحه كقوله: الله، لا إله إلا هو أكبر، أو الله ﷿ أكبر، أجزأه، ولكنه لا يستحب، وإن كان طويلًا بحيث يجعل بين الذكرين [٦٢ ب/ ٢] مفصولًا، مثل قوله: الله لا إله إلا هو، وحده لا شريك له أكبر، لا يجوز، لأنه خرج عن حّد التكبير إلى الثناء والتهليل، ذكره في (الحاوي).
فَرْعٌ آخرُ
لو نقص من التكبير حرفً لم يكن داخلًا في الصلاة إلا بكمال التكبير، قال: ولو
[ ٢ / ١١ ]
أبقى من التكبير حرفًا، فأتى به، وهو راكٌع، أو منحٍن، ولم ينطق بالراء إلا راكعًا، لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان داخلًا في النافلة، لأن القيام في التكبير للمكتوبة واجٌب، وغير واجٍب للنافلة، وإذا أتم التكبير للنافلة، وقد زال عن حّد القيام أجزأه. وهذه المسألة تتصور في المأموم إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا فكبرّ ودخل معه في الركوع.
فَرْعٌ آخرُ
التكبير عندنا من الصلاة، وهو أول الصلاة. نصّ عليه في (الإملاء). وقال بعض أصحابنا: التكبير أول الصلاة، وبالفراغ منه يدخل فيها، وهذا غير صحيح بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير مع النية حتى يصحّ قولنا: التكبيرتين من الصلاة.
وقال أبو حنيفة ﵀: ما يدّل على أنه ليس من الصلاة، بل يشرع به في الصلاة، وهذا غلٌط لقوله - ﷺ -: (تحريمها التكبير)، ولأن العبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.
فَرْعٌ آخرُ
لو قال: الكبير الله، قال في (الأم): لم أره داخلًا في الصلاة ولا يختلف المذهب فيه، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، هل تنعقد صلاته؟. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: تنعقد لأن تقديم النعت على الاسم أبلغ في التعظيم، لأن قوله: فلاٌن أكبر دون قوله: الأكبر فلاٌن، قال هذا القائل، وهذا هو المذهب، لأن الشافعي ﵀ فرض المسألة فيه إذا قال: الكبير الله، فلو كان قوله: أكبر الله، لا يجوز لكان يفرض فيه المسألة، لأنه موضع الإشكال.
وقال ابن سريج وغيره من أصحابنا: لا يجوز، وهذا أشبه بمذهب الشافعي في (الأم)، لأنه قال: وكذلك ما أمر به من ذكٍر أو قراءة لا يجزيه حتى يأتي به مرتبًا، كما أنزل، وهذا إنما يرجع إلى قوله: أكبر الله، لأنه إذا رتبه جاز، [٦٣ أ/ ٢] فإذا نكسته لا يجوز. وفي قوله: الكبير الله لو أتى به مرتبًا لا يجوز.
وقال في (الحاوي): في الأكبر الله، وجهان. وفي أكبر الله لا يجوز قولًا واحدًا، لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا، والأصح أنه لا يجوز ذلك أيضًا، لأنه أوقع الإلباس. وأخرجه من صفة الكبير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نصّ ههنا أنه لا يجوز ونص في السلام على أنه لو قال. عليكم السلام، بدل قوله: السلام عليكم، يجوز، فقيل: قولان. وقيل: فرق بينهما، وهو أنه في السلام يسّمى مسلمًا، إذا عكس ولا يسمى مكبرًا، وفي هذا النص الصريح نظٌر.
[ ٢ / ١٢ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحّب أن يجهر الإمام بالتكبير وبنيته ولا يمططه ولا يحذفه. والسنة للمأموم أن يخفيه بقدر ما يسمع نفسه، أو من إلى جانبه إن شاء، فإن خافَت الإمام بها جاز وإن خافتا بها معًا، أو أحدهما، فإنه يجزئ بقدر ما يسمع نفسه، فإن حرك لسانه على صفة لا يسمع لم يجزئه كما لو اعتقد بقلبه. قال أصحابنا: فإن كان الجمع كثيرًا، فلا بأس أن يجهر عدد منهم يسمع جميعهم.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أمت المرأة النساء، فإنها تخفض صوتها بالتكبير حتى لا تجاوزهن، وتخالف الرجل فإنا نستحب له أن يجهر بالتكبير، وإن جاوز من خلفه، وإن كانت تصلي فرادى، فالسنة الإخفات، وهو أن تسمع نفسها فقط.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان لا يقدر على النطق لخرٍس أو قطع لساٍن أو علٍة ففرُضه حركة لسانه به أكثر ما يقدر عليه، وبالقراءة والتشهد وأذكار الصلاة، لأنه إذا عجز عن النطق أتى بما قدر عليه من الحركة، فإن النطق يتضمن الحركة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو صلّى ركعًة ثم ذكر أنه لم يكبرّ ابتدأ الكبير ويلغى ما مضى، ولا بأس أن يسلم أو لا يسلم، لأنه لم يكن في صلاٍة.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: الَأولى في ظاهر المذهب في الافتتاح [٦٣ ب/ ٢] أن تكون بسرعٍة من غير تأني ومدًّ لقوله - ﷺ -: (التكبير جزم والسلام جزم)، ولأن النية مع التكبير شرٌط ويخشى إذا مده أن تزول النية من قلبه. ومن أصحابنا من قال: الَأولى أن يمده ويأتي به على ترتيل، وهذا على طريقة من يبتدئ النية مع ابتداء التكبير فيمد التكبير حتى تتم له النية.
فَرْعٌ آخرُ
قال: (لو أدرك الإمام راكعًا فكّير تكبيرة واحدة، فإن نوى بها تكبيرة الافتتاح أجزأه، لأن كان داخلًا في الصلاة، لأن نوى بها تكبيرة الركوع لم يكن داخلًا في
[ ٢ / ١٣ ]
الصلاة ولو كبرّ لا ينوي واحدًة منهما، فليس بداخل في الصلاة، وإن كبرّ فنوى تكبيرة الافتتاح والركوع لم يجزه من المكتوبة لأنه شرك في النية بين الفرض والنفل).
قال أصحابنا: هذا يدل على أنها تجزئه عن النفل، واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال: تجزئه عن النفل، لأنه نوى بها النفل، وتكون جميع الصلاة نفلًا، كما لو أخرج خمسه ينوي بها الزكاة والصدقة والتطوع يقع عن الطوع، ومنهم من قال: لا تجزئه لأن تكبيرة الافتتاح شرط في النافلة أيضًا، فقد شرك بين النافلة والفرض في الشرط، والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): (لو أبقى من التكبيرة حرفًا وأتي به، وهو راكع أو منحٍن للركوع لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان [داخلًا] في نافلٍة. قال أصحابنا; هذا إذا كان جاهلًا، فإن كان عالمًا أنه لا يجوز لا تنعقد صلاته أصلًا كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال عالمًا لا تنعقد فرضًا، ولا نفلًا. وقال القفال: فيه قولان، وفيه نظٌر.
مسألة: قال: (فِان لم يحسن بالعربية كبر بلسانه).
وهذا كما قال: أراد بقوله: بلسانه أي بغير العربية، وليس من شرطه أن يكون لسانه، بل يجوز أن يكبرّ بجميع الألسنة وجملته [٦٤ أ/ ٢] أنه لا يجوز أن يكبرّ بغير العربية مع القدرة بحاٍل، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز ذلك، وهذا غلٌط، لأن النبي - ﷺ - خّص قوله: (الله أكبر)، فإن قيل: أجزتم كلمة التوحيد بلسانه مع القدرة على العربية، وههنا لا تجوزون، فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من قال: لا تجوز هناك أيضًا، وهو اختيار الإصطخري، وإن سلمنا، وهو المذهب. فالفرق أن المقصود من التوحيد الاعتقاد، فبأي لفظ عّبر عن اعتقاده حكمنا بإسلامه.
وههنا القصد اللفظ دون الاعتقاد، فلا يجوز العدول عن اللفظ الذي ورد به الشرع إلى غيره مع القدرة، ولو عجز عن العربية ُنظر، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يتعلم ويكبرّ بالعربية، ففرضه العربية، ولو توانى فيه وصلى بالتكبير بالفارسية يلزمه الإعادة، وإن كان الوقت ضيقًا عن التعلم يجوز له أن يكبرّ بالفارسية، فيقول: (خذاء يزر كنز)، ولا يقتصر على التعظيم من غير حرف التفضيل حتى يكون معبرًا بقوله: الله أكبر، فإن قيل: هلّا قلتم: يجوز أن يكبرّ بالعجمية في الوقت الأول، ولا يلزمه تأخير الصلاة للتعليم، كما قلتم: يجوز له أداُء الصلاة بالتيمم في أول الوقت، وإن تيقن وجود الماء في آخره؟.
قلنا: لأنا لو جوزنا ذلك، لم يتوجه عليه فرض التكبير بالعربية جملًة. وذلك لأنه إذا صلّى لا يلزمه التعليم في هذا الوقت، وفي الوقت الثاني مثله، ويفارق الماء لأن
[ ٢ / ١٤ ]
وجوده لا يتعلق بفعله، فإن قيل: قلتم: لا يجوز قراءة القرآن بالفارسية، وإن كان عاجزًا وههنا جوزتم بالفارسية عند العجز، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القرآن ُمعِجز، ومعناه لا يكون معجزًا، فلا يكون قرآنًا ولا تجوز الصلاة بغير القرآن بخلاف هذا.
فَرْعٌ
لو كان لا يحسن العربية ولكنه يحسن [٦٤ ب/ ٢] الفارسية والسريانية، فيه ثلاثة أوجٍه:
أحدها: يكبرّ بالفارسية، لأنها أقرب اللغات إلى العربية.
والثاني: بالسريانية، لأن الله تعالى أنزل بها كتابًا دون الفارسية.
والثالث: بآيتهما شاء.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان يحسن الفارسية والتركية، فيه وجهان:
أحدهما: يكبرّ بالفارسية لأنها أقرب.
والثاني: الخيار إليه فيهما، ولو كان يحسن السريانية والنبطية، فيه وجهان:
أحدهما: يكبرّ السريانية.
والثاني: أنه بالخيار فيهما، ولو كان يحسن بالتركية والهندية كان بالخيار وجهًا واحدًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي ﵀: (وكذلك الذكر)، وأراد به أن كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والتشهد والتعوذ وغيرها كالتكبير في اعتبار لفظ العربية فيه، وفسره في (الأم)، فقال: التكبير والتشهد إلا القرآن. وقيل: أراد به كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والدعوات والتشهد والتعوذ سوى القراءة بمنزلة التكبير لا فرق بينهما في جوازها بالفارسية عند العجز، وهذا لأنا لو كلفناه بالعربية أدى إلى فوات الوقت، أو الذكر المشروع فيها.
قال الشافعي: وعليه أن يتعلّم، وهذا لأن الأذكار المشروطة فيها يسيرة المؤنة على المتعلم فيلزمه كما يلزمه شري الماء للطهارة والثوب للستر. وقال في (الحاوي): كل ذكٍر واجٍب، كالشهد والسلام لا يجوز بالفارسية مع حسنه بالعربية وكل ذكر مستحب كالتسبيح والتوحيد يجوز بالفارسية، إن كان يحسن العربية ولكنه أساء وإذا لم يحسن العربية يجوزها بالفارسية وهذا غريب، وهذا لأنه ليس من جنس العجز، ولم يتعين له لغٌة حتى يأتي بأي لفظٍة من العربية، أراد فلا تتعين فيه لغةُ العرب
[ ٢ / ١٥ ]
بخلاف التشهد، فإنه يتعين فيه لغة العرب، والأول اختيار القفال ﵀، لأنه لم َيِرد في الخبر إلا بالعربية. وقيل: عند العجز، هل يجوز له الترجمة؟ وجهان، لأنه لا حاجة إليه فيتركها حش يتعلّم.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لم يعلم بالعربية [٦٥ أ/ ٢] ليس عليه أن ينتقل إلى بلٍد آخر ليجد من يعلمه كما إذا عدم الماء في موضعه ليس عليه أن ينتقل إلى بلد الماء وعليه أن يطلب من يعلمه في بلده كما يلزمه طلب الماء في موضعه.
مسألة: قال: (ولا يكبر ان كان إمامًا حتى تستوي الصفوف خلفه).
وهذا كما قال: المستحب للإمام إذا أراد أن يكبرّ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، ويقول: استووا، رحمكم الله، عن اليمين والشمال، فإذا رآهم قد استووا كبرّ. والأصل في هذا ما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة، قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله: (استووا تعادلوا)، وروى أبو مسعود البدري ﵁، قال: كان رسول - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، ومعناه أنه إذا اخلف القوم فتقدم بعضهم على بعٍض تغّير قلب بعضهم على بعض، وذهب عن الصلاة.
وروى أنس ﵁، قال النبي - ﷺ -، قال: (سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة).
وروي أنه - ﷺ - قال: (لتسّوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكما).
وروي أن رسول الله - ﷺ -، قال؛ (استووا في صلواتكم ولو ِبَسهم).
وروى البراء بن عازٍب ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا أقيمت الصلاة مسح صدورنا، وقال: (تراصّوا، المناكب بالمناكب، والأقدام بالإقدام، فإن الله يُحب في الصلاة ما يحُب في القتال كأنهم بنيان مرصوص).
وروي عن عمر ﵁ أنه كان يأمر قومًا بتسوية الصفوف، فإذا رجعوا إليه كبرّ. فإذا تقرر هذا، فالإمام والمأموم يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة. وبه قال مالٌك وأحمد وإسحق وأبو يوسف ﵏، وعلى هذا أهل الحرمين، ثم يقول: استووا.
[ ٢ / ١٦ ]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يسوي الصفوف في آخر الإقامة حتى إذا فرغ [٦٥ ب/ ٢] من الإقامة كبرّ، وهذا خلاف المنصوص. وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قال المؤذن: حّي على الصلاة، قاموا في الصف، ويقول: استووا، فإذا قال: قد قات الصلاة، كبرّ الإمام وكبرّ القوم تصديقًا لقول المؤذن، قد قامت الصلاة، إلّا أن يكون المؤذن الإمام، فلا وجه إلا أن يفرغ، ثم يكبرّ، وهذا غلط لما روى أبو إمامة ﵁ أن بلالًا أخذ بالإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - ﷺ - (أقامها الله، وأدامها)، وقال في سائر الإقامة مثل ما قال. وقول المؤذن: قد قامت الصلاة، أي: قرب قيامها.
فَرْعٌ
قال: ولا يكبرّ المأموم حتى يفرغ الإمام، وبه قال مالك وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد: يكبرّ مع تكبيرة الإمام كما يركع مع ركوعه، وهذا غلٌط لأن النبي - ﷺ -، قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا)، وأما الركوع فلأنه لا يجوز أن يأتي به بعد فراغه بخلاف هذا.
فَرْعٌ آخرُ
لو سبق المأموم الإمام بالتكبير نقضه، ثم يستأنف التكبير. وحكي عن مالك والثوري أنه يعتّد بتكبيره. قال أصحابنا: هذا يدل على أن عند الشافعي انعقدت صلاته حتى يحتاج إلى قطعها، وهذا إذا اعتقد أنه كبرّ، ولم يكن كبرّ، فأنا إذا علم أنه لم يكن كبرّ، فكبر بنية الاقتداء به لا تنعقد، لأنه ائتم بمن ليس في الصلاة، ويحتمل قولًا آخر أنه يضمها إلى صلاة الإمام إذا حكمنا بانعقادها لأنه يجوز أن يضم المفرد صلاته إلى صلاة الإمام في أحد القولين.
مسألة: قال: (ويرفع يديه إذا كبر خذو منكبيه)
وهذا كما قال. رفع اليدين مستحب حال التكبير في ابتداء الصلاة لما روى ابن عمر ﵁، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - (إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه). وأما كيفية الرفع فهي أن يرفعهما حتى يحاذي كفاه منكبيه [٦٦ أ/ ٢]. وبه قال مالٌك وأحمُد وإسحُق، وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: يرفعهما حتى يحاذي كفاه أذنيه، وهو معنى قوله: يرفعهما إلى فروع الأذنين، وهذا غلٌط لما روى ابن عمر ﵁، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه)،
[ ٢ / ١٧ ]
ورواه علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنه واحتجوا بما روى مالكٌ بن الحويرث ووائل بن حجٍر ﵁ أن النبي - ﷺ - (كان يرفع يديه حيالَ أذنيه)، قلنا: رواية الجماعة أولى أو يحمل هذا على أن أطراف الأصابع كانت تبلغ الأذنين وقيل: أن الشافعي ﵁ لما قدم العراق قدم عليه العلماء مثل: أبي ثور والحسين الكرابيسي وغيرهما، فسألهم عن الجمع بين أخبار رفع اليدين، فلم يذكروا شيئًا، فقال: إني أرى أن تكون كفاه
حذو المنكبين، ورأس إبهامه عند أصل الآذنين ورؤوس أصابعه عند فروع الأذنين، فاستحسنوا ذلك، فعلى هذا يرتفع الخلاف.
وقال ابن سريج: الرفع إلى المنكبين أو إلى الأذنين من الاختلاف المباح، وليس أحدهما أولى من الآخر.
فَرْعٌ
قال في (الأم): ويثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، وجملة ذلك أنه إذا أراد أن يكبرّ أسبل يديه، ثم رفعهما مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى بهما منكبيه أثبتهما مرفوعتين حتى يكمل التكبير، لأن الرفع أسرع من الإتيان بالتكبير، لأنه يستحب له ترتيل التكبير والرفع يحصل في وقت يسير، ولا يمكن في هذا القدر ترتيله فعلى هذا ينتهي الرفع قبل انتهاء التكبير.
وقال أبو إسحق: ينبغي أن يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير. وبه قال صاحب (الإفصاح)، وهذا خلاف نصّه، وقد بّينا دليله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يرفع يديه [٦٦ ب/ ٢] غير مكبرّ ويكبرّ، ثم يرسلها غير مكبرّ، وهو رواية ابن عمر ﵁. وهذا عندي غلط.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): وينشر أصابع يديه إذا رفعهما للتكبير ويفرقهما، والدليل عليه ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - (كان ينشر أصابعه للتكبير). وذكر بعض أصحابنا أنه لا نصّ فيه، وهو سهٌو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويرفع يديه في كل صلاة فريضة ونافلة، ولا فرق بين الإمام والمأموم. قال: وكذلك إن كان يصّلي قاعدًا لمرض به رفع يديه. قال: وإن ترك رفع اليدين حيث أم به كرهت ذلك ولا إعادة عليه ولا سجود، وهذا لأنه هيئة. قال أصحابنا وكذلك إن كان مضطجعًا أو متكئًا يأتي بالرفع في مواضعه، لأنه لا مشّقة عليه.
[ ٢ / ١٨ ]
وأما في صلاة الجنازة يرفع يديه في كل تكبيرة وكذلك في العيدين يرفع اليدين في كل تكبيرة في حالة القيام، وصلاة الاستسقاء كالعيدين سواء في هذا وفي صلاة الخسوف الركوعان يريد الرفع فيه في الركوع والرفع من الركوع وفي سجود التلاوة والشكر يرفع يديه عند التكبير لأنها تكبيرة الافتتاح.
فَرْعٌ آخرُ
لو أثبت يديه مرفوعتين حتى انتهى تكبيره أو أثبتهما هكذا بعد انقضاء التكبير لم يضره، ولم يؤمر به، وهذا لأنه لو ابتدأ رفع يديه في أثناء الصلاة لم تبطل.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بيديه علة لا يقدر على رفعهما إلى الحد الذي ذكرنا ويقدر على رفعهما دون ذلك رفعهما إلى حيث يقدر. وروى وائل بن حجر - ﷺ - أن أصحاب رسول الله - ﷺ - (يرفعون بأيديهم إلى صدورهم وعليهم برانس وأكسية)، وتأويله أنه كان عليهم ذلك لشدة البرد، وكان يشّق عليهم رفع اليدين إلى الموضع المسنون كاشفًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بيديه ِعّلة يقدر على رفعهما مجاوز المنكبين ولا يقدر على الاقتصار على حذاء المنكبين لم يدع رفعهما وإن جاوز المنكبين، [٦٧ أ/ ٢] وتلك الزيادة مغلوٌب عليها لا تضره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت علة فقدر على أحد الرفعين: إما فوق المكبين أو دون المنكبين ليأتي بالمأمور زيادة من غير اختياره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت إحدى اليدين صحيحة والأخرى عليلة، صنع بالعليلة ما وصفنا، واقتصر الصحيحة على حذو المنكب.
فَرْعٌ آخرُ
لو أغفل الرفع في موضعه ثم ذكره فإن ذكره قبل انقضاء التكبير أتى به وإن ذكره بعد انقضاء التكبير لم يأِت به، لأن هيئته في وقت فإذا مضى لم يوضع في غيره.
مسألة: قال: (ويأخُذ كوعه الأيَسَر بكفيه اليمنى).
الفَصْل
وهذا كما قال. جملة هذا أن وضع اليمين على الشمال ُسّنٌة في الصلاة بعد الفراغ من الرفع، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور، ويكره إرسال اليدين في ظاهر المذهب.
[ ٢ / ١٩ ]
وقال أبو إسحق المروزي، قال الشافعي في (الأم): (القصد منه تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس)، وعن مالك روايتان:
إحداهما: أنه مستحب.
والثانية: أنه مباحٌ.
وحكي عن مالٍك أنه قال: يضع اليمين على الشمال في نافلٍة يطول فيها القيام ولا يفعل في غيرها.
وروى ابن المنذر عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه. وبه قالت الشيعة.
وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين والنخعي. وقال الليث: يرسل يديه إلا أن يطيل القيام فٌيْعِل. وقال الأوزاعي من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور ونعجل الإفطار، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة).
وروى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على الشمال في الصلاة.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى [٦٧ ب/ ٢]: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال النبي - ﷺ - لجبريل - ﵇ -: (ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟، فقال: ليست هذه من نحائركم إنما هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة).
وروى عقبة بن ظبيان عن النبي - ﷺ - أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فوضع يده اليمنى على ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
وروى أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود ﵁ (أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى)، ولأن هذا أعون على خشوعه، وأتّم لخضوعه، فإذا تقرر هذا، كيف يصنع ذلك؟ فالسّنة أن يضع يده اليمنى على ظهر كّفه اليسرى، والرسغ والساعد ويأخذ كوعه الأيسر هكذا. رواه وائل بن حجر عن رسول الله - ﷺ - أنه فعل هكذا في صلاته.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر كّفه اليسرى من غير أخٍذ. وروي عنه أنه قال: يأخذ لرسوغه، وأما أين يضع اليدين؟ نقل المزني: ويجعلهما تحت صدره، وهو المروي عن علي ﵁.
وقال أبو إسحاق: تحت سّرته، وهو قول أبى حنيفة وإسحق وعن أحمد روايتان.
[ ٢ / ٢٠ ]
وروي هذا عن أبي هريرة ﵁، ورواه أبو جحيفة عن علي ﵁ أيضًا. والأول أولى لأن وضعها تحت الصدر أخشع ووضعها تحت السّرة أقرب إلى إرسالها، وأشبه به. وقيل: هذه اللفظة توجد للشافعي، فيجوز أن يكون المزني سمعها من الشافعي، أو قالها من عند نفسه، وهو حسن وهو قول إمام مثل علي ﵁. وذكر الإمام الجويني ﵀ عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ -
مسألة: (ثم يقول: وجهت وجهي).
الفَصْل
وهذا كما قال: إذا فرغ من التكبير استحب أن يبتدئ [٦٨ أ/ ٢]، فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين إن صلاتي وُنُسكي وَمْحياَي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولا يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]. لأن ذلك لرسول الله - ﷺ -، لأنه أولهم في هذه الأمة نصّ عليه. ومعنى ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾، أي: قصدت بوجهي الله سبحانه.
وقال أبو حنيفة: يستفتح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جُّدك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك. وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي. وقال أبو يوسف يقول معه: وجهت وجهي أيضًا، وقد ذكر بعض أصحابنا أنه لو جمع بين الذكرين كان أولى، ولو أراد الاقتصار على أحدهما، فما تقدم أولى وقصد بهذا القائل الجمع بين المذهبين، والأخبار الواردة فيه. واعلم أن هذا من الاختلاف المباح فأّيهما استفتح الصلاة يجوز وروي كلاهما عن رسول الله - ﷺ -، فروى علي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة كبرّ، ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ إلى آخره، غير أنه قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة، قال: (سبحانك اللهم وبحمدك. . .)، إلى آخره. ومعنى قوله: وبحمدك، أي: وبحمدك سبحتك، ومعنى الجد: العَظم ههنا، وإنما قلنا: إني وجهت وجهي َأولى، لأنه َألَيق بالموضوع وهو من ألفاظ القرآن والتسبيح يعود في الركوع والسجود، وما ذكرناه إذا ترك لا يعود.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يستحب أن يقرأ: وجهت وجهي إلى آخره قبل التكبير حتى لا يعقب التكبير بقراءة القرآن، وهذا غلط، لأنه لو كان قرآنًا لاقتصر على قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ دون قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾، ولقال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ موافقًة للقرآن.
وقال: مالٌك: لا يدعو بشيء بعد الافتتاح، [٦٨ ب/ ٢] ويفتتح الصلاة بقول: الله
[ ٢ / ٢١ ]
أكبر، ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. واحتّج بما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا عندنا يجوز إذا ذكر التسمية في أول الفاتحة، ولكنه يكره، وهذا الخبر محمول على استفتاح القراءة وعّبر بالصلاة عنها.
قال الشافعي: ويستحب بعده: أللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنَت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: والشر ليس إليك، قال المزني: معناه لا يضاف الشر إليك، وإن كان هو الخالق له، لأنه إنما يضاف إليه محاسن خلقه، فيقال: خالق السماء والأرض، ولا يقال: خالق العذرة والخنازير، وإن كان هو الخالق لها في الحقيقة.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: معناه، والشر لا يتقرب به إليك. وهكذا قاله الخليل بن أحمد. وقوله: أنا بك وإليك، يعني: انتمائي والتجائي. وقال في (الأم): يأتي بهذا كله لا يغادر منه شيئًا رواه علي وأبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -، وإن زاد فيه شيئًا أو نقص منه كرهته ولا يسجد للسهو عمد أو جهلُة لو نسيه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو سها عنه في موضعه، ثم ذكره، وقد افتتح القراءة أو التعوذ لم يقله لأن هيئته فات وقتها، وإن ذكره قبل الأخذ في القراءة أتى به ولا يقوله إلا في أول ركعٍة، ولا يقوله فيما بعده بحاٍل.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا اختلف الأمام [٦٩ أ/ ٢] فيما لا يجهر، ففات من الركعة ما إن قال: هذا لا يقدر أن يقرأ القران. قرأ أم القرآن وتركه وإن لم يفت من الركعة ما لا يقدر عليه أوفات منها ما يقدر على بعضه، أحببت أن يقول ذلك، وإن لم يقله لم يقِض في الركعة بعدها.
وقال أصحابنا: الإمام يقول إلى قوله وأنا من المسلمين، ولا يقول ما بعده لئلا يطول الصلاة فيتأذى به المأموم المريض، أو من له عذر، وهذا صحيح، قال: رضي به
[ ٢ / ٢٢ ]
المأمومون، ولا مشّقة عليهم يستحب له كل ذلك. قال: ويقوله في النافلة والفريضة. َمسألة: (ثَُّم َيَتَعَّوُذ َفَيُقوُل: َأُعوُذ ِبالله ِمَن الَّشَْيطاِن الَّرجيِم).
وهذا كما قال: إذا فرغ من دعاء الافتتاح أتى بالتعوذ، وهو سنة في الصلاة. وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق. وقال مالٌك: لا يتعّوذ في المكتوبة ويتعّوذ في قيام رمضان.
وحكي عن النخعي وابن سيرين: أنهما كانا يتعّوذان بعد القراءة. وروي عن أبي هريرة ﵁، واحتّج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ومعنى الآية، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: أردتم القيام إلى الصلاة. والدليل على مالك أن يقول: صلاة تتضمن قرآنًا فتضمن تعّوذًا كقيام رمضان.
فَرْعٌ
قال الشافعي: (وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه موافق للآية) وبه قال أبو حنيفة وقال أصحابنا: الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وقال أحمد: يقول هكذا ويزيد أنه هو السمع العليم، وهذا غلٌط، لأنه ذكره مرًة، فلا معنى لتكراره.
وقال الثوري: يقول [٦٩ ب/ ٢]: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم. واحتّج بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]، وهذا غلٌط، لأن قوله: ﴿إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة، وإنما هو خبٌر بعده والأمر ما قبله،
وهو الذي يقول، وقال الحسن بن صالح يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وبه قال ابن سيرين.
فَرْعٌ آخرُ
لو استعاذ بالله بأي كلام استعاذ به جاز كقوله: أعوذ بالرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بكلمات الله من الشيطان الرجيم.
وقال أصحابنا: قوله؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أولى من قوله: أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): (ويقوله في أول ركعٍة، ثم قال: وقد قيل: إن قاله حين يفتتح
[ ٢ / ٢٣ ]
القراءة في كل ركعٍة فحسٌن ولا أمُر به في شيء من الصلوات أمري به في أول ركعٍة).
واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حامٍد المسنون في الركعة الأولى لا غير قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: ولا آمر به. وبه قال ابن سيرين وأبو حنيفة، لأن الصلاة كالفعل الواحد فيكفي استعاذة واحدة كالتوجه.
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يستحب في كل ركعة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وهذا يريد القراءة في كل ركعة، ويفارق التوجه، لأنه للاستفتاح، وذلك لا يتكرر في الصلاة بخلاف القراءة.
وقال القاضي الطبري: قوٌل واحٌد أنه يستحب في كل ركعة إلا أنه في الركعة الأولى أكد وكلام الشافعي في (الأم) يقتضي هذا، وبه يفتي كثير من أصحابنا، وهذا اختياري، وهو الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: يستحب في الركعة الأولى خاّصة لو نسيه في الأولى أش به في الركعة الغانية، ومتى ذكر أتى به [٧٠ أ/ ٢] في ابتداء القراءة، ويفارق دعاء الاستفتاح، لأّن محله. قال: فلا يأتي به في الركعة الثانية، وههنا القراءة تتكرر وإنما يتعوذ في الابتداء لجميع القراءة، فإذا نسيه في بعضها أتى به في الباقي، ولو تركه أصلًا، قال: أكره ذلك ولا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وإن كان ناسيًا أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، لأنه روي مثل هذا عن رسول الله - ﷺ -، وهذا حسٌن، ولكن الشافعي لم يذكره.
فَرْعٌ آخرُ
هل يجهر به في صلاة الجهر. قال الشافعي ﵁ في (الأم): (كان ابن عمر ﵁ يتعّوذ في نفسه، وكان أبو هريرة ﵁ يجهر به وأيهما فعل أجزأه). وقال في (الإملاء): يجهر به فإن أخفت أجزأه، فقال أبو حامٍد: فيه قولان:
أحدهما: أنه مخّيٌر وهما سواء، وهو قوله في (الأم).
والثاني: يجهر به، وهو ظاهر المذهب، وهذا لأن هذه مراد للقراءة، فكان بصفتها كالتأمين، ولأن أبا هريرة ﵁ جهر به في جماعٍة ولم ينكر عليه، ولأن روى أن النبي - ﷺ - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فلولا أنه كان
[ ٢ / ٢٤ ]
يجهر به، وإلا لم يسمع ذلك.
وقال صاحب (الإفصاح): يستحب له ترك الجهر قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: وأيهما فعل جاز، وإن كنت أستحب له ترك الجهر، لأن سنة الجهر بالقرآن والأذكار التي جعلت علمًا على الإتباع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قوله: القديم أنه يجهر بها، وقوله الجديد: لا يجهر، وهو المذهب، قلت: حصل ثلاثة أقوال:
أحدها: يستحب الجهر بها.
والثاني: يسحب الإسرار بها.
والثالث: هما سواء، والأظهر الصحيح عندي ما اختاره صاحب (الإفصاح).
مسألة: قال: (ثم يقرأ [٧٠ ب/ ٢] مرتلًا بأم القرآن).
وهذا كما قال: الصلاة تفتقر إلى القراءة. وبه قال جمهور العلماء، وحكي عن الحسن بن صالح والأصم أنهما قالا: القراءة مستحّبة في الصلاة، وليست بواجبٍة. واحتجّ بما روي عن عمر - ﷺ - أنه صلّى فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود قالوا؛ حسنًا.
قال: فلا بأس، وهذا غلٌط لما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عمر ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - أنقرأ في الصلاة؟ فقال ﵊: (أو تكون صلاة بلا قراءة). وأما خبر عمر ﵁، قلنا: يحتمل أنه ترك ما زاد على الفاتحة أو ترك الجهر بها بدليل ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا، في (الأم): قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، والترتيل ترك العجلة في القراءة عن الإبانة، وكلما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلّي ما لم تبلغ الزيادة تمطيطًا وأحب ما وصفت لكل قارئ، في صلاة وغيرها، وأما للمصلي أشد استحبابًا مني للقارئ في غير الصلاة.
قال: ولا يجزئه أن يقرأ في صدره ولا ينطق بلسانه لأنه ليس بقراءة بل هو تفّكر، ولو أيقن أنه لم يبَق من القراءة شيء إلا نطق به أجزأه، وإن لم يرتله، وهو بأن يسمع نفسه حروفه، وإن لم يسمع هو لشغل قلبه أجزأه، لأنه قرأ بحيث يسمع، فإذا تقرر هذا، فالقراءة التي لا تجزئ الصلاة إلا بها، فاتحة الكتاب، فإن أخّل بحرف منها لم تجزه الصلاة، وفيها أربع عشرة تشديده، فإن أخّل بواحدٍة منها لم تجزه، ثلاٌث في بسم الله الرحمن الرحيم في اللام من اسم الله تعالى، والراء والراء من الرحمن
[ ٢ / ٢٥ ]
الرحيم. وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تشديدتان اللام من اسم الله تعالى، والباء في رب وفى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تشديدتان: الراء، والراء، [٧١ أ/ ٢] وفي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تشديده، وهي في الدال، وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تشديدتان في الياء من إياك وإياك، والصاد في ﴿الصِّرَاطَ﴾، واللام من ﴿الَّذِينَ﴾. وفي قوله: ﴿ولا الضالين﴾ تشديدتان في الضاد واللام.
وهذا لم يذكره الشافعي، ولكن أصحابنا ذكروه لأن عند أهل اللغة التشديد يقوم مقام الحرف. وبه قال عمر وابن عباس وخوات بن جبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵁ والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ﵏.
وقال أبو حنيفة: القراءة غير متعينة في الصلاة والمشهور عنه أنه يجب قراءة آية إما طويلة، وإما قصيرة حتى لو قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. وروي عنه أنه قال: يجوز أقل من آية إذا كان يقع عليه اسم القرآن. وأصحابه بخراسان يقولون: هذا هو الصحيح والأول أشهر. وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آيًة طويلًة كآية المدثر وآية الكرسي يجوز وإن كانت آياٍت قصارًا لم َيُجز أقلّ من ثلاث آيات، وربما ينسب هذا إلى أبي حنيفة. واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - قال للأعرابي: (المسيء صلاته، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)، وهذا غلٌط لما ذكرنا من الخبر.
وأمّا خبرهم روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي - ﷺ - قال للأعرابي: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ)، ثم نحمله على الفاتحة، فإنها التي تتيسر على جميع الناس في الغالب، ولأن القراءة ركٌن من أركان الصلاة فكان متعينًا كالركوع والسجود.
مسألة: قال: (يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم).
وهذا كما قال: بسم الله الرحمن الرحيم آيٌة تامة من الفاتحة، ومن كل سورة. وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه قال للشافعي قول آخر أنها من الفاتحة. وحكاه ابن القطان أيضًا، وقال: لا يعرف [٧١ ب/ ٢] هذا القول عنه، وهو على ما ذكر، ومن أصحابنا من قال: هي في سائر السور بعض آية في أحد القولين كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وبقولنا، قال ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء والزهري وأحمد وإسحق وأبو عبيد.
وروي عن الزهري أنه كان يفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول آية من كتاب الله تعالى تركها الناس. وقال ابن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشر آية.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: التسمية ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها بعض آيٍة هناك وإنما ذكرت في رأس سائر السور تبركًا.
[ ٢ / ٢٦ ]
وقال الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السور. وروي هذا عن أحمد، وعن أحمد رواية أخرى أنها من الفاتحة. وحكي عن مالك أنه قال: لا يقرأها في الصلاة أصلًا إلا في قيام رمضان، فإنه يقرأها في ابتداء السورة بعد الفاتحة، لا في الفاتحة. ووافقنا أبي حنيفة أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وعندنا من قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾، وما قلناه أولى، لأن أواخر آيات هذه السورة كلها مجرورة وممدودة، فينبغي أن تكون آخر الآية السادسة فيها كذلك، والمشهور من مذهب أبى حنيفة أنه لا يأتي بالتسمية إلا في أول الركعة كالتعوذ.
واحتجوا بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله تعالى: أثنى علّي عبدي، فإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول: الله مجدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي، [٧٢ أ/ ٢] فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، يقول الله تعالى: هذه لعبدي، ولعبدي ما سأل). ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم منها. وقوله: فتمت الصلاة، أي: القراءة. وحقيقة هذه التسمية منصرٌف إلى المعنى لا إلى الألفاظ، وذلك أن نصف هذه السورة ثناء ونصفها مسالٌة ودعاٌء.
وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلط لما روت أم سلمه ﵂ أن النبي - ﷺ - (قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين)، وهذا نصّ.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب، وإنها السع المثاني)، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها، وقال جابر ﵁، قال لي رسول الله - ﷺ - (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة، قلت: أقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم).
وأما خبر أبي هريرة ﵁، قلنا: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبي
[ ٢ / ٢٧ ]
السائب عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ -، قال في هذا الخبر: فإذا قال العبد؛ بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: ذكرني عبدي. وأما سورة الملك، قلنا: قد ذكرنا قولًا: أن التسمية بعض آيٍة منها، مضمومة إلى الآية الأولى منها، ويحتمل أنه قال ذلك قبل نزول بسم الله الرحمن الرحيم، أو أراد ما يختص بهذه السورة من آياتنا.
وحكي شيخنا أبو سهل الأبيوردي أن خطيب بخارى من جملة العلماء الزهاد رأى خبرًا عن رسول الله. أنه قال: من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [٧٢ ب/ ٢] ألف مرة رفع الله تعالى عنه وجع السن ولا يتجع أبدًا). فوجع سّنُه فقرأها ألف مرة، فلم يزل الوجع وزاد فنام فرأى في المنام رسول الله - ﷺ - فسأله عن وجع السن وعما فعل، فقال: رأيت خبرًا عنك يا رسول الله كذا، وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال رسول الله - ﷺ -: (لأنك قرأتها بلا تسمية فاقرأها بالتسمية)، فانتبه فقرأها مع التسمية فرفع الله تعالى عنه وجع السن، ولم يعد.
قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة، ولا أصلي إلا بالتسمية في أول الفاتحة، فإن قيل: لو كانت قرآنًا لم يجز فيها الاختلاف، قلنا: تقابل بأنه لم يكن قرآنًا لما أضيفت إليه بمثل خط سائر القرآن ثم أصلها من القرآن بلا خلاف. والخلاف ههنا في موضعها، فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بالتواتر قطعًا. قلنا: من أصحابنا من قال: نحن نثبتها حكمًا لا قطعًا، وهو أنا نوجب قراءتها في الصلاة، فيجوز إثبات ذلك بأخبار الأحاد وهو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: يثبت قطعًا لكونها في المصحف بخط القرآن ولم نكفر جاحدها كما لم نكفر مثبتها لحصول الاختلاف بنوع من الشبهة كما كانت الشبهة لابن مسعود ﵁ في المعوذتين. وقال: إنهما ليستا من القرآن، فإذا تقرر هذا، قال في البويطي: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب، وقبل السورة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد ﵁، وعند أبي حنيفة يقرؤها في صلاة الجهر. وبه قال علي وابن مسعود وعّمار والثوري والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد ﵁.
وقال مالك: المستحب أنه لا يقرأها أصلًا في شيء من الصلوات. وبه قال الأوزاعي في روايٍة. [٧٣ أ/ ٢] وقال الحكم وإسحق وابن أبي ليلى: الجهر والإخفات فيها سواء، وكلاهما حسٌن، واحتجوا بما روى قتادة عن أنس أنه قال: صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان ﵁، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلٌط لما روى ابن عباس ﵁ (أن النبي - ﷺ - كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم).
[ ٢ / ٢٨ ]
وروى النعمان بن بشير أن النبي - ﷺ - قال: (أّمني جبريل - ﵇ -، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم). وروي عن نعيم ين عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة ﵁ فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب وقبل السورة وكبرّ في الخفض والرفع، وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ - وقال عطاء: قال أبو هريرة: (ما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعنا كم وما أخفى عنا أخفينا عنكم).
وروى الشافعي بإسناده عن أنس ﵁ قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة بعدها حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان؛ يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم للسورة بعد أم القرآن، وهذا إجماٌع.
وروي عن مسلم بن حيان، قال: صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقلت له: لقد صليت صلاة ينكرها كثير من الناس، فقال: وما ذاك؟ فقلت: جهرت ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، قال: نعم صليت خلف رسول الله - ﷺ - حتى ُقبض، فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، وخلف أبى الصديق فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، فلا أدع الجهر بها حتى أموت [٧٣/ ب].
وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: روينا عن النبي - ﷺ - أنه (كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، فيحتمل أنه لم يسمع ذلك لصغره أو أُبعده، وأخبارنا المثبتة أولى،
فَرْعٌ
قال في (الأم) لو أغفل أن يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم وقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر السورة كان عليه أن يعود فيقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويأتي ببقية السورة، وهذا لأنه يجب الترتيب في القراءة ولا يجوز أن يغيرها فيقرأ آيًة بعد آية بعدها، فإذا ترك آية وجبت عليه إعادتها وإعادة ما بعدها كما أنه لا يجوز أن يغير حروف الكلمة الواحدة أو الكلمتين، فيقول: موضع لله الحمد، كذلك ترتيب الآيات لا يجوز تغييرها، وكذلك لو قرأ بعد التسمية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وترك ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأتى بالحمد لله، وما بعده كما لو نسي القراءة، فركع وأتى بالقراءة والركوع.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو بدأ فقرأ في الركعة غيرها، ثم قرأها أجزأت عنه.
قال أصحابنا: أراد إذا قدم السورة على الفاتحة لم يمنع ذلك صحة قراءة الفاتحة،
[ ٢ / ٢٩ ]
ويستحب إعادة السورة لتقع في موضعها، نصّ عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو سكت في أثناء القراءة طويلًا، ولم ينِو قطعها أو تعايا فيها، فوقف أو أدخل فيها آية من سورة أخرى ناسيًا لم يكن ذلك قطعًا لقراءته، ألا ترى أنما يأتي به في الصلاة على طريق السهو لا يكون قطعًا لصلاته، فكذلك لا يكون قطعًا لقراءته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في السكوت الطويل من غير نية القطع وجهان، لأن التلاوة في العادة تكون موصولة فحمل مطلق الخطاب على المعهود، وهو خلاف النص في الذكر الطويل ناسيًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو عمد فقرأ فيها آية من غيرها كان ذلك قطعًا لها، فيلزمه استئناف القراءة، وكذلك لو دخل فيها عمدًا سائر الأذكار من التسبيح والتهليل، ونحو ذلك وكذلك لو سكت في أثنائها ونوى قطع القراءة.
وقال بعض أصحابنا: [٧٤ أ/ ٢] هذا في السكوت الطويل، ولو سكت قليلًا مع نية القطع، فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح عند أصحابنا يكون قطعًا للقراءة، لأنه اقترن الفعل بالقطع.
والثاني: لا يكون قطعًا، لأن النية لا تأثير لها والسكوت القليل بمجرده لا يضر، وهو الأشبه عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي فقرأ غيرها في أثنائها ثم تذكر فمّر على قراءة غيرها كان قطعًا لقراءته، وإن عاد إليها حال ذكره بني عليه، وهو كما لو تكلم في الصلاة ناسيًا، يبطلها، فإن تذكر ودام على الكلام أبطلها.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو قرأ منها شيئًا ثم نوى قطعها ولم يسكت لم يكن ذلك قطعًا، لأن فعله مخالف لنيته، والاعتبار فيها بالفعل دون النية، ويفارق هذا نيته لقطع الصلاة، وهو فيها لأن الصلاة تحتاج إلى النية، فإذا غيرها بطلت، والقراءة لا تحتاج إلى النية، وإنما تحتاج إلى الفعل خاصة.
فَرْعٌ آخرُ
لو أمن في خلال الفاتحة متابعة الإمام لم يكن قطعًا للقراءة، لأن هذا موضعه، وهو مأمور به عند تأمين الإمام، كما لو مّر بآية فقال: اللهم اغفر لي، لا يكون قطعًا
[ ٢ / ٣٠ ]
لقرائته. وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي، والطبري والقفال وهو الصّحيح وبه قال أبو حامٍد: تنقطع القراءة ويستأنفها، لأن الشافعي قال: لو عمد فقرأ فيها من غيرها استأنفها، وهذا اختيار القاضي أبي علي الزجاجي ﵀ وجماعة، وقيل: نص عليه في (الإملاء): قياسه سجوٌد التلاوة، والفتح على الإمام لأنه أطول وهذا لأن هذه ليست من مصلحة التلاوة وتقطع نظمها فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لا يضر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى الوجه الأول لو فتح على الإمام في آيًة أو سجد للتلاوة معه لا يقطعها؛ لأنه من صلاح صلاته، وإن فتح على غيره أو أجاب مؤذنًا فيها بطلت قراءته، ولو ترك منها آيًة عمدًا وقرأ ما بعدها مثل أن [٧٤ ب/٢] يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كان قطعًا لها كما لو أدخَل فيها آيًة من غيرها.
فَرْعٌ آخرُ
لو ترك قراءة الفاتحة ناسيًا لم تجز صلاته في قوله (الجديد)، وكان يقول في (القديم): تجوز لما روي عن عمر ﵁ أنه صلّى المغرب، فلم يقرأ فيها، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجوٌد، فقالوا: حسنًا، فقال: لا بأس، وهذا غلٌط، لأنه ركن من أركان الصلاةَ، فلا يسقط بالنسيان كالركوع. وخبر عمر ﵁ محموٌل علي ما ذكرنا فيما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا أدرك الإمام قائمًا، فأحرم خلفه وقرأ بعضه القراءة ثم ركع الإمام يركع معه وصار مدركًا للركعٍة ويسقط عنه من القراءة ما عجز عنه، وأراد إذا لم يشتغل بالثناء.
وقال القفال: فإن لم يفعل هكذا حتى رفع الإمام رأسه من الركوع في أحد الوجهين، أو حتى سجد في الوجه الثاني بطلت صلاته. ومن أصحابنا من خّرج فيه وجهًا آخر أنه يجب عليه إتمامها ثم يتبعه، لأنه إذا وجب بعضها وجب كلها، وهذا خلاف نصّ الشافعي.
وحُكي عن محمد بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: إذا أدركه راكعًا لا يحتسب له بالركعة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -. قال: (من أدرك الإمام راكعًا، فليركع معه وليعد الركعٍة)، وهذا خلاف إجماع علماء العصر، وقد روى أبو هريرة أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: (إذا جئتم إلى الصلاةَ، ونحن سجوٌد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاةَ).
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك الإمام في أول صلاته، وكان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيء القراءة
[ ٢ / ٣١ ]
ففرغ الإمام من القراءة وركع والمأموم لم يتّمم القراءة بعد، فيه وجهان:
أحدهما: يتبعه ويسقط الباقي عنه للعجز.
والثاني: لا يسقط ولكنه يخرج من صلاته، والأولى أن لا يصلي [٧٥ أ/ ٢] خلف من تكون صفته كذلك، لأن هذا يتكرر في كل ركعٍة ويكثر ويكون ذلك عذرًا في مفارقة الإمام والخروج من إمامته، وهذا أظهر عندي لئلا يؤدي إلى ترك المبالغة في أكثر الصلاةَ لو ترك الصلاةَ المفروضة، وفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة في كل ركعٍة ولا يضر التأخر عنه، لأنه معذوٌر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك من القيام قدرًا يمكنه قراءة الفاتحة إلا أنه يشتغل بقراءٍة دعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو في أثنائها، فإن أمكنه إتمامها ويدرك معه الركوع فعل، وإن قرأ منها قدر دعاء الاستفتاح بعد ركوعه ثم ترك الباقي وركع معه، فقد أدرك الركعٍة أيضًا، ولو عرف أنه إذا أتّمها أدرك معه الاعتدال أتّمها أيضًا، ولو عرف أنه لا يدركها إلا في السجوٌد تبعه في الركوع، ولا تحتسب له هذه الركعٍة، وهذا هو الصّحيح عندي.
وقال القفال: يتّم الفاتحة ويمضي خلفه بكل حالٍ ويكون معذّورًا في التخلف عن الإمام بسبب القراءة، فإن لم يتّم الفاتحة في هذه الحالة وركع بطلت صلاته.
مَسْألةٌ: قالَ: (وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: ﴿آَمِّينَ﴾ [المائدة: ٢] يرفع بها صوته).
وهذا كما قال: جملُة هذا أن التأمين مسنوٌن لكل مصًّل إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، فإن كانت صلاته لا يجهر فيها بالقراءة لم يجهر بها، وإن كانت صلاته يجهر فيها بالقراءة جهر بها الإمام والمنفرد، وبه قال أبو هريرة وابن الزبير ﵁ وعطاء وأحمد وإسحاق وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجهر بها بحاٍل، وعن مالك روايتان:
إحداهما: لا يقولها الإمام أصلًا، والمأموم يؤّمن سّرًا، وروي هذا عن أبي حنيفة.
والروأيًة الثانية: يقولان سّرًا.
واحتّج مالك بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا قال الإمام: (ولا الضالين)، (فقولوا: (آَمِّينَ)، فدّل على أن الإمام لا يقولها، [٧٥ ب/٢] وهذا غلط لما روى وائل بن حجر أن النبي - ﷺ - كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: آَمِّينَ، ورفع بها صوته)، وروي نحو هذا عن علي ﵁، وهو معنى قول الشافعي ﵁، وبالدلالة عن رسول الله - ﷺ - أنه جهر بها، أي: وقلت هذا بما روي في هذا الخبر، واحتّج الشافعي ﵁ أيضًا بقوله - ﷺ -: (إذا أمّن الإمام أّمنت الملائكة،
[ ٢ / ٣٢ ]
فأّمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ُغفر له ما تقدم من ذنبه).
قال الزهري عقيب هذا الخبر: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: (آَمِّينَ). وروي أن النبي - ﷺ - كان إذا صلّى قال: (آَمِّينَ) حتى يسمع لصوته طنين. وأما خبرهم فلا حّجة فيه لأن القصد به أن يوافق تأمينه تأمين الملائكة والإمام. وليس فيه أن الإمام لا يؤّمن أصلًا.
وأما المأموم هل يجهر بها؟ قال في (الجديد): يسمع نفسه. وقال في (القديم): يجهر بها. واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال: فيه قولان سواء كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا:
أحدهما: لا يجهر بها، لأنه ذكر مسنوٌن في الصلاةَ، فلا يستحب للمأموم الجهر كالتكبيرًات.
والثاني: وعليه الأكثرون أنه يجهر بها لما روي أن النبي - ﷺ -.كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: (آَمِّينَ). ويقول من خلفه، حتى أن للمسجد لضّجة. وروى عطاء أن ابن الزبير ﵁ قال: كان يؤّمن ويؤّمنون وراءه حتى أن للمسجد للَّجة. وروى نعيم المجمر أن أبا هريرة ﵁، قال: آَمِّينَ، وقال الناس: آَمِّينَ.
ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالّين، فالذي قال في (الجديد): إذا كان المسجد لطيفًا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، والذي قال في (القديم): إذا كان المسجد كبيرًا مثل جامع لا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، فيستحب للمأمومين أن يجهروا حتى يعلم تأمين الإمام آخر الصفوف [٧٦ أ/٢] بتأمينهم.
وأما قول الشافعي في (المختصر): (ويسمع من خلفه أنفسهم)، قيل: أراد لا يجهرون بالتأمين، وقيل: أراد لا يجهرون بالقراءة، والأول أظهر.
فَرْعٌ
قال في (الأم): لو نسي التأمين أو جهل أمن المأموم وجهر صوته بها حتى يسمعها الإمام فيؤمّن).
فَرْعٌ آخرُ
قال: (لو نسي حتى استفتح السورٍة لم يؤّمن لأن محلها فات، وهي هيئة في وقت، فيفوت بفوات وقتها). وقال في (الحاوي): (وهل يعود إلى التأمين إذا قدر قبل الركوع؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في
[ ٢ / ٣٣ ]
القراءة، هل يأتي بها أم لا؟).
فَرْعٌ آخرُ
قال: وقول آمين في الصلاةَ يدّل على أن لا بأس أن يسأل العبد ربه ﷿ في الصلوات كلها أمر الدين والدنيا، وإنما كان كذلك، لأن معناهُ: اللهم اسمع واستجب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: (ولو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا).
فَرْعٌ آخرُ
قال: في آمين لغتان:
إحداهما: أمين بقصر الألف.
والثانية: آمين بمَّد الألف والتخفيف فيهما. وأنشد في المقصورة قول الشاعر:
تباعدَ عني فَطْحَلٌ إِذا سَأَلتُهُ أمينٌ فَزَاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
وأنشد في الممدودة:
يا ربّ لا تسلبني حبها أبدًا ويرحم الله عبدًا قال آمينا
فإن شدّد الميم وإنما معناهُ قاصدين، قال الله تعالى: ﴿آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]
أي: قاصدين، ولا يكون معناهُ معنى الدعاء، فإن تعمّد ذلك وعرف معناهُ بطلت، لأنه من كلام الآدميين، ذكره والدي الإمام ﵀ وبعض أصحّابنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا دخل وقت الصلاة ولا يعرف الفاتحة ولا هناك من يعلمه، وهناك مصّحف القرآن لغيره ولا سبيل له إلى تعلمها إلا من المصّحف وصاحب المصّحف غائب، هل له أخذه والنظر فيه؟ قال والدي الإمام: يحتمل أن يقال: يجوز له ذلك، بل يلزمه للضرورة من جهة الشرع، لعلمنا أن الصلاةَ لا تجزيء إلا بالفاتحِة [٧٦ ب/٢] مع إمكان قراءتها بوجٍه، وهو كما يباح أخذ مال الغير وأكله للضرورة، ولأن صاحب المصّحف لو كان حاضرًا عالمًا بالقرآن يلزمه تعليمه بنفسه ولو لم يعلم هو، يلزمه تمكينه من مصّحفه، فإذا لم يكن حاضرًا جاز له أخذه أيضًا، فإذا صح أن له الأخذ، هل يلزمه كراء المثل؟ وهل يضمن؟ قال والدي: سمعت بعض أصحابنا يقول: يجري
[ ٢ / ٣٤ ]
هذا مجرى العاريَّة يلزم عليه ضمان العين دون المنفعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه الضمان، لأن الأخذ ههنا باستحقاق، ألا ترى أنه لو كان المالك حاضرًا استحق عليه الدفع إليه وبعدما دفع ليس له الاسترجاع قبل استيفاء منفعته.
مَسْألةٌ: قال: (ثُّم يقرأ بعد أم القْرآن بُسورٍة).
وهذا كما قال ما زاد على قدر الفاتحة مستحب، ولا يجب قراءة الفاتحة فقط. وبه قال جماعة العلماء، وقال عثمان ابن أبي العاص يجب قراءة الفاتحة وقدر ثلاث آياتٍ.
وروي هذا عن عمر بن الخطاب ﵁، وروي عنهما أنه يلزم قراءة شيء بعد الفاتحة من غير تقدير، وبه قال أحمد، واحتجوا بما روى أبو هريرة ﵁ قال: أمرني رسول الله - ﷺ - (أن أنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد). وروي أنه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ -، قال: (لا صلاةَ لمن لم يقرأ في كل ركعٍة بالحمد وسورٍة في الفريضة وغيرها). وهذا غلٌط، لما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (لا صلاة إلا بقراءٍة ولو بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - (صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب) وخبرهم محموٌل على نفي الفضيلة، أو معناهُ: لا صلاةَ، إلا بفاتحة الكتاب جوازًا وشيء معها كمالًا.
فَرْعٌ آخرُ
لا خلاف أنه تسن قراءة السورٍة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، وهل تسن قراءتها في الركعتين الأخريين [٧٧ أ/ ٢] من الظهر والعصر والعشاء، والركعٍة الثالثة من المغرب؟ قولان فقال في (القديم): ورواه المزني والبويطي أنه لا يقرأها. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو الأشهر لما روى أبو قتادة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -،كان يقرأ في صلاةَ الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورٍة، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأها في الأخريين بفاتحة الكتاب في وقال في كل ركعٍة).
وقال في (الأم): يقرأها، وهو الأصح عندي وعند جماعة من أصحاب الماوردي. أبو سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ - (يقرأ في الظهر
[ ٢ / ٣٥ ]
في الركعتين الأوليين في كل ركعٍة ثلاثين آيًة، وفي الأخريين نصف ذلك)، وهذا أكثر من قدر الفاتحة.
وروي عن أبى عبد الله الصنابحي أنه قال: (صليت خلف أبى بكر الصديق ﵁ المغرب فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمّس ثيابه فقرأ في الركعٍة الأخيرة بأم الكتاب. وهذه الآيًة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨]) ولأن هاتين الركعتين ساوتا الأوليين قي الواجب من القراءة، فكذلك في المستحب.
وأما خبرهم، قلنا: نحمله على الجواز وما قلناه أولى لأنه إثبات زيادة.
فَرْعٌ آخرُ
ظاهر ما قاله الشافعي في (الأم): أنه يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، لأنه قال: فيه واجب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورٍة في القرآن مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونحوها. وفي الأخريين أم القرآن وآيًة وما زاد كان أحب إلّي ما لم يكن إمامًا يثقل على الناس.
قاله أكثر أصحابنا هذا هو المستحب فيسوي في القراءة في الأوليين ويسوي في الأخريين فإن فاضل جاز، وهذا لخبر أبي سعيد الخدري على ما ذكرنا. وقال الماسرجسي: من أصحابنا يستحب أن يطول الركعٍة الأولى في جميع الصلوات [٧٧ ب/ ٢] ليلحق القاصد، ويستحب ذلك في الفجر أكثر مما يستحب في غيرها.
وقال أبو قتادة: كان رسول الله - ﷺ - (يطول في الركعٍة الأولى من صلاةَ الفجر ويقصر في الثانية). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يستحب ذلك في الفجر دون غيرها. وقال الثوري ومحمد: يستحب أن يطيل الأولى في كل الصلوات. واحتجوا بخبر أبي قتادة الذي ذكرنا، قلنا: يحتمل أنه كان ذلك لأنه أحَس بدخول مأموم فطّول أو زاد القيام فيها لدعاء الاستفتاح، لأن الأخريين متساويتان، فكذلك الأوليان.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: قراءة سورٍة كاملٍة عقيب الفاتحة أولى من قراءة آياٍت من سورًة للخبر في ذلك عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان يفعل هكذا.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا السّنة: أن يقرأ في الركعٍة الثانية سورةً بعد السورٍة التي قرأها في الركعٍة الأولى، فإن اتفق قراءة سورٍة الناس في الركعٍة الأولى، ففي الثانية يقرأ سورة البقرة، ولو قرأ سورة قبل تلك السورة جاز لما روينا أن أبا بكٍر الصديق ﵁ قرأ في الركعٍة الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، [آل عمران: ٨] الآيًة.
[ ٢ / ٣٦ ]
فَرْعٌ آخرُ
قد ذكرنا أن القراءة واجبة فلا يجوز أن يقرأها بالفارسية ولا بسائر اللغات، ولا يبدل لفظًا بلفٍظ آخر بالمعنى. وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قرأ بالفارسية وإن شاء قرأ بالعربية.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز أن يقرأ بالفارسية، وإن كان لا يحسنها جاز بلساٍن آخر تفسرها، وهذا غلط لأن النبي - ﷺ -، قال: (لا صلاةَ إلا بقرآن)، وتفسير القرآن لا يكون قرآنًا، لأن القرآن معجز بلفظه ونظمه. وهذا خلافه.
مَسْألةٌ: قال: (فَإذا َفَرَغ ْمنها َوَأراَد َان َيْرَكَع ابَتَدَأ ِباَّلْتكبيِر َقاِئمًا).
الفَصْل
وهذا كما قال: [٧٨ أ/ ٢] إذا فرغ من القراءة ركع عقيب الفراغ منها والركوع ركن من أركان الصلاةَ، فإذا جاء وقت الركوع فعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة، فيرفع يديه حذو منكبيه مكبرا آخذًا في الانحناء، ورفع اليدين مستحب في الركعٍة الأولى في ثلاثة مواضع: إذا كبرّ للافتتاح، وإذا كبرّ للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي الركعات التي بعدها يستحب رفع اليدين في كل ركعٍة في موضعين: إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وبه قال أبو بكر الصديق وابن الزبير وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس والحسن وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق ورواه ابن وهٍب عن مالك. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: لا يستحب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الافتتاح. وبه قال الشعبي والنخعي. وروي هذا عن مالٍك وعليه أصحابه اليوم.
واحتجوا بما روى البراء بن عازب ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود). وروي نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - (إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين).
قال الشافعي: وروى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا عن النبي - ﷺ -. ورواه أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أحدهم أبو قتادة.
وقال الحسن: رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ -. يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا،
[ ٢ / ٣٧ ]
وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنهم المراوح. وروى أنس أن النبي - ﷺ -.قال: (من صلّى ولم يرفع يديه [٧٨ ب/ ٢] إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع لعنته أعضاؤه).
وأما حديث البراء، قلنا: قال سفيان بن عيينة، حدثنا يزيد بن أبى زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، ولم يقل: ثم لا يعود، فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود وظننت أنهم لّقنوه.
وقال الحميد بن زيد: هذا ساء حفظه في آخر عمره واختلط، ثم تأويله، ثم لا يعود
في الركعٍة الثانية في ابتدائها.
فَرْعٌ
المستحب أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير، ثم ينتهي رفعهما قبل انتهاء التكبير، وينبغي أن يكون في التكبير، وهو يهوي راكعًا حتى ينتهي التكبير مع انتهاء ركوعه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
أحدهما: أنه يمدّ التكبير مدًا لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر.
والثاني: يحذفه حذفًا، وبه قال أبو حنيفة وابن المبارك، وهو اختيار القفال، والأول أصح، وهو قوله (الجديدة). وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزّيز: لا يكبرّ في ركوعه، ولا في شيء من صلاته سوى موضع الافتتاح، وهذا غلط لما روي عن علي بن الحسين ﵁، قال: كان النبي - ﷺ - (يكبرّ لخفض ورفع حتى لقي الله تعالى). وعن ابن مسعود ﵁ أنه كان (يكبرّ في كل خفض ورفع وقيام وقعود). ومثل هذا عن أبي بكر وعمر ﵁.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي رفع اليدين، ثم ذكر فإن ذكر قبل الفراغ من التكبير أتى به، وإن ذكر بعد الفراغ من التكبير لم يقضه ولا يسجد لتركه ذلك ساهيًا كان أو عامدًا، ولو أراد أن يسجد للتلاوة في أثناء الصلاةَ لا يرفع يديه في تكبيره لافتتاح السجوٌد.
مَسْألةٌ: قال: (ويضع راحتيه على ركبتيِه ويفرق بين أَصابعه).
وهذا كما قال: الكلام الآن في كيفية الركوع وفيه فصلان:
أحدهما: في بيان كماله.
والثاني: في بيان أقلّ ما يجزئ منه.
فأما الكمال: هو أن يضع [٧٩ أ/٢] راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه ويقبض عليها ويمدّ ظهره ولا يرفعه ويجتهد أن يكون مستويًا في ذلك كله.
وقال في (القديم): يكون رأسه وعنقه حيال ظهره. وقال في (الإملاء): (ولا
[ ٢ / ٣٨ ]
يتباذخ)، يعني لا يخرج صدره ويطأ من ظهره حتى يكون كالسرج، ولا يحدودب، فيجعل ظهره كأنه حدبة بأن يطأطئ كتفيه ويعلى وسط ظهره، ويجافي مرفقه عن جنبيه.
وحكي عن ابن مسعود ﵁، قال: يطبق إحدى راحتيه على الأخرى ويجعلهما بين الركبتين. وحكي مثل ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن الأسود
وكان ابن مسعود يروي ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وهذا غلط لما روى أبو مسعود البدري ﵁: أن النبي - ﷺ - كان (إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه وفرّج بين أصابعه).
وروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: (صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي، قال: فضرب أبي في يدي فلما انصرفت، قال: يا بني إنا كنا نفعل ذلك فأمرنا أن نضرب الأكف على الركب). وهذا يبين النسخ.
والدليل على ما ذكرناه من الهيئات ما روي أن أبا أحمد الساعدي ﵁، قال في عشرة من الصحابة منهم: أبو قتادة: (أنا أعلمكم بصلاةَ رسول الله - ﷺ -، قالوا: فلم، فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صّحبة. قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - ﷺ -. إذا قام إلى الصلاةَ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبرّ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبرّ ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه [٧٩ ب/٢]، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبرّ، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: الله أكبرّ، ويرفع ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبرّ ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما يكبرّ عند افتتاح الصلاةَ، فإذا كانت السجدة التي قبلها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت).
وروي أنه قال فيه: وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرّج من أصابعه وهصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح لخده. وروي كان لا يصبي رأسه ولا يقنعه. يقال: أصبى الرجل رأسه إذا خفضه جدًا، وقوله: لا يقنعه، أي لا يرفعه. والإقناع رفع الرأس، وقوله: يفتح أصابع رجليه، أي يلينها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة. والفتح ليٌن
[ ٢ / ٣٩ ]
واسترسال في جناح الطائر. وقوله: يهصر ظهره، يعني يثني ظهره ويحفظه. وقوله: ولا يصافح خدّه، أي يبرز صفحة خدّه ممايلًا في أحد الشّقين.
وروي أن رسول الله - ﷺ -، قال: (وليعدل ظهره). (ونهى أن يدبح الرجل في الصلاةَ كما يدبح الحمار). وأراد أن يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهرِه.
وروي ابن قتيبة أن النبي - ﷺ - نهى عن التدبيح في الصلاةَ، وفسره بهذا التفسير.
وروي عن عائشة رضي الله عنهأن النبي - ﷺ - (كان في ركوعه مستويًا بحيث لو صب على ظهره ماء لا يستمسّك). وروي: ما انصّب.
وأما أقلّ ما يجزئ في الركوع، فهو أن ينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه حتى لو أراد [٨٠ أ/٢] وضعهما عليهما أمكنه ذلك، ثم يمكث بعد ذلك قليلًا حتى يطمئن، والُطمأنينة فيه واجبة.
وقال أبو حنيفة: يجوز ما يقع اسم الركوع عليه، وهو أن ينحني قليلًا من غير طمأنينة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - دخلَ المسجد، فدخلَ أعرابي فصلّى وأساء الصلاةَ، ثم جاء وسلّم على رسول الله - ﷺ -، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى، ثم عاد وسلم، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى ثم عاد فسّلم، فردّ عليه
السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني ما يجزيني، فقال: (توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة وقل: الله أكبرّ ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم، ثم، ثم افعل ذلك في كل ركعٍة). وروي: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)،. وروى أبو قتادة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (أسوأ السراق سرقة الذي يسرق من صلاته)، قيل: كيف يسرق من صلاته. قال: (لا يتّم ركوعها ولا سجوٌدها).
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أقطع اليدين أو كانتا عليلتين. قال الشافعي: (ركع بحيث لو كانتا صحيحتين وضعهن على الركبتين، وإن كانت أحدهما صحيحة والأخرى عليلة قبض الركبة بالصحيحة وأرسل العليلة).
[ ٢ / ٤٠ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: (لو أتى من الركوع بقدر الأجزاء أو الكمال، ثم سقط على وجهه قبل أن يعتدل قائما يلزمه أن ينتصب قائمًا، فيحصل له منه الرفع من الركوع والسجوٌد عن قيام).
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو ترك وضع يديه على ركبتيه ثم اعتدل قائمًا فشك، هل أتى بقدر الأجزاء من الركوع أم لا؟ فعليه أن يعود لركوعه، لأن الأصل براءة الركوع من ذمته، حتى يتحقق براءتها منه ٠
فَرْعٌ آخرُ
إذا أدرك المأموم الإمام راكعا فقد أدرك الركعٍة لأنه أدرك معظم الركعٍة وهو أنه أدرك اثنين من الأركان الثلاثة، فإن ركع قبل رفع الإمام، فلا إشكال في أدارك الركعٍة، وإن رفع الإمام قبل أن يركع، فهو لا يكون مدركًا للركعٍة، وإن أخذ هذا يركع وأخذ الإمام يرفع، ُنِظَر، فإن لحق بإمامه قبل أن يرفع عن قدر الأجزاء فقد أدرك الركعٍة وإن رفع عن قدر الأجزاء [٨٠ ب/ ٢] قبل أن يصير المأموم إلى حّد الأجزاء لم يدرك الركعٍة.
فَرْعٌ آخرُ
لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام فالمستحب أن يعود إلى الركوع، وإن كان قد أسقط عن نفسه الفرض، لأن عليه متابعة الإمام، فإن لم يعد حتى رفع الإمام رأسه، قال: كرهته له، ويعتد له بتلك الركعٍة، لأنه خلاف يسير.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو تعمد إلى رفع رأسه قبله يكره ذلك لقوله - ﷺ -: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار).
وروي: رأس كبٍش. وقال صاحب (الإفصاح): إذا لم ينِو الخروج من صلاته يحتمل أن يقال: بطلت صلاته، وهذا خلاف نص الشافعي. وقال ابن عمر ﵁: لا صلاةَ لمن فعل ذلك، وعندنا يؤمر أن يعود إلى موضعه ٠ وبه قال أكثر الفقهاء، وقال بعضهم مكث في ركوعه بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه.
[ ٢ / ٤١ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو ركع الإمام ورفع ثم ذكر أنه ترك الذكر في الركوع لم يكن عليه العود للذكر، لأنه سنة فات وقتها، فإن خالف وعاد للذكر. قال الشافعي: (لا تبطل صلاته)، وقال الربيع فيه قوٌل آخر: بطلت صلاته. قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالتين، فالذي قال: لا تبطل إذا كان جاهلًا بأن كان يرى أن التسبيح في الركوع فرٌض، والذي قال: لا تبطل إذا كان عالمًا بأنه ليس بفرٍض، ولا يجوز العود له، وقيل: فيه قولان، ولا يصحّ.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: تصحّ صلاته لو أدركه رجٌل في هذا الركوع فركع معه، قال الشافعي ﵁: (لا يكون مدركًا للركعٍة، ولا يحتسب له بهذه الركعٍة من صلاته، لأنه لا يعتّد بهذا الركوع من صلاةَ الإمام).
وقال في (الإفصاح): يحتمل أن يكون مدركًا قياسًا على ما قاله فيمن قام إلى الخامسة، فأدركه رجل في هذه الركعٍة يحتسب له بها، وإن لم تكن محسوبة للإمام، وهذا غلط، لأن من أدرك الإمام في الركعٍة الخامسة في أول الركعٍة وصلاها معه يعتدّ له بها فعلها بنفسه، فيتعلق الاحتساب بفعله، لا بفعل الإمام حتى لو أدركه راكعًا في هذه الركعٍة الخامسة لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأن الاحتساب يتعلق بفعل الإمام، ولا يحتسب ذلك للإمام فكيف للمأموم.
وذكر الإمام السنجي وجهًا آخر: أنه لا يعتدّ له وإن أدركه في أول الخامسة، لأنها لغٌو في حق الإمام [٨١ أ/ ٢]، وهكذا نقول لو كان الإمام جنبًا، فأدركه رجل في الركوع لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأنه لا يحتسب للإمام به.
فَرْعٌ آخرُ
لو ركع الإمام، فلما أراد أن يعتدل قائمًا سقط على وجهه فعليه أن ينتصب قائمًا على ما ذكرنا فلو كبرّ رجل خلفه فركع وقد انتهى الإمام في أثناء قيامه إلى حّد الركوع واجتمعا على هذه الصفة لم يعتدّ له بهذه الركعٍة أيضًا، لأن الركوع قد سقط عنه قبل سقطته.
مَسْألةٌ: قال: (يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وهذا أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الذكر في الركوع والسجوٌد مستحب وليس بفرٍض، وهو التسبيح. وقال أهل الظاهر والحسن وأحمد وإسحق: يجب تسبيحه واحدة حتى لو تركها عمدًا بطلت صلاته ولو تركها ساهيًا سجد للسهو. وقال داود: هي واجبة إلا أنه إذا تركها
[ ٢ / ٤٢ ]
عمدًا لا تبطل صلاته. وهكذا الخلاف في تكبيرًات الركوع والسجوٌد والتسميع. وقوله: رب اغفر لي بين السجدتين. واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - علّم رجلًا الصلاةَ، وقال: ثم قل: (الله أكبرّ، ثم اركع، هذا غلٌط لأن النبي - ﷺ - قال للأعرابي المسيء صلاته، (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا)، الخبر. ولم يأمره بالتكبير ولا بالتسبيح وما ذكروه من الخبر محموٌل على الاستحباب. واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - سبّح، فقال: (سبحان ربي العظيم في الركوع). وقال: (سبحان ربي الأعلى في السجوٌد)، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
قلنا: كان رسول الله - ﷺ - يفعل في صلاته المسنون والمفروض، فنحن نفعل المسنون مسنونًا، والمفروض مفروضًا حتى يكون كفعله سواء، واحتجوا أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال النبي - ﷺ - (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال النبي - ﷺ - (اجعلوها في سجودكم). قلنا: أراد استحبابًا لأن عندهم يجوز ذكر آخر غير هذا.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إذا ركع أحدكم فليضع يديه على ركبتيه، ثم يمكث حتى يطمئن كل عظٍم في مفاصله [٨١ ب/٢]، ثم يسّبح ثلاث مراٍت، فإنه يسبح الله ﷿ من جسده ثلاثة وثلاثون وثلثمائة عظم وثلثمائة وثلاثة وثلاثون عرقًا، وإذا سجد، فليسّبح ثلاثًا، فإنه يسّبح من جسده مثل ذلك).
واحتجوا بما روي أنه علّم رجلًا الصلاةَ، قال له: (إذا ركعت فقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا)، وذلك أدناه، (وإذا سجدت فقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه). وقال على ﵁: علمني رسول الله - ﷺ - هذا، قلنا: معناهُ، وذلك أدنى الكمال. والكمال أقلّ وأكثر كما الثلاث، ولأن عندهم لا يجب التثليث، فلا حّجة فيه ٠
واحتجوا بأن في القيام يجب الذكر، وكذلك في الركوع والسجوٌد، قلنا: لأن القيام ينقسم إلى عادٍة وعبادٍة، فيحتاج إلى التمييز بالذكر والركوع في نفسه عبادٌة لا تشاركه العادة، فلا حاجة فيه إلى الذكر. والدليل على الفرق أنه لا يجبر الذكر بالسجوٌد عند النسيان في القيام بخلاف الذكر في الركوع.
[ ٢ / ٤٣ ]
فَرْعٌ
قال بعض أصحابنا. أتم الركوع في التسبيح إحدى عشر تسبيحه أو تسع وأوسط الكمال خمس وأدنى الكمال ثلاٌث، كما قال الشافعي، وحكي الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك الذي خلفه ثلاثًا.
وقال ابن المبارك: الأفضل للمنفرد خمٌس وللإمام ثلاث، وهذا أحَسن مما قال الثوري. والدليل على ما ذكرنا. ما روى عقبة بن عامر ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: (سبحا ن ربي العظيم ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، ولأن المأموم يسجد معه فما أمكن الإمام من ذلك أمكن المأموم.
وقيل: أعلى الكمال أن يسبح ثلاثًا، ثم يزيد عليها ما قال الشافعي. روي عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا ركع، قال: (اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك أّمنت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وشعري وبشري، وما استقلت به، فدمى لله رب العالمين)، وهذا أفضل من جنس التسبيحات [٨٢ أ/ ٢].
قال في (الأم): وأحب أن لا يقتصر على هذا إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيٌف لا يثقل، وهذا صّحيح. قال: فإن زاد من جنس التسبيحات، فلا بأس، فيسبح في الركعتين الأوليين إحدى عشرة، وفى الأخريين سبعًا سبعًا، لما روى معاذ بن جبل ﵁، قال: (كنا نصلي خلف رسول الله - ﷺ -، فيسبح في الركعتين الأولتين في الركوع والسجوٌد إحدى عشرة، وفي الأخيريين سبعًا سبعًا).
ذكره في (الإفصاح)، وقال في (الحاوي): الإمام يقتصر على التسبيح َوْحَده ليخفف على من خلفه.
فَرْعٌ آخرُ
قال ابن المنذر، قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وعندي يقول ذلك لما روى حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثًا، ولأنه زيادة حمٍد، ومعناهُ، وبحمدك سبحتك.
وروى أبو داود بإسناده عن عائشة رضي لله عنها، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول
[ ٢ / ٤٤ ]
في ركوعه وسجوٌده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي). يتأول القرآن، وأراد- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣].
فَرْعٌ آخرُ
لو ترك الذكر كله فيه لم يسجد للهو عامدًا كان أو ساهيًا. قال الشافعي: ويكره أن يقرأ القرآن في ركوعه وسجوٌده، لأن النبي - ﷺ - نهى عنه، وذلك ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إني ُنهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب). وأما السجوٌد فاجتهدوا في الدعاء فقمٌن أن يستجاب لكم). وقوله: فإنه فقمٌن أي: جدير وحري أن يستجاب لكم، ويقال: قمن بفتح الميم، فإن قرأ فيه عامدا أو ساهيا سجد للسهو، وهذا لأن كل موضع شرعت فيه القراءة كرهت فيه غير القراءة، فلذلك كل موضع شرع فيه غير القراءة من الذكر كرهت فيه القراءة.
وقال في (الحاوي): إن قرأ غير الفاتحة جازت الصلاةَ، وإن أساء وفي سجوٌد، وجهان [٨٢ ب/٢]، وإن قرأ الفاتحة، هل تبطل صلاته؟ وجهان:
أحدهما: تبطل لأنه أتي بركٍن منها في غير محله.
والثاني: لا تبطل لأن القراءة ذكر فخفف عن حكِم الأفعال في إبطال الصلاةَ، ولكنه يسجد من أخلها سجوٌد السهو وجهًا واحدًا.
مَسْألةٌ: قال: (وإذا أَراد أن يرفع ابتدأ بقوله مع الرفع: سمع الله لمن حمده).
الفَصْل
وهذا كما قال إذا فرغ من الركوع يلزمه أن يرفع رأسه منه، ويعتدل قائما، ويطمئن فيه لا يجزئه غير ذلك. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب شيء من ذلك، بل ينحط من ركوعه ساجدًا. واختلف أصحاب مالٍك في ذلك على قولين، وهذا غلط لخبر الأعرابي الذي ذكرنا، ولأنه ركن هو خفض فالرفع منه فرٌض كالسجوٌد، فإذا تقرر هذا يفعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة: يرفع صلبه ويرفع يديه، ويقول: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، سواء كان إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا. وبه قال أبو برزة من الصحابة وعطاء وابن سيرين وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. واختاره ابن المنذر. وقد قال أبو حنيفة: المنفرد يجمع بينهما. وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يأتي الإمام بهما، والمأموم لا يزيده على قوله: ربنا لك الحمد.
[ ٢ / ٤٥ ]
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنهأن النبي - ﷺ -، قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد)، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنهأن النبي - ﷺ - كان إذا قال: (سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد)، وقال: (صّلوا كما رأيتموني أصلي) وذلك عام في الإمام والمأموم.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد فقولوا مثل ذلك). وأما خبرهم يحتمل أنه قال ذلك، لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، فإنه [٨٣ أ/٢] إنما يجهر بسمع الله لمن حمده، وحده ولم يأمرهم بها لأن المأموم يقتدي بالإمام في جميع الأذكار، فلا يخفى عليهم ذلك.
وذكر الطحاوي أن الشافعي خالف الإجماع في هذا، وقد روينا عن جماعة ما قلنا: حتى يعلم بطلان قوله، فإذا تقرر هذا، فمعناهُ الدعاء لحامد الله تعالى بالإجابة كأنه يقول ليسمع الله، وليستجيب لمن يقول: ربنا لك الحمد بعد قوله: سمع الله لمن حمده ليصير بذلك من الحامدين، فيستحق إجابة الله تعالى وسماعه لحمده، ولهذا قال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يأتي بالحمد، لأنه يندب من خلفه إلى الحمد، والقوم يقولون: ربنا لك الحمد، ولا يقولون: سمع الله لمن حمده، لأنهم منتدبون إلى ما ندبهم الإمام إلّيه، وعندنا لكل واحٍد منهما، يستحب ذلك، فكأنه ندب نفسه إلى الحمد، ثم ينتدب إلّيه غيره كالمنفرد ويجمع بينهما لهذا المعنى، وهذا كما إذا قرأ فاتحة الكتاب، يقول: آمين، لأن النصف الأخير من الفاتحة دعاء من القارئ فندب القارئ إلى أن يقول: آمين على دعاء نفسه كما ندب السامع إلّيه كذلك ههنا.
فَرْعٌ آخرُ
قال في (الأم): وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، وهذا لأنه رواه علّي وأبو هريرة ﵁ بهذا اللفظ، قال: ولو قال: من حمد الله سمع له لم يكن عليه إعادة، وأجزأه، وأن يقول: سمع الله لمن حمده اقتداء برسول الله - ﷺ - كان أحّب إلّي، قال: ولو قال: لك الحمد ربنا اكتفى وأن يقول: ربنا ولك الحمد اقتداء برسول - ﷺ - كان أحّب إلّي.
واعلم أنه روي: ذلك الحمد بالواو. وروي من غير الواو، والواو فيه زيادة يقال: يعنى هذا الثواب بعشرة، فيقول: هو لك بعشرة.
فَرْعٌ آخرُ
قال ويستحب أن يزيد عليه ما روي عن علي ﵁ أنه - ﷺ - كان يقول إذا رفع
[ ٢ / ٤٦ ]
رأسه: (ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده،.
وعند أبي حنيفة لا يسن ذلك. قال: والدعاء الكامل ما روى أبو سعيد الخدري ﵁، قال: كان النبي - ﷺ -، يقول ذلك ويزيد (أهل الثناء والمجد [٨٣ ب/٢] حق ما قال العبد: كلنا لك عبُد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجّد، ويستحب أن يقول هذا كّل مصلٍّ من إماٍم ومأموم ومنفرد.
ذكره أبو حامٍد، وقال بعض أصحابنا: هذه الزيادة يستحب للمنفرد دون الإمام لئلا يطول على القوم، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو اعترضته علة منعته من الركوع سجد عن ركوعه، فإن زالت العّلة نظر، فإن كان زوالها قبل سجوٌده عاد إلى القيام، وإن زالت قد وضع جبهته على الأرض، لم يعد لقيامه، لأنه قد سقط عنه، فإن خالفه وقام نظر، فإن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته وسجد للسهو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو قرأ في اعتداله القرآن كان عليه سجوٌد السهو، وإن طال القيام بعد الرفع يذكر الله تعالى، ويدعو ساهيًا لا ينوي به القنوت، فلا سجوٌد عليه للسهو، ولو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجوٌد السهو. والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود ودعاء القنوت مقصود، فإذا أتى به في غير موضعه ساهيًا سجد كالقراءة.
مَسْألةٌ: قال: (فإذا هوى ليسجد ابتدأ التكبير قائمًا).
الفَصْل
وهذا كما قال: إذا فرغ من الذكر حال الانتصاب ابتدأ بالسجوٌد والتكبير معًا، ولا يرفع يديه ههنا ويكون في التكبير، وهو يهوي حتى ينتهي التكبير مع أول السجوٌد، واختار القفال ههنا أن يحذفه ولا يمدّه، وذكر أنه أحد القولين، فإذا سجد وضع على الأرض ما كان إليّها أقرب ركبتيه ثم يديه ثم أنفه وجبهته دفعًة واحدًة. وبه قال أبو
حنيفة وإسحق وأحمد في أصح الروايتين.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو مذهب النخعي والثوري. وقال الأوزاعي: يضع يديه قبل ركبتيه. وبه قال زفر، وقال أصحاب مالك إن شاء وضع التدين وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحَسن.
واحتجوا بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال (إذا سجد أحدكم فلا
[ ٢ / ٤٧ ]
يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه). وروى ابن عمر ﵁ نحوه، وهذا غلط [٨٤ أ/ ٢] لما روى وائل بن حجر ﵁ أن النبي - ﷺ -. كان (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفعه يديه قبل ركبتيه)، ولأن اليدين تسبقان الركبتين في الرفع فوجب أن تتأخر عنهما في الوضع كالجبهة مع اليد.
وأما خبرهم، قلنا: روي أنه منسوخ. وقد قال سعد ﵁ (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين)، فإن خالف فوضع يديه أولًا أجزأه وترك المستحب، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في السجوٌد في فصلين:
أحدهما: في أعضاء السجوٌد.
والثاني: في نفس السجوٌد.
فأما الكلام في أعضائه ففي فصلين:
أحدهما: في الكمال.
والثاني: فيما يقع به الأجزاء، فالكمال أن يقع غلى الأرض ثمانية أعضاء: الأنف والجبهة واليدين والركبتين وأطراف أصابع القدمين لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (أمرت أن أسجد على سبع، وأن لا أكف الشعر والثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين). ومد الجبهة والأنف معًا لاتصاله بها ومقارنته لمساواتها.
وقوله: لا أكف الشعر، قال عطاء: معناهُ، الشعر عن الأرض. وكانوا يكرهون أن يسجد وهو قاُص شعره، وكذلك الثياب لا يجمعها ويدعها تقع على الأرض.
وروي: لا يكفت شعرًا ولا ثوبًا، أي: لا يجمع.
وأما الأجزاء، فلا يختلف المذهب أن السجوٌد على الجبهة، ولا يجوز ترك فرضها فيه عند القدرة، ولا خلاف عندنا أن وضع الأنف لا يجب، وإنما هو شرط الكمال، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه وإن اقتصر على الأنف لم يجزه. وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وابن سيرين والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ومالك.
وقال سعيد بن جبير: يجب السجوٌد عليهما حتى لو أخّل بأحدهما لم يجز، وبه قال النخعي وعكرمة وإسحق والأوزاعي وأحمد في رواية. واحتجوا بما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا ما يصيب أنفة من الأرض، فقال: (لا صلاةَ لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)، أو قال: «ما يمس الجبين)، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس ﵁، قال: (أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبع)، ولم يذكر [٧٤ ب/٢]. الأنف.
وقال جابر: (رأيت رسول الله - ﷺ - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، وعلى
[ ٢ / ٤٨ ]
هذا لم يسجد على الأنف. وأما خبرهم، قلنا: قال، الدارقطني هو مرسل ثم نحمله على الفضيلة. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتعين الأجزاء لكل واحٍد من الجبهة والأنف على الانفراد فعلى أيهما سجد جاز لأن الأنف والجبهة عضُو واحُد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض). وروى ابن عباس أنه قال: (مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها). وما ذكره يبطل بعظم الرأس، فإنه متصل بعظم الجبهة، ولا يجوز السجوٌد عليه، وكذلك لا خلاف أنه يجوز السجوٌد على حّده.
وأما غير الجبهة والأنف من أعضاء السجوٌد من اليدين والركبتين والقدمين. قال في (الإملاء): يجب وضعها في السجوٌد، وبه قال أحمد وإسحاق.
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجد أحدكم فوضع جبهته فليضع يديه، وإذا رفع رأسه، فليرفع يديه فإنهما يسجدان له كما يسجد وجهه). وثم في (الأم) عنى قولين:
أحدهما: المشهور وظاهُر المذهب.
والثاني: لا يجب وضعها. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وهو الأصح. واحتجوا بقوله - ﷺ -: (سجد وجهي للذي خلقه). الخبر فدّل على أن السجوٌد للوجه فقط، ولأنه لا يجب كشفها في السجود، فلا يجب وضعها. ووجه القول الآخر خبر ابن عباس ﵁.
فَرْعٌ
إذا قلنا: لا يجب وضعها فالواجب وضع الجبهة فقط فلو تمكّن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأه وكما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة ومستورة وراحتيه أو ظهور كفيه. الباب واحُد.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت بجبهته علة يدني جبهته من الأرض أقصى ما يمكنه ولا معنى لوضع الأنف. وحكي عن أبى يوسف أنه قال: إن كانت بجبهته علة جاز السجوٌد على الأنف، وإن لم يكن علة لا يجوز.
[ ٢ / ٤٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
إذا قال: يجب وضع الأعضاء كلها فالكمال أن يضع بطون كفيه وأصابعهما على الأرض وكذلك ركبتيه وبطون أصابع رجليه، فإن اقتصر على وضع بعض كل واحد منها من الأصابع، [٨٥ أ/ ٢] أو راحتيه أجزأه. ثم عليه في (الأم).
فَرْعٌ آخرُ
الكمال في الجبهة أن يضع بضعها كلها على الأرض، فإن اقتصر على وضع بعضها. قال في (الأم): (كرهته وأجزأه) وقال أيضًا: (لو عصبت جبهته بخرقة مشقوقة فوضع موضع الشق على الأرض جاز ولو سجد على عظم رأسه وشيء من جبهته أجزأه).
فَرْعٌ آخرُ
كشف الجبهة واجُب. وعليه أن يسجد على الأرض، أو على حائل منفصل منه كالبساط والحصير، فإن سجد على ما هو حامله من طرف الرداء أو كور العمامة لا يجوز. وبه قال علي وابن عمر وعبادة بن الصامت ﵁ ومالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجوٌد على كور العمامة وكمه، ولو سجد على يده، ويجوز.
وبه قال الحسن وحكاه صاحب (الشامل) عن مالٍك وأحمد وروي عن شرح أنه كان يسجد على برنسه. واحتجوا بما روي عن رسول الله - ﷺ - (أنه سجد على كور العمامة)، وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت ﵁، قال: (شكونا إلى رسول الله - ﷺ -، حّر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يقل شيئًا وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا).
وروى ابن عبد الحكم في كتابه أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يسجد وقد اعتّم على جبهته فحسر عنها وقال: إذا سجدت فمّكن جبهتك من الأرض). وأما خبرهم لا أصل له ثم إن صّح نحمله على أنه سجد على بعض جبهته معه. وقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجد أحدكم فليضع جبهته بين يديه، فإذا رفع رأسه فليرفع يديه فإنهما يسجدان لله كما يسجد وجهه).
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو انقلب يريد السجوٌد، فماست جبهته الأرض أجزأه السجوٌد، ولا فرق بين
[ ٢ / ٥٠ ]
أن لا ينقلب وبين أن ينقلب إلى السجوٌد من غير تعود في أن السجوٌد معتد به. [٨٥ ب/٢]
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو أنه هوى ليسجد، فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماّست جبهته الأرض لم يعتدّ بهذا السجوٌد، لأنه انقلب لغير إرادة السجوٌد وانعطفت نيته الأولى، كما لو نوى فتوضأ ثم غسل بعض الأطراف لتبرد أو تتنظف لم يجز، لأنه فعل لغير الطهارة.
قال: ولو هوى على وجهه يريد السجوٌد فوقع على جبهته وكان على إرادته لم يحدث غير السجوٌد إرادًة أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو سجد على ذيل رجل آخر أو ظهره ولم يكن مرتفعًا بحيث يخرج هذا الساجد عليه عن صورة الساجدين يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو سجد على موضع عاٍل، فإن كان بحيث لا يكون ظهره أعلى من رأسه ورقبته، لا يجوز لأنه لا يسمى سجوٌدا، وإن كان ظهره أعلى من رأسه ورقبته يجوز، ويكره إذا لم يكن له عذر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: يجب وضع سبعة أعضاء في السجوٌد، هل يجب كشفها، قال في (الأم). ولا أحب كشف الركبتين بل أحب أن يكونا مستورتين، ولا أحب تخفيف الثياب عنهما، لأن سترهما من تمام ستر العورة وأما القدمان إن كانت في الخفين أجزأه السجوٌد عليهما فيهما، وإن كانتا في النعلين، فالمستحب أن ينزع النعلين ويكشف عن موضع السجوٌد منهما، فيسجد على الأرض وعلى حائل ينفصل عنه، فإن لم يفعل أجزأه.
وأما اليدان، فيه قولان. قال في (الأم): وفي السبق والرمي الكشف مستحُب غير واجٍب وهذا أصح. وقال في موضٍع آخر. وقيل: فيه قوُل آخرُ يجب كشفهما ووجهه خبر خباب بن الأرت، ووجه القول الأول أنه عضو أعضاء السجوٌد، ولا يبرز في العادة إلا لحاجة فلا يجب كشفه في السجوٌد كالقدمين.
وأما خبر خباب، قلنا: نحمله على أنه لم يشكهم من أجل الجبهة.
[ ٢ / ٥١ ]
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا لا يجب كشفهما فحكمهما حكم الرجلين، وإذا قلنا: يجب كشفهما فحكمهما حكم الجبهة، ولو وضع ظاهُر الكفين مكشوفًا على هذا القول. ثم في (الأم) أنه لا يجوز.
وأما نفس السجوٌد فالكمال فيه التخوية، [٨٦ أ/ ٢] فهي أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهأن النبي - ﷺ - (كان إذا سجد خوي)، وفي رواية (لجج)، واللجج التخوية. وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة ﵂ أن النبي - ﷺ - (كان إذا سجد جافى يديه حتى لو أرادت بهيمة أن تمّر تحته مّرت).
وروى ابن بحينة أن النبي - ﷺ - (كان إذا سجد فّرج يديه عن جنبيه). وروى أحمد بن جري صاحب النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - (كان إذا سجد جافى عضديه على جنبيه حتى نأوي له). أورده أبو داود ومعنى نأوي له، أي: نرق له.
وروي عن ابن عباس ﵁، قال: أتيت النبي - ﷺ - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجنح قد فّرج يديه. وقوله: هو مجنح، أي: رفع مؤخره ومال قليلًا. قال الشافعي: (يجافي حتى إن لم يكن عليه ما يستره رأيت عفرة إبطيه)، أي: سواد إبطيه ويكنى عن ذلك العفرة، كما يقال للحبشي أبو البيضاء ويفّرج بين فخذيه ورجليه ويضع يديه حذو منكبيه. قلنا: رواه وائل بن حجر ﵁.
وقال أبو حنيفة: يضع حذو أذنيه ويضم أصابعه بعضها على بعض ويضم الإبهام إليّها ضمًا بخلاف الركوع. والفرق أن هناك يقبض على ركبتيه. والتفريق أمكن له بخلاف السجوٌد، ولأنه يستحب أن يستقبل بكلها القبلة، ولا يستحب ذلك في الركوع أن يوجهها نحو القبلة، فلهذا يضم الأصابع ههنا دون الركوع ويرفع ظهره، ولا يحدودب ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه، ويكون على صدور قدميه وعلى أصابع رجليه، فيضع بطول أصابع رجليه على الأرض لتكون رؤوس الأصابع إلى القبلة، وهكذا فسره بعد ذلك. قال: ويوجه أصابعه نحو القبلة ولم يقله، أي: رؤوس الأصابع. كما ذكرنا في أصابع اليد. وقال القفال: من أصحابنا من قال قوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة لم يقل به الشافعي، وهو بخلاف قوله، ويكون على أصابع رجليه، لأنه إذا نصب الأصابع، [٨٦ ب/ ٢] فظهورها إلى القبلة، فإن أضجعها وحّول
رؤوسها إلى القبلة لم يكن على أصابع رجليه.
وفي هذا نظُر، وقد بّينا ما يزيل الإشكال، ويكره أن يفرش ذراعيه في السجود.
[ ٢ / ٥٢ ]
وروي أن النبي - ﷺ - (نهى عن افتراش السبع في الصلاةَ). قال أبو عبيد: هو أن يلصق ذراعيه بالأرض في سجوٌده. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب)، وافتراش الذراعين ما ذكرنا.
وروى البراء بن عازب ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا سجدت فضّم كفيك وارفع مرفقيك)، وقيل في أدب الصلاةَ: ادعم على راحتيك، وأبدل ضبعيك. والإدعام: مأخوُذ من الدعامة. والضبعان: العضدان، وأبدادهما: هو نزعهما، يقال: أبد فلاُن يده إذا مدها. ثم إذا دخَل في السجوٌد على الوجه الذي ذكرنا مكث في السجوٌد مقدار ما يطمئن فيه. والطمأنينة في السجوٌد واجبة، وهى أن يسكن مقدار ما تسكن جوارحه خلافًا لأبي حنيفة.
مَسْألةٌ: قال: (ويقول في سجودة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وهو أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الكلام الآن في أدنى الكمال وأعلاه. وجملته أن الذكر في السجوٌد مسنوٌن، وهو أن يقول: سبحان ربى الأعلى، وأدنى الكمال أن يقول ثلاثًا، وأعلى الكمال أن يضيف إلّيه ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول في سجوٌده: (اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك أّمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشّق سمعه وبصره، تبارك الله أحَسن الخالقين). ورواه علي بن أبي طالب ﵁، ذكره في (الأم). قال: ويجتهد في الدعاء لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء. أما الدعاء بعد الكمال فمستحب.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يدعو في سجوٌده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلّه آخره وأوله علانيته وسّره) [٨٧ أ/٢].
وحكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه كان يقول في سجوٌده: وسجد وجهي حقًا حقًا تعبدًا ورقًا. وقال في (الأم): (ويدعو بعد هذا الذكر بما أحب رجاء الإجابة). ويستحب الدعاء للإمام ما لم يثقل على المأمومين، وإن كان مأمومًا اجتهد في الدعاء ما لم يخالف الإمام في الإتباع.
[ ٢ / ٥٣ ]
وقال في (الإملاء): لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي - ﷺ -، والأول أصح لما روينا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (فأكثروا من الدعاء). وقيل: قال في (الأم): (الدعاء بعد الكمال يأتي به الإمام أيضًا كما يأتي بها على الكمال).
وقال في (الإملاء): لا يزيد الإمام على الكمال. وهذا أصح عندي لئلا يؤدي إلى المشقة بالمأمومين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو أتى بذكر آخر سوى التسبيح فيه جاز، وإن كان الأفضل التسبيح لما روي عن عائشة ﵂، قالت: افتقدت رسول الله - ﷺ - من فراشي ليلة النصف من شعبان، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فطلبته فلم أجده، [فظننُت أَّنما انسَّل إلى بعض نسائه، فإذا أنا به ساجُد كالثوب الطريح، فسمعته] يقول: (سجد لك سوادي وخيالي وأّمن بك فؤادي، وهذه يدي التي جنيت بها على نفسي يا عظيم، يا رجاء كل عظيم، اغفر الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم، ثم رفع رأسه ثم سجد، وقال: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك أقول كما قال أخي داود: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن أسجد له). فلما فرغ من صلاته، قال: ما لك؟ أخذك شيطانك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أنت في واد، ونحن في واد). ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ لواجب من حق عبادته والثناء عليه. وقوله: لا أحصي ثناء عليك، أي لا أطيقه ولا أبلغه.
وقال بعض أصحابنا: لو قال في سجوٌده: سّبوح، قّدوس، رب الملائكة، والروح القدس. فهو حسن لما روت عائشة ﵁، قالت: كان رسول الله [٨٧ ب/ ٢]- ﷺ - يقول ذلك في سجوٌده.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يرفع مكبرًا كذلك حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى).
وهذا كما قال إذا انتهى الدعاء في السجوٌد يرفع مكبرّا، ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، فيكون فيه، وهو يرفع حتى يكون انتهاء التكبير مع انتهاء الجلوس. والجلوس ركن، والطمأنينة فيه ركنُ. وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب هذا الجلوس أصلًا، ويكفيه أدنى رفع حتى لو رفع قدر ما يسع من الأرض وجبهته حدّ سيٍف.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجب أن يرفع حتى يصير إلى الجلوس أقرب منه
[ ٢ / ٥٤ ]
إلى السجوٌد، وفي الركوع يجب أن يرفع حتى يكون إلى القيام أقرب منه إلى الركوع، وهذا ليس بمشهور، فإذا ثبت هذا فصفة الجلوس أن يكون مفترشًا، وهو أن يفترش رجله اليسرى، فتجعل ظهرها إلى الأرض ويجلس عليها، وينصب أليمنى ويضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بأطرافها القبلة. والإقعاء مكروه، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد عليها مستوفزًا غير مطمئن على الأرض وذلك اقعاء الكلاب والسباع، إنما أن تقعد على مؤخرها وتنصب أفخاذها
وقال أبو عبيد: هو أن ينصب رجليه في هذا، وقال غيره: هو أن يفترش رجليه وكلاهما مكروه، وبهذا قال جماعة العلماء. وروي كراهته عن على وابن عمر وأبي هريرة ﵁.
وروي عن على رضي الله عنهأن النبي - ﷺ - (نهى عن الإقعاء في الصلاةَ) وروت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - (نهى عن عقب الشيطان في الصلاةَ).
قال ابن قتيبة: هو أن يضع إليتيه على عقبيه في الصلاةَ من السجدتين. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هو سنة نبيكم، وقال طاوس، قلنا لابن عبا س في الإقعاء، فقال: هو السّنة، قلنا: إنا لنراه. جفا بالرجل، فقال: سنة نبيك.
وقال أحمد بن حنبل: أهل مكة يستعملون الإقعاء. وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلون ذلك [٨٨ أ/ ٢]، ابن عمر وابن عباس وابن الزبير ﵁، قلنا: قد كان هذا وُنِسخ بدليل ما ذكرنا وقد وصف أبو حميد صلاةَ رسول الله - ﷺ -، ولم يذكر هذا.
وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء، فإني إنما فعلت هذا حين كبرّت. وقال صاحب (الإفصاح): حكي عن الشافعي قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه، والأول أصح، فإذا تقرر هذا يستحب أن يقول في هذه الجلسة: رب اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني.
وروي: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأهدني وارزقني. وقال القفال: روى الشافعي بإسناده عن علي ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني).
وأصحابنا رووا زيادة، وقد ذكرنا، وهذا حسن، ولو بلغ الشافعي لقال، وزادت أم سلمه ﵂: (وأهدني للسبيل الأقوم). وقال أبو حنيفة: لا يسّن ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولئلا يخلو هذا الفعل عن الذكر.
قال الشافعي: (ثَّم َيْسُجُد َسْجَدًة ُاخَرى َكذلِك)، وهذا صّحيح.
مسألة: قال: (فإذا استوى قاعدًا نهض معتمدًا على يديه).
[ ٢ / ٥٥ ]
وهذا كما قال: أراد إذا استوي قاعدًا بعد السجدتين والجلسة أنه يرفع من السجدة الثانية مكبرّا فيستوي جالسًا، ثم ينهض. وهذه رواية المزني. وقيل: يستحب أن يكون بقدر الجلسة بين السجدتين، ولا يزيد عليها.
وقال في (الأم): يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس. وقال فيه أيضًا: إذا أراد القيام من السجدة الثانية كبرّ مع رفع رأسه حتى يكون انقضاؤه مع استوائه جالسًا، فلم يستحب الجلوس من السجدة الثانية إلا للشّهد. فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: المزني ثقة فتضم روايته إلى ما قاله في (الأم) ففي المسألة قولان. وعلى هذا القول في الصلاةَ أربع جلسات، وتسمى هذه الجلسة، جلسة الاستراحة، وهي مستحبُة غير واجبة.
ومن أصحابنا من قال: هو اختيار أبى إسحق، هذا على اختلاف حالين، فإن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة كما [٨٨ ب/٢] نقل المزني، ومن كان شابًا قويًا لا يجلس كما قال في (الأم).
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحق: لا يستحب هذا الجلوس أصلًا، واحتجوا بما روى وائل بن حجر ﵁ بأن النبي - ﷺ - (كان إذا رفع رأسه من السجوٌد استوي قائمًا بتكبيره). وهذا غلط لما روى أبو حميد الساعدي في صفة صلاةَ رسول الله - ﷺ - بهذا الجلوس.
وهذه الرواية في عشرة من الصحابة، فكانت أولى. وروي أن مالك بن الحويرث ﵁ حكي صلاةَ رسول الله - ﷺ -، وقال: (فلما قام من السجدة الثانية من الركعٍة الأولى جلس ثم نهض معتمدًا على يديه). فإذا تقرر هذا.
قال أبو إسحاق: إذا جلس قضى تكبيرة مع جلوسه، ثم نهض إلى القيام من غير تكبير، لأن التكبير للرفع من السجوٌد دون الذهاب إلى القيام، ولا يجوز أن يبتدئ للقيام بالتكبير، لأنه يؤدي إلى الموالاة بين التكبيرتين، ويخالف إذا قام إلى الثالثة من التشهد حيث يكبرّ، لأنه لا يؤدي إلى الموالاة بين الكبيرتين لأنه تخلل التشهد بينهما.
وكذلك بين السجدتين تخّلل الدعاء المأمور فيه عن الرسول - ﷺ -. قال هذا القائل وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه يكبرّ رافعًا من السجوٌد وينهيه مع انتهاء الانتصاب لئلا ينفّك بعض هذا الفصل عن الذكر، وما ذكره أبو إسحق ليس بشيء، وهذا أصح عندي، لأنه أشبه بأفعال الصلاةَ، فإنه لم يشرع فيها فعل يخلو عن ذكر، وهذه الجلسة لا تكون من الأولى ولا من الثانية، بل هي فصُل للجلوس كالتشهد الأول، فلا بدّ فيها من الذكر، ولكنه يطّول التكبيرات، ولا يطول الجلوس، ويأتي بهذا بأسهل ما يمكن وما قاله أبو إسحق: اختيار القاضي الطبري.
[ ٢ / ٥٦ ]
وقال القفال: كلام الشافعي في صلاةَ العيد يدّل على أنه يكبرّ بين جلوسه وقيامه، ولا يبتدئ عند الرفع، لأنه قال: يكبرّ في الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وقيل: رجع القفال عن هذا، وتأويل قوله: القيام من الجلوس [٨٩ أ/ ٢] على المقارنة، وأراد تكبيرة الرفع، ثم اعلم أنه ينهض من هذا الجلوس معتمدًا على الأرض بيديه.
وبه قال ابن عمر وعمر بن عبد العزّيز ومالك وأحمد. وعند أبي حنيفة: يقوم من السجدة الثانية على صدور قدميه. وبه قال على وابن مسعود ﵁، وهو مذهب الثوري، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، لأنه أشبه بالتواضع وأعوذ للمصلي على الصلاةَ وأحرى أن لا ينقلب.
مَسْألةٌ: قال: (ولا يرفع يديه في السجود ولا في القيام من السجود).
وهذا كما قال عندنا: لا يرفع يديه إلا في ثلاثة مواضع على ما ذكرنا.
وقال أبو علي في (الإفصاح): (يستحب رفع اليدين كلما قام إلى الصلاةَ من سجوٌد أو تشهد). واختاره ابن المنذر، وقال: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد الساعدي.
وروي في حديث علي ﵁ أيضًا أن النبي - ﷺ - (كان إذا قام من السجدتين رفع يديه وكبرّ). وقال الإمام أبو سليمان الخطابي حديث أبي حميد الساعدي قال به عشرة من الصحابة.
وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي. والقول لازُم به على أصله في قبول الزيادة، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إلى ما رواه علّي ﵁، وإن صّح الخبر فالقول به واجُب. وقيل: إنما لم يذكره الشافعي لخبر ابن عمر الذي تقّدم ذكره فلعل ذلك نسخ.
وحكي عن أحمد أنه قال: يستحب رفع اليدين في ابتداء كل ركعٍة، وهو غلط عندي، بل مذهبه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول لا هذا.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك).
وهذا كما قال: الركعٍة الثانية مثل الركعٍة الأولى في أفعالها وأذكارها سوى تكبيرة الافتتاح، [٨٩ ب/ ٢] ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين في ابتدائها، وهذا لأن أبا حميد قال: (وصلّى ركعٍة أخرى مثل ذلك).
مسألة: قال: (ويجلس في الثانية على رجله اليسرى).
[ ٢ / ٥٧ ]
الفَصْل
وهذا كما قال إذا فرغ من الركعٍة الثانية رفع مكبرا واستوي جالسًا للتشهد الأول، وهذا الجلوس والتشهد في
مسنوٌنان معًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وجماعُة.
وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود: هما واجبان، فإن تركهما عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا سجد للسهو، وهذا غلٌط لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوي قائمًا فلا يجلس ويسجد للسهو).
وروى عبد ابن بحينة، قال: (قام رسول الله - ﷺ - من اثنتين من الظهر- أو العصر- فسبحوا له، فلم يرجع ومضى في صلاته، فلما كان في آخر صلاته، وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتي السهو قبل التسليم)، ولأنه لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو كالتشهد الثاني، فإذا ثبت ما ذكرنا فصفة الجلوس ههنا الافتراش، والجلسات المشروعة في الصلاةَ أربع، ويستحب في كلها الافتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يستحب فيه التورك.
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وصفة الافتراش قد ذكرناه. وأما صفة التورك يجعل رجليه معًا ويخرجهما من تحت وركه اليسرى إلى أليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض ويفرش اليسرى وينصب قدمه أليمنى ويضع بطون أصابعهما على الأرض، ويستقبل بأطرافهما القبلة.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس في جميعهما مفترشًا. وقال مالك: (يجلس في جميعهما متوركًا. واحتّج أبو حنيفة بما روى أنس بن مالٍك ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: (إذا جلست [٩٠ أ/٢] فاجعل عقبك تحت إليتيك).
واحتّج مالك بما روى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - (كان يجلس في وسط صلاته، وفى آخرها متوركًا)، وهذا غلُط لما روينا من خبر أبى حميد الساعدي في الجلستين نحو مذهبنا. وقد روي أن النبي - ﷺ - (كان يجلس بين الركعتين كأنه على الرضف). والّرضف: الحجارة المحماة. واحدتها: رضفة. وهذا يدّل على أنه كان يخالف بينهما في الجلوس، ولأن خبرنا متأخر يحتمل أن ذلك نسخ، أو في
[ ٢ / ٥٨ ]
خبرنا زيادة وهي الفصل بين التشهدين، فكان أولى، وهذا الذي ذكرنا في الصلاةَ التي لها التشهدان.
فأما ما ليس فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة يجلس في تشهده متوركًا، ولو أدرك الإمام في الركعٍة الثانية من الصبح تشهد بها تشهدين يفترش في الأول مع الإمام ويتورك في الثاني، وكذلك لو أدركه في التشهد الأخير يجلس هو مفترشًا، والإمام متوركًا. ثم عليه في (الأم)، ولو فاتته ركعٍة من المغرب، ولو أدرك الثانية بعد الركوع، فإّنه يتشهد أربع تشهداٍت فيها، يفترش في ثلاثة منها ويتورك في الرابع ثم عليه في (الأم). قيل ويقعد مفترشًا، لأنه يريد أن يسجد بعد ذلك، فهو كالجلسة بين السجدتين بخلاف من لا سجوٌد عليه.
مَسْألةٌ: قال: (ويبسط يده اليسرى على فخده اليسرى ويقبض أصابع يده اليمنى على فخده اليمنى إلا المسبحة).
وهذا كما قال: الكلام ههنا في صورة وضع اليدين في التشهد، فإنها لا تختلف باختلاف التشهدين، وإن اختلفت صفة الجلوس فيهما، فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسطها عليها، ولكن يضم بعض أصابعها إلى بعض ويقيم إبهامها إليّها، ولا يفرقها. لا يختلف القول فيه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهًا آخر أنه يفرق الأصابع، وهو غلط، ويستقبل بأطرافها القبلة.
وأما يده أليمنى [٩٠ ب/٢] يضعها على فخذه أليمنى، وكيف يضعها، فيه ثلاثة أقواٍل. قال في (الآم): يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، ويرسل إبهامه على فخذه، ولا يضمها إلى أصابعه، وقال في (الإملاء): يقبض الخنصر والبنصر ويطلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة.
ونقل المزني، وثم عليه في (القديم): يقبض أصابع يده أليمنى إلا المسبحة، فعلى هذا في كيفية وضع الإبهام على هذا القول، وجهان:
أحدهما: يضعها على حرف راحته أسفل من سبابته كالقابض ثلاثة وخمسين.
والثاني: يضعها فوق الوسطى، وهو الأصح المشهور. وقد روي كل ذلك عن رسول الله - ﷺ -، قال ابن عمر ﵁ (كان رسول الله - ﷺ - يقبض في التشهد على أربع أصابع، ويشير بالسبابة، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين).
وروى ابن الزبير ﵁ (كان يضع إبهامه على الوسطى). وروى وائل بن حجر ﵁ (أنه كان حلق ثلاثين، وأشار بالسبابة). وروى أبو حميد أنه بسط
[ ٢ / ٥٩ ]
الإبهام، فكيف ما وضع يده في ذلك أتى بالسّنة وهو بخلافهما، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: ويشير بها متشهدا. وهذه الأسئلة مستحّبة على ما ثم عليه.
وروي في خبر أبي حميد: ولا يجاوز بصره إشارته، وهل يحركها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحركها طول التشهد.
والثاني: لا يحركها، وهو الخلاف لما روى ابن الزبير ﵁، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بها بصره)، فيستحب أن ينظر إلى السبابة إذا جلس، وهو معنى قوله ولا يجاوز بها بصره.
وقال أبو حنيفة: (لا يشير بها أصلًا)، وهذا غلط لما روينا من الخبر، فإذا قلنا: يحرك، أو قلنا: يشير ولا يحرك ينوي به الإخلاص لله ﷿ والتوحيد لا الإشارة إلى السماء.
قال أصحابنا: وإنما يشير عند قوله: [٩١ أ/٢] إلا الله، ولا يشير عند قوله: لا إله، وهذا حسن ولو لم يفعل شيئًا من هذا بل جلس متربعًا أو مادًا رجليه فقد أساء ويجزئه.
فَرْعٌ
قال في البويطي: وينظر المصّلي في صلاته إلى موضع سجوٌده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا، والخشوع أقصر. وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهذا لما روى ابن عباس ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاةَ لم ينظر إلا موضع السجوٌد)، ولأن هذا أبلغ في الخشوع.
وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته. قال شريك بن عبد الله: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوٌده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي السجوٌد إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره ويكره أن ينظر إلى أطراف قميصه، أو إلى شيء يقرأ أو صورة يتأملها، فإن فعل لم تبطل صلاته، وهذا لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - صلّى في خميصة لها أعلاُم، فلما فرغ، قال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته)، والخميصة كساء مربع من صوف، والأنبجانية نسبة إلى [مْنِبج]. وقال من لا علم لها ولم يعد الصلاةَ فدل أنه لا يبطلها.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي التشهد الأول وجلس على رجليه للاستراحة، ثم تذكر وهو جالس تشهد، وليس عليه سجود السهو، لأنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، وإن ذكر بعدما نهض عاد
[ ٢ / ٦٠ ]
فجلس ما بينه وبين أن يستنم قائمًا، وعليه سجود السهو، لأنه زاد في صلاته، وهو القيام.
ومن أصحابنا من قال: إن كان نهوضه إلى الجلوس اقرب لا يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، وهذا حسٌن، ولو ذكر بعد اعتداله قائمًا لم يجز له العود، ويسجد للسهو، فإن عاد نُظِر، فإن كان جاهلًا لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته كما لو تكلم في الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا فرغ من التشهد قام مكبرًا".
وهذا كما قال: هذا اللفظ يدل على أنه لا يستحب الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، ونص على هذا في "القديم". [٩١ ب/ ٢].
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق. وقال في "الأم" و"الإملاء": يصلي فيه على النبي - ﷺ -، وهو الأصح. وبه قال مالك، لأنه أحد التشهدين. فرعٌ فيه الصلاة على رسول الله - ﷺ - كالتشهد الأخير، واحتج من قال بالأول بما روي "أنه كان يجلس فيه كأنه على الرضف"، يعني في تخفيفه، قلنا: لأنه كان يترك الدعاء فيخف، وعندنا لا يستحب الدعاء في هذا التشهد، ولا الصلاة على الآل وجهًا واحدًا.
وقال مالك: يدعو في هذا التشهد أيضًا بما شاء كالتشهد الأخير، وهذا غلط، لأنه في التشهد الأخير غير عازم على القيام إلى ركعة أخرى، فهو مطمئن فيه فيدعو بخلاف التشهد الأول.
ومن أصحابنا من قال: يستحب الصلاة فيه على رسول الله - ﷺ - قولًا واحدًا، والذي نقل المزني متأول على أنه أراد به التشهد مع الصلاة على رسول الله - ﷺ -، فإن التشهد لا يتم إلا بها، ولو نسي فيه الصلاة على رسول الله - ﷺ -، وإن قلنا: لا يستحب فيه، لا يسجد، وقيل: هل يسن فيه الصلاة على الآل؟ وجهان. بناء على الوجوب في التشهد الأخير، وعند مالك يسن الدعاء فيه، وعندنا لا يسن، وإذا قلنا: يسن على الآل يسجد للسهو بتركها.
فرع
يبتدئ التكبير ههنا في أول قيامه ويمدّه إلى استوائه. وحكي عن مالك أنه قال: "لا يكبر حتى يستوي قائمًا، لأنه قيام إلى افتتاح ركعة، ولا يكبر إلا بعد اعتداله كالركعة الأولى"، وهذا غلط لما روي أن النبي - ﷺ - "كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود"، ولأن هذا يؤدي إلى أن يخلو موضع من الصلاة عن ذكرٍ، وهذا خلاف موضوع الصلاة، وفي الركعة الأولى يقوم إليها في غير صلاة بخلاف ههنا.
ثم قال الشافعي: "معتمدًا على الأرض بيديه"، وهذا سنة في قيامه من الجلوس،
[ ٢ / ٦١ ]
وكذلك إذا سجد في الصلاة سجود القرآن [٩٢ أ/ ٢]، ثم أراد أن يقوم اعتمد على الأرض بيديه وقد ذكرنا ما يسن فيه ويكره له تقديم إحدى رجليه عند النهوض.
وروي عن مالك أنه قال: لا بأس به.
وروي عن مجاهد أنه رخص فيه للشيخ، وهذا لا يصح لأنه لم ينقل مالك عن النبي - ﷺ - مع كثرة الواصفين صلاته.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "هذه الخطوة الملعونة".
مسألة: قال: "ويصلي الركعتين الأخريين كذلك".
الفصل
وهذا كما قال: أراد أنه تجب فيهما قراءة الفاتحة. وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد. وقال مالك في رواية ابن القاسم عنه: "إن ترك القراءة في ركعةٍ واحدة"، وقرأ في ثلاث ركعاتٍ أجزأه.
وقال في رواية أخرى مثل قولنا. وقال الحسن وداود: "تجزئه القراءة في ركعة واحدة"، وروي هذا عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: "لا تجب القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، ولا في الركعة الثانية من المغرب، ويلزمه القراءة في جميع صلاة الوتر بثلاث ركعات". واحتجوا بما روي عن علي ﵁ أنه قال: "اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين"، وهذا غلط. لقوله - ﷺ - للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وأما خبر علي ﵁، قلنا: رواه الحارث الأعور، وكان كذابًا. ثم روي عن جابر ﵁ أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها، فلم يصل إلا خلف الإمام"، ولا خلاف أنه لا يجهر بهذه القراءة، وهل يسنّ فيهما قراءة السورة؟ قد ذكرنا.
فرع
لو قرأ من المصحف وقلب الأوراق أحيانًا لا تبطل صلاته. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن يقرأ آية قصيرة، أو كان يحفظ القرآن، لأنه عمل طويل، فهو كما لو تلقن من غيره، وهذا غلط لأن من جازت له القراءة ظاهرًا جازت ناظرًا كالآية القصيرة. وقوله: إنه عمل طويل لا يصحّ، لأن الفكر [٩٢ ب/ ٢] والنظر لا يبطل الصلاة كما لو تفكر في إشغاله، وينظر إلى المارين، وأما إذا تلقن من الصلاة فسلم، بل لا تبطل به الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا قعد في الرابعة أماط رجليه".
[ ٢ / ٦٢ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، جلس متشهدًا والجلوس والتشهد فرضان وكذلك الصلاة على الرسول - ﷺ -، والسلام فرضان آخران. وبه قال عمر وابن عمر وأبو مسعود البدري والحسن وأحمد ﵃.
وقال: عليّ بن أبي طالب وسعيد بن المسيب والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري: الجلوس فيه والتشهد معًا ليسا بواجبين. وقال أبو حنيفة: الجلوس فيه قدر التشهد واجبٌ، وقراءة التشهد لا تجب.
واحتجوا بأن النبي - ﷺ - لم يعلم الأعرابي المسيء صلاته قراءة التشهد، وهذا غلط لما روي عن ابن مسعود ﵁، قال: كما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. والسلام على الله على عباده السلام على جبريل، السلام على ميكائيل فقال النبي - ﷺ -: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات" إلى آخره.
وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول "تعلموا فإنه لا صلاة إلا بالتشهد". وأما خبر الأعرابي فيحمل أنه كان قبل فرض التشهد، أو كان يعلم التشهد فلم يذكر له، فإذا تقرر هذا، فإن سلم قبل التشهد، فإن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا نُظِر، فإن ذكر قبل تطاول الفصل بنى وإن ذكر بعد تطاول الفصل استأنف والرجوع في طوله إلى العُرف.
قسم الكلام في التشهد في فصلين؛ في الأفضل وفي أقل ما يجزئ. فأما الأفضل ما روى سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ -[٩٣ أ/ ٢] يعلمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فقال: "قولوا: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
هذا رواه الشافعي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان. ورواه أبو داود، فقال: "السلام" بالألف واللام، وهما صحيحان، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال مالك: وأهل المدينة الأفضل تشهد عمر بن الخطاب ﵁، وقد علم الناس التشهد على المنبر، فقال: "التحيات الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام عليمنا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله
[ ٢ / ٦٣ ]
إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: الأفضل، ما رواه عن ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وبه قال الثوري وأحمد وإسحق واختاره ابن المنذر وجماعة من السلف، وما قلناه أولى، لأن فيه زيادة كلمة: المباركات. ولأن النبي - ﷺ - ألقاه إلقاءً شائعًا ظاهرًا وعلّمه كما يعلّم القرآن، وهو متأخر موافق للقرآن. قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وقال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]، وكل موضع ذكر الله تعالى التحية منه، فإنه سلام بغير ألف ولام. وأمّا خبر عمر ﵁، فليس بمسنٍد عن النبي - ﷺ -، فما رويناه أولى، فإذا تقرر هذا، قال صاحب "الإفصاح": قال بعض أصحابنا: الأفضل أن يبتدأ فيقول: بسم الله وبالله، التحيات المباركات الزاكيات [٩٣ ب/ ٢] الطيبات، فيجمع به من الزيادات المرورية.
وقال ابن المنذر: ليس في شيء من الأخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - التسمية. وقد روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - خطبنا فعلّمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا، وقال: "إذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات"، فحصل وجهان.
وروي عن ابن عباس ﵁ أنه سمع رجلًا يقول: بسم الله، فانتهره، فإن قيل: روى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك. قلنا: رواية أيمن عن ابن الزبير وأيمن ضعيف. قلت: سمعت فيه خبرًا بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول: "بسم الله، وبالله التحيات لله"، وبهذا أقول فإنه زيادة.
وروي عبد الغفاري في تشهد عمر ﵁: "قال: قل: بسم الله، خير الأسماء". وروي جابر: كان رسول الله - ﷺ - "يعلّمنا التشهد: بسم الله، وبالله التحيات لله".
وأمّا أقل ما يجزئ منه، فهو خمس كلمات: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
[ ٢ / ٦٤ ]
رسول الله، ويصلي على النبي - ﷺ -.
قال في "الأم": لو اقتصر على هذا كرهته وأجزأه، وهذا لنه يأتي على معنى الجميع. وقال ابن شريح: أقل التشهد أن يقول: التحيات لله، سلامٌ عليك أيها النبي، سلام على عباد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فاكتفى بذكر السلام عن ذكر الرحمة، واكتفى بذكر عباد الله عن قوله: علينا، لأن الكل عباد الله، ولم يشترط الصالحين، لأن الإضافة تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، الآية. ولم يعد ذكر الشهادة، لأن حرف العطف دليل عليه.
وقال القاضي الحسين: يكفي أن يقول: أيها النبي، وعلى عباد الله [٩٤ أ/ ٢]، وإعادة لفظ السلام قبل قوله: عباد الله لا يشترط، بل يكفي حرف العطف.
فرع
لو قال: صلى الله عليه محمد بدل قوله: أللهم صلِّ على محمد، وجهان. والموالاة شرط بين كلمات التشهد حتى لو تركها لا يحتسب، ولو قال: اللهم صلِّ على الرسول، لا يجوز حتى يسمي محمدًا.
وأمّا سر التحيات، قال ابن عباس ﵁: التحيات العظمة والصلوات: الصلوات الخمس والطيبات: الأعمال الصالحة. وقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: التحيات: الملك، وأنشد قول زهير:
وّكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى قَدْ نِلتُهُ إِلَّا التَّحِيَّةْ
وقيل: الطيبات: هو الثناء على الله تعالى. وقيل: معناها الحلالات. فأمّا السلام، ففيه قولان:
أحدهما: اسم السلام، والسلام: هو الله تعالى، كما يقال: اسم الله عليك.
والثاني: معناه سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": "لو قدّم بعض ألفاظها على بعض أجزأ كما يجزئه في الخطبة"، وهذا نص على أنه لا يجب الترتيب فيه والتحرير أنه ذكر واجب من غير جنس المعجز، فلا يجب الترتيب فيه كالخطبة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: يلزم كل مكلف من المسلمين أن يتعلم التشهد والصلاة على الرسول - ﷺ - كما يتعلم عدد الركعات والركوع والقراءة، فإن كان لا يحسنها نُظر، فإن كان ذكيًا واتسع
[ ٢ / ٦٥ ]
الوقت، ففرضه التعليم، وإن قصر حتى فات التعليم صلّى وأعاد، وإن ضاق الوقت على الذكي أو اتسع على البليد فلم يتعلم صلّى على حسب حاله، فإن كان يحسن غير ذلك من الذكر أتى به، وإن كان لا يحسن أجزأه بغير ذكرٍ. وجملته أن الحكم فيهما كالحكم في القراءة، ولو بدل عربية فيها بغيرها لا يجوز، لأنه تغيير نظمه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: المستحب لمن كان إمامًا أن يرتّل التشهد بحيث يعلم أن ثقيل اللسان خلفه [٩٤ ب/ ٢] قد أتى به، فإن حذف ذلك ولم يرتب كره وأجزأه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: السنة، إخفاء التشهد، وكذلك كل ذكر حال السجود وغيره إلا السلام. وقال ابن مسعود ﵁: "من السنة الإسرار بالتشهد".
مسألة: قال: "ثم يصلي على النبي - ﷺ - ".
هذا كما قال: الصلاة على رسول الله - ﷺ - ركنٌ من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا به، وبه قال ابن مسعود وأبو مسعود البدري ﵄ وإسحق وأحمد في رواية.
وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: "يستحبّ ذلك، ولا يجب"، واحتجّوا بما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - "علّمه التشهد، ثم قال: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا، فقد تمت صلاتك".
وهذا غلط لما روت عائشة ﵄ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، والصلاة عليَّ". وروي أنه - ﷺ -، قال: لا صلاة لمن لم يتشهد، ولم يصلِّ عليّ".
وأما خبرهم نحمله على أنه كان في الأول، أو معناه: قارب التمام كقوله - ﷺ -: "من وقف بعرفه فقد تم حجّه"، أي: قارب التمام بدليل أنه يجب الخروج من الصلاة بالإجماع، فإذا ثبت هذا، فالأفضل فيها أن يقول ما روى كعب بن عمرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول في الصلاة: "أللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، الآية. قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد" على ما رواه كعب ولم يرو في الخبر، قوله: وارحم محمدًا وآل محمد، ولا قوله: "ترحّمت على إبراهيم"، وليس بفصيح أيضًا، لأنه يقالُ:
[ ٢ / ٦٦ ]
رحمته، ولا يقالُ: [٩٥ أ/ ٢] ترحمته، ولأن الترحم معنى التكلف، وليس ذلك من صفات الله تعالى، ويرجع معناه إلى الشفقة والرقّة، ولا يجوز ذلك على الله تعالى. ذكره القفّال: والواجب الصلاة على محمد - ﷺ - وحده فيقول: "أللهم صلِّ على محمد". وأما الصلاة على آل محمد يستحب ولا يجب، وهو المذهب. ومن أصحابنا من قال: إنها واجبة، لأن النبي - ﷺ -، قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد".
وروي هذا عن أحمد، وقد روى أبو سعيد الأنصاري أن النبي - ﷺ -، قال: "من صلّى صلاة ولم يصلِّ عليّ وعلى آل بيتي لم تقبل"، وهو خلاف الإجماع، ولا يجب ذكره في الأذان، والإيمان فكذلك في الصلاة بخلاف ذكر الرسول - ﷺ -.
وأما تفسير الآل، قال الماسرجسي: سمعت أبا إسحق المروزي يقول: المراد بآل محمد ههنا بنو هاشم وبنو المطلب، كما أن المراد بذي القربى في تحريم الصدقات المفروضات وسهم ذوي القربي من خمس خمس الفيء والغنيمة هؤلاء وهذا لأن الآل منقلب عن أهل وهؤلاء أهل النبي - ﷺ -، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: المراد به من كان على دينه، وهم جميع أمته لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وأراد به من كان على دينه. وقد روي أن النبي - ﷺ - سئل عن آل محمد، فقال: "كل مؤمنٍ تقي إلى يوم القيامة"، والأول أصح.
ثم إذا فرغ من الصلاة على النبي - ﷺ - وآلهِ دعا بما أحب من أمر دين ودنيا. قال أصحابنا: ويستحب أن يقول ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجّال ثم يدعو لنفسه بما بدا له".
وروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كان رسول الله [٩٥ ب/ ٢]- ﷺ - يعلّمنا كلماتٍ، ولم يكن يعلّمناهنّ كما يعلّم التشهد، وهي: أللهم ألفّ بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذريتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، وأتمها علينا وأثبتها".
وروى عليّ ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول من التشهّد والسلام: "أللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت"، وجملته أن كل دعاء يجوز خارج
[ ٢ / ٦٧ ]
الصلاة من أمر الدين والدنيا يجوز في الصلاة.
وقال أبو حنيفة: "لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس". ومن أصحابنا من قال: لا يطلب إلا من الله تعالى، يدعو به فيها، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا دعا به في الصلاة بطلت صلاته، وهذا غلط لقوله - ﷺ - في خبر ابن مسعود ﵁ بعد ذكر الشهادتين في التشهد: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما أعجبه"، ولأن دعاء الله تعالى يجوز خارج الصلاة، فجاز في الصلاة كالدعاء المأثور.
مسألة: قال: "ويدعو قدرًا أقل من التشهد والصلاة على النبي - ﷺ - ".
وهذا كما قال: هذا نقل المزني. وقال في "الإملاء": ويدعو بقدر التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي - ﷺ -، وهذا ليس باختلاف القول، فإن الأقل من قدر التشهد، والصلاة على الرسول - ﷺ - كقدر التشهد، وقد بيّنه في "الأم"، فقال: "أرى إذا كان إمامًا أن يدعو أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي - ﷺ - قليلًا [٩٦ أ/ ٢] ليخفف على من خلفه". وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، ولم يذكره أحدٌ من أهل العراق.
مسألة: قال: "ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر قرأ من خلفه، وإذا جهر لم يقرأ من خلفه"، وهذا كما قال: أراد به أن المأموم يتبع الإمام فيفعل مثل فعله في كل ما ذكرناه ويتأنى الإمام في الخفض والرفع بحيث يمكن من خلفه أن يتبعه ويقتدي به من غير مشقة.
وأمّا القراءة، فاختلف قول الشافعي فيها، قال في "الأم" و"الإملاء"، وكتاب الجمعة من "الجديد": "المأموم كالمنفرد يقرأ فيما يسرّ به ولا يقرأ فيما يجهر به". وبه قال مالكٌ وأحمد وإسحق وداود وعبد الله بن المبارك.
وروى ذلك عن عائشة وأبي هريرة والزهري ﵃، وقال في البويطي و"الأم": "يلزمه أن يقرأ فيما أسرّ وجهر"، وهو الصحيح. وقال الربيع: رجع الشافعي عن القول الأول. وبه قال عمر وابن عباس وأبي بن كعب وعليّ في رواية ﵃، والليث والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عيينة: "لا يقرأ المأموم بحالٍ". وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وجابر وعليّ وفي رواية ﵃، واحتجوا بقوله - ﷺ -: "من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة"، وهذا غلط لما روى أبو داود بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: كنا خلف النبي - ﷺ - في صلاة الفجر، فقرأ
[ ٢ / ٦٨ ]
رسول الله - ﷺ -، فثقلت القراءة عليه، فلما فرغن قال: "لعلكم تقرؤون [٩٦ ب/ ٢] خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرا بها"، والهذ سرد القراءة، وتداركها في سرعة واستعجال.
وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وإنما نهى عن الجهر، أو عن الزيادة على الفاتحة، ويحمل خبرهم على هذا أيضًا. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - ن قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خدام غير تام".
قال أبو السائب رواية عن أبي هريرة، فقلنا: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي، وقال: اقرأ يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ". الخبر. وقوله: فهي خداج"، أي: ناقصة نقص فساد وبطلان.
تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها، وهو دم ولم يستبن خلقه. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - خطب الناس فقال: من صلى صلاة مكتوبة فليقرأ فيها بأم القرآن، وقرآن معها، فإن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأت عنه ومن كان مع الإمام، فليقرأ قبله، وإذا سكت، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج".
فرع ثلاثة
إذا قلنا: لا يقرأ خلف الإمام:
أحدها: إذا جهر في صلاة السر، هل يقرأ المأموم؟ وجهان: والأصح يقرأ لأنه جهر في غير موضعه.
والثاني: لو أسّر في صلاة الجهر، هل يقرأ؟ وجهان:
أحدهما: يجب، لأنه لم يتوجه عليه فرض الاستماع.
والثاني: لا يجب اعتبارًا بأصل الصلاة.
والثالث: إذا كان على بعد من الإمام بحيث لا يسمع، هل يجب أن يقرأ؟ وجهان:
أحدهما: يقرأ.
والثاني: لا يقرأ، لأن الصلاة مما يجهر فيها، والبعد عن الإمام لا يجوز أن يكون سببًا لإيجاب الفرض على المأموم.
[ ٢ / ٦٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال في البويطي: [٩٧ أ/ ٢] وأحبّ أن يكون ذلك في سكتة الإمام قبل أن يقرأ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان إذا كبرّ في الصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، قلت: بأبي أنت وأمي ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة. قال: أقول "أللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بني المشرق ولالمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء الثلج والبرد".
وقال سمرة ﵁: "حفظت من رسول الله - ﷺ - سكتتين في الصلاة سكتة إذا كبرّ حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب"، فأنكر عليه عمر، فكتب في ذلك إلى أبيّ بن كعب ﵁، فكتب إليه أن سمرة قد حفظ.
ولا ينبغي أن يقرأ معه. وروي أنه كان لرسول الله - ﷺ - ثلاث سكتات في الصلاة، وقال أصحابنا: سكتة بعد الإحرام، وأخرى بعد الفاتحة، وأخرى في الركعة الثانية، ولو قرأ قبل أن يبتدئ الإمام يجوز، وفيه وجهٌ أنه لا يجوز كما لو رفع قبله، وهذا لا يصحّ، لأنه لا يظهر به المخالفة. ولهذا له أن يؤخّر القراءة عن قراءته بخلاف الركوع، ولو كان في صلاة السرّ، فالأولى أن يؤخرّ مقدار ما يعلم أن الإمام قرأ الفاتحة، فإن قرأ قبله، فقد ذكرنا، ولو علم أنه لا يمكن من قراءتها بعد قراءته يقرأ معه.
وأما قراءة السورة لا يختلف المذهب أنه تسن له قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة السرّ أو كان في صلاة الجهر في موضع لا يسمع قراءة الإمام، لأنه غير مأمور بالإنصات إلى غيره، فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان الإمام يجهر بالقراءة، وهو يسمع قراءته اقتصر على الفاتحة، ولا يستحب الزيادة فيها.
وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - صلّى صلاة الظهر بالقوم، فلما انفتل، قال: "أيكم قرأ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال رجل: أنا، فقال: "علمت أن بعضكم خالجنيها"، ومعناه: [٩٧ ب/ ٢] جاذبنيها، وإنما أنكر عليه مجاذبته في قراءة السورة حين تداخلت القراءتان وتجاذبتا ونهى عن قراءة السورة خلفه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصحّ أنه لا يقرأ خلفه سوى الفاتحة بحالٍ، وفيه وجهان، وهو غلطٌ ظاهٌر، وهكذا نقول فيمن تباعد عن الخطيب ولا يسمع خطبته، يقرأ القرآن في نفسه، وذكروا وجهًا آخر أنه لا يقرأ شيئًا، وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
المنفرد يجهر في صلاة الجهر سنّة عندنا خلافًا لأبي حنيفة، والأصل في هذا أن الجهر عنده شرع للإمام للإسماع، فإن المأموم لا يقرأ. وعندنا يجهر، لأنه سنّة مقصودٌة.
[ ٢ / ٧٠ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي الفاتحة حتى ركع الإمام، فيه ثلاثة أوجٍه:
أحدها: يركع معه ويعيد ركعةً في آخرها، وهو الأصح.
والثاني: يقرأها ويتابع الإمام، لأن النسيان عذرٌ كما لو تأخر عن الإمام بعذٍر.
والثالث: يقرأها وحكمه حكم من تخلف بغير عذر، لأن الناسي لا يخلو عن تفريط.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: هل يسن للمأموم قراءة السورة؟ في ثلاثة أوجه، فإذا قلنا: يسنّ: هل يسنّ في الركعتين الأخيرتين؟ وجهان كالمنفرد.
مسألة: قال: "ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله".
الفصل
وهذا كما قال: جملته أن الخروج من الصلاة ركن يتعين فيه السلام مع القدرة، ولا يقوم غيره مقامه، وبه قال الثوري وجماعٌة. وقال أبو حنيفة: الخروج من الصلاة واجبٌ، ولكن لا يتعين له السلام، فيخرج منها بكل ما ينافي الصلاة من فعله كالحدث ونحوه، ويسنّ أن يكون السلام، وهذا غلط لقوله - ﷺ -: "وتحليلها التسليم"، ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالتكبير في أول الصلاة.
ثم أعلم أن التسليمة الأولى عندنا في الصلاة. وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست من الصلاة، بل يخرج بها من الصلاة، وهذا غلط، لأنه ذكر شرع في محل [٩٨ أ/ ٢] من الصلاة، فلا يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فكان فيها، فإذا تقرر هذا، فالكلام فيه في فصلين:
أحدهما: في الكمال.
والثاني: في الإجزاء. فأمّا الكمال، فإن كان المسجد كبيرًا وكثر الناس واللغط في المسجد يسلم تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله، وإن كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا وقلّ الناس فيه، فيه قولان في "القديم": يقتصر على تسليمة واحدة، لأنه بلغنا أن رسول الله - ﷺ - "سلّم واحدة، وأنه سلّم اثنين"، فيحمل على حالين.
وقال في "الأم": "يسلّم تسليمتين"، وهذا أصح لما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "لم أنسَ تسليم رسول الله - ﷺ - عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله"، ولأنه زائد فكان أولى. وبه قال أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو مسعود الأنصاري ﵃، وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق ﵏.
[ ٢ / ٧١ ]
وقال مالك والأوزاعي: يسلم تسليمة واحدة بكل حال. وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ﵃، واحتج بما روت عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة، تلقاء وجهه، وكان يميل إلى شقّه الأيمن قليلًا"، قلنا: قبل رواية عمرو بن أبي سلمة، وهو ضعيف، فإن ثبت لعله كان في الأول، ثم نسخ.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: إن قوله القديم مثل قول مالك، وهو غلط، فإذا قلنا: يسلم تسليمة واحدة، نقل كما روت عائشة ﵂، وإذا قلنا: يسلم تسليمتين سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خديه إمامًا، كان أو مأمومًا.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: معناه حتى يُرى خدُّه الأيمن عن الجانب الأيمن وخده الأيسر [٩٨ ب/ ٢] عن الجانب الأيسر، ومنهم من قال: معناه حتى يرى خداه من الأيمن، ثم من الأيسر، وعليه يدلّ خبر ابن مسعود ﵁، واللفظ يحتمل الوجهين.
وفرع الشافعي على هذا فقال: "إذا سلم الإمام تسليمة واحدة على اعتقاده، فالمأموم يسلم تسليمتين ولا يتبعه فيما يفعل"، لأنه خرج من إمامته، وبهذا فارق إذا ترك الإمام التشهد الأول تابعه المأموم، ولا يقرأه، لأنه لم يخرج عن إمامته ههنا، فيلزمه متابعته.
وما قدر الإجزاء فتسليمة واحدة، قال في "الأم": أقل ما يكفيه من تسليمه السلام عليكم، فإن نقص منه حرفًا عاد فسلم، فإن لم يفعل حتى قام عاد فسجد للسهو، ثم سلم، فإن تطاول الفصل استأنف الصلاة قولًا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يبني أم يستأنف؟ قولان. كما لو ترك سجود السهو وتطاول الفصل بعد السلام هل يعيد؟ قولان: وهذا ضعيف، لأن ههنا ترك ركنًا بخلاف ذاك. وقال الحسن بن صالح ﵁: عليه تسليمتان، وهذا أصحّ الروايتين عن أحمد. واحتجوا بخبر ابن مسعود ﵁ في السلام، وهو غلطٌ لخبر عائشة ﵂ في السلام، وخبرهم محموٌل على الاستحباب.
فرع
لو قال: سلام عليكم، ولم يُنَوِّنْ لا يجوز قولًا واحدًا، وإن قال: سلامٌ عليكم بالتنوين، فيه وجهان:
[ ٢ / ٧٢ ]
أحدهما: لا يجوز، لأنه أسقط حرفين، وهو ظاهر قوله في "الأم".
والثاني: يجوز، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو الأقيس، لأنه يجزئه في التشهد بكلا اللفظين: السلام وسلامٌ. ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأن الخبر ورد هناك بكلا اللفظين، ولم يرد في آخر الصلاة، إلا بالألف واللام.
فَرْعٌ آخرُ
لو قدّم وأخّر، فقال: عليكم السلام، قال أبو إسحق: "يجزئه"، ونص على جوازه في كتاب "استقبال القبلة" في آخر "باب السلام"، فقال: "لو قال [٩٩ أ/ ٢] هكذا كرهته، ولا إعادة عليه"، وهو كالتشهد، يجوز تقديم وتأخيرها.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع" من أصحابنا من قال: لا يجوز، ويلزمه أن يأتي مرتبًا، وهذا ضعيٌف.
فَرْعٌ آخرُ
كيف ينوي عند السلام؟ فإن كان منفردًا نوى عن يمينه الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة، وهم الملائكة، وإن كان إمامًا نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على من على يمينه من المأمومين. ونوى عن يساره شيئين: السلام على الحفظة، وعلى المأمومين الذين عن يساره. وأما المأموم ينظر، فإن كان على يمين الإمام نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته في صفّه. ووراءه: وقدّامه، وينوي عن يساره ثلاثة أشياء: السلام على إمامه، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته. وإن كان على يسار الإمام نوى عن يمينه أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الإمام، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين وعن يساره، ينوي شيئين: السلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين.
والأصل فيه ما روى سمرة ﵁، قال: أمرنا النبي - ﷺ - أن نسلّم على أنفسنا، وأن يسلّم بعضنا على بعض"، وقيل: يسلّم على مسلمي الجن والإنس والملائكة، وإن كان حذاء الإمام من خلفه. قال في "الأم": "هو بمنزلة كونه على يسار الإمام"، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى وإلا نواه في الثانية. وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار ههنا إن شاء يردّ على الإمام عن يمينه، وإن شاء ردّ على الإمام عن يساره. ذكره أبو حامٍد.
فَرْعٌ آخرُ
لا يختلف المذهب أن ما عدا نيّة الخروج من الصلاة مستحبٌة غير واجبٍة. وأما نية الخروج منها
[ ٢ / ٧٣ ]
قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي لو اختلف أصحابنا فيها، فقال عامة أصحابنا: هي واجبة. وهو ظاهر نص القاضي في البويطيّ، [٩٩ ب/ ٢] فإنّه قال: ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة، وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهذا لأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالطرف الآخر.
وقال أبو حفص بن الوكيل وجماعة من أصحابنا: لا يجب ذلك كما لا يجب عليه نية الخروج من الحج، وهذا لأن نية الصلاة في الابتداء قد اشتلمت على جميع أقوالها وأفعالها المشرعة فيها والسلام من جملتها، فلم يحتج إلى نيٍة منفردٍة، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي، وعند مشايخ خراسان، ولهذا لو نوى الخروج من الصلاة من غير تعيين الصلاة التي هو فيها، يجوز بالإجماع، فلو كانت النية واجبة ي آخرها لوجب تعيينها كما في ابتدائها.
فَرْعٌ آخرُ
لو عيّن فأخطأ، قال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: نية الخروج لا تشترط لم يضره، وإن قلنا: تشترط لم يصحّ سلامة فيسجد للسهو ثم يسلم مرة أخرى، ولو تعمد إلى هذا بطلت صلاته. وعندي أنه لا يصح سلامه بحال على الوجهين جميعًا لأن نية الخروج وإن كانت لا تشترط فإذا أتى بها على الخلاف يمنع احتساب السلام.
فَرْعٌ آخرُ
إذا فرغ من السلام يستحب أن يدعو إمامًا كان أو منفردًا، والمستحب أن يكون الدعاء ما روى ابن الزبير ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعيد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون".
وقال الشافعي في كتاب الصلاة: وبأي دعاء دعا جاز. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام"، وكلما أكثر من الدعاء بعد المكتوبة كان أحب إليّ رجاء الإجابة.
فَرْعٌ آخرُ
الأفضل الإخفات في هذا الدعاء إذا كان منفردًا أو مأمومًا والإمام ينظرُ [١٠٠ أ/ ٢]، فإن لم يكن بالناس حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإخفات أيضًا، وإن كان بهم حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإعلان بقدر ما يرى أنهم حفظوه، ثم يرجع إلى الإخفات، وعلى هذا يحمل جهر النبي - ﷺ -، ولا نريد الإخفات أن يذكر في قلبه بل ينطق بقدر ما يسمع نفسه.
[ ٢ / ٧٤ ]
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، يعني: به الدعاء، ومعناه: لا تجهر برفع صوتك ولا تخافت بها حتى لا تسمع نفسك. قال الشافعي: وعامة الرواية سوى رواية ابن الزبير من غير ذكر الجهر.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يستحب إذا صلى الصبح أن يشتغل بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس لما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لئن أجلس مع قوم يذكرون الله من الصبح إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس"، الخبر.
مسألة: قال: "ويثب ساعة ما يسلم إلا أن يكون خلفه نساء فيثبت لينصرفن قبل الرجال".
وهذا كما قال: أراد به أن الإمام يسرع القيام ساعة السلام فعبّر عن سرعة قيامه بالوقوف، وإنما قال ذلك لخبر روي عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: "إذا سلّم إمامكم ولم يقم فأنحوه، ولأنه لو أقام على حاله لا يأمن أن يلحقه السهو أو الشك في السلام، وربما يدخل داخلٌ فيعتقد أنه جالسٌ في الصلاة فيدخل معه، ثم إن كانت صلاة يُنتفّل عقبيها يثبت عقيب السلام، وإن كانت صلاة يلا ينتفل عقيبها يتحول عن مكانه أو ينصرف. وقيل: يقبل بوجهه على القوم إذا لم يرد الانصراف ولا التنفل ويتبعه المأموم في هذا، فإن مكث الإمام ولم يثبت فالمستحب للمأموم أن يتوقف ولا يقوم ويتبعه فإنه ربما يتذكر سهوًا فيسجد له فإن وثب وتركه، فلا شيء عليه.
قال في "الأم": "وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام وإن أخّر ذلك [١٠٠ ب/ ٢] حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحبّ إليّ"، وقال في "الأم": "وإذا أراد الانصراف، فإن كان له حاجة انصرف حيث ما توجهت به حاجته يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه، ومن ورائه". والحاجة كالدخول إلى منزله.
وهذا يتصوّر إذا كان في مسجد له أبواب كثيرة، أو كان في فضاء، فإن كان للمسجد باب واحد خرج منه، وإذا خرج انصرف على ما ذكرناه، وإن لم يكن له حاجة، فالمستحب أن ينصرف عن يمينه، لأن النبي - ﷺ - "كان يحبّ التيامن في كل شيء".
وقال القفّال: "أراد بالانصراف عن اليمين أنه يقعد على الجانب من المحراب الذي كان يلي يمينه عند الاستقبال للقبلة والانصراف عن اليسار أن يقعد عن الجانب الآخر الذي كان يلي يساره عن استقباله"، وهذا هو المسنون عند أبي حنيفة، وعندنا ذلك هو
[ ٢ / ٧٥ ]
المستحب المسنون. وفي كيفية الانتقال، اختلف أصحابنا، قال الأكثرون: يفتل يده اليسرى ويكون يمينه إلى القبلة، واليسار إلى القوم، ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب.
وقال بعضهم، وهو اختيار القفّال: يفتل يده اليمنى ويكون يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس كما قلنا في الطواف، يجعل الكعبة عن يساره واليمين إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب، ولأنه أحين في الأدب فربما يقتدي به واحدٌ، فإذا فعل ذلك كان مقبلًا بوجهه فيه، ولا يكون موليًا ظهره عليه، وعلى أي الجانبين قعد، فلا بأس، وقيل: ظاهر هذا أنه لا يشتغل بالدعاء في الجلوس بعد السلام.
وذكر أبو حامد: ويثبت ساعة يفرغ من الدعاء، وهو خلاف النص، ولا يفوته الدعاء بالقيام والإقبال على القوم بالوجه فيدعو في تلك الحالة الدعاء المشروع، ولو كان خلفه رجال ونساء.
وقال الشافعي: "يثبت عقيب السلام في موضعه حتى ينصرف النساء". قال في "القديم": لا يلحقهن سرعان الرجال فيختلطون بهم، والأصل في هذا [١٠١ أ/ ٢] ما روت أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - "كان إذا سلّم قام النساء حين يقضي صلاته فيمكث يسيرًا قبل أن يقوم".
قال الزهري: نرى، والله أعلم، أن مكثه لينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يصلّون في المسجد الجامع فمن كان بيته من قبل بني تميم انصرف عن يساره ومن كان بيته مما يلي بني سليم انصرف عن يمينه، فمن بالبصرة، وهذا يدلّ على ما سبق.
فرع
قال الشافعي: إذا أراد التنفل بالصلاة، فالأفضل أن يتنفل في بيته. وقيل: إلا يوم الجمعة، فإنه ينتفل ظاهرًا في المسجد، وهو الأولى لما روى زيد بن ثابت ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة".
وهذا مع قوله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره". وروى عبيد الله عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ -، قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا"، ولأن المسجد بني للجماعة
[ ٢ / ٧٦ ]
والنافلة لم تسن لها الجماعة فكانت في البيت أولى، ولأنها في البيت أسلم من الرياء، والفرائض بُعدى عن الرياء حيث كان يفعلها العامة والخاصة، ولأن الفرائض شعار الإسلام، فاستحب فيها الإظهار بخلاف النافلة.
فَرْعٌ آخرُ
جرت عادة بعض الناس يسجدون بعد الفراغ من الصلاة فيدعو فيها وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ولم تنقل عن الرسول - ﷺ - والصحابة ﵃.
مسألة: قال: "ويقرأ بين كل سورتين: بسم الله الرحمن الرحيم".
وهذا يوهم أن بسم الله الرحمن الرحيم، تسنَ في أول كل سورة، والمذهب خلافه، وهذا اللفظ متأول على أنه قصد به الرّد على من قال: لا يقرأ بها أصلصا، وقد مضى حكم هذا. والمزني أحلّ به في موضعه، [١٠١ ب/ ٢] وذكره ههنا. وقوله: فعله ابن عمر، أراد به أنه كان يجهر به.
مسألة: قال: "فإن كانت الصلاة ظهرًا أو عصرًا أسَرَّ القراءة في جميعها".
وقد مضى بيان هذا، والجهر والإسرار من جملة هيئات الصلاة. وقيل في تفسير قوله تعالى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أراد: اجهر في البعض وخافت في البعض.
مسألة: قال: "وإذ رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وهو قائم قال: اللهم اهدني فيمن هديت".
الفصل
وهذا كما قال: جملته أن القنوت في صلاة الصبح مستحب إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، فإن تركه عامدًا أو ناسيًا سجد للسهو، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس ﵃، والحسن ومالٌك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك. وبه قال الثوري، وروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء ﵃ وربما يقولون: إنه بدعة. وقال أبو حنيفة: "لو قنت إمامه سكت هو ولم يقنت قنوته"، وقال أبو يوسف: "قنت بقنوته"، ويرى هذا عن محمد، وحكى الساجي عن أحمد أنه قال: "لا بأس بالقنوت فيها". وروي عن أحمد أنه قال: "القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإذا ذهب إليه ذاهب، فلا بأس، وإمام الجيوش والسلطان فعله".
وقال إسحاق: "هو سنّة عند الحوادث لا تدعه إلا به". واحتجوا بما روت أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - "نهى عن القنوت في الفجر". وروى ابن مسعود وأنس
[ ٢ / ٧٧ ]
﵄ أن النبي - ﷺ - "قنت شهرًا ثم ترك". وهذا غلط لما احتجّ الشافعي، وهو ما روي أن النبي - ﷺ - "قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قتلهم في الصلاة سواها"، أي: في سائر الصلوات سوى الصبح، مع الصبح [١٠٢ أ/ ٢] ثم ترك القنوت في سواها.
وهذه إشارةٌ إلى قصة نذكرها، وذلك أن رجلًا يقال له: أبو البراء ولقبه ملاعب الأسنة من سادات نجد من المشركين قدم على رسول الله - ﷺ - وفدًا من قبل نجٍد فأهدى لرسول الله - ﷺ -، قلم يقبل هديته، وقال: "لا نقبل هدية مشرك، فإن أحببت أن أقبل هديتك فأسلم"، فقال: اعرض عليّ الإسلام، فعرض عليه، وتلا عليه القرآن، فلم يسلم، وقال: ما تقوله حسنٌ، ولكني وفد قومي، فأرى أن تبعث من أصحابك من يعرض عليهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن، فإني أرجو أن يسلموا، فقال النبي - ﷺ -: "إني أخاف على أصحابي نجدًا"، فقال: أنا جارٌ لهم، إني خفير، وندب النبي - ﷺ - ستين رجلًا من أصحاب الصفة وأمَّر عليهم رجلًا منهم يقال له: المنذر بن عمرو فلما بلغوا بئر معونة من أرض نجد اجتمع عليهم رِعْلٌ، وذكوان وعصية من قبائل نجد ولم ينفذوا أمان أبي البراء، فقتلوهم إلا رجلين منهم، أحدهما عمرو بن أميّة، والآخر أنصاريّ كانا ذهبا في طلب بغير لهما ضلّ، فلما وجدا وانصرفا، فالتقتهما جارية فقالت: هل أنتما من أصحاب هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيَّ؟ قالا: نعم، فقالت لهما: النجاة، النجاة، فقد قتل أصحابكما في بطن هذا الوادي، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نركب البعير ونلحق برسول الله - ﷺ -، فنخبره به، فقال الأنصاري: أمّا أنا فلا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، فوالله لا يردنّ الجنة قبلي، فقال له عمرو: اصبر إذًا حتى أركب البعير وأتوارى، ثم أنت أعلم، قال: نعم، فركب عمرو وسل الأنصاري سيفه وأقبل على أهل الوادي، فقاتل حتى قتل، فأنزل الله تعالى: (أخبورا إخواننا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيمًا)، وكان ذلك من القرآن، ثم نسخت تلاوته، [١٠٢ ب/ ٢] فكان النبي - ﷺ - بعد ذلك يقنت في جميع الصلوات يدعو على أولئك الكفار باللعنة شهرًا، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فنهاه الله عن اللعنة عليهم إذ كان في سابق علمه تعالى أن يُسلم بعضهم، وذلك أنه روي أن رجلًا منهم أسلم بعد ذلك فسئل عن سبب إسلامه، فقال: "إني طعنت يوم بئر معونة رجلًا من المسلمين بحربتي في صدره فنفذ فيه حتى خرج من ظهره، فكأني أنظر إلى بريق سنان رمحي من ظهره، وهو يبتسم في وجهي وأخذ شيئًا من دمه فرمى نحو السماء فقال: فزت وربّ الكعبة، فقلت في نفسي: بم فاز هذا الرجل؟ أليس قد قتلته؟ ثم أُخبرت أنه الشهادة، فقلت: إنه حق، فأسلمت، فلما نزلت هذه الآية ترك النبي - ﷺ -
[ ٢ / ٧٨ ]
القنوت في الصلوات سوى الصبح، وفي الصبح لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا". رواه أنس بن مالك.
وروي أنه سأل أنس: هل قنت رسول الله - ﷺ - في صلاة الصبح؟، قال: نعم. قال: قبل الركوع أو بعد الركوع؟، فقال: بعد الركوع، ثم قال: وقنت عمر وعلي ﵄ بعد الركعة الأخيرة، وإنما لم يذكر عثمان، لأنه في أيامه قدّم القنوت على الركوع ليدرك الناس تلك الركعة، فإنه كان يسفر بصلاة الفجر لأجل أن عمر ﵁ قتل في صلاة الصبح، وكان يفلس بها". وأمّا خبر أم سلمة نحمله على الدعاء على اللعان أنه تركه ونهى عنه.
ثم صفة القنوت أن يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت". وجملته ثماني كلمات. رواه الشافعي بإسناده عن أبي الجوزاء أنه قال للحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، هل عندك من رسول الله - ﷺ - شيء، فقال: "كلمات أقولهنّ [١٠٣ أ/ ٢] في قنوت التوتر"، وذكر هذه الكلمات، وقد زاد بعض أصحابنا: "ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، استغفرك وأتوب إليك".
وقالوا: لو قال هذا كان حسنًا. وقال القاضي الطبري قوله: لا يعزّ من عاديت ليس بحسن، لأنه لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وهذا فيه نظرٌ، لأن مثل هذا جاء في القرآن العظيم: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فلا بأس بهذه الألفاظ، وإذا كان إمامًا، قال أصحابنا: الأفضل أن يعم، فيقول: "اللهم، اهدنا" حتى يكون الدعاء له ولغيره من المأمومين، ولو دعا بغير هذا الدعاء جاز، وإن كان المستحب ذلك.
وقال بعض أصحابنا: لو قنت بما روي عن عمر ﵁ كان حسنًا، وهو ما روى نافعٌ عن ابن عمر، قال: قنت ﵁ بعد الركوع في الصبح، فسمعته يقول: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفر بك، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار مُلحق. اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألّفة بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان
[ ٢ / ٧٩ ]
والحكمة وثبتهم على ملّة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم.
وروي أن عثمان ﵁ لما كان يجمع القرآن لا يثبت إلا ما اجتمع عليه عدد من الصحابة، فانفرد واحدٌ من الصحابة براوية هاتين السورتين: "اللهم إنا نستعينك" إلى آخره، فقال عثمان ﵁: "اجعلوها في القنوت"، وإنما أمر به حتى لا تضيّعا، ويستحب أن يصلي على النبي - ﷺ - بعد الدعاء لما روي في حديث الحسن في الوتر، أنه قال: "تباركت وتعاليت" [١٠٣ ب/ ٢] وصلّى الله على النبيّ وسلم. أورده أبو عبد الرحمن النسائي في سننه، وقيل: لا يستحب، ولكن يجوز لأنه لم يصحّ الخبر.
وأما القنوت فيما عدا الصبح، فلا يستحب إذا لم يكن نازلة ويُنهى عنه، فإن نزل نازلة بالمسلمين، ولن تنزل إن شاء الله قنت فيها كلها إن شاء الإمام، ثم إذا زالت النازلة ترك القنوت.
وقال الطحاوي: "القنوت في سائر الصلوات لم يذكره غير الشافعي"، وهذا غلط لما رُوي عن علي ﵁ أنه قنت في صلاة المغرب، وهذا محمول على نزول النازلة. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحٍد، أو يدعو على أحٍد. كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "ربنا لك الحمد" وذكر الدعاء.
وقال بعض أصحابنا: إذا لم يكن نازلة، قال في "الأم": "لا يقنت". وقال في "الإملاء": "إن شاء قنت وإن شاء ترك، لأن النبي - ﷺ - قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا: ناسخٌ ومنسوخٌ"، وفي نظر. والصحيح ما تقدم، وقيل: يقنت في الجمعة والعشاءين وإن لم يكن نازلة فإذا قلنا لا يقنتا فلا كلام وإذا قلنا يقنت فالقنوت بعد الركوع في آخر الصلاة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: كان بعض الصحابة يقنت قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع، فإن كانت الصلاة مما تسرّ فيها القراءة أسرّ به، وإن كان مما يجهر فيها بالقراءة جهر به، وقال أبو العوام بن حمزة المازني: قلت لأبي عمرو البهزي: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعده، فقلت له: عمنّ أخذت هذا؟ فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
وحكي عن مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى أنه قبل الركوع، وأما المأموم ماذا يفعل في حال قنوت الإمام؟ قال بعض أصحابنا: هل يقنت معه المأموم؟ أم يؤمّن على
[ ٢ / ٨٠ ]
دعائه؟ لا نص للشافعي فيه، ولكنه قال: إذا مرّت به آية رحمة سألها، ولذلك المأموم فشرك بينهما في الدعاء، فينبغي أن يكون ههنا مثله.
وقال النبي - ﷺ -: [١٠٤ أ/ ٢] "إذا دعا الإمام فأمّنوا على دعائه". وقيل في الكلمات التي ليست بدعاء فالمأموم يسكت أن يقول مثله أو يقول: أشهد. وروى ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - "كان يدعو على الكفّار ونخن نؤمّن خلفه". وهذا يدل على أنه يؤمّن، ولا يدعو.
وقال بعض أصحابنا: هذا فيما كان دعاء، فأمّا ما كان ثناء على الله تعالى، فينبغي أن يقول مثله، وقيل: المأموم بالخيار في ذلك إن شاء أمّن في الكل، وإن شاء قرأ معه، فإن التأمين على الدعاء يجري مجراه، فاستويا في حقه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجهر في القنوت أم يسرّ؟ وجهان. فإذا قلنا: يجهر، فالمأموم يؤمّن، وإذا قلنا: يسرّ، فالمأموم يقنت أيضًا. وأمّا رفع اليدين فيه، فلا نص فيه. وقال أصحابنا: يستحب رفع يديه عند الدعاء لما روي عن عثمان ﵁ أنه "كان يرفع يديه حتى يبدو ضبعاه"، أي عضداه.
وروي أن عمر "قنت ورفع يديه حتى رأي بياض إبطيه". وروي عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - "رفع يديه على الكفار". وروي عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما "رفعا أيديهما إلى صدورهما". ومن أصحابنا من قال: يقتضي المذهب أنه لا يرفع، لأن النبي - ﷺ - "لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في: الاستسقاء، والاستنصار، وعيشة عرفة". ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد.
وقال القاضي الطبري مرةً: أنه لا يرفع وهو اختيار القفّال. وقال مرةً: أنه يرفع، والأولى عندي هذا، وأنا أرفع اليدين فيه. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يمسح يديه على وجهه عند الفراغ من الدعاء لما روي محمد ابن كعب عن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: إذا دعوت فادع الله ببطون كفك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك"، [١٠٤ ب/ ٢] ولا يمسح يديه على غير وجهه من بدنه، فإن فعل ذلك كان مكروهًا.
وروى بعض أصحابنا بخراسان: أن النبي - ﷺ - "كان إذا قنت يرفع يديه شاهرًا، ثم يمسح بهما على وجهه". وفي هذا نظر وأنا لا أفتي بهذا.
فرع
قال بعض أصحابنا: لو أراد أن يدعو في القنوت لقوم أعيانهم، أو على قوم
[ ٢ / ٨١ ]
بأعيانهم، جاز لما روي أن النبي - ﷺ -، قال: "اللهم العن رعلًا وذكوان وعصية، وأنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام"، الخبر. وفي هذا نظرٌ عندي.
مسألة: قال: "والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة".
وأراد بها التورك. وقد ذكرنا ذلك، وذكر بعد هذا كيفية التشهد، وقد مضى ذلك.
مسألة: قال: "ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى".
وهذا كما قال: من فاتته صلوات تركها عامدًا أو ناسيًا، أو نام عنها حتى فاتت أوقاتها استقرت في الذمّة وسقط الترتيب فيها، ويجوز أن يقدمها على صلاة الوقت، ويجوز تقديم صلاة الوقت عليها قلّت أو كثرت إلا أنه إن ذكرها، وهو في صلاة أخرى أتمها، ثم قضى ضيقًا كان الوقت أو واسعًا، وإن ذكرها قبل أن يتلبس بها، فإن كان الوقت ضيقًا بحيث إن قضاها فاتت صلاة الوقت فيكون قد صلاها قضاء، فالأولى تقديم صلاة الوقت والقضاء بعدها، وإن كان الوقت واسعًا، فالمستحب أن يصلي الفائتة أولًا، ثم الحاضرة ويُراعي الترتيب للخروج من الخلاف، فإن خالف فصلى الحاضر أولًا جاز.
وبه قال الحسن وطاوس وشريح. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا ذكر صلاة فائتة، وهو في حاضرة بطلت التي هو فيها ويجب عليه أن يقضي ما فاته ثم يصلي الحاضرة، وإن ضاق الوقت يصلي الحاضرة أولًا، ثم الفائتة، وإذا اجتمعت عليه فوائت فإن الترتيب فيها واجب ما لم يبلغ ست صلوات، فإن بلغت ست صلوات فقد دخلت في حد التكرار، فلا يلزم الترتيب، وفي خمس صلوات، هل يلزم [١٠٥ أ/ ٢] الترتيب؟ روايتان، ويسقط هذا الترتيب عند النسيان، وقال أحمد وإسحق: "إذا ذكرها، وهو في الصلاة مضى فيها واجبًا، وصلّى الفائتة، ثم أعاد صلاة الوقت، ويلزم الترتيب بكل حالٍ حتى لو فاتته صلاة في أول بلوغه، ثم ذكرها، وقد صار شيخًا يلزمه إعادة ما بعدها".
وبه قال الزهري وربيعة، وذكر بعض أصحابنا: أنه يسقط هذا الترتيب عند النسيان، وإذا ضاق الوقت فيه روايتان عنه. وقال الليث: "إن كانت ست صلوات لا يلزم الترتيب، وفيما دونها يلزم الترتيب مع اتساع الوقت وضيقه، والذكر والنسيان، فإن ذكرها، وقد صلّى صلاة الوقت يصلّي الفائتة، وأعاد صلاة الوقت، وإن ذكرها، وهو متلبسٌ بصلاة الوقت مضى فيها مستحبًا، وأعاد الفائتة وصلاة الوقت"، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلّى
[ ٢ / ٨٢ ]
التي نسي"، ولأن هذه الصلوات فاتت أوقاتها، فلا يجب الترتيب في قضائها كالست.
واحتجّوا بقوله - ﷺ -: "لا صلاة لمن عليه صلاة"، وروى نافعٌ عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ -، قال: "من نسي صلاة فذكرها وهو مع الإمام، فإذا فرغ منها قضى فائتة، ثم أعاد التي صلّى مع الإمام".
أمّا الخبر، تحمله على نفي الكمال أو أراد: لا نافلة لمن عليه فريضةٌ. وأما الخبر الآخر فيحمل الإعادة على الاستحباب.
فرع
إذا نسي صلاة من صلوات الليل فذكرها بالنهار لا يجهر فيها بالقراءة، رواه أبو ثور عن الشافعي، وقال أبو ثور: يجهر فيها ليكون القضاء كالأداء كما لو قضى صلاة النهار بالليل لا خلاف أنه لا يجهر فيها، وهو غلط عندي.
وفي النوافل يسرّ بالقراءة [١٠٥ ب/ ٢] في النهار ويجهر في الليل، والأول أصح لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر".
وروى بريدة مرفوعًا "من جهر في صلاة النهار فارجموه بالبعر"، وقال - ﷺ -: "صلاة النهار عجماء"، ولأن الجهر سنّة متعلقة بالوقت، فقامت بفوات الوقت.
وقال أبو حنيفة مثل ذلك إلا أنه يقول: "إذا كان إمامًا يجهر، وإذا كان منفردًا لا يجهر"، وإن قضاها ليلًا لا نص فيه للشافعي، والذي يجيء على مذهبه أنه يجهر فيها، لأنا إن اعتبرنا أصلها فهي مما يجهر فيها، وإن اعتبرنا الوقت، فالوقت وقت الجهر.
وقال الأوزاعي: إن قضاها نهارًا أسرّ فيها، وإن قضاها ليلًا فهو بالخيار بين الجهر والإسرار.
مسألة: قال: "لا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة".
الفصل
وهذا كما قال: الصلاة تشمتك على واجبات ومسنونات وهيئات فالواجبات القيام والقعود والركوع ونحو ذلك. والمسنونات: التشهد الأول، والقنوت ونحو ذلك. وأما
[ ٢ / ٨٣ ]
الهيئات؛ فالرجل يخالف المرأة في بعضها، فالرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه ساجدًا، والمرأة تضم مرفقيها إلى جنبيها، ولا تقل بطنها عن فخذيها لأنها عورة، وهذا أستر لها.
وأما في الجهر والقراءة: فالمرأة كالرجل ما لم يسمعها الرجال الأجانب وإنما يسمعها النساء أو ذوي محارمها من الرجال، فإن كان يسمع الرجال الأجانب فالسّنة لها الإسرار بخلاف الرجل وهو معنى قول الشافعي: "وتخفض صوتها"، وهذا لأن صوتها كالعورة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يرد الشافعي أنها تسرّ كما صلاة السرّ، بل أراد تسمع من يليها قليلًا ولا تجهر [١٠٦ أ/ ٢] بحيث يسمع أهل المسجد كلهم بخلاف الرجل، فإنه يستحب له ذلك عند الإمكان.
وقال بعضهم: لا يزيد على إسماعها نفسها، وهو غلط ظاهرٌ وما تقدم أصحّ. وأما في التشهدين: تجلس كما يجلس الرجل. وقال أبو حنيفة: "تجلس كأستر ما يكون".
وقال الشعبي: "تجلس كما يتيسر عليها".
وكان ابن عمر ﵂ يأمر نساءه أن يجلسن متربعات، وهذا غلط، لأنه ليس في هذا ترك الستر، فكان مسنونًا في حقها كوضع اليمين على الشمال.
مسألة: قال: "وتكتف جلبابها".
وهذا كما قال: الجلبات: الشملة التي تشتمل بما فوق الثياب، وقال أبو عبيد: هو الخمار والإزار. وقال الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار. وقوله: تكثف، أي: تجعله كثيفًا حتى لا يصفها، والكثيف: الثخين.
وقيل: تكثف وتكفت. والكفت: الشدّ، والكفت: الجمع، أي: تجمع. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥]، أي: نضمهم ونجمعهم، إنما كان ينبغي للمرأة أن تفعله لأنها عورة، فلا ينبغي أن تصفها ثيابها. قال: "وتجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها". أراد به تجافي عن نفسها ثيابها لأنها لو ضمت ثيابها حكي ضمها خلقتها من السمن والهزال، وهذا مستحب.
وقال بعض أصحابنا: يستحب لها أن تصلي في أستر موضع، قال النبي - ﷺ -: "صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها".
مسألة: قال: وإن نابها شيء في صلاتها صفقت".
[ ٢ / ٨٤ ]
الفصل
وهذا كما قال الرجل إذا نابه شيء في صلاته، مثل إن سها إمامه، أو رأى أعمى متردٍّ في بئر، أو طرق عليه الباب، وهو في الصلاة، فله أن يسبّح يقصد به الإعلام والتحذير، والإذن بالدخول. ولو قرأ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أو قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] [١٠٦ ب/ ٢]، أو ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]، بقصد الأمر بالقراءة جاز، وهذا إذا قصد به قراءة القرآن مع أمره به، فإن لم يقصد به قراءة القرآن أصلًا، بطلت صلاته، لأنه خطابٌ آدمي.
وقال أبو حنيفة: إن قصد به إفهام الآدمي، بطلت صلاته إلا أنه ينبّه إمامه أو المارّ بين يديه، وكذلك لو أرتج على الإمام له أن يفتتح القراءة عليه وعلى غيره، وسواء كان الغير في الصلاة أو في غيرها، ولا فرق بين أن يكون ذلك ابتداء من جهته أو جوابًا. والمستحب للمرأة أن تصفق في كل ما يسبّح فيه الرجل، لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
وأصل الخبر ما روي أن النبي - ﷺ - خرج ليصلح بين قبليتين فأبطأ، فقال بلالٌ لأبي بكر الصديق: استأخر مجيء رسول الله - ﷺ - أفاقيم لتصلي بالناس؟ فقال أبو بكر: شئت، فأقام وتقدم أبو بكر فلما أحرم حضر النبي - ﷺ - فجعل الناس يصفقون ويخرقون الصفوف وكان أبو بكر لا يلتفت فلما أكثرو علم أنه جاء رسول الله - ﷺ -، فالتفت فإذا رسول الله - ﷺ - قد أحرم، فأشار إليه أن اثبت مكانك، فرفع أبو بكر يده فحمد الله شكرًا، إذ رضيه رسول الله - ﷺ - لذلك المقام ثم استأخر، وتقدم الرسول - ﷺ -، فلما فرغ من الصلاة، قال للناس: "أحسنتم"، يعني: حين لم يؤخروا الصلاة انتظارًا لي. وقال لأبي بكر: "هلّا ثبت مكانك إذ أمرتك"، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - ﷺ - ثم قال للقوم: "ما لي رأيتكم تصفقون؟ من نابه شيء في صلاة فليسبّح، فأما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فإن لم يتسع الإمام أنه سها لا يعمل بقول المأموم، لأن من شك في فعل نفسه لا يرجع إلى قول غيره، كالحاكم [١٠٧ أ/ ٢] إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان أنه حكم، وهو لا يذكره.
وقال أبو هريرة ﵁ مثل هذا. وقال مالك: "المرأة تسبّح كالرجل".
فرع
التصفيق ليس أن تضرب كفًا على كف، لأن ذلك يشبه اللهو، بل تضرب كفها اليمني على ظهر كفها اليسرى، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري وهو الأصح، والأصابع من الكلف. وقيل: هو أن تضرب ظهر كفها اليمنى على بطن كفها الأيسر.
[ ٢ / ٨٥ ]
وقيل: تضرب بإصبعي يمينها على ظهر كفّها الأيسر، وقيل: على بطن كفها الأيسر. وقيل: أن تضرب أكبر أصابع يدها اليمنى على ظاهر أصابعها اليسرى.
وروي في الخبر: "التصفيح للنساء" وفي معناهما واحد، وقيل: التصفيح: أن تضرب إصبعي اليمنى على باطن أصابعها اليسرى، وهذا لأن ضرب اليد أستر لها ولو صفّق الرجل للتنبيه أو سبحت المرأة فقد خالفا السنّة ويجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو صفقت المرأة، أو الرجل على وجه اللعب لا الإعلام بطلت صلاتها قليلًا كان أو كثيرًا، لأن اللعب ينافي الصلاة فاستوى قليله وكثيره كالضحك والقهقهة، ذكره القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ
لو عطس رجل فشمتهُ وهو في الصلاة فقال: يرحمك الله، بطلت صلاته، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي كردّ السلام، ذكره صاحب "الإفصاح". وبه قال عامّة أصحابنا، وهو المذهب.
وقال القاضي الطبري: "وجدت فيما جمعه عبد الرحمن بن أبي حاتم من "مناقب الشافعي" يقول: روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول في الرجل يكون في الصلاة فيعطس رجل لا بأس أن يقول له المصلي: يرحمك الله، فقلت له: ولِمَ؟ قال: لأنه دعاء، وقد دعا النبي - ﷺ - لقوم في الصلاة، ودعا على آخرين".
وهذه رواية صحيحة، فوجب أن تكون أولى مما قاله أصحابنا [١٠٧ ب/ ٢]، وأنا رأيت عن الإمام أبي عبد الله الخياطي حكى عن البويطي عن الشافعي هكذا.
وهذا هو الصحيح عندي إذا كان قصده الدعاء لا الخطاب وما تقدمّ أشبه بالسنية، بدليل ما روي عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلّى رسول الله - ﷺ - بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبّني، ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
وقوله: ما كهرني، أي: انتهرني، ولا أغلط لي. وقرأ بعض الصحابة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩].
فَرْعٌ آخرُ
قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "فإن عطس وهو في الصلاة هل يحمد الله
[ ٢ / ٨٦ ]
تعالى؟ قال بعض العلماء: يحمد الله تعالى. وروي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "العاطس في الصلاة يجهر بالحمد"، وكذلك قال النخعي ومحمد، وهو مذهب الشافعي، قال: إنه يستحب أن يكون في نفسه"، وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم رجل على المصلي، قال في "القديم": "يرد بالإشارة بيده وبرأسه ولا يتكلم". وبه قال جميع أصحابه، وهو مذهب مالكٍ وأحمد وأبي ثور. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵄، ولو قال: عليك السلام بطلت صلاته، لأنه خطابٌ لآدمي على طريق الجواب فجرى مجرى سائر الكلمات ويخالف تشميت العاطس في قول، لأنه موضوع للدعاء لا للخطاب.
وقال الحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة: يرد لفظًا، واحتجوا بأن ردّ السلام واجب، والكلام الواجب لا يبطل الصلاة، وقال أبو ثور وعطاء والنخعي، والثوري يؤخر الردّ حتى يفرغ من الصلاة، [١٠٨ أ/ ٢] ثم يردّ بالكلام"، وحكي عن الثوري أنه قال: "إن كان المسلم حاضرًا فعل هكذا، وإن كان قد ذهب اتبعه بالردّ". وقال النخعي: "ردّ عليه بقلبه".
وقال أبو حنيفة: "لا يردّ أصلًا، لا بالقلب ولا بالإشارة، لأن العمل يكره في الصلاة"، وهذا كله غلط لما روي أن ابن مسعود ﵁ لما قدم من الحبشة سلّم على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فلم يردّ عليه، قال ابن مسعود: فأخذني ما قربُ وما بعُد فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث لا تكلموا في الصلاة"، وهذا دليل على الحَسَن ومن تابعه.
وروي ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا سُلّم على أحدم وهو في الصلاة، فليُشر ولا يتكلم".
وروى ابن عمر ﵁، قال: "دخل رسول الله - ﷺ - مسجد عمرو بن عوف يصلي ودخل معه صهيب، فدخل رجال من النصار فسلموا عليه، فسألت صهيبًا: كيف كان يصنع إذا سلّم عليه؟ فقال: كان يشير بيده"، وفي هذا نص فيما قلناه، وأما قوله: (إن ردّ السلام فرض)، قلنا: إنما يكون فرضًا إذا وقع في موقعه، وههنا الأولى أن لا يسلّم لأن المصلي مشغول بصلاته، فهو كمن سلّم على من هو قاعد لحاجته لا يرد عليه، وقد نص الشافعي إلى أن الداخل على الإمام في حال خطبته يكره له أن يسلم، فينبغي أن يكون المصلي أولى به.
وبه قال عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق، وروي ذلك عن جابر ﵁،
[ ٢ / ٨٧ ]
وعن مالك روايتان في هذا، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسًا، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁.
فَرْعٌ آخرُ
إذا كان الرسول - ﷺ - دعا مصليًا فأجابه بالكلام لم تبطل صلاته، لأن إجابته في الصلاة واجبة. والواجب فيها لا يبطل الصلاة كالقراءة. قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. [١٠٨ ب/ ٢] وروي أن النبي - ﷺ - سلم على أبي بن كعب، وهو يصلي فلم يجب، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى رسول الله - ﷺ - وقال: السلام عليك يا نبيّ الله، وقال: "وعليك السلام ما منعك أن تجييني إذ دعوتك؟ " فقال: كنت أصلي، فقال: "أفلم تجد فيما أوحي إليّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ فقال: بلى يا رسول الله لا أعود".
فَرْعٌ آخرُ
إذا رأى المصلي أعمى يتردى في بئر أو صيبًا يقع في نار، يلزمه أن يصبح به، وينذره وإذا فعل ذلك، حكى الدارمي عن أبي إسحق أنه قال: لا تبطل صلاته.
وقال سائر أصحابنا: بطلت صلاته لأن الوقوع غير متحقق، وليس كذلك لدعاء الرسول - ﷺ -، فإنه أمرٌ متحقق وهذا لا يصحّ، لأن هذا التوهم لا يمنع الوجوب فلا تمنع منه الصلاة، وهذا أظهر، وإن أخرج زكاته في الصلاة بطلت صلاته، لأن إخراجها لا يتعين عليه في الصلاة، وإن كان واجبًا.
فصل
في النواهي في الصلاة
روي أن رسول الله - ﷺ - "نهى عن القِران في الصلاة" وأراد والله أعلم القران بين أذكارها كالقران بين الإحرام والتوجه، وبين التوجه والاستعاذة، والقراءة والتكبير. وما روي أن النبي - ﷺ - "نهى عن الشكال في الصلاة"، ومعناه أن يلصق إحدى رجليه بالأخرى. وما روي أن النبي - ﷺ - "كره الشكال في الخيل" أراد أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى أن يصلي الرجل مختصرًا".
قال أبو عبيد: "هو أن يضح يديه على خصره في الصلاة". وروي أنه "نهى عن الاختصار في الصلاة"، ومعناه ما ذكرنا. ويقال: إن هذا من فعل اليهود. وروي في بعض الأخبار: أن إبليس - لعنه الله - أهبط إلى الأرض كذلك، وهو فعل أهل
[ ٢ / ٨٨ ]
المصائب يضعون أيديهم على الخواصر [١٠٩ أ/ ٢] إذا قاموا في المأتم.
وقيل: معنى الاختصار وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي: عصًا يتوكأ عليها. وروي أن النبي - ﷺ -، قال: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم". والغرار: النقصان في عدد الركعات أو في الركوع والسجود، ولا تسليم، أي: لا يسلم عليه فيها.
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم". قال ابن قتيبة: حتى يحتزم بثوبه، فيتزر إن كان إزازًا ويزره عليه إن كان قميصًا. وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن اشتمال الصماء".
قال أبو عبيد: هو أن يشتمل على منكبه ويسدله على قدميه ويلقي ما فضل من منكبه الأيمن على منكبه الأيسر. وقيل: إنما سمي صماء، لأنه يصير كصخرة صماء لا يبين فيه شق. وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن السدل في الصلاة"، وأراد به سدل اليدين. وقيل: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض وكان سفيان يكرهه في الصلاة، وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وغيرها.
وقال مالك: "لا بأس به في الصلاة"، وبه قال عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين ويكره في غير الصلاة، لأن المصلي ثابتٌ مكانه، فلا يرون فيه خيلاء وفي غير الصلاة خيلاء فنهى عنه.
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى أن يصلي الرجل وهو زناء" يعني حاقنًا ضاق به الأمر. وروي أنه - ﷺ -، قال: "لا يصلين أحدكم وهو يدافع أخبثيه". وروي: وهو ضام ركبتيه. وروي: صريحًا به. قال: "إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة"، لأن هذا العذر يمنعه من الخشوع في الصلاة والخشوع شرط.
وروي أن النبي - ﷺ - "كره أن يصلي الرجل وبه طوف. قال: قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول". وروي أن النبي - ﷺ - " [١٠٩ ب/ ٢] نهى عن كفل الشيطان في الصلاة". قال قطرب: هو أن يصلي الرجل وهو عاقد شعره من ورائه.
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن قعدة الشيطان في الصلاة". قال أهل العراق: هي الجلسة قبل القيام إلى الركعة الثانية، ولا يوجد هذا عن المفسرين لغرائب الحديث.
[ ٢ / ٨٩ ]
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن نقرة الغراب في الصلاة"، وهي أن ينقر إذا سجد من غير أن يطمئن.
وروى أبو قتادة أن النبي - ﷺ - "نهى عن النفخ في الصلاة"، وهو أن ينفخ في موضع سجوده.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى عن التفات الثعلب في الصلاة"، وهو أن يلتفت يمينًا وشمالًا بسرعة.
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى عن الصلب في الصلاة"، وهو أن يضع يديه على خصريه ويجافي مرفقيه.
وروى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى أن يرفع الرجل أصابعه، وهو في الصلاة".
وروي أن النبي - ﷺ - نهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك منه الشيطان".
وروي أنه قال: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه، فإن شيطان ينتقل ما بين لحييه".
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن صلاة العجلان"، وهذا لئلا يترك شيئًا من سنن الصلاة.
ويكره أن يلتفت الرجل في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذرّ ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يزال الله تعالى مقبلًا على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا ألتفت صرف عنه وجهه". وروي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا التفت العبد في صلاته.
يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه" [١١٠ أ/ ٢].
وقالت عائشة ﵂: سألت رسول الله - ﷺ - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وإن احتاج إلى الالتفات لا يكره لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان يلتفت في صلاته يمينًا وشمالًا"، فإن التفت من غير حاجة لا تبطل صلاته أنه عملٌ قليل، إلا أن يستدبر القبلة أو صرف صدره عن القبلة، فتبطل صلاته
[ ٢ / ٩٠ ]
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى أن يوطن الرجل الصلاة في المسجد كما يوطن البعير"، وهو أن يألف مكانًا معلومًا من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير يتخذ مكانًا لا يبرك إلا فيه.
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى عن التمطي في الصلاة".
وروى أن الحسن البصري أن النبي - ﷺ - "نهى عن الصلاة في أرض مزبلة".
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة لما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ولينتهين عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم". ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روينا أن النبي - ﷺ - صلى وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ، قال: "ألهتني أعلام هذه". وقد ذكرناه.
ويكره أن يكف شعره وثوبه في الصلاة لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - "نُهي أن يكف شعره وثوبه".
ويكره أن يمسح الحصى في الصلاة لما روى أبو ذر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصا"، وأراد بمسح الحصا تسويته ليسجد عليه. وأكثر العلماء كرهوا هذا. وقيل: أراد العبث بها.
وقال مالك: "لا بأس به"، وكان يسوي الحصا في صلاته غير مرة.
وروى معيقيب أن النبي - ﷺ - قال: "لا تمسح لحصا، وأنت تصلي، فإن كانت لابدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصا" [١١٠ ب/ ٢].
وروي أن النبي - ﷺ - "نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة". رواه أبو هريرة ﵁، وهذا لأن عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي التثاءب، فيغطي فمه عند ذلك للخبر الذي تقدم.
وروى سعيد المقبري: أن أبا رافع مولى النبي - ﷺ - "مرَّ بالحسن بن علي ﵄، وهو يصلي قائمًا وقد غرز ضفره في قفاه فحله أبو رافع فالتفت الحسن إليه مغضبًا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ٩١ ]
يقول: "كفل الشيطان"، يعني: مقعد الشيطان، يعني معرز ضفره ويريد بالضفر المضفور من شعره، وأصل الضفر: الفتل، واصل الكفل: أن يجمع الكساء على سنام البعير، ثم يركب وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فيسجد معه.
وقد روي في السجود: "أمرت أن لا أكفّ شعرًا ولا ثوبًا".
وروى أن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهى عن الصلاة في سبعة المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام ومحجة الطريق ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام".
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "الأرض كلها مسجٌد إلا الحمام والمقبرة"، وإنما منع من المزبلة والمجزرة لأجل النجاسة، فإذا تحقق طهارة الموضع جازت الصلاة إلا أنها مكروهة لأنه موضع النجاسة، وإن تحقق النجاسة فلا تجوز الصلاة فيه بلا خلافٍ. وإن شكّ في نجاسته، فيه وجهان بناء على أن الاعتبار بالأصل أو بالغالب.
وأمّا المقبرة، فإن كانت جديدة تجوز الصلاة فيها، ولكنه يكره. وقال مالك: "لا بأس بالصلاة في المقابر". وحكي عن الحسن أنه صلّى في المقابر، وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا مقبرة، ولا تجوز لظاهر الخبر. وأما الحمام، اختلف أصحابنا [١١١ أ/ ٢] في المعنى الذي كرهت الصلاة، فمنهم من قال: إنما منع من الصلاة فيه لأجل النجاسة، فإنه محل النجاسات، وعليه نص في "الأم"، فعلى هذا إن علم نجاسته لم تجز، وإن علم طهارته كره، وجاز وإن جهل أمره فوجهان على ما ذكرنا أو على هذا لا ينهي عن الصلاة في المسلخ، لأنه ليس بمحل النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: إنما نهى عنها لأجل أنه مأوى الشياطين لكشف عورات فيه، ولهذا لما نام رسول الله - ﷺ - في الوادي ولم ينتبه حتى أيقظهم حرّ الشمس، قال: "ارتفعوا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا"، ولم يصل فيه، فعلى هذا المسلخ وبيوت الحمام سواء؛ لأن العورات تكشف في المسلخ ويكون النهي نهي كراهة، فإن صلى جازت الصلاة.
وقيل: النهي عن الصلاة في الحمام لأنه يكثر دخول الناس فيه فلو كان الحمام في داره هل يكره الصلاة فيه؟ وجهان، وحكي عن رجل أنه قال: "لا تجوز الصلاة في الحمّام ولا في سطحه" والنهي يعتمد. وأمّا محجة الطريق فلأجل أنه لا يحصل الخشوع فيها لشغل القلب بالعوارض وقيل لأن الغالب فيها النجاسة وقيل لأنه يكثر فيها
[ ٢ / ٩٢ ]
المار فلا يمكن الخشوع، فعلى هذا لو صلى في قارعة الطريق لا يمرّ أحد فيها، هل يكره؟ فيه وجهان.
وأمّا في معاطن الإبل وظهر بيت الله الحرام فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فصل في الخشوع في الصلاة
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]ـ فدل ترك الخشوع على عدم الفلاح. وروى شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله - ﷺ -، قال: "أول ما يرفع من الناس الخشوع"، وهذا كالمشاهد في زماننا هذا، لأنهم يقتصرون على الجائز والمباح.
وروي أن النبي - ﷺ - قال: "من هانت عليه صلاته كان على الله أهون" والخشوع أن يفعل ما أمر به، ويجتنب ما نهي عنه، وأن يخلي نفسه من حديث النفس [١١١ ب/ ٢] وأفكار الدنيا. وكان علي ﵁ "إذا دخل عليه وقت الصلاة يصفرّ وجهه تارةٌ ويخضرّ تارةً، ويقول: أتتني الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أني حملها وأشفقن منها وحملتها أنا، فلا أدري أُسيء فيها أن أُحسن؟ ".
وروي أنه قيل له: إنك تلقى الأقران وتشهد الحروب، ولا نرى بك ما نرى عند الصلاة؟ فقال هذا.
وقال عبد الله بن الشخير ﵁: "أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء". والأزيز الالتهاب والحركة.
وروى أبو داود "في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء"، وأزيز الرحا صوتها وحركتها.
وروي أن النبي - ﷺ - قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ لا يحضر فيها قلبه". وقال رسول الله - ﷺ -: "إن رجلين من أمتي يصليان ركوعهما واحدٌ وسجودهما واحدٌ وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ومن الخشوع أن ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده وفي حال جلوسه إلى حجره".
وقال مالك: "الخشوع أن ينظر تلقاء وجهه" وما قلناه أولى لوجهين:
أحدهما: أنه مروي عن النبي - ﷺ - وعن خلفائه.
والثاني: أنه أغضّن لطرفه وأجزى أن لا يشغل عن صلاته.
ومن الخشوع أن يكون المصلي قريبًا من محرابه ليصده عن مشاهدة ما يلهي ويمنعه من مرور ما يؤذي. لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -، قال: "ارهقوا
[ ٢ / ٩٣ ]
القبلة"، يعني ادنوا منها، فإن لم يكن محرابٌ اعتمد القرب من حائط أو سارية، فإن لم يكن وضع بين يديه شيئًا أو خط خطًا، ومن الخشوع أن لا يضع [١١٢ أ/ ٢] رداءه عن عاتقه بين يديه، ولا يكثر الحركة والالتفات ولا يقصد فعل شيء أبيح له فعله في الصلاة.
ومن الخشوع أن لا يلبس ثوبًا يلهيه ويعتمد لبس البياض ولا يصلي متلثّمًا ولا مغطى الوجه فإنه مكروه.
وروي أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، وقد غطى لحيته، فقال: "اكشف وجهك". ومن الخشوع أن لا ينتحنح في صلاته ولا يبصق. وروى حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه"، فإن غلبه البصاق فألقاه على الأرض لم تبطل صلاته. وروي أن عثمان ﵁ "أول من رسم الخلوق في المسجد لينمحي به أثر البصاق".
فرع
إن كان حاقنًا ويخاف فوت الصلاة لضيق وقتها، فيه وجهان:
أحدهما: يؤخرها حتى يأتي الخشوع، ويكون عذرًت في التأخير كما لو خاف ذهاب الوقت لو تطهّر لا يترك الطهارة.
والثاني: يصليها على حاله ثم يستحب له أن يعيد لأنه يؤدي إلى فوات الصلاة.
مسألة: قال: "وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها".
الفصل
وهذا كما قال: يجب ستر العورة على الرجل والمرأة في الصلاة قولًا واحدًا. وأما في غير الصلاة ينظر فإن كان هناك من ينظر إليه، فعليه الستر، وإن كان خاليًا في بيته، فيه وجهان. والمذهب المنصوص أنه يجب سترها لأن النبي - ﷺ -، قال: "فالله أحق أن يُستحى منه"، ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك. وقال مالك: "ستر العورة ليس بشرط من شرائط الصلاة بل هو واجب في الصلاة وغيرها".
واحتج بأن وجوبه لا يختص بالصلاة فلا يكون من فروضها، فإذا عدم فيها لم يبطلها كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا غلط لما روت عائشة ﵂ [١١٢ ب/ ٢] أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يقبل الله صلاة امرأةٍ حاضت إلا بخمار". أي
[ ٢ / ٩٤ ]
بلغت حال الحيض، وما ذكروه يبطل الإيمان والطهارة أيضًا، فإنه تجب لمس المصحف وفقدهما يبطل الصلاة، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في قدر العورة، فهو من الرجل ما بين سرته وركبته، وليست السرة ولا الركبة منها. نص عليه في عامة كتبه. وبه قال مالك وأحمد في رواية وقال أبو حنيفة: الركبة من العورة. وبه قال عطاء، وهذا غلط لما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - ﷺ -، قال: "وما فوق الركبة من العورة وما أسفل السرّة من العورة".
وقال ابن عباس ﵁: رأيت رسول الله - ﷺ -: "يأتزر تحت سرّته وتبدو سرّته ولقي الحسن بن علي أبو هريرة ﵃، فقال: "أرني الموضع الذي قبله رسول الله - ﷺ - فرفع الحسن ثوبه فقبل سرّته"، ولأنها حدّ العورة فأشبهت السّرة.
واحتج بما روي أبو الخصوب عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "الركبة من العورة". قلنا: أبو الخصوب لا يثبته أهل الأخبار فخبرنا أولى أو أراد استحبابًا. وحكى الداركي عن الترمذي أن الشافعي نصّ في موضع على أن السرّة والركبتين من العورة، وهذا لا يعرف في شيء من كتبه، ولكنه قول بعض أصحابنا.
وقال داود بن الجرير: العورة هي السوأتان: القبل والدبر من الرجل والمرأة. وروي ذلك عن أحمد، واحتج بما روت عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخده، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - ﷺ - وسوّى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قلت: يا رسول الله [١١٣ أ/ ٢] دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - ﷺ -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"، فلو كان الفخذ عورة لغطاها رسول الله - ﷺ - عند دخول أبي بكر وعمر. وهذا غلط لما روى جرهد أن النبي - ﷺ - "رآه في المسجد قد كشف عن فخذه، فقال: غطّ فخدك، إن الفخذ من العورة".
وروى الدارقطني بإسناده أن النبي - ﷺ -، قال لعلي: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت".
وأمّا ما روي عن عائشة ﵂ قلنا: روي كاشفًا عن ساقيه، ويحتمل أن يكون الموضع المكشوف لم يكن من الناحية التي جلس فيها أبو بكر وعمر، ويحتمل
[ ٢ / ٩٥ ]
أن يكون جائزًا ثم نسخ بما ذكرنا.
وأما المرأة فكل بدنها عورة إلا الوجه والكفين فمتى صلت، وقد كشف بعضها، وإن كان شعرة بطلت صلاتها. وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو ثور إلا أنا ذكرنا عن مالك ما قال في حكم الصلاة، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقد قال مالك لو تركت الستر ووقت الصلاة باق أعادتها، وأصحابه يقولون: كل موضع يقول مالك: يعيد إن كان الوقت باقيًا يريد الإعادة استحبابًا.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يجب عليها ستر جميع بدنها حتى ظفرها وإن انكشف منها شيء بطلت صلاتها. وروي هذا عن أحمد. وروي عن أحمد وداود: كل بدنها عورة إلا وجهها فقط. واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، والظاهر الوجه، وهذا غلط، لأن ابن عباس ﵁ قال: إلا ما ظهر منها: الوجه والكفين. وروت عائشة ﵂: أن امرأة رمت إلى النبي - ﷺ - من وراء ستر بثياب فقبض ذلك. وقال: "ما أدري أيد امرأة أم رجل"، [١١٣ ب/ ٢] فقالت: بل امرأة، فقال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك" يعني بالحناء، فلو كانت يدها عورة لم ينظر إليها.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: قدم المرأة ليست بعورة. وعن أبي حنيفة رواية: أنها عورة.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن في أخمض قدميها وجهين. وقيل: قولين. وهذا غلط لما روت أم سلمة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله "أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: "نعم، إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها".
قالوا: القدمان يظهران منها في العادة كالكفين، قلنا: لا نسلم بل تستران في العادة، ولهذا لا يجب كشفهما في الإحرام بخلاف الكفين.
وقال أبو حنيفة أيضًا: العورة عورتان مخففة ومغلظة، فالمخففة ما بين السرة والركبة من الرجل وجميع بدن المرأة إلا ما ذكرنا.
والمغلظة: السوأتان من الرجل والمرأة، فإن ظهر من المغلظة قدر درهم لا تبطل صلاته وإن زاد بطلت وإن انكشف من المخففة قدر ربع عضو فأكثر لا تصح الصلاة وإن كان دون ذلك يصح.
وقال أبو يوسف: يُعفى عن أقل من النصف وعندنا لا فرق. ولا يُعفى عن قليله وليس فيما قدره توقيف ولا اتفاق، فلا يجوز القول به. فإذا تقرر هذا فالمستحب لها أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ يغطي قدميها وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار هو الجلباب الذي ذكره الشافعي، نص عليه في "الأم"
[ ٢ / ٩٦ ]
وروي عن عمر وابن عمر وعائشة ﵃ أنهم قالوا: يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أبواب، وأما الواجب الخمار والقميص السابغ لما ذكرنا من خبر أم سلمة ﵂.
مسألة: قال: "وإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها".
وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة المرأة الحرة، فأما عورة الأمة لم يذكر الشافعي [١١٤ أ/ ٢] قدرها، ولكنه قال: تصلي بغير قناع. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنها كالرجل عورتها ما بين السرة والركبة، وهو اختيار أبي إسحق والقاضي الطبري وجماعة، وهو ظاهر المذهب لأنها سلعة من السلع يضطر الناس إلى النظر إلى صدرها كما يضطرون إلى النظر إلى الإشهار لأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن بدنه عورة كالرجل.
ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا ما تمس الحاجة إلى كشفه عند التقلب من الرأس والوجه واليدين والساقين وما عدا ذلك عورة. وقال صاحب "الإفصاح": "عورتها كعورة الحرة" إلا أن لها كشف الرأس لما روي أن عمر ﵁: "رأى جارية متقنعة لآلِ أنسٍ فَعَلاها الدرة. وقال: أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء.
وروي أنه قال: "اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر يا لكاع". وقال ابن المنذر: "كان الحسن البصري يوجب على المرأة الخمار إذا تزوجت أو يتخذها سيدها لنفسه وروي عنه: إذا ولدت".
فرع
أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها سواء في قدر العورة، ذكره جميع الصحابة.
وقال في "الحاوي": "في المعتق نصفها وجهان:
أحدهما: هنا، وهو أنها كالأمة في صلاتها ومع الأجانب وكأمة الغير مع سيدها.
والثاني: أنها كالحرائر في صلاتها ومع سيدها والأجانب، وهذا أصحّ لأنه إذا اجتمع التحليل والتحريم كان حكم التحريم أغلب" وهذا غريب جيد.
وقال محمد بن سيرين: أم الولد لا تصلي إلا متقنعة لثبوت سبب الحرمة لها، وهو رواية عن أحمد.
وروي عن مالك مثله، وهذا غلط لأنها مضمونة بالقيمة فأشبهت القن.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخلت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت قبل الفراغ منها فعليها أن تستتر ثم
[ ٢ / ٩٧ ]
تمضي في صلاتها، ثم لا يخلو إما أن يكون بالقرب منها أو بالبعد عنها، فإن كان بالقرب منها أخذته وسترت به عورتها، ولم تبطل صلاتها لأنه عمل يسير، وهكذا لو سترها غيرها به جازت صلاتها أيضًا. ولو احتاجت إلى استدبار القبلة بطلت صلاتها، وإن كان قليلًا لأن استدبارها أعظم من العمل الكثير، وإن كان الثوب بالبعد عنها فعليها أن تمشي إليه وتستر به عورتها، فإذا مشت إليه بطلت صلاتها.
وقال في "الحاوي": "ثم فيه وجهان:
أحدهما: تبطل برؤية الثوب كالمتيمم إذا رأى الماء، وهذا لا يصحّ لأنه لو صحّ لبطلت، وإن كان الثوب قريبًا.
والثاني: تبطل بالمشي إليه وعلى هذا لو لم تمضِ لأخذ الثوب ولا انتظرت من يناولها، تبطل أيضًا؛ لأنها وإن لم تمض فهي في حكم من مضى لوجوب ذلك عليها".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على من سبقه حدث في صلاته فخرج وتوضأ، هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان هناك من يأتيها به، فهل يجوز لها أن تمسك عن عمل الصلاة حتى يأتيها به ويسترها؟ فيه وجهان: قال أبو إسحق: يجوز ذلك ولا تبطل صلاتها لأنها فعلٌة واحدٌة، فهو كانتظار الراكع المأموم.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاتها، لأنها تركت ستر العورة مع القدرة عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على المشي، فإن جوزنا المشي فالانتظار أولى وإن لم نجوز المشي، فيه وجهان. وهذا مبني على أنه هل يجوز في صلاة الخوف أكثر من انتظارين؟
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت جاهلة بالعتق أو بوجوب الستر أو بوجود الثوب، وصلت مكشوفة الرأس لم تجزها لأنه شرط فلا يسقط بالنسيان والجهل قولًا واحدً. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان [١١٥ أ/ ٢] من المصلي في الثوب النجس ناسيًا، فإن فيه قولين.
ومن قال الأول أجاب عن هذا: أنها مندوبة إلى الستر، فصارت كالمفرطة في تركها ولم يعزر فيه الجهل بخلاف مسألة النجاسة، وفي هذا الفرق نظرٌ.
فَرْعٌ آخرُ
المكاتبة كالأمة، ولكن إذا كان عندها ما تؤدي في نجومها وقد حلت يكره لها أن تصلي مكشوفة الرأس، وهكذا لو قال لها سيدها: إني دخلت الدار في يومي هذا، فأنت حرة فتركت الدخول، أو قال لها: أنت حرة إن شئت.
[ ٢ / ٩٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرةٌ من الآن يعني قبل الصلاة، فصلت مكشوفة الرأس صحت صلاتها ولا تعتق قبل الصلاة، لأن هذه صفة باطلة، لأن تقدم المشروط على الشرط محال ويكون كإيقاع العتق في الزمان الماضي.
فَرْعٌ آخرُ
يلزم الحرة ستر العورة الصغرى مع الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ولم تتحرك عليهم الشهوة والصغرى ما بين السّرة والركبة وأما مع العبيد فيه ثلاثة أوجه أحدها: يلزمها ستر العورة الكبرى، كالأجانب، والكبرى: جميع البدن.
والثاني: يلزمها ستر العورة الصغرى لدى الرحم وبه قال ابن أبي هريرة، وابن سريج.
والثالث: وهو تقريب أنها تبرز إليهم وهي فضل بارزة الذراعين والساق، ولا يختلف أصحابنا أنه لا يلزمهم الاستئذان إلا في وقت مخصوص بخلاف الحرة.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان نصفها حرًا فعليها ستر العورة الكبرى منه بلا خلاف ذكره في "الحاوي".
فَرْعٌ آخرُ
الشيوخ الهرمي الذي عدموا الشهوة وفارقوا اللذة ففي عورتها معهم وجهان:
أحدهما: هي الكبرى.
والثاني: الصغرى، كما قلنا في الصبيان.
فَرْعٌ آخرُ
المحبوب الذي ليس بخصيّ، ففي عورتها معهم وجهان أيضًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾.
فَرْعٌ آخرُ
العينين [١١٥ أ/ ٢] والمأيوس من جماعه والخصي والمؤنث المشبه بالنساء كغيرهم من الرجال في حقها.
فَرْعٌ آخرُ
لو تجرد الرجل في ماء نهر أو غدير، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الماء يقوم مقام الثوب في ستر عورته.
والثاني: لا يجوز لما روي أن النبي - ﷺ - "نهى أن ينزل الماء بغير مئزر، وقال: "إن للماء سكانًا".
[ ٢ / ٩٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
لا حكم لعورة الأطفال دون السبع، فإذا بلغ الغلام عشرًا والجارية تسعًا كانا كالبالغين في حكم العورة، وتحريم النظر إليها، لأن هذا زمان يمكن فيه البلوغ فيغلظ حكم العورة وفيما بين التسع والعشر من الغلام والجارية يحرم النظر إلى فرجها ويحلّ فيما سواه.
مسألة: قال: "وأحب أن يصلي الرجل في قميص ورداء".
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة الرجل، فيلزمه أن يصلي مستور العورة، ثم الكلام فيه في فصلين:
أحدهما: في الكمال.
والثاني: في قدر الجائز. فأما الكمال هو أن يصلي في ثوبين وقميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحقّ من يزين له". فمن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود، وإن كان معه ثوب واحد اتزر به إذا كان ضيقًا، ويجعل على عاتقه شيء، وإن كان واسعًا التحف به، وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعله القصّار إذا كان في الماء. والأصل في ذلك ما روى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال له: "يا جابر إذا كان الثوب واسعًا، فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك"، وإنما قال كذلك في الثوب الواسع ليكون بمنزلة الإزار والرداء.
وروى أبو داود في "سننه" عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: "رأيت النبي [١١٦ أ/ ٢]- ﷺ - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه على منكبيه".
وقال أحمد: لا يجزئه حتى يكون على عاتقه شيء لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وهذا غلط، لأن هذا الموضع ليس بعورة، فلا يجب ستره. والخبر محمول على الاستحباب أو على أنه أراد: لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقوه، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه، فيخالف بينهما ويشده على عاتقه على ما بيّنا.
وأما اشتمال اليهود أن يجلل بدنه الثوب ويسلبه من غير أن يشيل طرفيه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وأما قدر الجائز فثوب واحد يستر به عورته فأولاها القميص ثم الرداء، ثم الإزار، ثم السراويل، فقدم الشافعي الإزار على السراويل، لأنه روى: "فليتزر به"، وهذا لأن السراويل تصف العورة حيث كان معمولًا على قدها.
قال أصحابنا: وتقديم السراويل أولى لأنه أجمع للستر، ولا فرق بين أن لا يقدر على أكثر من ثوب واحد وبين أن يقدر، والأصل في هذا ما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الصلاة في ثوب واحدٍ، فقال:" أو يكلكم ثوبان"؟.
وروى جابر ﵁ أنه "صلى يومأ في إزار واحد ورداؤه موضوع بين يديه على المشجب فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ليراني جاهل مثلك فيعلم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة وأينا كان له على عهد رسول الله - ﷺ - ثوبان".
فإذا تقرر هذا، فمتى ملى في قميص واحد فعليه أن يزره لئلا يشاهد عورته هو أو غيره حال الركوع والسجود. وروي أن سلمة بن الأكوع، قال: يا رسول الله إنا نكون في الصيد فيصلي أحدنا في القميص الواحد، قال: "انعم، [١١٦ ب / ٢] وليزره ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة".
وروي أنه قال: "زره عليك أو اربطه بشوكةٍ". وعنا أبي حنيفة: يجوز وان لم يزره لأن ستر العورة يجب من المقابلة، فإن كان على رقبته ثوب أو خلة بخلال أجزأه، وان ترك ذلك، فإن جيبه ضيقًا ورقبته غليظة يمنع النظر إلى العورة عند الركوع والسجود أجزأه، وان لم يفعل شيئًا من هذا وشد وسطه على سرته بخيط أو حبل أجزأه، وان كان في قميصه شق نظر، فإن قابل العورة لم يجز، وإن لم يقابلها، فهو كالجيب إن كان يشاهد العورة منه، لم يجز، وإن لم يشاهد جاز، ولو غطاه بلحيته أو شعر رأسه، أو وضع يده على موضع الشق لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يغطي بعض بدنه ببعضه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: والصحيح الأول، ولو كان معه رداء اتزر ببعضه وجعل البعض على عاتقه، ولو كان معه سراويل واحد لبسه. قال الشافعي: وأحث أن يكون على عاتقه شي، عمامة أو غيرها، وإن كان حبلًا ولم يجد غيره جعله على عاتقه، وهذا لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يصلين أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء"، فان لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلًا حتى لا يخلو من شيء.
مسألة: قال: "وكل ثوب يصف ما تحته أو لا تجز لم تجز الصلاة فيه".
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الثوب الساتر، وهو أن يكون صفيقًا يستر لون
[ ٢ / ١٠١ ]
البشرة فإن كان لا يستر لونها ويشاهد أنه أحمر أو أسود لم يجز لأنه لم يستر العورة، فإن قيل: أليس قلتم: لو كان الحائل خفيفًا عليها فمسها فوق ذلك الحائل لا ينتقض وضوؤه عناكم فجعلتموه سترًا لها؟!. قلنا: الفرق أن نقض الطهارة يتعلق بمباشرة البشرة، والسترة الخفيفة تحول دونه، [١١٧ أ/ ٢] وليس كذلك السترة في الصلاة، فإن الفرض الحيلولة لتبين البصر وبين البشرة، فإذا لم يستر لونها لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: تجوز الصلاة في الثوب الواصف للون وكذا ذكره القفال زمانًا فألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي، فرجع عن ذلك، ولو كان الثوب صفيقًا يستر لونها جازت الصلاة فيهء وإن وصف حجم الأعضاء للينه من الإليتين أو الفخذين، أو الذكر، لأنه ما من ثوب إلا ويصف ذلك وغيره أولى.
وقول الشافعي: "وكل ثوب يصف ما تحته". أراد به ما ذكرنا. وقوله: أو لا يستر أراد به أن يكون رخو النسج بحيث يرى من فرج النسج ما تحته من العورة.
فرع
يجوز ستر العورة بكل طاهر يستر عورته، فلو سترها يجلد طاهر ذكي أو مدبوغ جاز. وقال في "الأم": "وإذا لم يجد ثوبًا ووجد ورق الشجر ستر به عورته وصلى" لأنه أكثر ما يقدر عليه من الستر ويخصفه على نفسه بشدة أو خيطه.
فَرْعٌ آخرُ
لو طين عورته بطين حتى لا يرى من لونه شيء وصلى جازت صلاته، لأن الواجب ستر لونه لا ستر جثته وخلقته، ألا ترى أنه لو لبس سراويل ضيقة ترى جثة أعضائه فيه جازت صلاته. وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: "لا تجوز صلاته"، وهذا غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
هل يلزمه أن يطين عورته؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: يلزمه، وهو الأصح، وهو ظاهر المذهب، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا وجد ما يستر عورته من جلد طاهر أو ووق ما وغيره يلزمه"، وأراد بالغير الطين، ووجه هذا أنه جسم صفيق يستر ويمنع النظر ولهذا لو طين المحرم رأسه تلزمه الفدية.
والثاني: لا يلزمه، وهو اختيار أبي إسحق وجماعة، لأنه يتلوث به البدن، ولأنه إذا جف يتشقق ولا يستره، فإذا قلنا: لا يطين، [١١٧ ب / ٢] فلا كلام، وإذا قلنا: يطين، فإن كان محدثًا طين كيف شاء، وإن كان متطهرًا طين بدنه غير القبل والدبر، فأما القبل
[ ٢ / ١٠٢ ]
والدبر ينظر فإن أمكنه تطين ذلك من غير أن يباشر الفرج بيده بأن يكون الطين ثخينًا أو يجعل على يده شيئًا من خرقة، أو ورق شجر أو خشبة فعل وإلا انتقض طهره بمسه.
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد من الكسوة ما يستر بعض عورته مثل أن تجد المرأة سراويل أو الرجل خرقة صغيرة أو إزارًا مشقوقًا، فعليه أن يستر به ما قدر عليه من عورته. والقياس: أن له أن يستر أي موضع شاء من عورته، والأولى ستر القبل والدبر، هكذا ذكر أبو حامد.
وقال في "الأم": "ستر به الفرجين لأنهما أغلظ من الفخذين"، فظاهره وجوب ذلك، وان وجد ما يستر به أحدهما، قال في "الأم": "ستر القبل دون الدبر"، لأنه لا حائل دون ذكره يستره ودون الدبر حائل من الإليتين، ولأن هذا الفرج يستقبل به القبلة فكان ستره أولى وكذلك المرأة تستر قبلها دون الدبر أيضًا، ومن أصحابنا من قال: يستر دبره، لأنه ينكشف في الركوع والسجود، فيكون أفحش من القبل، ومن أصحابنا من قال: هما سوا،، وكلاهما خلاف النص الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان للرجل ما يستره أو يستر امرأته لا يكفيهما وإنما يكفي أحدهما، وليس للمرأة شي،، فالأفضل أن يسترها لأن عورتها أعظم حرمة، فإن لم يفعل وستر نفسه وصلت عريانة صحت صلاتها لأنها صلت ولم تملك ما تستر عورتها، نص عليه في "الأم".
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى في قميص واحد فوق سطح بحيث لو نظر ناظر من الأسفل رأى عورته جازت صلاته، لأنه لا يلزمه ستر عورته من الأرض، وإنما يلزمه من الجهة التي جرت العادة بالنظر منه ونظيره الخرق في الخف يمنع المسح، ولكن لو كان لابسًا للخف وكان واسع الساق بحيث لو نظر [١١٨ أ / ٢] ناظر في ساقه رأى ظهر قدمه يجوز المسح عليه.
وذكر والدي الإمام وجهًا آخر أنه لا يجوز، لأنه كما يلزمه الستر لحق الآدمي من الأعلى والأسفل، كذلك يلزمه لحرمة الصلاة وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى في ماءٍ كدرٍ ستر به ما دون السرة حتى لا يظهر منه شيء إذا ركع ويمكنه أن يسجد على الأرض فيها، أو كان يصلى على جنازة حتى لا يحتاج إلى ركوع وسجود تجوز صلاته، وكذلك إذا كان صافيًا ودخل فيه إلى عنقه حتى تراكم الماء واخضر به وستر بلونه لون عورته جازت الصلاة، وإلا فلا. وحكي عن ابن أبي أحمل: أنه لا يجوز ذلك بحال.
[ ٢ / ١٠٣ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو ستر عورته بالزجاج لا يجوز لأنه لا يستر اللون.
فَرْعٌ آخرُ
لو وقف عريانًا في جب وصلى على الجنازةء فإن كان رأس الجب ضيقًا لا تبين العورة له ولا للناظرين يجوز وإلا فلا يجوز، وكذلك لو حفر في الأرض حفرة، ووقف فيها ورد التراب إلى نفسه.
فَرْعٌ آخرُ
لو انكشفت عورته بريح أو سقطة لم تبطل صلاته نص عليه في "الأم"، فإذا قار عليه وأمكنه إعادته كما كان لزمه فعله وان أخره عن أول حال الإمكان بطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يجد إلا ثوبا نجسًا ولا يقدر على عيله. قال في "الأم": "لم يصل فيه وتجزئه الصلاة عريانًا ولا يعيد". وبه قال الليث. وقال في البويطي هكذا، ثم قال: "وفيه قول آخر: يصلي في الثوب النجس ويعيد"، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: "يصلي فيه ولا يعيد". وبه قال المزني، وهذا غلط لأن فرض الصلاة يسقط مع العري ولا يسقط مع النجاسة. والدليل على أنه لا يسقط مع النجاسة ما تقدم. وقيل: هذا الذي حكي عن أبي حنيفة، مذهب مالك والأوزاعي لأن عندهما لا تجب إزالة النجاسة على المصلي. وقد روى أبو يوسف [١١٨ ب / ٢] عن أبي حنيفة أنه إن شاء صلى عريانًا وان شاء صلى في الثوب النجس.
واحتج بأن كليهما واجب وليس أحدهما بأولى من الآخر فيتخير. وروى محمد في "الإملاء" عن أبي حنيفة أنه إن كانت النجاسة في أقل من نصف الثوب صلى فيه، ولا يصلي عريانًا، وإن كان مملوءًا دمًا، فإن شاء صلى عريانًا، وان شاء صلى في الثوب، وهذا غلط، لأنها سترة نجسة، فلم تجز الصلاة فيها كجلد الميتة، وما ذكره ينقض بهذا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانوا جماعة فذهبت ثيابهم لغرق أو حريق أو قطع طريق نظر، فإن بقي مع أحدهم ثوب نظر، فإن كان يحن القراءة تقدم إمامًا، وصلوا جماعة، لأنه يمكنه أن يقف أمام الصف الذي هو موقف الأئمة، فكان أولى من العريان، وان كان لا يحسن القراءة يصلي وحده، لأن إمامته ممن يحن الفاتحة لا تصح، فإذا في غ من الصلاة، فالمستحب له أن يعيرهم ثوبه ليصلوا فيه، لأن فيه قربة وثوابًا، فإن بخل ولم يعرهم
[ ٢ / ١٠٤ ]
ثوبه لم يكن لهم قتاله ومكابرته عليه لأنه لا ضرورة لهم إليه لأن لهم أن يصلوا عراة وتجزئهم، ويخالف هذا إذا كان به جوع شديد ووجد مع غيره طعامًا فضل عن حاجته كان له مكابرته عليه، لأن به ضرورة إليه.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد أن يعيرهم، فالأولى أن يبدأ بالنساء، ثم بالرجال، لأن عورتهن أغلظ وأكد حرمة فكانت البداية بسترها أولى.
فَرْعٌ آخرُ
يجب على المعار قبول العارية به ولا يجوز له أن يصلي عريانًا، قبول العارية كما لو بذل له ماء الطهارة يلزمه القبول.
فَرْعٌ آخرُ
لو امتنع من الإعارة ورغب في الهبة تمليكًا لا يلزمه قبوله في ظاهر المذهب، لأن في قبوله منة كما لو بذل له ثمن ماء الطهارة لا يلزمه قبوله.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: [١١٩ أ / ٢]
أحدها: هذا.
والثاني: يلزمه قبوله.
وأما الثالث: يلزمه قبوله ناويًا به العارية، ثم إذا صلى فيه رده إلى ملكه، لأن عليه أن يتسبب إلى ستر عورته بما يقدر عليه، ولهذا عليه أن يستتر بالأوراق وغيرها، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وهو غلطء لأن الرجل بذل له عينه دون منفعته، فكيف يمكنه قبول منفعته دون عينه، وإذا تملكه كيف يمكنه رد ملكه إلى الغير؟.
فَرْعٌ آخرُ
لو خافوا ذهاب الوقت إذا صلوا واحدًا واحدًا، قال ههنا: لم يجز لهم أن يصلوا عراة. وقال في "الإملاء": يتعاورونه بينهم إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا كما أمكنهم حكاه صاحب "الإفصاح"، فالمسألة على قولين:
أحدهما: يلزمهم الصبر، ولا يجوز أن يصلوا عراة، فإن صلوا أعادوا لأن متر العورة لا بال له يرجع إليه، فلا يجوز تركه لخوف فوت الوقت كما لو كان معه ثوب يحتاج إلى غسله، ويخاف فوت الوقت لو اشتغل بغله لا يجوز له أن يصليها حتى يغسله، كذلك ههنا.
والثاني: لهم أن يصلوا عراة، لأن الستر يسقط بالعذر وخوف فوت الوقت عذر يسقط به. ولو كانت جماعة في سفينة لا يمكن جميعهم أن يصلوا قيامًا وأمكنهم واحدًا واحدًا.
قال الشافعي: "صلوا واحدًا واحدًا إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا قعودًا". قال المزني في "الجامع الكبير": "إذا كان هذا من قول الشافعي فكذلك يلزمه في الثوب
[ ٢ / ١٠٥ ]
مثله"، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال في مسألة السفينة قولين أيضًا، ومنهم من قال: ههنا قول واحد، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن ستر العورة أكد من القيام، لأنه يجوز ترك القيام في النوافل مع القدرة، ولا يجوز ترك الستر بحال.
والثاني: أن ستر العورة لا بدل له يرجع إليه وللقيام بدل، وهو القعود.
فَرْعٌ آخرُ
لو تخلف [١١٩ ب / ٢] القادر على الثوب مع القدوة، وتقدم واحد من القوم مع المكتسي يجوز. نمق عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهو غلط. وقال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة المكتسي خلف العاري، وهذا غلط، لأنه ذكر تجوز صلاته، فصحت صلاته خلفه.
فَرْعٌ آخرُ
لو استعار ثوبًا فلبسه ثم أحرم بالصلاة، ثم استرجعه مالكه بنى على صلاته عريانًا، وتجوز لأنه عاجز الآن عن الستر.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يبق مع أحدهم ثوب أصلًا. قال الشافعي: "صلوا فرادى وجماعة"، فمخير بين الفرادى والجماعة. وقال في "القديم": "الأولى أن يملوا فرادى"، لأنه أغض للبصر، فكان أولى من الجماعة التي لا يمكن معها غض البصر، ولأن الجماعة فضيلة وغض البصر فريضة فما أدى إلى فعل الفرض أولى، ولأنه لا يمكنهم أن يأتوا بسنة الجماعة بأن يصطفوا خلف الإمام، وإنما يقف إمامهم وسطهم. ووجه قوله "الجديد": أنهم إذا صلوا فرادي سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين، أنه ين لهم الجماعة خلافًا لأبي حنيفة، وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلوا جماعة فالمستحب للإمام أن يقف وسطهم، لأنه إذا تقدمهم لم يمكنهم أن يفضوا أبصارهم عن عورته ويقف المأمومون صفا واحدًا، فإن فاق الموضع قاموا صفين وغض الصف الأخير أبصارهم.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانوا رجالًا ونساء صلى الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد، فإن كان المكان واسعًا غاب الرجال عن النساء وصلى الكل في وقت واحد، والحكم في جماعهم وانفرادهم على ما ذكرنا، وإن كان المكان ضيقًا صلى الرجل جماعة،
[ ٢ / ١٠٦ ]
واستدبر النساء الرجال حتى إذا فرغوا صلى النساء حتى لا يشاهد بعضهم عورات بعض [١٢٠ أ / ٢] في الصلاة، وظاهر كلام الشافعي ههنا أن النساء ينفردن عن الرجال سواء كان هناك حائل بينهن وبينهم، أو لم يكن. ولكن قال أصحابنا: لا تمنع النسا، إذا كان هناك حائل في حرم المسجد أن يصلين مع الرجال في جماعة، لأن المنع للاطلاع على العورة، وههنا لا توجد هذه.
ومن أصحابنا من قال في النساء: ين لهن الجماعة بخلاف الرجال العراة لأنهن يصلين بسنة جماعتهن فإن إمامتهن تقف وسطهن عاريات كن أو ملتبسات.
فَرْعٌ آخرُ
العريان إذا لم يجد السترة يصلي قائما بركوع وسجود. وبه قال مالك، وروي ذللك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد.
وقال الأوزاعي وأحمد والمزني: "يصلي قاعدًا، لأنه قادر على ستر عورته بالأرض، فيلزمه". وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قعد، وإن شاء قام، لأنه لا من ترك فرض في كل واحد من الفعلين، فيتخير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه يصلي قاعدًا يومئ بالسجود، ولا يسجد على الأرض، فيكون كما قال الشافعي في المحبوس في حبس يصلي ويومئ، ثم إذا صلى هكذا، هل تلزم الإعادة؟ فيه وجهان. والمشهور ما تقدم. والدليل عليه أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلا يجوز له تركه كما لو كان يجد السترة، ولأن فيما قالوا: لا يحصل الستر، بل يسترها من بعضه، ولا يوازي هذا ترك القيام والركوع والسجود، فلا يصح ما قلتم، ولا يضع يده على فرجه إذا صلى فإن وضع بحيث مس باطن كفه فرجه أعاد الوضوء والصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى في ثوب حرير، وكان يجد غيره فقد عصى، ولكن تصح صلاته. وقال أحمد: "لا تصح صلاته"، وكذلك قال: إذا صلى في دار مغصوبةٍ، [١٢٠ ب / ٢] وهذا غلط، لأنه لا تعلق لهذا النهي بالصلاة، فلا يمنع صحتها كما لو وجب عليه أداء الحق، فتركه واشتغل بصلاة النافلة أو الصلاة في أول الوقت، لا يمنع صحتها، ولو لم يجد غير هذا الثوب الحرير. قال بعض أصحابنا: يجوز له أن يصلي فيه، ولا يجوز له أن يصلي عريانًا، لأن العذر يبيح لبسه، وقد "رخص رسول الله - ﷺ - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في الحرير لحكة كانت بهما".
وقد قال الشافعي: لو فاجأته الحرب يجوز له لبى الديباج، وهذه حالة عذر فجاز له اللبس، ويحتمل عندي وجهًا، أنه يصلي عريانًا، ولا يلبه كما لو وجد ثوب الغير، ولم يعره صاحبه.
[ ٢ / ١٠٧ ]
فَرْعٌ آخرُ
يكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة، لأن الوجه من المرأة ليس بعورة، فهي كالرجل يكره له أن يصلي متلثمًا على ما ذكرنا في الصلاة في الثوب الذي عليه الصور لما روي عن عائشة ﵂، قالت: "كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، فلما كان رسول الله - ﷺ - يصلي إليه فقال: "أخريه عني فجعلت منه وسادتين".
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل العريان في الصلاة، ثم وجد السترة، فهو كالأمة تصلي مكشوفة الرأس، ثم تعتق وتجد السترة.
وقال أبو حنيفة: "بطلت صلاته" فنقيس على الأمة إذا أعتقت، وهي حاسرة الرأس سترت، ولا تبطل صلاتها.
مسألة: قال: "ومن سلم أو تكلم ساهيًا أو نسي شيئًا من صلاته بنى ما لم يتطاول". وهذا كما قال.
الكلام في الصلاة ضربان: ذكر الله تعالى وغير ذكر الله تعالى، فإن كان ذكر الله تعالى، وهو التكبير والقراءة، ونحو ذلك لا تبطل الصلاةء وإن قصد به التنبيه والتحذير على ما بيناه. وأما غير الذكر، فهو خطاب الآدميين ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن يتكلم به ناسيًا، أنه في الصلاة، [١٢١ أ / ٢] فإن كان يسيرًا لم تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا، فظاهر كلام الشافعي ههنا أنه يبطلها، لأنه قال: بنى ما لم يتطاول. وقال نحو هذا في البويطي ولفظه: "إذا تكلم أو فحك ناسيًا لصلاته، فإن كان يسيرا ككلام النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين بنى، وإن كان كثيرا أعاد".
واختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: هذا، لأنه يقطع نظام الصلاة، ولأنه لو نسي شيئًا من صلب الصلاة وسلم. طال الفصل أبطل الصلاة وجهًا واحدًا، فكذلك الكلام.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحق لا يبطلها، لأن العلة كونه ساهيًا، وهو موجود في القليل والكثير، ولهذا سوي في الأكل في الصوم ناسيًا بين القليل والكثير.
قال: وقول الشافعي: "بنى ما لم يتطاول" عاد إلى ما تركه من صلب الصلاة لا إلى الكلام. وأما في العمل إنما فرقنا بين القليل والكثير، لأن الفعل أكد وأغلظ حكمًا، ولهذا المكره على القتل يلزمه القود والمكره على الطلاق لا يقع طلاقه، والأول أصح كما صرح في البويطي وأما دليله لا يصح لأنه إذا كان كثيرًا يؤمن مثله في القضاء، فلم يعف وجرى مجرى الفعل الكثير، ولهذا العمل القليل يساوي الكلام القليل، لأنه لا يمكن الاحتراز منهما.
[ ٢ / ١٠٨ ]
والثاني: أن يسلم من اثنتين يعتقد بأنه فرغ منها فتكلم، ثم بان له أنه لم يفرغ منها، فالحكم فيه كالثاني، والأصل فيه خبر ذي اليدين.
والثالث: أن يكون قائمًا بالصلاة ولكنه يجهل تحريم الكلام بأن يكون قريب العهد بالإسلام، فهو كالناسي أيضا لخبر معاوية بن الحكم. وقد ذكرناه ولو علم أن جنس الكلام يبطل الصلاة، ولكنه يجهل أن هذا الكلام بعينه يبطلها لم يعذر وتبطل.
والرابع: أن يتكلم عامدًا مع العلم بالتحريم فيبطلها سواء كان من المصلحة كقوله للإمام: سهوت [١٢١ ب / ٢]. وقوله للأعمى: لا تقع في البئر ونحو ذلك. وذكر بعض أصحابنا قسمًا خامسًا، وهو أن يقصد تلاوة القرآن، أو ذكرًا من الأذكار، فسبق إلى لسانه كلام البشر لا يبطلها، وبهذا قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعطاء ﵃.
وقال أبو حنيفة والنخعي: "جميع ذلك يبطل الصلاة إلا السلام ناسيًا". وقال سعيد بن المسيب والنخعي وحماد: "جنس الكلام يبطل بكل حال، وكذلك السلام ناسيًا في أثناء الصلاة".
وقال مالك والأوزاعي: "إن كان لمصلحة الصلاة، لا يبطلها كتنبيه الإمام ودفع المار من بين يديه بالكلام"، وحكي عن الأوزاعي: "لا يبطلها، وان لم يكن هن مصلحة الصلاة كقوله للأعمى: لا تقع في البئر". وهذا كله غلط لما احتج الشافعي من خبر ذي اليدين أنه كلم النبي - ﷺ - وكلمه النبي - ﷺ -، وكلم القوم ثم بنوا على صلاتهم، وتمام الخبر ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فسلم من اثنتين، وانصرف وقعد على خشبة في المسجد كالمتفكر، فخرج سرعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، فقام رجل كان رسول الله - ﷺ - يسميه: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: "لم أنس ولم تقصر الصلاة ". وروي أنه قال: "ذلك لم يكن ما قصرت الصلاة ولا نسيت، فقال: أنسيت يا وسول الله؟.
وروي: فقال: بلى قد كان بعض ذلك، فالتفت إلى أبي بكر وعمر، فقال: أو كما قال ذو اليدين؟ فقالا: بلى.
وروي: فقالا برأسيهما: أي نعم، فأقبل على القوم. وقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأ أي: نعم، فرجع وسول الله - ﷺ - إلى مقامه، [١٢٢ أ / ٢] فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد، ثم سلم، ثم قال: "لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم لكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.
وسرعان مفتوحة السين والراء هم الذين يقبلون بسرعة، ويقال: سرعان بكسر السين.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وسكون الراء أيضًا، وهو جمع سريع. واحتج مالك بهذا الخبر وذكر أن القوم تكلموا عمدًا لمصلحة الصلاة، ولم تبطل صلاتهم، قلنا: كلام رسول الله - ﷺ - كان على ظن أنه خارج من الصلاة، وكلام ذي اليدين على هذا المعنى لأن الزمان زمان نسخ فزيادة الصلاة ونقصان فتوهم أنه خارج من الصلاة للنسخ وكلام آبي بكر وعمر والقوم كان بالإيماء، ويقول الرجل: قلت بيدي، وقلت برأسي على التوسعة في الكلام، وإن مع أنهم نطقوا لم يضرهمء لأنهم أجابوا رسول الله - ﷺ -، وجواب الرسول - ﷺ - لا يبطل الصلاة على ما ذكرنا.
والدليل على بطلان قوله أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فلو جاز الكلام في هذا لاستغنى عن التسبيح والتصفيق.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - صلى ذات يوم والرجال صفان والنساء صف، فلما قام ليكبر، قال: "إن أنساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح الرجال ولتصفق النساء".
فرع
قال في "الإملاء": "النفس الشديد ليس بكلام، وكذلك النفخ حتى يكون كلامًا يفهم كقوله: أف، والأنين كالنفخ". وهذا صحيح، وجملته أنه إذا أتى من الحروف شيئًا فشيئًا يكون كلامًا مفهومًا بطلت صلاته، وهذا لأن الكلام ما تحرك به اللسان والشفة، فأما صوت يخرج من الحلق، فليس بكلام، فإذا طبق شفتيه وتنحنح [١٢٢ ب / ٢] لا تبطل، ولو مد الحرف الواحد لا تبطل، لأن مجرد الحرف من غير تشديد لا يسمى كلامًا، وأقل ما يفهم حرفان عند أهل اللغةء فأما الحرف الواحد، فليس بكلام، فلا تبطل الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: حتى لو كان حرفًا واحدًا له معنى كالأمر من وقى، يقي، ق، ومن وعى، يعي، ع، جمع ومن وشى، يشي، ش. بطلت صلاته، لأنه كلام يفهم ومعناه: ق نفسك من كذا، وع كلامي، وش ثوبك. ولو قال: آه، بطلت صلاته سواء كان من خوف الله تعالى، أو من مرض وألم.
وقال أبو حنيفة: "إذا نفخ في صلاته بطلت بكل حال وأما الأنين إن كان لمرض تبطل، وان كان لخوف الله تعالى، لا تبطل، وإن بان حرفان". وهذا غلط لما روي أن عمر ﵁، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى، ثم سجد في آخرها، وجعل ينفخ في الأرض ويبكي، ويقول: "أللهم لا بعدي بهذا وأنا فيهم، ولا بعدي بهذا ونحن نستغفرك".فرفع رأسه وقد تجلت الشمس؛ ولأن هذا لا يسمى كلامًا.
[ ٢ / ١١٠ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو كان في فيه طعام أو سن من أسنانه، فازدرده لم يقطع صلاته إذا كان مما يمر مع الريق بلا مضغ، كما لا يبطل الصوم، ولو مضغه أو علكه أو استأنف إدخال شيء منه وازدرده بطلت صلاته نص عليه في "الجامع الكبير".
وقال سعيد بن جبير وطاوس: "لا تبطل صلاة النفل وتبطل صلاة الفرض". وشرب سعيد بن جبير الماء في صلاة النفل، وقال طاوس: "لا بأس به"، وهذا غلط، لأن ما أبطل الصوم أبطل الصلاة كالمباشرة، وإن ترك في فمه لقمة، ولم يزدردها لا تبطل صلاته، لأنه ليس بأكل، ولا عمل طويل، ولو كان ناسيًا أو جاهلا بالتحريم، فهو كالكلام ناسيًا، فإن كان قليلًا لا تبطل صلاته.
قال أصحابنا: ولا سجود عليه ههنا، لأن العمل [١٢٣ أ / ٢] اليسير معفو عنه، وإن تطاول، فوجهان. والمذهب أنه يبطل. وقيل ههنا قول واحد: إنه يبطل، لأنه نادر.
وقال القفال: إذا أكل كثيرا في الصوم، فإن قلنا الكلام الطويل ناسيًا، لا يبطل الصلاة، فهذا أولى، وان قلنا: هناك يبطلها فههنا وجهان، فإن جعلنا العلة أن الاحتراز من الكثير يمكن في الغالب، فالموضعان سوا،، وان جعلنا العلة إن نظم الصلاة ينتح بالطويل، فالصوم لا يبطل، لأنه ليس فيه أفعال منظومة.
فَرْعٌ آخرُ
ولو بكى في صلاته، فإن كان بغير نطق، وإنما هو خشوع وذرف دموع لم تبطل صلاته، وإن كان بالنحيب والرقة والتأوه حتى بان حرفان، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل صلاته، وإلا بطلت كالكلام سواء، ولا فرق بين أن يكون ذلك من أمر الدنيا أو الآخرة، ذكره أبو حامد في "الجامع".
قال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: إن كان آية عذاب فبكى من خشية الله تعالى لم تبطل صلاته، وإن حزن على ميت فبكى بطلت صلاته، وهذا يشبه مذهب أبي حنيفة، ولا يجي على أصلنا الفرق.
فَرْعٌ آخرُ
لو ضحك في الصلاة، فإن كان يبديها من غير صوت لم تبطل صلاته، لأنه ليس فيه أكثر من ظهور أسنانه، وإن كان بصوت وصار حروفًا تفهم كالقهقهة، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا، أو مغلوبًا عليه لا تبطل صلاته وإلا بطلت.
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي في أثنا، هذا الفصل: "أو نسي شيئًا من صلب الصلاة"، وجملته: أنه لا يخلو إما أن يترك واجبا أو غير واجبٍ، فإن لم يكن واجبًا كالأذكار المسنونة لم
[ ٢ / ١١١ ]
تبطل صلاته عامدًا كان أو ناسيًا، وان كان واجبًا، فإن كان ذاكرا نظر، فإن كان تكبيرة الافتتاح لم تنعقد صلاته، ولا يصح بشيء مما عمله، وعليه [١٢٣ ب / ٢] أن يستأنفه الصلاة، وهكذا لو علم أنه ترك ركنًا، ولا يدري عينه، وإن نسي القراءة، فقد ذكرنا قولين، فإذا قلنا بقوله "القديم" فذكرها، فإن كان قبل فوات وقته بأن ذكر قبل الركوع أتى بهاء وان ذكرها بعد الركوع لا يعيدها، وإن كان فعلًا كالركوع والسجود، ونحوهما لا يسقط بالنسيان، فإن ذكره بعد التسليم قريبًا بنى عليه، وفعل ما نسيه، وأعاد جميع ما عمله بعد الذي نسيه، لأن الترتيب فيها متسحق، وان تطاول الزمان يلزمه استئناف الصلاة قولًا واحدًا، لأنه انقطع الموالاة، وذلك يمنع متابعة الأذكار.
فَرْعٌ آخرُ
اختلف أصحابنا في حد التطاول فمنهم من قال: هو الخروج من العرف بأن يحول وجهه عن القبلة، ويطول الفعل خارجا عن العرف، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، وجماعة، وهو الصحيح، وهو ظاهر كلامه في "الأم".
وقال أبو حامد في "الجامع" حكى البويطي في "مختصره": "أنه قدر ركعة تامة". قال: وهذا نص فهو أولى، وهو اختيار أبي إسحق، وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: حده مقدار الصلاة التي هو فيها، لأن العلم يبني على تحريمة هذه الصلاة، وهذا خلاف نص الشافعي، وغلط لأنه يؤدي إلى اختلاف التطاول لاختلاف أعداد الصلوات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يبني وان تطاول تخريجًا مما قال: يمضي سجود السهو، وإن طال الفصل في قول، وهذا ليس بشي،.
مسألة: قال: "وإن تكلم أو سلم عامدًا أو أحدث فيما بين إحرامه وبين سلامه استأنف".
وهذا كما قال: قد ذكرنا حكم كلام العمد وفروعه ومن جملة فروعه أنه لو قرأ كتابًا بين يديه، فإن قرأ في نفسه لم تبطل صلاته لأن التفكر [١٢٤ أ / ٢] وحديث النفس لا يبطل الصلاة لما روى أبو هريرة ورضي الله عنه أن النبي - ﷺ -، قال: "تجاوز الله لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا"، ولذلك لو سها على القراءةء ثم تذكر فعاد إليها لا سجود، وان قرأ بلسانه بطلت صلاته، لأن قوله: أطال الله بقاءك، وأدام عزك من كلام الآدمي.
وأما الحدث في الصلاة على ثلاثة أضرب: عمد وسهو وسبق حدث، فالعمد يبطل الطهارة، وإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة. قال أبو حنيفة: إذا أحدث عمدًا قبل
[ ٢ / ١١٢ ]
السلام بعد القعود قدر التشهد، قام مقام السلام، وتمت به الصلاة.
وأما سهو الحدث، فكالعمد سواء. وأما سبق الحدث يبطل الطهارة قولًا واحدًا، وهل تبطل الصلاة؟ قولان. قال في "القديم ": "لا تبطل الصلاة" وعلق القول في هذا في "الإملاء": فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتطاول أو يتكلم. وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود.
وقال في "الجديد": "بطلت صلاته، فيتوضأ ويستأنف". وبه قال مالك وابن شبرمة. وروي هذا عن المسور بن مخرمة. وروي نحو قول "القديم" عن عمر وعلي وابن عمر ﵃، وهذا هو الصحيح بدليل ما روى أبو داود في "سننه" بإسناده أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته"، لأنه حدث يمنع المضي في صلاته، فيمنع البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج.
واحتجوا بما روي عن النبي - ﷺ -، قال: "من قاء أو رعف، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم".
قلنا: قال أبو حاتم الرازي، هذا مرسل، لأنه يرويه ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن النبي - ﷺ - ثم يحمل قوله: "بنى على صلاته" على الاستئناف، لأنه يقال لمن فعل مثل ما مضى بنى، وفي هذا نظر. وحكي عن مالك أنه قال: إن كان [١٢٤ ب / ٢] في أول الصلاة بنى، وإن كان في آخرها استأنف، وهذا بعيد عن الصواب.
فرع
لا فرق في سبق الحدث عندنا بينه وبين النجاسة إذا خرجت من بدنه من القيء أو الرعاف، فعلى قوله القديم: يغسل النجاسة ويبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل لما يخالف الصلاة من أكل أو كلام أو عمل طويل، ولو فار دم جرحه، فلم يصب شيا من بدنه مضى في صلاته على القولين معًا، ذكره في "الحاوي": وسمعت شيخنا الإمام ناصر ﵀ يقوله: لخبر المهاجري والأنصاري، وهو معروف مذكور ووجه الدليل أنه لم يقطع صلاته بالرمية الأولى والثانية، لأن ما انفصل عن البشرة في الحكم غير مضاف إليه، وان كان الدم متصلا بعضه بالبعض كما لو قلب الماء من إناء على نجاسة فيتغير بها، فالمتغير نجس وما في الطريق طاهر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا بقوله القديم، فانصرف ليتوضأ فبال الباقي، له أن يبني على صلاته أيضا، لأن الذي سبق منه هو الذي أبطل الطهارة، وبطلان الطهارة لم يبطل الصلاة على هذا القول.
[ ٢ / ١١٣ ]
وأما الباقي الذي قصده باختياره لا يبطل الطهارة، فلا يبطل الصلاة. وعلى هذا قال الشيخ الإمام سهل الصعلوكي ﵀: لو كان بال ثم تغوط الآن لا تبطل الصلاة أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: العلة في باقي البول أنه يحتاج إلى إخراج باقيه، وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله، فعلى هذا إذا أحدث حدثا أخر بطلت صلاته، لأنه لا يوجد فيه هذه العلة.
مسألة: قال: "وإن عمل عملا قليلا مثل دفعه المار بين يديه أو قتل حية".
الفصل
وهذا كما قال: جملته أن العمل القليل لا يبطل الصلاة عامدًا كان أو ساهيًا، وهذا إجماع، لأنه لا بد فيها من قليل العمل، لأنه يدفع المار ويسوي ثوبه ويميط عنه الأذى [١٢٥ أ / ٢] إن أصابه.
وقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يملي بأصحابه، فخلع نعليه، فوضعه عن يساوه، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - ﷺ -: "إن جبريل ﵇ أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرًا". وفي هذا دليل أيضًا على أن الاقتداء برسول الله - ﷺ - في أفعاله واجب كهو في أقواله، فإن أصحابه نزعوا نعالهم لما وأوه نزعه، ودفع وسول الله - ﷺ - المار بين يديه، وكان يحمل أمامة بنت أبي العاص، "فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها". وهذا عمل كبير عند الجمع ولكن مرة قليل.
وأما حد القليل والكثير، قيل: المرجع فيه إلى العرف والعادة.
ومن أصحابنا من قال: حد القليل أن يفعل فعلا لا يتراءى للنظارة أنه في غير الصلاة، وحد الكثير أن يفعل فعلا يتراءى للنظار أنه ليس في الصلاة، وهذا اختيار مشايخ خراسان. ومن أصحابنا من قال: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل كحك الجربان، وإن احتيج فيه إلى اليدين كان كثيرا مثل تكوير العمامة وهذا ليس بشيء.
فرع
قال الشافعي في "الجديد": "القليل مثل دفعه المار بين يديه وقتل الحية
[ ٢ / ١١٤ ]
والعقرب، فلا بأس به في الصلاة". قال: وكل عمل خف يف، وإن كان عمدًا مثل الخطوة والخطوتين والطعنة والطعنتين ودفع المار مرة ومرتين، ومسح التراب عن وجهه، وإصلاح ردائه ونحو ذلك لا يبطل الصلاة، فجعل حد القليل المرة والمرتين، وجعل حد الكثير فيما زاد على ذلك، وإنما ذكر دفع المار بين يديه للخبر، وهو قوله - ﷺ -: "لا يقطع صلاة المرء شيء، [١٢٥ ب / ٢] وادرؤوا ما استطعتم"، وذكر قتل الحية والعقرب، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"، وقتل الحية في الغالب إنما يكون بالضربة والضربتين. وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها.
وقال أبو رافع: قتل رسول الله - ﷺ - عقربًا، وهو يصلي" ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزيد على الضربة الواحدة، لأن الشافعي قال في صلاة الخوف: "ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب أو ردد الطعنة في المطعون، أو عمل ما يطول بطلت صلاته"، فمن أصحابنا من قال: "المسألة على قول واحد، وهو أن الثلاثة تبطلها والمرتين لا تبطلها"، وهو اختيار أبي حامد.
ومن أصحابنا من قال: "في المرتين قولان"، وهذا اختيار القاضي الطبري، ووجه قولنا أنه يبطلها أن المرتين دخلتا في حد التكرار كالثلاث. والمشهور الأول، لأن النبي - ﷺ - خلع نعليه وذلك فعلان.
فَرْعٌ آخرُ
لا يكره قتل الحية والعقرب فيها، وقال النخعي: يكره، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
فَرْعٌ آخرُ
لو قصد بالعمل القليل منافاة الصلاة تبطل صلاته، لأنه لو قصا الخروج من صلاته بطلت فبالقصد مع العمل أولى، وهو أن يفتح بابا أو يخطو خطوة أو يستنا إلى حائط بهذه النية، وكذلك لو التفت بوجهه قاصدًا منافاة الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قفز قفزة وان كان مرة تبطل صلاته، لأنه في نفسه فعل كثير فاحش.
فَرْعٌ آخرُ
لو التفت بجميع بدنه وحول قدميه عن جهة القبلة، فإن كان عامدًا بطلت، وإن كان
[ ٢ / ١١٥ ]
ساهيًا، فإن تطاول الزمان بطلت وإن قصر [١٢٦ أ / ٢] يسجد للسهو.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك لو استدبر القبلة بوجهه دون بدنه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خطا خطوتين لا تبطل الصلاة، وكذلك لو وقف كثيرًا بعد ذلك، ثم خطا مثل ذلك حتى خطى عشرين خطوة في صلاة واحدة لم تبطل صلاته، لأن الذي يبطلها لم يكثر دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ
لو دق عليه الباب، وهو بالبعد فخطا خطوة، ثم وقف ثم خطا خطوةً أخرى، ثم وقف ثم هكذا إلى أن بلغ الباب وفتح تصح صلاته، لأن الأعمال المتفرقة، لا ينبني بعضها على بعض.
وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الحجرة والباب مغلق عليه، فجثت واستفتحت فمشى وفتح لي، ثم رجع إلى مصلاه". وقالت أم سلمة: "استأذنت على رسول الله - ﷺ -، وهو يصلي، فإما مشي عن يمينه، وإما مشى عن يساره حتى فتح الباب، ثم رجع إلى مقامه".
وقال علي بن أبي طالب ﵁: "كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله - ﷺ -، فإن كان في صلاة سبح، وكان ذلك إذنه لي، وان لم يكن في صلاة أذن لي".
فَرْعٌ آخرُ
لو وضح السكر في فمه أو شيئًا يذوب بريقه في الصلاة فذاب ونزل في حلقه بطلت صلاته، لأن الصوم فيها شرط. فكل أكل أبطل الصوم أبطل الصلاة، وهذا ظاهر المذهب ولأنه ينافي الاشتغال بالعبادة والخشوع، ويمكن الاحتراز منه.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاته لأنه نزل إلى حلقه من غير اختياره ولم يوجد منه إلا الترك في فيه، والصوم يبطل. لأنه هكذا يؤكل، والإمساك فيه شرط ذكره أبو حامد.
فَرْعٌ آخرُ
يكره له البصاق في المسجد سواء كان في صلاة أو غيرها لما روي أن النبي - ﷺ -، قال: "إن المسجد لينزوي من النخامة [١٢٦ ب / ٢] كما تنزوي الجلدة من النار".
وقال جابر ﵁: أتانا رسول الله - ﷺ - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون،
[ ٢ / ١١٦ ]
فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتها بالعرجون، ثم قال: "أيكم يحت أن يعرض الله عنه، إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قتل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادره، فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه أروني عبيرًا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوف في راحته، فأخذه رسول الله - ﷺ -، ثم لطخ به على أثر النخامة".
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوف في مساجدكم، والعرجون عود لباسه النخل، وسمي عرجونًا لانعراجه، وهو انعطافه. وقوله: فإن الله قبل وجهه، أي: القبلة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه، وفيه هذا الإضمار إنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما يقال: بيت الله، فإن كان يصلي في غير المسجد، فلا يبصق عن يمينه ولا بين يديه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بادره جعله في ثوبه، وحك بعضه ببعض كما في الخبر.
قال أصحابنا: فإن بصق في المسجد ناسيًا دفنه لما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه".
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد قملة في ثيابه فالأولى أن يتغافل عنها، فإن رمى بها جاز لأنه عمل قليل، وإن قتلها جاز لأن دمها، معفو عنه، ولا يرميها في المجد.
فَرْعٌ آخرُ
من دخل في الصلاة بنية الإطالة، ثم نابه شيء كالخوف [١٢٧ أ / ٢] على المال والحريق والغريق أو بكاء ولد أو حاجة، فله التخفيف، بل يستحب ذلك لما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي خلفي، فأخفف لما أعلم من قلب أمه".
فَرْعٌ آخرُ
قال الإمام أبو سليمان: "إذا صلى المصلي وحده، فالأدب أن يخلع نعله ويضعها عن يساره، ولو كان مع غيره في الصف وكان عن يساره ويمينه ناس، فإنه يضعها بين رجليه". وهذا لما روينا من خبر أبي سعيد الخدري في نزع النبي - ﷺ - نعله.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه
[ ٢ / ١١٧ ]
عن يمينه ولا عن يساره، فيكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ويضعها بين رجليه". وهذا ليصان ميامين الناس من كل شيء يكون محلًا للأذى.
وفي هذا الخبر: "دليل على أنه إن خلع نعليه، فتركها من ورائه أو عن يمينه، فتعرقل بها رجل فتلفت بأن خر على وجهه أو تردى في بثر بقربهء يلزمه الضمان، وهو كوضح الحجر في غير ملكه".
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي: "وإذا عد الآي في الصلاة عقدًا ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وتركه أحب إلي"، وهذا لأنه عمل يسير. وقال مالك: "لا بأس به." وبه قال الثوري واسحق وأبو ثور وابن أبي ليلى والنخعي.
وقال أبو حنيفة ومحمد: "يكره". قال في "الحاوي": "وهو قولنا". وقال أبو يوسف: "لا بأس به في التطوع". واحتجوا بأن النبي - ﷺ - "كان يسبح ثلاث تسبيحات"، وذلك إنما يكون بالعد. وقال أبو الدرداء: "إني لأدعو في صلاتي لسبعين رجلا من إخواني".
وروي أن النبي - ﷺ - "كان يعقد في صلاته عقا الأعراب" [١٢٧ ب / ٢]، وإن عل ركعاتها لا يكره كذلك عد الآي، ولأنه علم العباس ﵁ صلاة التسبيح، فلا يخلو إما أن يعد بعقد القلب، وهو مكروه، لأنه يشغله عن الخشوع فثبت أنه كان يعد بالأصابع، وهذا غلط، لأن هذا عمل ليس من الصلاة، فكان تركه أولى كمسح وجهه، ولأنه مأمور بقراءة ما تيسر عليه، وهذا العد يقطع خشوعه، ويخالف عد الركعات، لأنه لا يقطع خشوعه، لأن معرفة ما مضى منها، وما بقي واجب فجاز عقد الأصابع، ولا يكره.
وأما التسبيحات، فلا تحتاج إلى عقا ولا فكر أصلًا. وقول أبي الدرداء يحمل على أنه عدهم قبل الصلاة، أو قال ذلك حرزا وتخمينًا.
وأما الخبر الذي ذكروا فقد روي أنه عد الفاتحة في الصلاة، وقطعها وهذا يدل على الجواز، وإنما فعل ذلك ليتبين عددها فجاز لغرض، وعلى ما ذكرنا لو داوم بتحريك أصابعه أو أجفاته، لا تبطل صلاته، لأن الفعل في نفسه قليل.
فَرْعٌ آخرُ
لو تلوثت جبهته بالتراب في الصلاة، فالأولى بأن لا صيحة حتى يفرغ من صلاته لما روي عن ابن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: "أبصرت عيناي رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ١١٨ ]
صبيحة الحادي والعشرين من شهر رمضان وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين".
مسألة: قال: "وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله". وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة، ولا فائدة في إعادتها ههنا إلا أنه اتبع الدليل، وهو أنه قال: لما كان رسول الله - ﷺ - يحب التيامن، وفي الأول ذكره المزني بلا دلالة. وقال أبو حنيفة: "الانصراف على اليسار أولى، لأنه انصراف من العبادة كالخروج من المسجل يقدم رجله اليسرى، وهذا يبطل بالسلام من الصلاة". واعلم أن التيامن بالانصراف [١٢٨ أ / ٢] مثل التيامن في السلام، وذلك أنه في السلام يلتوي ويوجهه عن يمينه. كذلك في الانصراف يلتوي ببدنه عن يمينه، وهذا لأن القصد من الانصراف الإقبال على القوم، وربما يكون المأموم واحدا على يمينه، فلو التوى عن يساره ببدنه صار قفاه نحو المأموم على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإن فات رجل مع الإمام ركعتان من الظهر قضاهما بأم القرآن وسورةٍ".
وهذا كما قال: إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من الصلاة، فإنها أخر صلاة الإمام وأول صلاة المأموم فعلًا وحكمًا، وبه قال عمر وعلي وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب والحسن والزهري والأوزاعي ومحمد بن الحسن واسحق.
وقال أبو حنيفة: "ما أدرك مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أول صلاته فعلا وآخرها حكمًا، وما يقضيه آخر صلاته فعلًا، وأولها حكمًا"، فوافقنا في الفعل وخالفنا في الحكم. وفائدة هذا الترتيب يتبين في مسألة، وهي أنه إذا صلى الوتر مع الإمام ركعة أو ركعتين وقنت معه إتباعًا يعيد القنوت عندنا في آخر صلاته وعندهم لا يعيد، وربما يقولون: روي عن أبي حنيفة أنه قال: يعيد القنوت، فلا يبقى معه للخلاف فائدة.
والدليل على ما قلنا: أنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فكانت أول صلاته كالمنفرد، فإذا تقرر هذا، فلو فات مع الإمام ركعتان من الظهر، وأدرك ركعتين، فإن شاء صلى من الركعتين الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام قام، وصلى الثالثة والرابعة.
قال الشافعي: "قضاهما بأم القرآن وسورة كما فاته"، وإن كان ذلك في صلاة المغرب، وفاتته منها الركعة الأولى وأدرك الركعة الثانية والثالثة، فإنما للإمام الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام صلى الثالثة، ويقرأ فيها بأم القرآن وسورة، [١٢٨ ب / ٢] ويسر فيها بالقراءة.
قال المزني: "وهذا غلط قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، يقرأ أم الكتاب وسورة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالتعوذ"، وهذا متناقض. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنما أجاب الشافعي ههنا على القول الذي يقول:
[ ٢ / ١١٩ ]
قراءة السورة تستحب مع الفاتحة ني الأخريين وفي الثالثة من المغرب، فأما على القول الذي يقول: لا تستحب في الآخرين ولا تستحب هها قراءة السورة، كما قال المزني. وبه قال القاضي أبو حامد. ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحق، هها تستحب قراءة السورة على القولين جميعًا، لأنه فاتته فضيلة السورة في الأوليين من صلاته، فإنه لم يسمعها من الإمام، ولم يقرأها بنفسه فعليه أن يقرأها في الأخريين لتحمل له الفضيلة، وهذا مذهب الشافعي، أن السنة إذا فاتت في محلها جاز قضاؤها في مثل محلها إذا لم يكن في قضائها ترك سنة أخرى، ألا ترى أنه إذا قرأ الإمام في الجمعة في الركعة الأولى سورة المنافقين، وترك سورة الجمعة استحببنا له في الركعة الثانية قضاء سورة الجمعة وإتباعها بسورة المنافقين.
والدليل على صحة هذا أنه قال في البويطي: "يقضي بأم الكتاب وسورة كما فاته". وكذا ذكر ههنا ولم يعلل بأن آخر الصلاة محل السورة بل علل بالفوات، فإن قيل: أليس لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف لا يقضيه في الأربعة الباقية، فما الفرق؟. قلنا: الفرق أن سنة الأربعة المشي وسنة الثلاثة في الابتداء الرمل، فلو قضى الرمل في ثلاثة من الأربعة المتأخرة ترك سنة الأربعة، وهي المشي وههنا لا يؤدي تضاء هذه السنة إلى ترك سنة أخرى.
فرع
إذا قلنا: بقراءة السورة، [١٢٩ أ / ٢] هل يجهر بالقراءة؟ قال صاحب "لإفصاح"، قال الشافعي في موضع: "يجهر بها". وقال في "الإملاء": "لا يجهر"، فالمسألة على قولين:
أحدهما: يجهر بها حتى يأتي بها على حسب ما فاته، أو ليدرك ما فاته من الجهر كقراءة السورة.
والثاني: لا يجهر بها لا الثالثة من المغرب، والأخريين من غيرها لا مدخل للجهر بالقراءة فيها بحال وللقراءة فيها مدخل، فجاز أن يستحب فيها القراءة دون الجهر.
وقال أصحابنا: نص الشافعي على الجهر ههنا يدل على خطأ الجواب للأول عن كلام المزني أنه قال على القول الذي يقول: يقرأ في كل ركعة سورة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أدرك الإمام راكعًا كبر وهو قائم معتدل ورفع يديه حذو منكبيه ثم كبر تكبيرة أخرى للدخول في الركوع ويرفع يديه حذو منكبيه، ويل خل معه في الركوع، ولو أدركه ساجدًا كبر تكبيرة الافتتاح على ما ذكرنا، ثم يسجد ولا يكبر، لأنه لم يدرك محل التكبير، وإنما يفعل هذا السجود على طريق المتابعة، فإنه لا يستحب به من صلاته، فيفعل القدر الذي أدركه ورفع رأسه مكبرًا وسجد سجدة أخرى مكبرًا تبعًا لإمامه، ويخالف الركوع لأنه يحتسب به من صلاته، فيأتي به على هيئته.
[ ٢ / ١٢٠ ]
ومن أصحابنا من قال: يكبر للسجود أيضا، لأنه مأمور بالسجود متابعة للإمام، فيسن له التكبير كما لو كان من صلب صلاته، وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدركه في التشهد الأول كبر تكبيرة الإحرام وجلس بغير تكبير وجها واحدًا، وقد نص عليه في البويطي، ووجهه أن الجلوس عن القيام لم يسن في الصلاة، فلا يكبر له، فإذا قام مع الإمام إلى الثالثة كبر متابعة لإمامه، لأن إمامه يكبر، فإذا صلى ركعتين مع الإمام وسلم الإمام قام إلى ثالثته مكبرًا، لأنه يقوم إلى ابتداء ركعة. [١٢٩ ب / ٢]
فَرْعٌ آخرُ
لو أدركه في التشهد الأخير كبر وجلس بغير تكبير، ويتشهد معه، لأنه أدرك محل التشهد فتبعه في المحل والذكر فيه، ويحصل له فضيلة الجماعة، ثم إذا سلم الإمام قام من غير تكبير، لأنه كبر في ابتداء هذه الركعة، وإنما قام في أثنائها، وليس له إمام يكبر فيتابعه.
ومن بعض أصحابنا من قال: لا يتشهد معه، لأنه ليس بموضع تشهده، والأول أصح، لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده للمتابعة جاز أن يتبعه ني التشهد أيضًا، إلا أن هذا التشهد لا يجب عليه، لأنه يلزمه متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار.
والأصل فيما ذكرناه أن كل موضع كان محلاَ للتكبير لو كان وحده، فإنه يكبر إذا فارق إمامه، وكل موضع ليس بمحل التكبير إذا كان وحده نظر، فإن كان إمامه مكبرًا كبر معه متابعا له، وإن لم يكن إمامه مكبرًا فيه، لم يكبر هو. وعلى هذا إذا أدركه في الركوع وتبعه، ثم سلم الإمام، قام يكبر لأنه يقوم إلى ركعة أخرى لنفسه، ولو أدرك مع الإمام سجدة سجد بها معه ولا يضيف إليها أخرى وإذا استوى قائمًا بعدما سلم الإمام، وأدركه في التشهد لا يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه قد اشتغل عقيب تكبيرة الافتتاح بغيره، فلا يعود إليه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: "ويصلي الرجل قد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة".
وهذا كما قال: إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس منفردًا، ثم أدرك الجماعة، فالمستحب أن يصليها معهم، ولو صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى يستحب أيضا أن يصليها معهم نص عليه في "الجديد".
ومن أصحابنا من قال: لا يستحب له ذلك، لأنه أدرك فضيلة الجماعة، فلا معنى لإعادتها، وهذا اختيار كثير من مشايخ خراسان.
ومن أصحابنا من قال: إن كان صبحًا أو عصرًا لا يستحب له [١٣٠ أ / ٢] إعادتها
[ ٢ / ١٢١ ]
في جماعة أخرى، وهل يكره؟ وجهان. وان كانت غيرهما يعيدها استحبابًا، وان كانت مغربًا قد قيل: هي كالظهر. وقيل: يكره حتى لا يصير الوتر شفعًا، والأول أصح.
ومن أصحابنا من مال: ينظر في الجماعة الثانية، فإن كانت فيها زيادة فضيلة بالإمام أو المسجد أو بكثرة الجماعة يعيدها، وإلا فلا يعيدها. ذكره الإمام سهل والمنصوص الأول، وهو الأصح، لأن فيه غرضًا وسببًا ظاهرًا، وهو استدراك زيادة الفضيلة، وبهذا قال علي وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والزهري والحسن وأحمد واسحق ﵃.
وروي عن أحمد أنه قال: "لا يعيد الفجر والعصر إلا مع إمام الحق دون غيره". وقال مالك: "إن صلاها في جماعة لا يعيدها، وإن صلاها في غير جماعة يعيد إلا المغرب". وقال النخعي والأوزاعي: "يعيد الكل إلا المغرب والصبح". وبه قال أبو ثور. وروى عن الحسن وحكي عن الأوزاعي مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة: ا (لا يعيد إلا صلاتي الظهر والعشاء، فأما الصبح والعصر والمغرب، فلا يعيدها". واحتج بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين".
وروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس". وأما المغرب لو أعادها صارت وترين من جنس واحد، ولأن الوتر لا يتنفل بهاء وهذا غلط لما أشار إليه الشافعي ﵁ من الخبر. وتمامه ما روي أن النبي - ﷺ - "صلى بالمدينة يومًا صلاة الصبح، فلما انفتل منها رأى رجلًا منعزلًا لم يكن صلى معهم، فقال له: "ما لك لم تصل معنا"؟، فقال: كنت قد صليت، فقال له: "إذا جثت فصل، وإن كنت [١٣٠ ب / ٢] قد صليت".
وروي أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما انفتل من صلاته رأى رجلين منعزلين في ناحية المسجد، فقال: "علي بهما"، فأتى بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: "هونا على أنفسكما، فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"، ثم أعرض عنهما حتى سكن ما بهما، ثم قال لهما: "ألستما برجلين مسلمين؟! فقالا: بلى، يا رسول الله، فقال: "لم لم تصليا معنا"؟ فقالا: كنا قد صلينا في رحالنا، فقال: "فلا تفعلا إذا جئتما، فصليا، وان كنتما قد صليتما في رحالكما يكون لكما سبحة"، أي: نافلة.
[ ٢ / ١٢٢ ]
وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام، فليصل معه، فإنها نافلة".
وقوله: "ترعد فرائصهما"، جمع الفريصة: وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب ترتعد عند الفزع. وروى صعصعة بن أبي العريف أن رسول الله - ﷺ -، قال: "إذا صلى أحدكم في رحله، فوجد الناس يصلون، فليصل بصلاتهم وليجعل صلاته في بيته نافلة".
وروي أن رجلًا سأل أبا أيوب الأنصاري ﵁، فقال: يصلى أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة، فليصل معهم، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - ﷺ -، فقال: ذلك له سهم جمع"، وأراد أنه سهم من الجزء جمع له فيه حظان.
وقال الأخفش: أراد سهم الجيش، وهو السهم من القسمة والجمع ههنا الجيش مثل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]. وأما خبرهم محمول على إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب، قلنا: إذا كان لها سبب، وهو إحراز الفضيلة، فلا يدخل تحت النهي أو صار ذلك منسوخًا، لأن خبرنا كان في حجة الوداع. وأما قوله: لا يجوز التنفل بالوتر لا يسلم، فإنه يجوز عندنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد أن يصلي ثانيًا مع الإمام ينوي الفريضة كما في الأولى. ومن أصحابنا من قال: يطلق النية إن شاء قيد [١٣١ أ / ٢] بالغرض. والصحيح الأول، وقيل: إن قلنا: الفرض أكملهما ينوي الفرفية. وإن قلنا: الثانية نافلة، فيه وجهان:
أحدهما: ينوي النفل لأنها تقع نفلًا.
والثاني: وهو الصحيح ينوي الفرض لأن القصد إدراك فضيلة الجماعة، ولا تشرع الجماعة في النوافل.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى ثانيًا، أيهما تكون فريضة؟ قال في "الجديد": الأولى فرضة، والثانية سنة. وبه قال أبو حنيفة وأحمد بدليل ما ذكرنا من نص الخبر الصريح، ولأن الأولى تسقط الغرض بدليل أنه لا يجب عليه الثانية، فدل على أنها نافلة.
وقال في "القديم" "أحديهما: فرضه لا بعينها يحتسب الله تعالى له بأيهما شاء". وقيل: يحتسب الله تعالى بأفضلهما وأكملهما، وعبارة هذا أحسن، ووجه هذا أنه استحب إعادتها ليكملهما بالجماعة، فلو كانت الثانية نافلة لم يستحب لها الجماعة، وهذا لا يصح، لأن ههنا الجماعة سببهما.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وقال الشعبي والأوزاعي: "هما فريضة"، وهذا غلط لأن النبي ﴿﴾، قال: "لا صلاتين في يوم".
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بقوله "الجديد" يضم ركعة أخرى إلى صلاة المغرب الثانية ليصير شفعًا، فإنه لا يستحب التنفل بثلاث وكعات. وقيل: إنما يضم إليها ركعة أخرى حتى يكون مع الأولى وترًا.
وروي هذا عن حذيفة بن اليمان، وقيل: فيه وجه أنه يقتصر على ثلاث. قال: وإذا قلنا: لا يعيدها في جماعة أخرى استحبابًا لو أراد فضلها تكون نافلة لا سبب لها، فتكره في الوقت المنهي، وإن كانت مغربا يجعلها شفعًا، وهذا خلاف المذهب.
مسألة: قال: ومن لم يستطع إلا أن يومئ أومأ وجعل السجود اخفض من الركوع.
وهذا كما قال: القيام واجب في صلاة الفريضة عند القدرة سواء كان قادرًا على الركوع والسجود [١٣١ ب / ٢]، أو عاجرًا عنهما. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨]، أي: مطيعين.
وقال النبي - ﷺ - لعمران بن الحصين ﵁ وكان به البواسير: "صل قائمًا، فإن لم تستطيع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
وقال أبو حنيفة وصاحباه: "إذا عجز عن الركوع والجود بمرض ولم يعجز عن القيام سقط عنه القيام، لأن كل صلاة لا يجبه فيها الركوع والسجود لا يجب فيها القيام كالنافلة على الراحلة". وهذا غلطء لأن القيام ركن، فلا يسقط بعجزه عن غيره كالقراءة، وليس كالنافلة، لأنه لا يجب فيها القيام، وإن وجبه الركوع والسجود، وهو إذا كان على الأرض.
وروي عن أبي حنيفة: "أنه بالخيار بين أن يصلي قائمًا، وبين أن يصلي قاعدًا" كما قال في العاري.
فرع
إذا كانت بظهره علة تمنعه الركوع ولا تمنعه القيام أجزأه أن ينحني بظهره للركوع، فإن لم يقدر حنى رقبته، وان لم يقدر على ذلك إلا بأن يعتمد على شيء اعتمد مستويًا أو في شق.
[ ٢ / ١٢٤ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو قدر على الركوع ولا يقدر على القيام لمرض أو تقوس ظهره من الكبر فصار، كأنه راكع، كان قيامه على صورته راكعًا، فإذا جاء وقت الركوع. قال في "الأم": "خفض على قدر قيامه ثم يسجد ليميز بين قيامه وركوعه".
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يتمكن من وضع جبهته على الأرض في السجود يدني رأسه من الأرض أقصى ما قدر عليه، ولا يضع صدغه على الأرض، لأن ذلك ليس بسجود. هكذا ذكر أصحابنا، وذكر صاحب "الشامل": أن الشافعي قال: "وان قدر أن يسجد على صدغيه فعل، لأنه إذا سجد على صدغيه قربت جبهته من الأرض".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قار أن يقرب رأسه من الأرض مستويًا أو على أحد شقيه لزمه أن يفعل ما فيه المقاربة، ولا يرفع إلى وجهه شيئًا، فإن [١٣٢ أ / ٢] رفع مخدة إلى وجهه وسجد عليها لم يجزه، لأنه لا يسمى ساجدًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو سجد على مخدة فإن وضعها على يديه لم يجزه، لأنه سجد على ما هو حامل له، وان وضعها على الأرض ثم سجد عليها، قال: أجزأه إن شاء الله.
وقال: "إذا جاز إن يسجد على ربوة بين يديه جاز إن يجد على مخدة بين يديه، ولو سجد الصحيح على وسادة من أدم لاصقة بالأرض كرهت له، ولم أر عليه أن يعيد".
وروى الحسن البصري عن أمه قالت: رأيت أم سلمة ﵂ تسجد على مخدة من أدم. وروي لرمدٍ بها.
فَرْعٌ آخرُ
متى عجز عن القيام والركوع وقدر على القعود يصلى قاعدًا لما ذكرنا من الخبر، قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وأراد: الذين يصلون قيامًا عند القدرة، وقعودا عند العجز، وعلى جنوبهم عند العجز عن القعود. وروي أن النبي - ﷺ - "سقط عن فرسه فجحش شقه فصلى بالناس قاعدًا"، قال في "الأم": "وإنما آمره بالقعود إذا كانت المشقة عليه غير محتملة، أو كان لا يقدر على القيام بحال".
[ ٢ / ١٢٥ ]
فَرْعٌ آخرُ
كيف يقعد ههنا؟ فيه قولان. قال في البويطي: "يجلس في موضع القيام متربعًا، وفي التشهد الأول مفترشًا، وفي التشهد الأخير متروكًا" كما حكاه ابن المنذر والساجي. وبه قال مالك والثوري وأبو يوسف وأحمد واسحق والليث إلا أنهم لا يقولون بالتورك.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس ﵃، ووجه ما روي عن عائشة ﵂، قالت: "رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي النفل متربعًا". وروى المزني والقاضي أبو حامد عن الشافعي أنه يجلس كما يجلس في التشهد مفترشًا، لأنه قعود في أثناء الصلاة، فأشبه القعود للتشهد الأول، ولأن القعود [١٣٢ ب / ٢] متربعا فعل الجبابرة والقعود مفترشًا جلوس تواضع، فهو أليق بالصلاة. وهذا أصح.
وقد قال ابن مسعود: "لأن أجلس على رضفة أحب إلي من أن أصلي متربعًا". وروت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -، قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير المتربع".
وقال بعض أصحابنا: إلا أن تكون امرأة فالأستر لها التربع، وهذا غريب. وهكذا الخلاف في القعود في النافلة. وروى محمد عن أبي حنيفة: "يقعد كيف شاء".
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يجلس متربعا وكيف قعد، فإذا جاء وقت الركوع حنى ظهره، ثم سجد إن قدر على السجود، وإن لم يقدر فعل ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان يصلي جالسًا، فقدر على القيام في مواضع قيامه يلزمه القيام، ثم ينظر، فإن قدر عليه قبل القراءة، قام وأتى بها قائمًا، وان قدر بعد الفراغ منها قام ليأتي بالركوع عن قيام، قال: وأستحب له أن يعيد القراءة قائمًا، وبهذا غلط.
قول بعض أصحابنا: أنه إذا كرر الفاتحة بطلت صلاته.
وحكي عن ابن الوكيل وأبي الوليد النيسابوري صاحب ابن شريج، قالا: "تبطل الصلاة، لأنها وكن كالركوع"، وهذا غلط بخلاف النص. والفرق أن الركوع إذا كرره يأتي بالثاني في غير موضعه، وههنا يأتي بالفاتحة ثانيًا في موضع القراءة أنه تطويل الركوع وأيضًا لا يقاس الذكر على الفعل، لأن ما ليس بركن في الصلاة من الأفعال مثل الجلوس للتشهد الأول لا يجوز تكراره، والقراءة التي ليست بواجبة يجوز تكرارها، ولا يبطل ذلك الصلاة، فكذلك الواجبة فيها. وهكذا الحال لو تشهد مرتين عمدًا، وإن قدر على القيام في أثناء قراءة الفاتحة قطع القراءة وقام ولا يقرأ حال
[ ٢ / ١٢٦ ]
نهوضه إلى القيام، فإذا اعتدل قائمًا [١٣٣ أ / ٢] بنى على ما مضى.
وقال محمد: إذا قار على القيام بطلت صلاته ولا يبني على ما مضى، وهذا غلط، لأن زوال العذر إذا لم يورث عملًا طويلًا لا يبطل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
لو قرأ باقي الآية بعد القدرة على القيام في حال نهوضه إلى القيام قبل انتصابه لم يعتد بها وليس هذا كمن قرأ بعض الفاتحة قائمًا، ثم عجز عنه فجلس لا يقطع القراءة ويستديمها حين الانحطاط للجلوس، لأن فرضية القراءة قاعدًا بعد العجز، وهذه حالة تزيد على حال القعود وهناك فرضة القراءة قائمًا، وعند النهوض نقص عن القيام، فلم يجز.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": "إذا كان قادرا أن يصلي قائما ويحفف الصلاة، ولو صلى مع الإمام احتاج أن يقعد في بعضها لطول صلاته صلى منفردًا، لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فالإتيان به في جميع الصلاة أفضل من الجماعة، فإن صلى مع الإمام، فقام ما أمكنه وجلس في وقت العجز صحت صلاته".
فَرْعٌ آخرُ
لو أطاق القيام فأبطأ حتى عاوده العجز، فإن كان قاعدًا في موضع الجلوس يجوز، ولا إعادة عليه، وإن كان في موضع القيام بطلت صلاته، لأنه لما استدام ذلك صار كالمطيق إذا قعد في موضح القيام.
فَرْعٌ آخرُ
إذا كان لا يقدر على القيام إلا بمعين، وإذا قام لا يتأذى بوقوفه، فإنما يلزمه أن يستعين بغيره، فإن لم يجد إلا بأجرة تلزمه الأجرة.
فَرْعٌ آخرُ
الكمين إذا صلوا قعودًا. قال الشيخ أبو عاصم العبادي: "فيه قولان:
أحدهما: لا يصخ لأنهم آمنون لا خوف عليهم.
والثاني: يصح، لأنهم تركوا القيام لغرض صحيح، وهو التوصل إلى قهر العدو:.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان به رمد عين، فقيل له: إن صليت متلقيًا قرب البرء، وإن صليت قائمًا بالركوع والسجود أبطأ [١٣٣ ب / ٢] لا نص فيه للشافعي. وحكي عن أبي حنيفة والثوري أنه يجوز ذلك.
وقال مالك والأوزاعي: "لا يجوز ذلك" قال الشيخ أبو حامد: وهذا أشبه
[ ٢ / ١٢٧ ]
بمذهبنا، وهو الأصح ووجهه ما روي عن ابن عباس ﵁ "أنه لما كف بصره ووقع في عينه الماء حمل إليه عبد الملك بن مروان الأطباء على البرد، فقيل له: إن صبرت سبعة أيام تصلي مستلقيًا داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة يسألهم عن ذلك فكل قال: إن جاءك الأجل في السبعة الأيام، فما تصنع بصلاتك؟ فترك معالجة عينه".
وروي أن عياش كره ذلك، وقال: بلغني "أن من ترك الصلاة، وهو يستطيع أن يصلي لقي الله، وهو عليه غضبان". وقال القاضي الطبري: "عندي أنا إذا قلنا: يجوز ترك الماء، والاقتصار على التيمم لخوف إبطاء البرء والزيادة في العلة جاز ههنا ترك القيام"، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
من لم يستطع أن يصلي جالسًا جاز له ترك الجلوس وكيف يتوجه إلى القبلة) المذهب أنه يصلي على شقه الأيمن متوجهًا إلى القبلة معترضًا كما يوضع الميت في اللحد، نص عليه في "البويطي". وقال فيه: وان لم يستطع استلقى على ظهره ورجلاه إلى القبلة. وبه قال أحمد، وقال صاحب "الإفصاح": "يكون على جنبه الأيمن ورجلاه إلى القبلة حتى إذا أومأ يكون إيماؤه إلى ناحية القبلة"، والأول ظاهر كلام الشافعي. وهذا الثاني لا يصح، لأن التوجه إلى القبلة إنما يعتبر في غير حال الركوع والسجود، لأن الصحيح إذا ركع كان في وجهه إلى الأرض وسجوده إليها، وههنا يكون وجهه إلى غير القبلة على ما ذكرنا قبل الإيماء.
وقال أبو حنيفة: "صلي على ظهره [١٣٤ أ / ٢] مستلقيًا ورجلاه في القبلة بحيث إذا رفع وسادته قليلًا، كان وجهه نحو القبلة"، وهو قول بعض أصحابنا بخراسان: ولا يصح، لأن المستلقي يستقبل السماء ولا يستقبل القبلة، ولأن في خبر عمران بن الحصين ﵁، "فإن لم تستطع فعلى جنب".
وروى علي ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه"، وعلى أي صفة صلى، فإذا جاء وقت الركوع والسجود، فإن قدر عليهما، وإلا أومأ بعينيه وحاجبيه، إذا لم يقدر أن يومئ برأسه ويكون السجود أخفض من الركوع.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى على جنبه الأيسر، قال أبو حامد: لو قلنا: تجزئه صلاته لم يبعد، فإن الاعتبار باستقبال مقدمه.
[ ٢ / ١٢٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو قدر على الجلوس في أثنا، صلاته يجلس ويبني على صلاته. وقال محمد: يستأنف.
وقال أبو حنيفة: إذا قدر المومئ على القيام والقعود تبطل صلاته، ووافقنا في القاعد إذا قدر على القيام أنه يبني.
فَرْعٌ آخرُ
لو تمكن من السجدة الأولى ولم يتمكن من الثانية أومأ في الثانية، ولو أومأ بالأولى وقدر على الثانية سجد الثانية، ولا يعيد الأولى.
فَرْعٌ آخرُ
لو عجز عن الإشارة وعجز لسانه عن القراءة أيضًا، فعندنا يصلي بقلبه ويعرض القرآن على قلبه، وكذلك جميع أفعال الصلاة وتجزئه.
وقال أبو حنيفة: "تسقط الصلاة عنه". وحكي عنه كذلك: "إذا لم يقدر أن يومئ برأسه، وقدر أن يومئ بطرفه وحاجبيه"، وهذا غلط لخبر علي ﵁.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان يصلي جالسًا فقدر على القيام في حال ركوعه يقوم ثم يسجد ولا يعود إلى الركوع، لأنه يؤدي إلى ركوعين في ركعة.
فَرْعٌ آخرُ
هل يجوز التنفل منه مضطجعًا مع القدرة على القيام [١٣٤ ب / ٢] والقعود؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز، لأن كل حالة يصح أداء الفريضة عليها يجوز أداء الفعل عليها، وان كان قادرًا، وهكذا الوجهان في المومئ. ذكره مشايخ خراسان. وذكر في "الحاوي": قطعًا: أنه يجوز.
مسألة: قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمةٍ إن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ، بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه فعل ذلك في صلاته".
وهذا كما قال: أراد بالخبر ما روي عن حذيفة ﵁، قال: "صليت خلف رسول الله عن النبي - ﷺ - أنه فعل ذلك في صلاته". فما مر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا آية عذاب إلا استعاذ بالله، ولا آية تنزيه إلا سبح، ولا ضرب مثل إلا فكر". وجملته أن المستحب عندنا إذا قرأ في الصلاة آية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا قرأ آية عذاب أن يستعيذ به من النار.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وقول الشافعي: "والناس"، أراد به أن المأمومين يسألون الله تعالى مثل ما يسأل الإمام ويستعيذون مثل ما يستعيذ الإمام.
وقال أبو حنيفة: "يكره ذلك في الفرض، ولا يكره في النفل، لأنه ليس بموضع الدعاء"، وهذا غلط، لأن الذكر إذا استحب في النافلة استحب في الفريضة كسائر الأذكار.
إذا قرأ آية سورة القيامة يستحب أن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر سورة الملك يقول الله تعالى، وفي آخر سورة المرسلات: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، والكل سنة في حق المأموم أيضًا، وقد ورد به الخبر.
مسألة: قال: "وإن صلت إلى جنبه امرأة صلاة هو فيها لم تفسد عليه".
وهذا كما قال: إذا صلى النساء مع الرجال، فالسنة أن يتقدم الرجال ويتأخر النساء لقوله - ﷺ -: [١٣٥ أ / ٢] "أخروهن من حيث أخرهن الله". وقال - ﷺ -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن تقدمت المرأة وصلت إلى جنب الرجل أو بين يديه، أو إلى جنب الإمام فقد أسا، ت وخالفت السنة. وكذلك الرجال حين وقفوا معها، ولا تبطل صلاة واحدٍ منهم بذلك.
وقال أبو حنيفة: "إذا وقفت بجنب الإمام مقتدية، ونوى إمامتها بطلت صلاتها وصلاة سائر المأمومين، وان وقفت بين يدي رجلين بطلت صلاتهما، ولا تبطل صلاة غيرهما، وهذا غلط، لأنه لا تبطل بهذا صلاة الجنازة، فكذلك غيرها".
فرع
إذا صلت المرأة خلف الرجل صحت صلاتها معه. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تصح ائتمامها به إلا أن ينوي الإمام إئتمامها به، لأن من أملهم أن صلاة الإمام تبطل بصلاتها، وهو إذا وقفت إلى جنبه، وكل من تبطل صلاته بصلاته، يحتاج أن ينوي صلاته كالمأموم ينوي صلاة الإمام". وهذا لا يصح لأن كل من صح ائتمامه به إذا نواه صح وإن لم ينوه كالرجل، ثم الإمام إنما ينوي صلاته المأموم لأنه يحتاج أن يقتدي به، والإمام لا يقتدي بغيره، فكيف يلزمه أن ينوي صلاته؟
فَرْعٌ آخرُ
قال في "البويطي": "ولا يدع رجلًا أو امرأةً أو دابةً أو شيئًا يمر بين يديه، فإن مر من ذلك شيء لم تفسد صلاته".
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقال أصحابنا: لو نصب بين يديه شيئًا فمر به مار وراء ما يصلي إليه لم يضره وإن مر من بين يديه دفعه ومنعه من المرور بين يديه، وله أن يضربه، وإن أدى إليه قتله، ولو لم ينصب شيئًا، فالحكم هكذا سواء كان في مسجد، أو منزل أو صحراء، وإنما لا يجوز ذلك في موضع سجوده، [١٣٥ ب / ٢] وفيما عداه يجوز.
والأصل في هذا ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وروي: "إذا مر المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه فإن أبى فلمقاتله".
والدرء: المدافعة. وقوله: "فإنما هو شيطان"، أواد أن الشيطان يحمله على ذلك، أو أنه من فعل الشيطان وتسويله له.
وروى ابن عمر ﵁: "فليقاتله، فإن معه القرين"، يريد الشيطان. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: "إن لم يكن المصلي يصلي إلى سترة وأراد المار أن يمر، فليس له درؤه، ولا دفعه". بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت وسول الله - ﷺ - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شي، يستره من الناس، فإن أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع من عجزه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، فشرط أن يصلي إلى ستره، وهذا غريب.
وروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين "، منهم من قال: أراد أربعين سنة، ومنهم من قال: أربعين يومًا، وقيل: أربعين ساعة.
وقال ابن عمر وأنس والحسن ﵃: "يقطع صلاة الرجل الحمار والكلب الأسود والمرأة". وقال ابن عباس وعطا، ﵃: يقطع الصلاة: "الكلب الأسود والمرأة الحائض".
وقال أحمد واسحق: "لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود". وروي ذلك عن عائشة ﵂، وقال أحمد: "وفي قلبي من المرأة والحمار شيء"، وعندنا لا يقطع الصلاة شيء من هذا. وبه قال علي وعثمان ﵄ [١٣٦ أ / ٢] وابن المسيب
[ ٢ / ١٣١ ]
والشعبي وعروة بن الزبير ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، واحتجوا بما روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ أن النبي قير، قال: "تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرجل: الحمار والكلب الأسود والمرأة"، فقلت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألت رسول الله - ﷺ - كما تسألني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وفي رواية ابن عباس ﵁، قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض". وقيد آخر الرحل أي قدرها في الطول وقدر العلماء بهذا ذراعًا.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - صلى إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يداريها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه. والبهيمة ولد الشاة أول ما تولد. وقوله: يداريها هو من الدرء مهموز، أي: يدافعها.
وقال أنس: بادر رسول الله - ﷺ - بتمرة ليمنعها تمر بين يديه، وهو في الصلاة. وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان".
وقالت عائشة ﵂: كنت بين النبي - ﷺ - وبين القبلة، وأنا حائض". وروي أن رسول الله - ﷺ - "كان يصلي صلاته من الليل، وعائشة معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة". وقالت ميمونة بنت الحارث ﵂: "كان فراشي بحيال مصلى رسول الله - ﷺ -، فربما وقعت يداه علي وهو يصلي وأنا على فراشي".
وروي عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس ﵁، فقال: جثت وأنا غلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله - ﷺ -[١٣٦ ب / ٢] يصلي، فنزل ونزلت فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالى ذلك.
وقال الفضل بن عباس ﵁: "أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في بادية نصلي في صحراء ليست بين يديه سترة وحمارة لنا وكليبة يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك".
وأما خبر أبي ذر، قلنا: يحتمل أنه أراد أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي
[ ٢ / ١٣٢ ]
المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة، فذاك معنى قطعها الصلاة دون إبطالها من أصلها، ونقول: صار منسوخًا بخبرنا.
وقال ابن عباس ﵁: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي والحمر تعترك بين يديه".
فَرْعٌ آخرُ
قال في "البويطي": "للمصلي في صلاته يستتر بنحو من عظم الذراع طولًا بدليل ما روى طلحة بن عبيد الله ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل ولا يبالي ما وراء ذلك".
وقال عطاء: مؤخرة الرحل، ذراع. وقال فيه: "ويدنو المصلي من سترة لما روي أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وقال ابن المنذر: "كان مالك يصلي متباينًا عن السترة فمر به رجل لا يعرفه، فقال: أيها المصلي ادن من سترتك، قال: فجعل مالك يتقدم، ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ".
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى في الصحراء، فالمستحب أن ينصب على ما ذكرنا، لأن النبي - ﷺ - "كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه". قال الشافعي: "ويبعد عنه قدر ثلاث أذرع ". وبه قال عطاء وأحمد: وان لم [١٣٧ أ / ٢] يجد ما ينصبه بين يديه خط على الأرض خطًا، وصلى إليه لما روى أبو هريرة ﵁
أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا كان مع أحدكم عصا فلينصبها، وليصل إليها"، فإن لم يكن، فليخط خطًا. إلا أن يكون لي في ذلك حديث ثابت، فيتبع.
قال ابن المنذر: "كان الشافعي يأمر الخط إذ هو بالعراق، ثم قال بمصر ما حكاه البويطي"، وقال ابن المنذر: "قد صح الحديث فيه". وذكر القاضي أبو حامد أنه يخط خطآ بين يديه وإن صلى في البيت أو في المجد، فلا يحتاج إلى نصب شيء بين يديه، لأن في محراب المسجد أو الحائط كغاية. هكذا ذكر أصحابنا.
قال في "الحاوي": "يستحب أن يدنو من القبلة نحو ثلاث أذرع".
قال ابن عمر ﵁: سألت بلالًا ماذا منع رسول الله - ﷺ - حين دخل البيت؟ فقال: "صلى وبينه وبين القبلة ثلاث أذرع".
[ ٢ / ١٣٣ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال في "البويطي": "ولا يستتر بامرأة ولا دابة". وقد روى ابن المنذر بإسناده عن
ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - "صلى إلى بعير". وروى أبو داود في "سننه" عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: "ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا". والصمد: القصد يريد به لا يجعله تلقاء وجهه.
مسألة: قال: "وإذا قرأ السجدة سجد فيها".
وهذا كما قال: كتب في رواية عبدان بن محمد ههنا.