مسألة: قال: وصلاة الأئمة قد قال أنس بن مالك.
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكر فيما قيل: إن المستحب لمن كان إمامًا أن يخفف الصلاة بعد أن يأتي بالذكر والأفعال على الكمال، ويكون التخفيف من ترك تطويل القراءة، وإذا صلى وحده يطول كيف يشاء. وقال بعض أصحابنا: يخفف أذكارها ويكمل أفعالها ومعناهما واحد، والدليل على هذا قوله - ﷺ -: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء".
وروي: أنه - ﷺ -: "كان أخف الناس صلاة بالناس، وأطول صلاة على نفسه"، فإن كان الإمام يصلي بقوم محصورين يريدون التطويل كأهل محله، أو كانوا في سفر طول كيف شاء إذا رضوا بذلك ذكره أبو إسحاق وقال غيره يستحب ذلك.
مسألة: "قال ويؤمهم أقرؤهم وأفقههم".
وهذا كما قال: الصفات التي يتعلق بها التقديم للإمامة في الصلاة سنة أشياء: الفقه، والقراءة، والسن، والنسب والهجرة، فالنسب: هو أن يكون قريشيًا فيكون أولى من [١ أ/٣] العربي، والعربي أولى من غيره، وبنو هاشم وبنو المطلب يقدمون على غيرهم من قريش، والهجرة: أن يكون من هاجر من مكة إلى رسول الله - ﷺ -، أو من أولاد المهاجرين ممن سبق إلى الهجرة أو سبق أبوه إليها كان أولى ولا فرق بين أن تكون الهجرة قبل الفتح أو بعده، فإن قيل: أليس قال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح"، قلنا أراد أن لا تجب الهجرة، وأما فضيلة الهجرة إلى النبي - ﷺ - فلم تسقط.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذه الهجرة تحتمل معنيين: أحدهما: هجرة النسب، والثاني: هجرة نفسه مثل أن يكون رجلان أسلما في دار الحرب وسبق أحدهما الآخر بالهجرة إلى دار الإسلام، فإن كان المراد ذلك هل يكون أقدم من السن؟ قولان: وهذا حسن ولكنه خلاف النص، وأما السن: فإن المراد من طال منه مسلمًا. فأما من له سبعون سنة فأسلم الآن فإنه لا يكون كمن أسلم أمس وإن كان
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أصغر منه سنًا، وقد روى ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: "من أم قومًا وفيهم من هو أقرأ [١ ب/٣] للقرآن منه وأفقه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة، فإذا ثبت هذا فلا يختلف المذهب أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما من الشرائط لأنهما يختصان بالصلاة بخلاف غيره. ثم ينظر فيه فإن استويا في الفقه وأحدهما أقرأ فالأقرأ هو أولى وإن استويا في القراءة وكان أحدهما أفقه فالأفقه أولى، وإن كان أحدهما يقرأ ما يكتبه في الصلاة وليس فقيه، والآخر لا يقرأ ما يكفيه في الصلاة، وهو فقيه فالقارئ أولى؛ لأن الفرقة شرط بخلاف الفقه، فإن كان أحدهما يقرأ ما يكفي الصلاة وهو كتاب الفقه والآخر يفقه ما يكفي الصلاة وهو القراءة قال في كتاب "الإمامة" إن قدم الفقيه فحسن، وإن قدم القارئ ههنا فحسن ثم قال بعده: يشبه أن يكون من كان فقيهًا وقرأ من القرآن شيئًا هو أولى بالإمامة لأنه قد ينو به في الصلاة ما يعلم كيف يفعل به من الفقه ولا يعلمه من لا فقه له وهذا ترجيح منه للفقيه على القارئ وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله والأوزاعي وأبو ثور وعطاء بن أبي رباح وهذا لأن القراءة الواجبة هي محصورة بخلاف الفقه الذي يحتاج إليه المصلي.
ومن أصحابنا من أطلق [٢ أ/٣] وقال: هما سواء في قول الشافعي لأن الفضيلتين تقابلتا والصحيح ما ذكرنا، وهو ظاهر في آخر كلام الشافعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: -﵏-: القارئ أولى واختاره ابن المنذر ﵀ واحتجوا بما روى أوس بن ضمغج عن ابن مسعود البدري ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه".
وتكرمته: فراشه. وروي في هذا الخبر فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة وهذا غلط لما ذكرنا من الدليل، ولهذا كان الفقيه بالقضاء والإمامة الكبرى أولى من القارئ، وأما الخبر فأجاب الشافعي بما قال: إن من مضى كانوا يسلمون كبارًا يتفقهون قبل أن يقرؤوا ويريد به الصحابة الذين هم المخاطبون من بعدهم من التابعين إلى يومنا هذا، كانوا يقرؤون القرآن صغارًا قبل أن يتفقهوا، وأراد لم يكن أحد من الصحابة أقرأ إلا وهو فقيه إذ ذاك وكثير منهم كانوا فقهاء ولم يكونوا قراء واليوم يتعلمون [٢ ب/٣] الناس القرآن صغارًا، ويتفقهون كبارًا فكثير منهم يكونون قراء ولا يكونون فقهاء فلهذا لم نقدم الأقرأ اليوم على الأفقه.
وقد روي أنه لم يجمع جميع القرآن من الصحابة إلا ستة، فقرأ أبو بكر وعثمان
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعلي وزيد وأبي وابن مسعود ثم بعدهم ابن عباس ﵃، وقال ابن مسعود ﵁: "كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم عليها أو يعرف حلالها من حرامها"، فإن استويا في الفقه والقراءة معًا ففيه قولان:
قال في "القديم": يقدم بالشرف فإن كان في الشرف سواء فقدم الهجرة فإن كانا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا، وقال في "الجديد": السن يتقدم على الشرف والهجرة فإن كانا في السن سواء فالشرف أولى، فإن كانا في الشرف سواء فأقدمهم هجرة فلا يختلف القول: إن الهجرة تلي الشرف، وإنما الخلاف في السن هل يقدم عليهما أو يؤخر عنهما؟ فيه قولان: فالترتيب على قوله القديم: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن، وعلى قوله الجديد: القراءة والفقه والسن والشرف والهجرة وأن علامة للحفظ فقل هل السن أوسطها أم آخرها؟ قولان:
ووجه قوله القديم وهو اختيار [٣ أ/٣] أبي إسحاق قوله - ﷺ -: "قدموا قريشًا"، ولأن النسب حصل بأمر مكتسب كانا لآبائه والسن صفة تحدث ليست بمكتسبة فالمكتسب أولى ووجه قوله الجديد قوله - ﷺ -: "يؤمكم أكرمكم"، ولأنه فضل في نفسه والنسب فضل في آبائه ولأن من كبر سنه يكون أسكن وأخشع في الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي رحمة الله عليه فإن استويا فأقدمهم هجرة، فإن أراد المزني أنا لو صورنا رجلين في عهد رسول الله - ﷺ - أحدهما من المهاجرين الأولين، والآخر من مسلمي الفتح فالأمر كما قال، وإن أراد أن ولد المهاجر أولى من ولد من لم يهاجر فهو نسب، والنسب يقدم أو السن؟ فيه وجهان وهذا غلط؛ لأنا نقلنا لفظ الشافعي فيه، والهجرة غير النسب فلا معنى للوجهين مع النص، فإن تساويا في كل هذا. قال أصحابنا: تقدم أورعهم وأدينهم وقال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال: أراد أحسنهم صورة لما روي أن النبي - ﷺ - قال "يؤمكم أحسنكم وجهًا فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقًا" ذكره في الحاوي [٣ ب/٣] ولأنه فضيلة كالنسب.
ومنهم من قال: يقدم أحسنهم بين الناس ذكرًا وأشدهم طريقة وهذا أحسن ذكره القاضي الطبري ﵀ وروت عائشة وأبو هريرة ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب انه فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنًا فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهًا فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكبرهم حسبًا". وقيل بعد السن والنسب يقدم لطيفه الثوب على
[ ٢ / ٢٨١ ]
الوسخ الثوب، لأن قلب الناس إليه أميل ثم يقام بعده حسن الصوت لما ذكرنا من تقدم حسن الصورة لقوله - ﷺ -: "إن الله تعالى لا يحسن خلق رجل وخلقه وهو يريد أن يعذبه في النار".
مسألة: قال ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اجتمع قوم في منزل رجل فصاحب المنزل أحق بالإمامة من جميع من قدمنا ذكره إلا أن يكون فيهم والٍ فإنه أحق من صاحب المنزل ولو حضر الخليفة ومن دونه فالخليفة أولى لأنه أعم سلطانًا، وإذا لم يحضر الوالي فلا يحتاج أحد في الإمامة إلى إذنه وإن [٤ أ/٣] كان في مسجد جامع مصر والأصل فيه ما ذكرنا من الخبر في رواية أبي مسعود الأنصاري، وقيل معنى التكرمة: الطنفسة، والمصلى الخاص الذي يتخذه الرجل لجلوسه فلا يوطأ ذلك إلا بإذنه لأنه قد يريد أن يكرم الغير بإجلاسه عليه فلا يفوت ذلك عليه أو يريد أن يجلس هو حتى يتميز عن غيره ولأن ولاية السلطان هي عامة وصاحب الدار واحد من رعيته فهو أولى، ويفارق ذلك ولاية النكاح لأنها تراد لطلب الحظ وحفظ العشيرة عن العار، فإن الولي الخاص هو أولى بذلك، والإمامة تراد للكمال والإمام أكمل ويفارق صلاة الجنازة في أحد القولين؛ لأن المطلوب منها الشفقة على الميت وإخلاص الدعاء له والاستغفار، والولي المناسب هو أحسن وأشفق من غيره ودعاؤه أرجى للإجابة فكان أولى من الوالي بخلاف هذا فإنه للكمال والإمام أكمل.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: فيه قولان: أحدهما ما ذكرنا، والثاني: أن صاحب الدار أولى من الوالي لأنها ملكه فله أن يخص نفسه بالوقوف فيه وهذا غريب.
وقال في "الحاوي": "إن كان إمام العصر فلا خلاف أنه أولى من الكل بكل [٤ ب/٣] حال" فإن كان إمام الوقت أو سلطان البلد ففيه قولان: أحدهما: رب الدار أولى لقوله - ﷺ -: "رب الدار هو أحق بالدار" والثاني: وهو الأصح المشهور في الجديد والقديم أن إمام الوقت أو السلطان أولى لأن ولايته عامة على ما ذكرنا فإن أذن لبعض الحاضرين بها جاز ولا يكره ذلك.
فرع
لا يجوز لواحد من الرعية أن ينصب نفسه إمامًا في جامع البلد إلا بإذن سلطانه، لما فيه من الاستهانة به، والامتياز عليه في ولايته ولو عدم السلطان فارتضى أهل البلد بتقديم أحدهم جاز.
فَرْعٌ آخرُ
المساجد التي في الأسواق يجوز لأحدهم أنه يندب نفسه للإمامة فيها من غير إذن
[ ٢ / ٢٨٢ ]
السلطان لأنه يشق استئذانه فإن انتدب أحدهم وعرف أنه ليس لغيره التقدم عليه إلا بإذنه وهذا لما روي أن ابن عمر ﵄ حضر مسجد مولى له فقيل له: تقام فقال لمولاه: تقدم فإنك إمام المسجد.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفع السيد إلى عبده منزلًا يسكنه فهو أولى بالإمامة فيها من غيره إلا أن يكون سيده [٥ أ/٣] حاضرًا فيكون هو أولى؛ لأن الملك له وإن كان قد ملكه وقلنا: يملك بالتمليك لك لأن للسيد التحكم عليه فيما ملكه.
فَرْعٌ آخرُ
قال الشيخ أبو حامد ﵀: والمستعير كالعبد هو أحق بالإمامة ما لم يحضر المعير فإن حضر المعير فهو أحق، لأن للمالك الرجوع في العارية متى أراد، والمستأجر أولى بالإمامة من المؤجر، لأنه قد ملك المنافع بعقد الإجارة وهذا من جملة المنافع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المستعير كالمستأجر، وقال القفال ﵀ في الابتداء: المعير كالسيد مع العبد كما قال أبو حامد ﵀: ثم رجع إلى أن المستعير أولى، لأنه يكن الدار لنفسه والعبد يكن لسيده والأول أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ
لو اجتمع مسافرون ومقيمون قال الشافعي ﵀: فإن كان الوالي من أحد القريتين صلى بهم مسافرًا كان أو مقيمًا وإن لم يكن فيهم وال فأحب إلي أن يؤمهم المقيم لتكون صلاتهم بإمام يريد به أن المقيم إذا أم المسافرين لزم المسافرون التمام فلا يؤدي إلى مفارقة الإمام في بعض الصلاة كما تؤدى إذا أم المسافر، قال: ويؤجر المسافرون على الجماعة وكمال عدد الصلاة وهذا يدل [٥ ب/٣] على أن الائتمام عنده أفضل من القمر والمشهور أن القمر أفضل، وإن أم مسافر قال: كرهت له ذلك إذا كان يصلي خلفه مقيم ولكن يجوز وبني المقيمون على صلاة المسافر إذا قصر. وقال في "الإملاء": لا بأس به، وقيل: قال في "الإملاء": هما سواء فحصل من هذا أن إمامة المقيم أفضل، ويجوز إمامة المسافر وهل يكره؟ فيه قولان والأظهر ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ
لو حضر إمام المسجد في أول الوقت ولم يتكامل اجتماع الناس يقيم الصلاة ولا ينتظر كثرتهم؛ لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة اليسيرة أفضل.
قال أصحابنا: ولا يكره هذا بشرطين:،أحدهما: أن لا يفوت به أول الوقت، والثاني: أن لا يسبق على الحاضرين ويقدم الإمام في الصف الأول الشيوخ والعلماء وأهل الفضل.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": يكره للرجل أن يؤم قومًا وهم له كارهون، فإن فعل لم تبطل صلاته، ولم يكن مكروهًا للمأموم لأن إمامه لا يكره أن يصلي الناس خلفه وإن كرهه بعضهم دون بعض نظرنا إلى الغالب، فإن كان الأكثر يكرهون كرهنا وإن كان الأكثر لا يكرهون [٦ أ/٣] نكره؛ لأنه لا يخلو في العادة عن أن يكون فيهم من يكرهه، والأصل في ذلك قوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة من يؤم قومًا وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا صلاة عبد آبق من سيده حتى يرجع"، وروي أنه - ﷺ - قال: "ثلاثة لا يقبل الله صلاتهم: من أم قومًا وهم له كارهون، ومن استعبد محررة، ومن لا يأتي الصلاة إلا دبارًا"، ومعنى الدبار أن يؤخر حتى يفوت ثم يأتي.
قال الإمام أبو سليمان ﵀: هذا إذا اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها، واستعباد المحرر من وجهين: أحدهما: أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، والثاني: أن يستخدمه كرهًا بعد العتق، قال: وهذا الوعيد في الرجل الذي ليس من أهل الإمامة فينقلب عليها حتى يكره الناس إمامته، ولو كان مستحقًا للإمامة فالوعيد على من كرهه دونه، وشكا رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ أنه يصلي بقوم وهم له كارهون، فقال له: إنك لخروط يريا أنك متعسف في فعلك، ولم يزده على ذلك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [٦ ب/٣] هذا إذا لم ينصبه الإمام فإن نصبه الإمام لا يبالي فالكراهة من القوم، وقيل أراد الشافعي ﵀ وأكره أن يتولى قومًا وهم له كارهون ولاية الحكم دون ولاية الصلاة.
فرع
إذا صلى الإمام على مكان مرتفع عن الناس، مثل أن يصلي على دكة أو سرير أو منبر نظر، فإن كان بالناس حاجة إلى تعلم الصلاة منه أحببنا له ما فعل، وإن لم يكن فالمستحب أن يكونوا على مستو من الأرض لا يعلو بعضهم على بعض.
وقد روي أن النبي - ﷺ -: "صلى على المنبر بالناس إعلامًا للناس، فكلما أراد السجود رجع قهقرى وسجد على الأرض، ثم عاد إليه، ثم قال بعد الفراغ: صلوا كما رأيتموني أصلي" وروي أنه قال: "إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي" وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يكره ذلك لما روي أن حذيفة صلى بالناس فوقف على دكان فأخذ ابن مسعود ﵁ ثيابه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود: ألم تعلم أنه نهى عن ذلك. فقال: بلى ذكرت حين جبذتني. روى الشافعي أنه
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قال: ألم ترني تابعتك قلنا: نحمله على غير وقت التعليم [٧ أ/٣]. وقد روى ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: يرتفع الإمام على من خلفه قيد أربع أصابع ثم إذا صلى الواحد منا على مكان مرتفع كبر، وقرأ وركع فإن كان المكان لا يضيق عن سجوده فيه سجد فيه، وإن ضاق عنه كالمنبر فإن قدر على التقدم إلى مكان واسع يسجد عليه تقدم، وإن لم يقدر دون التأخر نزل القهقرى فسجد وصعد ولا ينحرف عن القبلة متيامنًا أو متياسرًا، فإن كرر ذلك وتفاحش بطلت صلاته، وإن أمكنه التقدم والتأخر معًا، فالتقدم أولى لأن التقدم من شأن المصلين، وإذا علم مرة واحدة أحببنا له أن يصلي مع المأمومين في مستو من الأرض بعد ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى بالجماعة فالمستوى أن يتبع الإمام فيركع بعد ركوعه، وكذلك في كل ركن وانتقال من ركن إلى ركن؛ لأنه تابع فلا يسبق المتبوع، فإن وافقه في ذلك جاز إلا في الإحرام فإنه لا يجوز أن يحرم معه على ما ذكرنا، والأصل في هذا ما روي أن النبي - ﷺ - قال: "لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت [٧ ب/٣] تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت"، وأراد بقوله: تدركوني إذا رفعت أي لا يضركم رفع رأسي وقد بقي عليكم منه إذا أدركتموني قائمًا قبل أن أسجد. وقوله: بانت وروي على وجهين: بتشديد الدال، ومعناه كبر السن، فقال: بأن الرجل إذا أسن، والثاني: بدنت مضمومة الدال غير مشددة. ومعناه: زيادة الجسم وحمل اللحم وهذا يثقل البدن.
فَرْعٌ آخرُ
لو سبقه فركع قبل إمامه يكره ذلك، ويؤمر بالانتصاب فإن فعل فأدرك إمامه منتصبًا ركعة بعد ركوعه، وإن أقام على ما هو عليه حتى لحق به الإمام، واجتمعا في الركوع جازت صلاته، ولو ركع قبل إمامه ثم اعتدل قبل أن يركع الإمام فإنه يركع مع إمامه إذا ركع، وإن رفع قبل إمامه، وأراد الاعتدال فجعل الإمام يركع، وهذا يرجع اجتمعا معًا على الركوع في حالة واحدة بعد سبق إمامه بركن فلا تبطل صلاته. وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"، وروي كبش، وروي حية. فإن أقام على [٨ أ/٣] الانتصاب حتى لحق به إمامه فانتصبا معًا أجزأه وإن رفع من الركوع فركع إمامه، ثم سجد قبل اعتدال إمامه من الركوع فقد سبق بركنين فإن كان عالمًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا لا تبطل صلاته، ولكنه لا يعتد بهذه الركعة، وهذا أصل أنه متى سبقه بركن كره وأجزأه، وإن
[ ٢ / ٢٨٥ ]
سبقه بركنين. فإما أن تبطل أو لا يعتد بتلك الركعة ويبني على صلاته نص عليه.
فرع
لو سلم مع إمامه معًا، فإن قلنا: إن نية الخروج لا تجب يجزيه كما لو ركع معه، وإن قلنا: تجب نية الخروج لا يجزيه كما لو كبر معه لا تنعقد له صلاة الجماعة، ثم قيل على هذا تبطل صلاته كما لو تقدم على الإمام بركن.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب للمسبوق أن ينتظر فراغ الإمام عن التسليمتين جميعًا ثم يقوم، وإن قام قبل التسليمة الثانية يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو قام المسبوق مقارنًا للتسليمة الأولى؛ فإن قلنا في المأموم الموافق: إنه لو سلم مقارنًا له يجوز فيجوز؛ وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا يبطل إلا أن ينوي الخروج عن متابعته. [٨ ب/٣].
فَرْعٌ آخرُ
لو وقف المأموم المسبوق بعد سلام الإمام، ولم يقم، وطال جلوسه، فإن كان قد أدرك مع الإمام ركعتين لا تبطل لأنه جلوس محسوب من صلاته، فإن كان قد أدرك ركعة تبطل، لأن جلوسه بحكم المتابعة، وقد زالت بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ
لو مد قيامه حتى سبقه الإمام بركن لم يضره، وإن تأخر حتى سبقه بركنين بطلت صلاته ثم اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا كان هذا قعد في القيام ووصل إمامه إلى السجود بطلت صلاته، لأنه يسبقه بالركوع والاعتدال منه وهما ركنان، ومنهم من قال: إذا أدركه في السجود جازت صلاته، والركوع والاعتدال منه كركن واحد والأول أصح، ولو سجد الإمام سجدتين، وهو قائم في الاعتدال ففيه وجهان، أحدهما: تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما، وقال أبو إسحاق ﵀: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود. والأول أصح وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن خالف إمامه بركن غير مقصود مثل جلسة الاستراحة لا يضره، وإن خالفه بركن مقصود مثل القنوت والتشهد [٩ أ/٣] الأول فترك الإمام واشتغل هو به بطلت صلاته وفي هذا نظر والله أعلم.