مسألة: قال: ويستسقى الإمام حيث يصلي العيد.
وهذا كما قال. اعلم أن معنى الاتسقاء مسألة الله تعالى سقيا عبارة عن حاجتهم إليه وذلك هو سنة لا خلاف فيها، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ﴾ "البقرة: ٦٠" الآية وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ "نوح: ١٠ و١١".
وأما السنة: فما روي ابن عباس ﵁ أنه خرج في الاستسقاء متبدلا متذللا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فدعا على المنبر ولم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما صلى في العيدين. وروى أنس ﵁ قال: أصاب أهل المدينة قحط فقام رجل إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخطب فقال: "هلك الكراع والشاء فاسأل الله أن يسقينا فمد يده ودعا "٢٤٦ ب/٣" فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع فأرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، والعزالى: هي جمع العزلا، وهم فم المزادة وروى أنه لما قال الأعرابي هذا وهو في خطبة الجمعة كانت السماء كمثل الزجاجة فمد يده ودعا فلم تزل السماء تمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره؟ فقال يار سول الله: تهدمت البيوت فادع الله لنا أن يحبسه فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب ينصدع حول المدينة كأنه إكليل، وهذا الخبر يدل على أنه يستحب الاستسقاء عند الجدب والدعاء على صرفه إذا خيف ضرره.
وأما الإجماع: روى أن العباس عم رسول الله - ﷺ - استسقى، وروي أن عمررضي الله عنه استسقى بالناس عام الرمادة فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما وأرمى به نحو الشمال. وقال: "اللهم إنا جئناك نستسقيك ونستشفع إليك بعم نبيك" فما انقضى قوله والناس ينظرون إليها وإلى السحاب حتى نشأت سحابة فلم تلبث أن طبقت الأفق، ثم أرسلت السماء "٢٤٧ أ/٣" عزاليها فما رجعوا إلى حالهم حتى بلغهم الغيث، فأفرغ الله به الجنان، وأخصب به البلاد وذلك أبلغ المعجزات لرسول الله - ﷺ -، وأعظم
[ ٢ / ٤٩٧ ]
ما يكون من الآيات، ولا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فقد قال في " الأم": إذا انقطعت الأمطار وقت الحاجة إليها وغارت العيون والأنهار أو جفت الآبار أو ملحت في بعض المواضع مياه الأنهار لا أحب للإمام أن يتأخر عن الاستسقاء، فإن تخلف عنه فقد أساء بترك السنة ولا قضاء عليه ولا كفارة، وإن لم يفعلها الإمام فعلها الرعية والمستحب أن يستسقي الإمام مع الناس في الصحراء؛ لأن المستحب أن يخرج له الرجال والنساء والصبيان، فالصحراء هي أوسع وأرفق وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن رسول الله - ﷺ - خرج بالناس إلى المصلى يستسقي، ولأن في الصحراء يوقف على سحابة إن نشأت أو نقط من المطر فيستبشرون به، ولأن المطر يصيبهم في الصحراء والبروز للمطر مستحب.
مسألة: قال: ويخرج متنظفا بالماء وما يقطع الروائح.
الفصل
وهذا كما قال في السنة: "٢٤٧ ب/٣" أن يخرج متنظفا بالماء، فإنه يغتسل ويستاك على ما سبق بيانه ويلبس ثيابا نظيفة غير جديدة ولا مطيبة، وهذا لئلا يتأذى بروائحه الكريهة، وقال في " الأم": ولا يتطيب ويكون مشيه وجلوسه وكلامه كلام تواضع واستكانة، وكذلك سائر الناس، وهذا لأنه موضع مسألة وطلب بخلاف يوم العيد، فإنه يوم سرور وزينة، ولأن النبي - ﷺ - تزين للعيد وخرج للاستسقاء متذللا متواضعا متضرعا.
مسألة: قال: وأحب أن يخرج الصبيان ويتنظفوا للاستسقاء.
الفصل
وهذا كما قال: ويستحب أن يخرج الصبيان والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة له من غير العجائز ليكثر الجمع، والاستحباب في خروج الشيوخ والصبيان أشد لقوله - ﷺ - "لولا رجال ركع"، وروي "شيوخ ركع" وروي "صبيان رضع وبهائم رته لصب عليكم العذاب صبا" وروي ثم يرص رصا؛ ولأن الصبيان لا ذنب لهم وفي الشيوخ قال رسول الله - ﷺ -: "إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وروي أن عمر ﵁ "استسقى بالعباس" على ما ذكرنا. قال "٢٤٨ أ/٣" ويستحب لسيد العبد أن يخرجه ويخرج الأمة العجوز ليكثر التضرع والدعاء، ولا يجب ذلك على السيد؛ لأن الرقيق مستحق الخدمة.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال: ولا آمر بإخراج البهائم وأراد لا يستحب ذلك ولا أكرهه؛ لأن بحضورها أثرا في الرحمة، وروي أن قوم يونس - ﷺ - لما أظلهم العذاب وطلبوا يونس - ﷺ - ليسلموا هرب منهم فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء وأولادهن وبين البهائم وأولادها، فضجت الأمهات وضج الأولاد وكثر الدعاء فرفع الله تععالى عنهم العذاب، وإنما قلنا: لا يستحب، لأن النبي - ﷺ - لم يخرجها في الاستسقاء. وقال أبو إسحاق: يستحب إخراج البهائم لعل الله تعالى أن يرحمها ولا يؤاخذها بذنوب بني ءادم، لأنها تستضر بالجدب أيضا كبني ءادم، ومن قال بهذا قال: تأويل ما قال في "الأم"، " ولا آمر بأخراج البهائم كما آمر بإخراج الصبيان والشيوخ" فجعل حضورهم آكد وأفضل.
وحكى القفال عن الشافعي أنه قال: أحب إخراج البهائم وإيقافها في جانب بين الناس للخبر الذي ذكرنا وهذا غريب.
وقال في "الحاوي" "٢٤٨ ب/٣" قال ابن أبي هريرة: إخراج البهائم أولى من تركها. وقال سائر أصحابنا: إخراجها مكروه لما فيه من تعذيبها واشتغال الناس بأصواتها، وإنها من غير أهل التكليف، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، وحكى أن سليمان بن داود ﵊ خرج يستسقي فرأى نملة قد استقلت على ظهرها تستسقي فقال: ارجعوا فقد سقيتم بعيركم.
مسألة: قال: وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء في موضع مستسقى المسلمسن وأمنعهم من ذلك.
وهذا كما قال: لا يجوز للإمام أن يخرج أهل الذمة وسائر الكفار للاستسقاء؛ لأن اللعنة تنزل عليهم.
قال أصحابنا: وربما كانوا هم سبب القحط لقوله تعالى: ﴿وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ "الجن: ١٦" فإن خرجوا متميزين عنهم، قال الشافعي: لا أمنعهم لأنهم مسترزقة والله تعالى يضمن رزق العباد المؤمنين والكفار فقوله تعالى: ﴿وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ " البقرة: ١٢٦" الآية.
وهذا إذا أرادوا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، فأما إن أرادوا الخروج في يوم المسلمين إلى موضع آخر متميزين عن المسليمن فيه "٢٤٩ أ/٣" وجهان:
أحدهما: يمنعون لأن الشافعي قال في " الأم": وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء مع المسلمين في موضع مستسقى المسلمين وغيره، وأراد به في ذلك اليوم لأن في غيره لا يمنعون، ولأنا لا نأمن إذا استجيبت دعوة المسلمين أن يدعوها لأنفسهم.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
والثاني: وهو الأصح لا يمنعون لأن الشافعي، قال: وإن خرجوا متميزين لم أمنعهم، والذي قال في " الأم": إنما أكره إخراج من خالف الإسلام وهاهنا لا يخرجهم، بل هم خرجوا بانفسهم. وقال الشافعي: لا أكره إخراج صبيان أهل الذمة ما أكره من رجالهم، لأن غير البالغ لم يعاند ولم يعتقد، بل هو تابع.
وأما خروج نساء أهل الذمة كخروج رجالهم إن خالطن المسلمين منعن وإلا فلا كما قلنا في الرجال.
وقال مكحول: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين، وقال إسحاق: لا نأمرهم بالخروج ولا ننهاهم، وقال الأوزاعي: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله بإخراج أهل الذمة للاستسقاء فلم يعب عليهم أحد في زمانه. واحتجوا بأن الله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المؤمنين وهذا غلط؛ لأن الكفار أعداء "٢٤٩ ب/٣" الله تعالى فلا يحتاج إلى دعائهم وشفاعتهم فلا يخرجهم ولا يمنعهم.
مسألة: قال: ويأمر الإمام الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء يستحب له أن يتقدم إلى الناس، بان يصوموا قبله ثلاثة أيام متتابعة، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بأداء ما يلزمهم من المظالم من دم أو مال أو عرض؛ لأن القحط عقوبة المظالم.
قال عبد الله بن مسعود: "إذا بخس المكيال، حبس القطر" ويأمر بالصلح مع المتشاحن والمهاجر وبالتطوع وبالتصدق والصلاة والذكر وغيرها من البر، والأصل فيها ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "الصدقة تطفئ غضب الرب والدعاء يرد البلاء"، وروي أنه - ﷺ - قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم والمريض والمظلوم"، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياما نص عليه في "الأك"؛ لأنا إذا استحببنا لهم أن يقدموا الصيام فالأولى يوم المسألى والدعاء. فإن قيل: أليس يستحب الفطر يوم عرفة ليتوفروا على الدعاء فقولوا: مثله هاهنا قلنا: هناك الغالب هناك "٢٥٠ أ/٣" السفر الطويل وأقلهم سفرا من يخرج من مكة، فإذا كان صائما ضعف عن الدعاء وهاهنا لا يوجد هذا المعنى.
قال: ويخرج بهم إلى أوسع ما يجد يعني من الصحراء، وينادي الصلاة جامعة ثم يصلي بهم ركعتين كما يصلي في العيدين، ويقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين في الركعة
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الأولى بسورة ق وفي الركعة الثانية بسورة اقتربت، ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الثانية سورة نوح لأنها بالحال أشبه كما في صلاة الجمعة الأول أولى لما روى ابن عباس ﵁ عنه قال: "صنع رسول الله - ﷺ - في صلاة الاستسقاء ما صنع في صلاة عيد الفطر والأضحى"، ويجهر فيها بالقراءة ويصلون قبل الخطبة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وهي أشهر الروايتين عن أحمد، وروى ذلك عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب، ومكحول ﵃.
وقال الزهري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا يصلي الاستسقاء والصلاة فيه بدعة، وربما يقول أبو حنيفة وأصحابه: إنها لا تكون بدعة ولا سنة، وحكي عن مالك أنه يصلي ركعتين بلا [٢٥٠ ب/٣] تكبير زائد وهي رواية عن أحمد.
وقال الليث بن سعد: يخطب قبل الصلاة، ويروى هذا عن ابن الزبير وكذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهذا غلط لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسًا. وروي أنهم كانوا يخطبون بعد الصلاة ويقيس على صلاة العيد ووقت هذه الصلاة وقت صلاة العيدين ولا يزال وقتها قائمًا ما لم يصل العصر، فإذا صليت العصر، ظاهر كلامه في "الأم" أنها لا تفعل لأنه قال فيه: لو صلاها بغير طهارة أعاد في يومه بعد الظهر وقبل العصر، وليست كصلاة العيد التي يفوت وقتها بزوال الشمس، وهذا لأن وقتها موسع لا يخاف فوتها فلا يجوز أن يقصدها في الأوقات المنهية.
مسألة قال: ثم يخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يقوم فيخطب يقصر الخطبة الأخرى.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الخطبة، وجملته أنه يستحب أن يخرج المنبر إلى الصحراء ليخطب عليه، وروت عائشة ﵂ أن النبي [٢٥١ أ/٣]- ﷺ - أخرج المنبر للاستسقاء ولم يرو عنه أنه أخرج المنبر في العيد ولكنه خطب على بعيره، وقيل: لا يستحب ذلك في العيد، وقال الشافعي: فإن لم يخرج المنبر ولكنه خطب على حائط أو ربوة جاز؛ لأن الغرض أن يكون عاليًا ليبلغ خطبته، فإذا صعد سلم وجلس كما قلنا في خطبة العيد، ولا تختلف هذه الخطبة وخطبة العيد، إلا أنه يستحب أن يدعو في هذه الخطبة الأولى لما روى عبد الله بن عمر ﵁ عنه أن النبي - ﷺ - "كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا مجللًا عامًا ماسحًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من
[ ٢ / ٥٠١ ]
اللأواء والجهد والضنك ما لا يشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علنا مدرارًا" فإذا دعا بهذا الدعاء [٢٥١ ب/٣] ويصل بن الخطبتين بجلوس، فإنه يبتدئ بالخطبة الثانية"، وذكر ابن قتيبه في حديث أنس أنه قال:" اسقنا غيثاُ مغيثًا وحيًا رتيعًا وحدًا طبقًا غدقًا موقعًا عامًا هنيئًا مريًا مريعًا مونقًا وابلًا سائلًا مسيلًا مجللًا ديمًا درارًا نافعًا غير ضار عاجلًا غير رائث غيثًا. اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغًا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علمنا زينتها، وأنزل علينا في أرضها سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورًا فأحيي به بلدة ميتًا واسقه مما خلقت لنا أنعامًا وأناسى كثيرًا".
وروى أنه - ﷺ - كان يقول عند كثره المطر: "اللهم اسقنا رحمة ولا سقيًا عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا" والغيث: المطر، مغيثًا أي: يغيث الخلق عن الشدة هنيئًا مريئًا، أي: ذا هناء ومراء مريعًا، أي: مخصبًا ذا مراعة، مربعًا، أي: منبتًا للربيع وهو الكلأ، وهل: هو من ربعت بمكان كذا إذا أقمت به، مجللًا أي: مغطيًا، سحًا: أي صبًا والغدق هل: غذقًا وغَدَقًا ومغدقًا وهو الكثير المطر والحياء هو الذي تجيء به [٢٥٢ أ/٣] الأرض والجد المطر العام، ومنه أخذ جد العطية والجدوى مقصور والمونق: المعجب والسائل من السيل فقال: سئل سائل كما يقال: مطر ماطر والرايث: البطيء وسكنها فوتها، وإنما قيل: له سكن لأن الأرض سكن به والظراب: هى التلال الصغار.
قال الشافعي: وأحب أن مكون أكثر كلامه الاستغفار ومفصل به كلامه ويختتمه به هكذا روي عن عمر ﵁ ويكثر من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ و١١] ويستحب أن يدعو بدعاء الأنبياء، فإنه أسرع إلى الإجابة. وروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى ميمون بن مهران: إني كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء وأمرتهم بالصدقة والصلاة فإن الله تعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ و١٥] وأمرتهم أن يقولوا: كما هال أبوهم أدم - ﷺ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٦٣] وأن يقولوا: كما قال موسى ﵇: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص:١٦] وأن يقولوا: كما قال يونس [٢٥٢ ب/٣١] ﴿أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن قصر من هذا أو
[ ٢ / ٥٠٢ ]
زاد على هذا فلا بأس، ويستحب أن يأتي بهذا الاستغفار في الخطبة الثانية ثم إذا بلغ إلى هذا المكان في الخطبة الثانية حول وجهه إلى القبلة، وهو على المنبر وظهره إلى الناس، فإن كان عليه طيلسان مقور وهو الذي نسخ مقورًا حوله ولم يقلبه؛ لأن تقليبه لا يمكن، وتحويله هو أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على عانقه الأيسر علي الأيمن. وقيل: ويجعل باطنه ظاهرًا وظاهره باطنًا ولو كان رداء مربعًا فإنه يحول قولًا واحدًا، وهل ينكسه فيجعل الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى؟.
قال في "القديم": لا ينكسه؟ لأن النبي - ﷺ - لم ينكس، وقال في "الجديد": ينكسه وهو الصحيح، لأن النبي - ﷺ - أراد التنكيس فثقلت عليه فترك، فإذا أمكن ما أراد يكون مستحبًا فإن ثقل عليه حوله، ولم ينكسه كما فعل رسول الله - ﷺ - ويفعل المأموم مثل هذا وهو جالس والفائدة في قلب الرداء وتنكسه التفاؤل، وهو أن ينتفل من جدب إلى [٢٥٣ أ/٣] خصب.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب التحويل، لأنه دعاء فلا يستحب فيه تغيير الثياب. وحكي الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يحول الإمام رداءه دون المأمومين، وروي مثله عن محمد وعروة وسعيد بن المسيب والثوري وهذا غلط، لما روي في خبر عبد الله بن زيد أن النبي - ﷺ - "استقبل القبلة وحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله". وأصل العطاف الرداء وانما أضاف الانعطاف إلى الرداء، لأنه أراد أحد شقي العطاف الذي عن يمينه وعن شماله.
وقال أحمد: يجعل اليمين على الشمال والمال على اليمين، وعن مالك قريب منه، ثم إذا فعل ذلك يدعو لهم مستقبل القبلة سرًا فيقول: "اللهم أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم إن كنت أوجبت إجابتك لأهل طاعتك وكنا قد فارقنا، أي أذنبنا وأجرمنا ما خالفنا فيه الذين محضوا طاعتك، فامنن علينا بمغفرتك وإجابتك في سقياك، أو يقول: اللهم فامنن [٢٥٣ ب/٣] علينا بمغفرة ما فارقنا وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا ويدعو بعد هذا بما شاء من أمر الدنيا والآخرة" ويدعو الناس معه سرًا أيضًا في هذه الحالة، ثم يقبل على الناس بوجهه ويحضهم على طاعته ويأمرهم بالخير ويملي على النبي - ﷺ - ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويقرأ آية أو أكثر ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل.
فإن قيل: قلتم في الخطبة الثانية: إنه يدعو سرًا. ويدعو الناس معه سرًا، وفي الخطبة الأولى: لا يأمرون الناس بالدعاء، قلنا: لأن في الخطبة الأولى يجهر بالدعاء فيؤمنون هم وفي الثانية يسر هو بالدعاء فلا يسمعون دعاءه فلا بأس أن يوافقوه في الدعاء سرًا، وإنما أمرناه أن يسر لهذا الدعاء ليجمع بين الإسرار والجهر في الدعاء، ويكون أقرب إلى الإجابة قال الله تعالى في قصة نوح ﵇ ﴿ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا (٩)﴾ [نوح:٥] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٢٥٥].
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وقال - ﷺ -: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي"
فرع
لو استقبل في الخطبة الأولى لم يكن عليه أن يعود لذلك في الخطبة [٢٥٤ أ/٧] الثانية نص عليه في "الأم".
فرع
قال: لو ترك عنهم تارك التحويل والتنكيس والإمام أوكلهم كرهت تركه لمن تركه ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه.
فرع
إذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوها على العادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو اقتصر رجل على تحويل ردائه ولم ينكسه أجزأه إن شاء الله وكذلك إذا اقتصر على تنكيسه رجوت أن يجزيه.
فَرْعٌ آخرُ
يرفع يديه في حال الدعاء لما روى أنس أن النبي - ﷺ -: "كان لا يرف يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه".
وروى جابر قال: رأيت النبي - ﷺ - فقال: "اللهم اسقنا غيثًا" الخبر وقوله: يواكئ معناه: التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اقتصر على خطبة واحدة يجوز لأنها سنة غير واجبة.
فَرْعٌ آخرُ
المنصوص أنه يبدأ بالخطبة بالتكبير كما في العيد، وقال بعمى [٥٤ ب/٣١] أصحابنا بخراسان: يبدأ بالاستغفار بدل التكبير في العيد، وعندي أن هذا القائل غلط من قوله هاهنا ويبدؤون ويبدأ الإمام بالاستغفار ويفصل به كلامه بالاستغفار.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فَرْعٌ آخرُ
يستحب أن يستسقى بمن يعرف أن له منزلة عند الله تعالى في الظاهر كما فعل عمر ﵁ فإنه استسقى بالعباس ﵁، وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك العباس"، وروي أنه قال: "اللهم إن هذا عم نبيك فاحفظنا وعم نبيك لأنك تقول وقولك الحق: ﴿وأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] فحفظتهما بصلاح أبيهما فاحفظنا بعم نبيك". وروي أن معاوية ﵁ "استسقى بيزيد بن الأسود وكان رجلًا صالحًا فقال: "اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا. اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى" فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كان الناس [٢٥٥ أ/ ٣] أن لا يبلغوا منازلهم".
وقال القفال: قال الشافعي: يذكر كل واحد في نفسه ما فعل من خير فيعرضه على ربه سرًا، ثم يسأل الحاجة كما روي أن النبي - ﷺ - "ذكر ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا لحاجة فآواهم المطر إلى غار، ثم انحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: ما ينجينا من هذا الغار إلا الله تعالى، فقام أحدهم، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت أحب الناس إلي، فدعوتها إلى نفسي فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فاكتسبت مائة دينار وجئتها بها، فلما قعدت بين شعبها الأربع قالت لي: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت الدنانير، اللهم إن كنت تعلم أني لم أفعل ذلك إلا خوفًا منك فنجنا من هذا الغار فانحدرت الصخرة حتى رأوا شعاع الشمس، ولم يروا السماء. فقام الآخر، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان وكانت لي غنم أرعاها فكنت لا أطعم ولا أشرب ما لم أشبعهما، فأبطأت عليهما ذات ليلة فوجدتهما قد ناما، فحلبت اللبن وقمت به على رأسهما وصبياني [٢٥٥ ب/ ٣] حولي جياعًا فلم أشرب، ولم أسقهم ولم أوقظهما حتى استيقظا فشربا ثم شربت وسقيت أهلي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا فانحدرت الصخرة حتى رأوا السماء، فقام الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراء كل واحد منهم بصاع من أرز، فأبطأ أحدهم ذات يوم فجاء عند ارتفاع الضحى فدفعت إليه مثل ما لأصحابه فقال واحد منهم: لا أرضّ أن تسوي بيني وبينه، فإنه جاء بعدي فقلت له: هل نقصتك من أجرتك شيئًا. قال لا، قلت: هو مالي أعطيه من أشاء فغضب وترك لي أجوه، وذهب فزرعت ذلك ثم حصدت، ثم زرعت ثم حصدت حتى اجتمع منه مال كثير، واشتريت به عبيدًا أكرة له فأصابته خصاصة فعاد، وقال: أتعرفني؟ قلت من أنت؟، فقال: أنا الذي راجعتك في أجري ذلك اليوم، وقد مستني الحاجة إليه فأعطني حقي فأمبته تلك الليلة، فلما أصبحت طفت به على تلك الأموال، وقلت: هذه لك، فقال: لي يا عبد الله لا تسخر بي وأعطني حقي، فأخبرته بما فعلت وسلمت إليه الأموال. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا. فانفتح [٢٥٦ أ/٣]
[ ٢ / ٥٠٥ ]
باب الغار وخرجوا". فيستحب مثل هذا في الشدائد ورفح الحوائج إلى الله تعالى.
مسألة: قال: فإن سقاهم الله تعالى وإلا عادوا من الغد للصلاة والاستسقاء.
وهذا كما قال: إذا خرجوا للاستسقاء فلم تستجب دعوتهم يستحب أن يعودوا. وقال في "الأم": أحببت أن يعودوا ثم يعودوا حتى تمطر، وليس استحبابهم بعودة الثانية بعد الأولى لا الثالثة بعد الثانية كاستحباب الأولى لأن النبي - ﷺ - لم يستسق إلا مرة واحدة، وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء"، وروي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا سأل أحدكم ربه فليعزم المسألة ولا يقل إن شئت فإن الله لا يكره له" وقال في "البويطي": يخرج ثلاثًا نسقًا وقال "في القديم": وأحب كلما أرادوا العود إلى الاستسقاء أن يأمر الناس أن يصوموا قبل عوده ثلاثًا، فإذا استسقى مواليًا أجزأه إن شاء الله.
واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن القطان: في المسألة قولان: وليس في الاستسقاء مسألة على قولين إلا هذه، وقال بعض أصحابنا: تقديم صوم [٢٥٦ ب/٣] الثلاثة على كل مرة مستحب، ولكنه في المرة الأولى آكد ويجوز متواليًا وهذا أصح، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين، فالذي قال: يخرج من الغد هو إذا كان لا شغل لهم ولا ينقطعون عن معاشهم كأهل الرساتيق وإلا كره، والذي قال: يخرج بعد ثلاث هو إذا كان لهم أشغال ينقطعون عنها بذلك فيتركون حتى يتوفر قضاء أشغالهم، ثم يخرجون في اليوم الرابع.
مسألة: قال: وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبةً.
الفصل
هو كما قال. يستحب أن يستسقي أهل الناحية الخصبة لأهل الناحية الجدبة ولجماعة المسلمين، ويسألوا الله تعالى الزيادة لأنفسهم، ويكتب الإمام إلى من يقوم بأمر المجدبين في الاستسقاء لهم، فإن لم يفعل أحببت أن يستسقي رجل من بين أظهرهم، وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "أرجى الدعاء دعاء الأخ عن ظهر الغيب"، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]. فأثنى عليهم بدعائهم للغير.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
مسألة: قال: ويستسقي حيث لا يجمع من بادية وقرية.
وهذا كما قال. صلاة [٢٥٧ أ/ ٣] الاستسقاء مسنونة لكل مكلف ذكرًا كان أو أنثى، حرًا كان أو عبدًا، مقيمًا كان أو مسافرًا، حضريًا كان أو بدويًا، وأهل القرى والأمصار فيه سواء، لأن كلهم مشتركون في الاستضرار بالقحط والجدب، وقول الشافعي: لأنه سنة وليس بإحالة فرض أي: ليس كالجمعة التي أحيلت من الظهر إليها بشرائط، ويفعل هؤلاء ما يفعل أهل الأمصار عن الخطبة والصلاة، ومن أصحابنا من خرج فيه قولًا آخر: إنها لا تقام إلا في موضع تصلى فيه الجمعة وليس بشيء.
مسألة: قال: ويجزئ أن يستسقي الإمام بغير صلاة وخلف صلاة.
وهذا كما قال: الاستسقاء هو على ثلاثة أضرب:
ضرب: هو الكامل وهو ما ذكرنا أن يخرج إلى الصحراء ويصلي ويخطب.
والثاني: أن يستسقي قبل الصلاة وبعدها، وهذا دون الأول وروي أن النبي - ﷺ - فعله.
والثالث: أن يستسقي بغير صلاة ولا خطبة. وهذا دون الكل ويجوز ذلك، لأن المقصود من الاستسقاء الدعاء لله تعالى في إزالة القحط وقد حصل ذلك، وروى الشعبي أن عمر ﵁ "خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (١١) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح:١٠ - ١١] استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر".