مسألة: قال: "الفرض خمس في اليوم والليلة".
الفصل
وهذا ما قال: القصد من هذا الباب ذكر أقسام التطوع، وبيان أحكامه، ولكنه افتتح بذكر حصر الفرائض من الصلوات في اليوم والليلة ليعلم أن ما عداها تطوع، قال: الفرض خمس وذكر حديث الأعرابي وقد مضى هذا فيما قبل، وبقولنا قال مالك والثوري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق ﵏، وقال أبو حنيفة مع أصحابه ﵏: "الوتر واجب وليس بفرض"، وهذا غلط لما تقدم، وأيضا روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث هن على فرض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر".
وأيضًا روى ابن محيريز: أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام مكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب.
قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت ﵁ فأخبرته، فقال: كأب أبو محمد، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وجاءهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، وإن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه".
ثم ذكر بعد هذا أقسام التطوع على ما جرى في الباب قبله إلا أن موضعها في هذا
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الباب، فلذلك أعاد الذكر ههنا.
قال: التطوع وجهان، ثم ذكر المسألة التي اعترض عليها في الباب قبله، وقال في أثنائه. قال الشافعي ﵁: مران فاتته ركعتا الفجر [١٩٣ أ / ٢] حتى تمام الظهر لم يقض، لأن أبا هريرة ﵁، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". وقد أخل بنقل خبر أبي هريرة ههنا من وجهين:
أحدهما: نقله موقوف عليه، وهو مرفوع إلى رسول الله - ﷺ -.
والثاني: أوهم أن الشافعي استدل على أن ركعتي الفجر لا تقضى بعد الظهر بهذا، وليس كذلك،. بل استدل على أن من دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة لا يشتغل بركعتي الفجر. وهذا مذهبنا في الرجل إذا دخل والإمام في صلاة الصبح دخل معه في الفرض، ثم صلى بعد الفراغ منها ركعتي الفجر. وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: "إن رجا إدراك ركعة من الفرض صلى ركعتي الفجر في رحبة المسجد أو في زاوية منه، ثم دخل معه في الفرض، وان خاف فوت الفريضة دخل معه في الفريضة، ولا يقضيها"، وهذا الخبر نص في هذا الموضع على خلاف ما قال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: روي في هذا الخبر زيادة وهي أنه قيل: يا رسول الله، "وإن كانت ركعتي الفجر، قال: وان كانت ركعتي الفجر"، وروي أنه قيل: "ولا ركعتا الفجر؟ فقال: ولا ركعتا الفجر". ثم ذكر هذا أنه كيف يستحب في النوافل أن يصليها؟ وكيف يجوز أن يصليها؟.
وروي خبر ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ -، قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ونقل المزني هذا القدر وكان من حقه أن ينقل تمام الخبر، وهو قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر بركعة" لأنه عطف على هذا الخبر ما لم يخشى إلا بعد ذكر تمامه، وهو قوله في ذلك دلالتان إحداهما: أن النوافل مثنى مثنى.
والثانية: أن الوتر واحدة، وهذه الدلالة الثانية لا مخرج إلا في آخر الخبر الذي ترك المزني روايته، وجملة الكلام فيه أن نقول: الصلاة ضربان: فرض ونفل. والفرض فرضان: فرض العين كالصلوات الخمس، وفرض الكفاية كصلاة الجنازة، والنفل ضربان: سنة راتبة. وقد ذكرناها، وسنة يتبرع بها، [١٩٣ ب / ٢] فله ذلك،. أي عدد شاء.
وقيل: أفضل ما يتطوع به من العبادات التطوع بالصلاة كما أن أفضل الفرائض صلاة الغرض، وهذا لأنها تجمع من القرب ما لا يجمع غيرها. ولهذا قال - ﷺ -: "خير
[ ٢ / ٢٢٤ ]
أعمالكم الصلاة". والتطوع ضربان، ما كان تبعًا للفرائض، وما ينشأه بنير سبب. فأما ما هو تبع للفرائض، ففي عدد ركعاته وجوه:
أحدها: ما حكى البويطي عن الشافعي أن النبي - ﷺ - "كان يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين قبل العصر، وركعتين قبل صلاة الفجر، فيحصل مع ركعتي المغرب وركعتي العشاء اثنتا عشرة ركعة".
وقيل: ذكر في البويطي ثماني ركعات: ركعتين قبل الصبح وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب لم يذكر الوتر، وهو ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة، وهذا أدنى الكمال، وقيل: ثلاث عشرة وزاد على هذا ركعتين بعد العشاء. وقيل: إثنتا عشر ركعة على وجه آخر، وهي ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء غير الوتر، ولم يل كر قبل العصر شيئًا.
وهذا اختيار أبي حامد لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -، قال: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله تعالى له بيتًا في الجنة". وقيل: عشر ركعات سوى الوتر، وأسقط هذا القائل ركعتين من الأربع قبل الظهر.
وقال صاحب "الإفصاح": "ثماني عشر ركعة غير الوتر، ومع الوتر إحدى وعشرون ركعة". وهذا على الكمال لما روى علي ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتينء وقبل العصر أربع ركعات يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ".
وروي إن النبي - ﷺ -، قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين". وروت أم حبيبة ﵂ [١٩٤ أ / ٢] أن النبي - ﷺ -، قال: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار".
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا". واختلف في كيفية العدد عن صاحب "الإفصاح"، فقال بعضهم: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها وركعتان بعد العشاء.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقال بعضهم: أربح قبل الظهر وأربح بعدها، ولم يذكر ركعتين قبل المغرب. وهذا أصح، وقد تعارفت الأخبار في الركعتين قبل المغرب، فروى البخاري ﵀ عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "حفظت من النبي - ﷺ - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته، ولم يذكر قبل المغرب شيئًا".
وروى المختار بن فلفل عن أنى ﵁ أنه قال: "صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - ﷺ -، قال: قلت لأنس: رآكم رسول الله - ﷺ -، قال: نعم وأنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا".
وروي هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ﵄، وقال طاوس: سئل ابن عمر ﵄ عن الركعتين قبل المغرب، فقال: "ما رأينا أحدًا على عهد رسول الله - ﷺ - يصليهما". وقيل: ست عشر ركعة غير الوتر وأنكر هذا القائل الركعتين قبل المغرب.
وقال: هو مذهب الحنابلة ونسخ بقوله - ﷺ - "بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب". وقيل: بل يستحب أن يصلي قبل المغرب، وجهان: والصحيح أنه لا سنة للعصر. وكان يستحب أن يصلي قبلها وكم قدر المستحب؟ وجهان:
أحدهما: ركعتين.
والثاني: أربعًا. وقال ابن أبي أحمد: سبع عشرة مع الوتر ركعتان قبل الصبحء وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر [١٩٤ ب / ٢] وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وثلاث مع الوتر بتسليمتين، ثم قال: قلته في العصر تخريجه، وهذا لا معنى له، لأن معنى السنة ما داوم عليه رسول الله - ﷺ -، ولم يداوم على السنة قبل العصر.
وقال الإمام أبو عبد الله الخضري: "لا سنة للعشاء"، وذكر ركعتين بعدها من صلاة الليل، لأنه ليس في خبر أم حبيبة، ولا خلاف أنه لا سنة قبل صلاة العشاء. وذكر الباقي نحو ما اختار أبو حامدٍ.
وأما النوافل التي ينشأها بغير سببٍ فهي كل نافلة يتبرع بها في غير الأوقات المنهية، وهي دون ما تقدم، لأن الموقتة بأوقات الفرائض صارت مشابهة للفرائض في
[ ٢ / ٢٢٦ ]
أوقاتها، فكانت آكد من غيرها، وفعل هذه النوافل يجوز ليلًا ونهارًا في الجملة والأفضل في هذا القسم صلاة التهجد، وهي صلاة الليل، ومن صلى قبل النوم لا يسمى متهجدًا، وهي أفضل من صلاة النهار أيضًا.
قال رسول الله - ﷺ -: "من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار"، وأراد في نهار القيامة، ولأن الليل وقت الخلوة وانقطاع الذكر ويكون الناس في غفلة، فالعبادة فيه أفضل لهذا. قال - ﷺ -: "من دخل السوق على غفلة من الناس فقال: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. كتب له بكل فصيح منها وأعجمي" يعني: من الأجر، والفصيح: الآدمي، والأعجمي: البهيمة.
وقال - ﷺ -: "ذكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة". وقال أيضًا: - ﷺ - أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل، وإذا فعل شيئًا من الصلوات، فالمستحب أن يداوم عليه، وان قل لما ذكرنا من الخبر، فإذا داوم على ركعتين في كل ليلة كان أفضل من قيام الليل كله [١٦٥ أ / ٢] في غير مداومة، وإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في صفة الأفضل منها. والجائز، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى ليلًا كان أو نهارًا للخبر الذي ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: "أفضل التطوع في النهار أربع بتسليمة واحدة إلا ما ورد الشرع بالركعتين، وفي الليل إن شاء صلى ركعتين أو أربعاء أو ستًا وما شاء لا فضل لبعضها على بعض".
وأما الجائز: فله أن يصلي بتسليمة واحدة ما شاء من النوافل من غير حصر شفعًا كان أو وترًا ويقعد في آخوه ويتشهد ويسلم، والأولى أن يتشهد بعد كل ركعتين، فإن لم يفعل جاز، نص عليه.
ومن أصحابنا من قال: له أن يزيد في عدد الركعاتء ولا يزيد على تشهدين، وإذا صلى ثمان وكعات يتشهد في السادسة، والثامنة، ولو أراد أن يتشهد بعد الرابعة والثامنة لا يجوز، لأن النبي - ﷺ - زاد في عدد الركعات في الوتر، وما زاد على تشهدين، وكان تشهده بين الركعة والركعتين، فههنا بين ركعتين وركعتين كما في الاتساع من الفرائض.
وحكي عن بعض السلف أنه كان يفعل بغير إحصاء، فقيل له في ذلك: فقال: "إن الذي أصلي له يعرف العدد. وعند أبي حنيفة: لا تجوز الزيادة على الأربع في النهار والليل على ثمان وكعات. وقال أبو يوسف ومحمد: "صلاة الليل مثنى مثنى".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقال مالك وأحمد: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، واحتج أبو حنيفة بما روى أبو أيوب ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء". وهذا محمول على الجواز عندنا، فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما قبل أنه إذا أحرم بنافلة بنية ركعتين، ثم نسي فصلاها أربعًا يسجد سجدتي السهو، ولو غير نيته إلى الأربح يجوز، ولو نوى الأربع في الابتداء ثم سلم عن ركعتين عامدًا مقتصرًا عليهما يجوز، وإن لم ينو عند سلامه الاقتصار على ركعتين لا تجوز صلاته، ولو سلم ساهيًا قام، [١٩٥ ب / ٢] وأتم وسجد للسهو ولو سلم ساهيًا عن ركعتين، ثم علم فنوى الاقتصار عليهما يسجل للسهو ثم يسلم عامدًا يجوز.
فرع
قال بعض أصحابنا: من السنن الراتبة صلاة الضحى، وهي سنة مختارة فعلها رسول الله - ﷺ -، وداوم عليها واقتدى به السلف فيها. وروي أن النبي - ﷺ - "أقل ما كان يصليها أربع ركعات، وأكثر ما كان يصليها ثماني ركعات".
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وصلاة الضحى".
وروي "أن آخر ما صلى رسول الله - ﷺ - الضحى في بيت أم هاني بنت أبي طالب بمكة أول عام الفتح ثماني ركعات، وداوم عليها إلى أن مات" فيختار أن يصلي ثماني ركعاتٍ اقتداء به ووقتها في الاختيار إذا مضى من النهار وربعه ووقت جوازها إذا أشرفت الشمس إلى الزوال، وهل تقضى إذا فاتت؟ قولان على ما ذكرنا.
وروى أبو ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "على كل سلامي أحدكم صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: روي أن النبي - ﷺ - "كان يملي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة"، ويقول: هذه صلاة الأوابين فمن صلاها غفر له"، وكان الصالحون من السلف يصلونها ويسمونها صلاة الغفلة، أي الناس غفلوا عنها وتشاغلوا بالعشاء والنوم، وهذا مختار أيضًا، والأظهر عندي أنها دون صلاة الضحى في التأكيد.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
التنفل بالأوتار لا يستحب ولو فعل جاز.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أحرم بالنفل مطلقا، هل يكره أن يسلم عن ركعة؟ وجهان بنا، على ما لو نذر أن يصلي مطلقا، هل يلزم ركعة أو ركعتان، فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو نذر أن يصلي النافلة قائمًا لا يلزمه لأن القعود [١٩٦ أ / ٢] فيها رخصة فنذره أن لا يقبل الرخصة لا يلزم كما لو نذر أن بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين قائمًا يلزمه القيام: لأنه نذر أصل الصلاة بصفةٍ مخصوصة.
مسألة: قال: "وأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منها".
الفصل
وهذا كما قال: صلاة التراويح، وهي سنة سنها رسول الله - ﷺ - ﵁ كان رسول الله - ﷺ - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم به بعزيمة. ويقول: "من قام رمضان إيمانًا أو احتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله - ﷺ - ذلك في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وصدر من خلافة عمر ﵁. وقالت عائشة ﵂: صلى رسول الله - ﷺ - فصلى صلاته ناس ثم صلى من الليلة القابلة وكثر الناس ثم المسألة الثالثة والرابعة، وعجز عن الناس، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي منعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خفت أن يفرض عليكم ذلك في رمضان".
وقال أبو هريرة ﵁: خرج رسول الله - ﷺ -، وإذا ناس في رمضان يصلون في المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ليس معهم قرآن وهم يصلون صلاته، فقال: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، فدل هذا على أنه مندوب، وأن النبي - ﷺ - فعله وأقر أصحابه عليه.
وأما إمامة هذه الصلاة إلى أنها من سنة عمر ﵁ فمعاذ الله لأن القدر الذي كان في هذا من عمر ﵁ أن القوم كانوا يصلون أوزاعًا في المسجد بأئمة مفرقين، فدخل عمر ﵁ فرآهم جماعة، وإن كل من كانت قراءته أطيب اجتمع الناس عليه [١٩٦ ب / ٢] أكثر فجمعهم عمر ﵁ على إمامٍ واحد، وهو
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أبي بن كعب، فصلى أبي بن كعب عشرين ليلة، ثم تأخر، فقال الناس: ابق أبي، ابق أبي، ثم صلى تميم الداري بعد ذلك بقية الشهر، وإنما ندب عمر ﵁ أبيًا ﵁ إلى هذا، لأنه كان أقرب الناس عهدًا بقراءة رسول الله - ﷺ -، فإن النبي - ﷺ - قرأ القرآن علي: أبي في السنة التي مات فيها، وكان قصده من هذا تلقين أبي من ألفاظه، وإنما جمعهم على إمام واحد لئلا يؤدي إلى الشتات والاختلاف، وأمر بإسراج القناديل راحة للناس وتنويرا للمسجد.
وروي أن عثمان ﵁، قال: "إنها بدعة ونعمت البدعة"، يعني: القناديل وجمعهم على إمام واحدٍ.
وقال علي ﵁ لما رأى القناديل: رحم الله عمر ونور قبره كما نور مساجدنا بالقرآن واجتمعت الصحابة على ذلك وانقرض عصرهم عليه، فهو إجماع. فإن قيل: فعلي بن أبي طالب ﵁ لم يصل معهم. قلنا: روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يلم في ركعتين ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات، فإذا تقرر هذا، فهل الأفضل أن يصليها جماعة أو منفردًا.
قال في "الأم": "فأما قيام رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه". قال في "القديم": "إن صلى رجل في شهر رمضان لنفسه فهو أحب إلي، وإن صلاها في جماعة فحسن". وقال في البويطي لما ذكر النافلة المتأكدة بالجماعة: وقيام رمضان في معناها في التأكيد.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال عامة أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحق وغيرهما. المذهب أن قيام رمضان في جماعة أفضل من قيامه في الانفراد. ولما روينا من خبر أبي بن كعب ﵁، وقوله - ﷺ -: "أصابوا"، أو "نعم ما صنعوا" [١٩٧ أ / ٢]. فإن قيل: تركها النبي - ﷺ - في الجماعة. قلنا: بين العذر فيه. وقال: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها". وقول الشافعي: "فصلاة المنفرد أحب إلي منه". أراد بالصلاة التي هي ركعتا الفجر والوتر اللتين هما من صلاة الانفراد أحب إلي من قيام رمضان، وإن كان هذا القيام من صلاة الجماعة ألا ترى أنه قال: "فصلاة المنفرد أحب إلي"، فلو أراد قيام رمضان في الانفراد، قال: فصلاته منفردًا أحب إلي منه في جماعة، فإن قيل: فكيف يكون أولى من صلاة سنت فيها الجماعة؟.
قلنا: لأن النبي - ﷺ - لم يدم على فعلها جماعة، بل فعلها ليالي، ثم لم يخرج إليهم،
[ ٢ / ٢٣٠ ]
فكان الوتر أفضل منها، ولا يكون أفضل من العيدين وصلاة الخسوف، لأن النبي - ﷺ - داوم على فعلها جماعة.
وأما ما قال في "القديم"، فليس فيه تعرض للأفضل، ومن أصحابنا من أخذ بظاهر كلامه. وقال: قيام رمضان في الانفراد أفضل منها في جماعة بشرائط، وهي أن يحفظ القرآن وتأخره عن المسجد ولا يؤدي إلى تعطيل المسجد، وانقطاع الجماعة فيه، وأنه يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام.
واحتج هذا القائل بما روى زيد بن ثابت ﵁ أن النبي - ﷺ - قال للقوم في رمضان لما صلى بهم ليالي: "قد عرفت ما رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ومن قال بالأول قال: هذا الخبر محمول على غير التراويح. وقيل: ما ذكرنا من إجماع الصحابة. ويمكن الجواب إن احتج هذا القائل بما روي أن النبي - ﷺ -، قال: "أفضل صلاة الرجل تطوعًا في بيته على صلاته في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في بيته".
وقال أيضًا - ﷺ -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة [١٩٧ ب / ٢٢] في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله تعالى".
ومن أصحابنا من قال: إنها في البيت أولى من دون الشرائط التي ذكرناها. وحكي عن مالك أنه قال: "قيام رمضان في البيت لمن نوى أحب إلي". قال مالك: وكان ربيعة وغير واحدٍ من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: "من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان، فأحب إلي أن يصلي في بيته".
مسألة: قال: ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين وأحب إلي عشرون".
وهذا كما قال: صلاة التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين، فذلك عشرون ركعة بعشر تسليمات، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى.
وروي عن أحمد أنه قال: "هي ست ثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة".
وروي هذا عن مالك، وهذا غلط، لأنه روى ابن عمر ﵄: لما اجتمع الناس على أبي بن كعب صلى بهم عشرون ركعة، وهذا إجماع منهم، وكذلك يفعلون بمكة. وأما أهل المدينة، قال الشافعي ﵀: "إنما صلوا تسعًا وثلاثين ركعة، لأن
[ ٢ / ٢٣١ ]
أهل مكة كانوا يصلون عشرين ولكنهم كانوا يطوفون بين كل ترويحتين سبعًا، والترويحة: أربع وكعات، فكان يحصل لهم من عشرين ركعة، أربعة أطواف، فأقام أهل المدينة مقام كل طواف أربع ركعات طلبًا لمساواتهم أهل مكة فيكون ست عشرة ركعة ويوترون بثلاث ركعات، فتلك تسع وثلاثون". ولم يرد به أنهم كانوا يصلون التراويح سعا وثلاثين، بل التروايح كانت ستًا وثلاثين، والوتر بعدها ثلاث ركعات.
قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك، لأن أهل المدينة تشرفوا بمهاجر رسول الله [١٩٨ أ / ٢]- ﷺ - وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة بخلاف غيرهم.
وقال في - ﷺ - القديم": "ليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه، لأنها نافلة"، ولم ينقل عن رسول الله - ﷺ - في ذلك عاد محدود إلا ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله - ﷺ - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ".
ورأيت في كتاب بعض مشايخنا عن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة، ويوتر بثلاث"، وإنمًا كانوا يوترون بثلاث في مكة والمدينة لئلا تتفرق الجماعة في الوتر، فإذ الخلاف في الوتر بركعة كان ظاهرًا، فاختاروا الثلاث اقتداء بمالك ﵀، ولهذا قال الشافعي في "القديم": "إن أوتر جماعة أوتر بثلاث، وإن أوتر منفردا أوتر بواحدة"، والمعنى ما قلنا. وقيل: كان السبب في فعل أهل المدينة أنه كان لعبد الملك بن مروان تسعة أولاد، فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة فتقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة، فصار ستة وثلاثين.
وقيل: السبب أن تع قبائل من العرب تنازعوا في الصلاة واقتتلوا فقدم من كل قبيلة وجل، فصلى بهم ترويحة، ثم صار سنة.
مسألة: قال: "ولا يقنت إلا في رمضان في النصف الأخير".
وهذا كما قال: السنة أن يقنت في النصف الأخير من رمضان في الركعة الثالثة من الوتر ولا يسن القنوت في بقية السنة، وبه قال مالك.
وكلام الشافعي ﵀ يدل على كراهية القنوت في سائر السنة في الوتر، وقال أبو حنيفة وأحمد: "ستحب القنوت في جميع السنة حتى لو تركه يسجد للسهو"، وبه قال أبو عبد الله [١٩٨ ب / ٢] الزبيري من أصحابنا، واحتجوا بما روي عن أبي بن كعب ﵁، قال: "كان رسول الله - ﷺ - يوتر بثلاث: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع". وهذا غلط لما روى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "السنة إذا انتصف الشهر من
[ ٢ / ٢٣٢ ]
رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يقول: أللهم قاتل الكفرة".
وروي أن عمر ﵁ جمع الناس على أبي بن كعب ﵁ في صلاة التراويح ولم يقنت إلا في النصف الثاني، قال الشافعي: "وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري، وإنما قيل له: القاري لأنه كان من بني قارة بغير همزة، وليس هو من القراءة بالهمز.
وأما ما رووا قلنا: قال أصحاب الحديث: ذكر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في جميع السنة من غير كراهة، فلو تركه لا يسجد للسهو بخلاف ما لو ترك القنوت في النصف الأخير، فإنه يسجد للسهو، وهذا اختيار مشايخ طبرستان. وأنا أقول به". وقال مالك: "يقنت في جميع رمضان في الوتر".
فرع
قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي ما يقنت به في الوتر، وإنما لم يذكره، لأنه نص عليه في قنوت الصبح، وهو ما روى الحسن بن علي ﵁، قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت. . ." إلى آخره. وروى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ومعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وروي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في القنوت: "اللهم إنا نستعينك. . ." إلى آخره. وزاد ابن أبي أحمد: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ " إلى آخر السورة.
قال القاضي [١٩٩ أ / ٢] أبو الطيب: كان شيوخنا يدعون فيقولون: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويدعون معك إلهًا، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم، وتوفهم على ملة رسولك، وانصرهم على عدوك وعادوهم، واجعلنا برحمتك منهم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. فإذا فرغ من القنوت، فالمستحب أن يقول بعده: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، لأنه روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول ذلك ثلاثًا ويمد صوته: "رب الملائكة والروح".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال: ويستحب له رفع اليدين في الدعاء، فإذا فرع مسح بهما وجهه، وقد شرحنا هذا فيما تقدم.
مسألة: قال: وآخر الليل أحث إلي من أوله، وإن جزأ الليل أثلاثًا فالأوسط أحب إلي أن يقومه".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الصلاة بالليل أفضل. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من طال قيامه بالليل خفف الله عنه يوم القيامة".
وروي أنه سئل - ﷺ - عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه". ثم إذا أراد أن يجعل الليل ثلاثة أجزاء: للنوم وللصلاة، ولغيرهما. قال الشافعي: "الأوسط أحب إلي أن يقومه"، وإن أراد أن يجعله جزءين: فالنصف الثاني أفضل، وهذا لأنه أشق، والطاعات فيه أقل، ولأن ذلك وقت النوم والغفلة، فكان الذكر فيه أفضل.
وقال مالك: "الثلث الأخير أفضل بكل حال"، وهذا غلط لما روي أن النبي - ﷺ - سئل: أي الليل [١٩٩ ب / ٢] أفضل، فقال: "جوف الليل البهيم"، وروي: "جوف الليل الغابر" وروي أن النبي - ﷺ - سئل: أي الليل أجوب وأسمع، فقال: "جوف الليل الأخير"، أي: أوجب للإجابة.
وروي أن النبي - ﷺ - مثل عن الصلاة نصفه الليل، فقال: "تلك صلاة الأوابين"، وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - ينام نصف الليل، ويقوم الثلث وينام السدس". وقالت: "من أراد أن يراه قائمًا رآه، ومن أراد أن يراه نائمًا رآه، ومن أراد أن يراه صائمًا رآه، ومن أراد أن يراه مفطرًا رآه"؟
وقالت أيضًا: "كان رسول الله - ﷺ - يقوم حتى يقال: لا ينام وينام حتى يقال لا يقوم ويصوم، حتى يقال: لا يفصر ويفطر حتى يقال: لا يصوم". وقال النبي - ﷺ -: "أفضل الصيام صيام أخي داود - ﷺ - كان يصوم يومأ ويفطر يومًا وأفضل القيام قيام أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه".
وقال مالك: "كان عبد الله بن أبي بكر يقوم الليل، فإذا أصبح يقول: عند الصباح يحمد القوم السرى يعني من سار ليلًا حمد أمره إذا أصبح".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين كتبا في الذاكرين والذاكرات".
وقال الربيع ﵀: "كان الشافعي ﵁ دهره ينظر في العلم الثلث الأول ويصلي الثلث الثاني وينام الثلث الثالث. وقال المعتمر بن سليمان لبعض أهله: لولا أنك من أهلي ما حدثتك أنا منذ اثنين وأربعين سنة أقوم يومًا وأفطر يومًا، وأصلي الصبح على طهر العشاء". وكان للحسن بن صالح بن حي ثلاثة أخوة يجزؤوا الليل أرباعًا، فكان كل واحد يقوم ربع الليل فمات واحد منهم فجزؤوه ثلاثة أجزاء، ثم مات آخر فجزؤوه نصفين، [٢٠٠ أ / ٢] ثم مات الثالث، وبقي الحسن، فكان يقوم الليل كله.
وروي أن النبي - ﷺ - أتى دار عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فرأى امرأته متبذلة في ثياب مهنةٍ، فقال لها ما لك لا تتزينين لعبد الله؟ فقالت: إن عبد الله لا حاجة له في إنه يقوم الليل كله ولا ينام ويصوم دائمًا ولا يفطر. قال عبد الله: فلما أتيت داري صادفت رسول الله - ﷺ -، فألقيت له وسادة فوضعها بيني وبينه ولم يجلس عليها، ثم قال: "ألم أخبر أنك تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر؟ "، فقلت: إني أفعل ذلك، فقال: "لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك عجمت عيناك ونقهت نفسك إن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا وأن لزوجك عليك حقًا، قم ونم وصم وافطر". ثم قال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "صم عشرة أيام"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يومًا وأفطر يومًا". قلت: إني أقوى من ذلك. قال: "لا تفعل فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود ﵇"، ثم قال: "اختم القرآن في الشهر مرة". قلت: إني أقوى من ذلك. قال: "في كل عشرة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "في كل ثلاثة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "لا". فكان عبد الله بعدما كف بصره وكبر يبكي ويقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -، فإنه كان أعرف بنفسي مني". ومن ههنا قال بعض أصحابنا: يكره أن يقوم الليل كله.
مسألة: قال: "قلت للشافعي: أيجوز أن يوتر بواحدةٍ؟ ".
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الوتر سنة مؤكدة غير واجبةٍ خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وحده. وقد روى عاصم بن حمزة عن علي ﵁، قال: "ليس الوتر محتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله - ﷺ - ".
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقد قال ﷺ: "أوتروا [٢٠٠ ب / ٢] يا أهل القرآن". وقال ابن عمر وابن عباس ﵃: "سن رسول الله - ﷺ - الصلاة في السفر ركعتين وهما تمامء والوتر من السنة"، فإذا ثبت هذا فالكلام الآن في أربعة فصول: في قدره، ووقته، وما يقرأ فيه، ويدعى به.
فأما قدره، ففيه مسألتان: الجواز، والأفضل. أما الجواز فأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويجوز فيما بين ذلك بكل وتر كيف شاء بتسليمة واحدة أو بما أحب من التسليمات بين كل ركعتين.
وبه قال أحمد ﵀، وقال مالك ﵀: "أقل الوتر ركعة، وليس لما قبل ذلك من الشفع حد، وأقله ركعتان".
وقال أبو حنيفة والثوري: "الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها كالمغرب، والركعة الواحدة ليت بصلاة".
وحكي عن مالكٍ، قال: الوتر ثلاث بتسليمتين، ولكن لا ينبغي أن يتكلم بعد السلام، ولا يحتاج إلى تجديد النية لهذه الركعة الثالثة. واحتجوا بخبر أبي بن كعب الذي ذكرنا. وروي عن النبي - ﷺ - أنه "نهى عن البتراء". وقال ابن مسعود ﵁ ما أجزأت ركعة قط. وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بخمس فليفعل".
واحتج الشافعي بأن عثمان ﵁ كان يحيي الليل بركعة هي وتره، وروي: أنه كان يقرأ فيها جميع القرآن. وروي: أن معاوية ﵁ أوتر في الشام بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب إنه لفقيه، ومثل هذا عن سعيد بن أبي وقاص. واحتج على مالك وأبي حنيفة أيضا، بأن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين من الوتر [٢٠١ أ / ٢] حتى يأمر ببعض حاجته، وان لم يكن له حاجة كان يقول: يا جارية اعلفي الناضح.
واحتج على مالك أيضا، بأن من سلم من اثنتين فقد فصل، فإن قال: ما فصلت لأني أمنع الكلام، قلنا: لا خلاف أنه لو أحدث لا يبطل ما مضى من الركعتين.
وروى ابن عمر ﵁ إن النبي - ﷺ - "كان يفصل بين الشفع والوتر، ولأنه يجهر في قراءة الثالثة منها"، فلو كانت موصولة بما قبلها لم يجهر فيها كما لا يجهر في الثالثة من المغرب.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وأما البتراء فهي: الناقصة الأركان التي لا يقيم فيها الركوع والسجود. وأما خبر أبي نقول به جوازًا. وأما قول ابن مسعود أراد في الفريضة خلافًا لابن عباس ﵁ حيث قال: "صلاة الخوف ركعة"، ثم تقابل بما روي أن عمر ﵁ "مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع، فمن شاء زاد ومن شاء نقص".
وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فواحدة توتر بها، فإن الله ﷿ وتر يحب الوتر"؛ لأنه واحد.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "لا توتروا بثلاث تتشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبح أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك".
وروى ابن عمر ﵁ "أن النبي - ﷺ - "كان يفصل بين الشفع والوتر يأكل ويشرب ثم يركع ركعة".
وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "الوتر خمس أو ثلاث أو واحدة". وقال أبو أمامة ﵁: يا رسول الله بكم أوتر؟، قال: "بواحدة"، قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "بثلاث"، ثم قال: "بخمس"، ثم قال: "بسبع"، قال أبو أمامة: [٢٠١ ب / ٢] أني كنت قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -.
وأما الأفضل، قال الشافعي في "القديم" و"الجديد": "والذي اختار ما فعل رسول الله - ﷺ - "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فيصلي عشر ركعات بخمس تسليمات ثم يصلي ركعة واحدة، وهي الوتر"، لأن السلام يفصل.
قال بعض أصحابنا: لا يختلف مذهب الشافعي ﵀ أن الوتر واحدة. ذكره في "الحاوي". وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس ﵃، وأقل الأفضل ثلاث بتسليمتين، وهي أفضل من واحدة والخمس أفضل من ثلاث.
وقال الداركي من أصحابنا وجماعة: ينوي الوتر في كلها وتر وغلط من قال: الوتر منها ركعة، وهذا اختياري فإن قيل: كيف يكون كلها وتر؟ والسلام فاصل. قلنا: يجوز
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أن يسمى كلها وترًا، وإن كان السلام في أثنائها كما تسمى العشرون ركعة تراويح، وإن كان يسلم عن كل ركعتين منها.
ومن أصحابنا من قال: ينوي بما تقدم على الواحدة صلاة الليل، ومن أصحابنا من قال: ينوي مقدمة الوتر، وقال مشايخ طبرستان: ينوي سنة الوتر ويجوز أن يكون للسنة سنة كركعتي طواف القدوم.
وقال القفال: لو لم يقدم على الواحدة ركعتين فالثلاث بتسليمة أفضل منها ولو قام عليها ركعتين لصلاة الليل، ثم أوتر بواحدة كان هذا أفضل من ثلاث وكعات موصولة للوتر، وهكذا لو صلى رجل إحدى عشرة ركعة أوتر فيها بواحدة يكون أفضل ممن أوتر بإحدى عشرة ركعة متصلة، وهذا ظاهر ما ذكر في "المختصر"، لأن فيها زيادة تكبيرات وتسليمات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: هذا.
والثاني: الثلاث أفضل بجلستين وتسليمة واحدة وفقًا للخلاف، وهو اختيار الشيخ أبي زيد.
والثالث: الواحدة أفضل [٢٠٢ أ / ٢] بكل حالٍ.
والرابع: إن كان في الجماعة فالثلاث بتشهد واحد أفضل حتى لا يؤدي إلى الفتنة بين الناس. واختلاف الجماعة، ولأن في ذلك تشبيه بصلاة المغرب، لأن فيها تشهدين، وإن كان منفردًا، فالواحدة أفضل.
ورأيت بعض أصحابنا اختار هذا من غير فرق بين الجماعة والانفراد وفقأ للخلاف، وأنا أفعل هذا منفردًا وأوتر بواحدة في الجماعة إظهارًا لمذهب الإمام الشافعي ﵁، فإنه الحق، والله أعلم.
وقال بعض أصحابنا: إذا أوتر بثلاث أو بخمس أو بإحدى عشرة إن شاء لا يتشهد إلا في الركعة الأخيرة، وإن شاء يتشهد فيها وفيما قبلها، وروي كلاهما في الخبر، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله - ﷺ - يوتر بثلاث ولا يجلس إلا في آخرهن وبإحدى عشرة ركعة لا يجلس إلا في آخرهن". وقالت أيضًا: "كان رسول الله - ﷺ - يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وبتسع لا يجلس إلا في السادسة والثامنة". وقالت أيضًا: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي الليل ثلاث عشر ركعة يوتر منها بخمس يجلس في الأخيرة ويسلم".
وأما وقته فمن لا يريد قيام الليل يصلي العشاء ويوتر ثم ينام، ومن أواد قيامه، فإن شاء أوتر، ثم قام، وإن شاء قام وصلى بعد ذلك صلاة الليل وختمها بالوتر، وهذا هو الأفضل.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وقد روي أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر الصديق ﵁: "متى توتر"؟ فقال: أول الليل، ثم قال لعمر بن الخطاب: "متى توتر"؟ فقال: في آخر الليل، فقال: "أما هذا فقد أخذ بالحذر يعني الحزم والاحتياط، وأما هذا فقد أخذ بالقوة"، وقيل: تعجيلها أولى أم تأخيرها وجهان:
أحدهما: تأخيرها أفضل لأن الرسول - ﷺ - كان يصليها بعد فراغه من صلاة الليل، وقال: "الوتر ركعة في آخر الليل".
والثاني: تعجيلها أولى، لأن في تأخيرها مخاطرة.
وروى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ -، [٢٠٢ ب / ٢] قال: "من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل، ثم ليرقد، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليقم آخر الليل ثم ليوتر".
وأما ما يقرأ فيه، فالمستحب عند الشافعي أن يقرأ في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، والمعوذتين. وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال أحمد: "يقرأ في الثالثة بسورة الإخلاص وحدها"، وهكذا روى ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وهذا غلط لما ذكرنا رواية عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ كذلك، وهذه الرواية أولى للزيادة وآكد بما قد ذكرنا.
فرع
إذا صلى الوتر ثم نام ثم قام وصلى لا يلزمه إعادة الوتر. وبه قال مالك وقال أحمد: "انتقضت وتره فيشفعها بركعة ثم يتهجد بما أراد، ثم يوتر بركعة". وروي ذلك عن علي وابن عمر ﵃. وقيل عن ابن عباس مثله. وروي عن أبي بكر الصديق وعمار بن ياسر وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: "لا يشفع الرجل وتره".
ورأيت بعض أصحابنا بخراسان يميل إلى هذا القول، وذكر وجها في المسألة، وهذا غلط لقوله - ﷺ -: "لا وتران في ليلة"، وهذا وتران بل ثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ
لو اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم تذكر أنه لم يصلها صلى العشاء، ثم أوتر، لأن
[ ٢ / ٢٣٩ ]
تقديم الوتر على العشاء لا يجوز. وبه قال صاحباه. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يجزئه الوتر"، وهذا غلط، لأنه تابع للعشاء ولم يفرد بوقت ولا يتقدم التابع على المتبوع.
مسألة: قال المزني ﵀،: "قلت: آنا لا أعلم الشافعي ﵁ ذكر موضع القنوت من الوتر".
الفصل
وهذا كما قال عندنا موضع القنوت في الوتر بعد الركوع قياسًا على القنوت في الصبح نص عليه الشافعي في "حرملة"، وخفي ذلك على المزني. وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [٢٠٣ أ / ٢] ﵃.
ومن أصحابنا من قال: "يقنت فيه قبل الركوع" وليخالف القنوت في الصبح كما خولف بين خطبة الجمعة وخطبة العيد. وهذا اختيار ابن سريج وعلى هذا لا يكره خلافًا لأبي حنيفة.
وقال يعقوب الأبيوردي: وهذا مذهب عامة أصحابنا، وهو الأصح، ولا معنى لهذا الكلام عندي مع النص الذي ذكرنا، وأجمع أهل العراق وخراسان من أصحابنا على ما ذكرنا. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه قبل الركوع. واحتج بخبر أبي بن كعب ﵁، وهذا غلط لما روى أنس ﵁ "أن النبي - ﷺ - قنت في الصبح بعد الركوع".
ورواه أبو هريرة أيضًا، وروي عن عثمان وحده من الخلفاء الراشدين أنه قدم القنوت على الركوع في أخر عمره ليدرك الناس معه الركعة للتخفيف على الناس. واحتج الشافعي عليه بحجتين:
إحداهما: أن قوله: "سمع الله لمن حمده"، دعاء. والقنوت دعاء، فالدعاء في محل الدعاء أولى من الدعاء في محل القراءة.
والثانية: أنه أسر بتكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بدليل، فلا يجوز القول به، وإذا بطل هذا القول بقي قولنا.
فرع
إذا قنت قبل الركوع قد قيل: أساء ويجزئه. وقيل: يعيده في الركوع ويسجد للسهو.