مسألة: قال: في أي وقت خسفت الشمس في نصف الهار أو بعد العصر فسواء.
وهذا كما قال: اعلم أنه يقال: كسفت الشمس تكسف وخسفت تخسف، وذلك يقال في القمر أيضا ولأهل اللغة في معنى ذلك قولان.
أحدهما: قال الفراء: وغيره كسفت معناه: نقص ضوئها وقوله تعالى: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ " القيامة: ٨".
يعني نقص ضوءه ويقال: عين خاسفة إذا ذهب ضوءها أو نقص ورجل خاسف إذا كان مهزولا جائعا، وخسف بالرجل إذا ساخ في الأرض، وقال آخرون: معناه التغطية يعني حال دون ضوءها حائل ومنه قول جرير:
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وأراد ليست بمتغطية، فإذا تقرر هذا فلاأصل في صلاة الكسوف الكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ومِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ "٢٣٢ ب/٣" والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ "فصلت: ٣٧" الآية. وأراد صلاة الكسوف صلوا لكسوفها لان الله تعالى ذكر آيات كثيرة ولم يذكر عندها السجود، وخص هاتين الأثنتين بالسجود عند ذكرهما، فدل أنه أراد به الصلاة فيها، وقيل: يحتمل انه أراد به الصلاة للكسوف، ويحتمل أنه أراد عبادة الله دون عبادتهما، ولكن النبي - ﷺ - صلى عند كسوفهما، فكان كذلك منه بيانا لما تناولته الآية.
وأما السنة: فما ورى ابن عباس ﵁ قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فخرج رسول الله - ﷺ - فصلى والناس معه ثم قال: "أيها الناس إن الشمس
[ ٢ / ٤٨٤ ]
والقمر آيتان من آيات الله سبحانه لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى"
وروى ابن مسعود البدري ﵁ قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فخرج رسول الله - ﷺ -، ثم قال: "أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف بهما عبادة لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم "٢٣٣ أ/٣" ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة"، والعم أنه لم يصل رسول الله - ﷺ - لكسوف القمر ولكنه نبه بما ذكر في كسوف الشمس عليه حيث قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف " الخبر.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فوقت هذه الصلاة، أي: وقت وجد سببها من ليل أو نهار سواء كان ذلك الوقت المنهي عن الصلاة فيه، أو في غيره لأن لها سببا ويخاف فوتها لو أخرها خلافا لأبي حنيفة ومالك على ما مضى بيانه، فإن قيل: قلتم: صلاتا العيد والاستسقاء لا يؤديان في الوقت المنهي؟ قلنا: لأن وقتهما واسع فجرى ذلك مجرى النوافل التي لا سبب لها، وهذا وقته يضيق فإنه ربما يزول بزوال العارض.
واعلم أن هذه الصلاة سنة مؤكدة وليست بفريضة بلا خلاف، وكل من وجبت عليه الصلوات الخمسة سنت له صلاة الكسوف، الرجل والمرأة والحر والعبد والمسافر والمقيم والحضري والبدوي فيها سواء، وسواء صلى الإمام أو تركها، وسواء صلاها منفردا أو في جماعة، فإن خرج الإمام صلوا معه، وإن لم يخرج طلبوا من يصلي بهم، فإن لم يجدوا وخافوا إنكار الإمام "٢٣٣ ب/٣" صلوا فرادى.
مسألة: قال: ويتوجه الإمام إلى حيث يصلي الجمعة.
وهذا كما قال: المستحب أن يصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع دون الصحراء؛ لأن صلاة العيد إنما تستحب في الصحراء إذا كان المسجد لا يسعهم؛ لأن الناس من الصغار والكبار من أهل المصر والسودان ندبوا إلى حضور صلاة العيدين، فكان الأرفق بهم أن يصلي بهم في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف فإنه لا يسن لها من الاجتماع ما يسن لصلاة العيدين، وأيضا وقت صلاة الخسوف يضيق فربما تجلت الشمس قبل بلوغهم المصلى فتفوت الصلاة فاستحب فعلها في المسجد، بخلاف صلاة العيد فإن وقتها موسع لا يخاف فوتها، ولهذا لم يصلها قط رسول الله - ﷺ - إلا في المسجد بخلاف صلاة العيد.
مسألة: قال: ويأمر بالصلاة جامعة ثم يكبر.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية صلاة الخسوف، فأولا يأمر من ينادي الصلاة جامعة، ولا يؤذن لها، قالت عائشة ﵂: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فأمر رجلا فنادى الصلاة جامعة"، ثم إذا افتتح الإمام صلاة جماعة يكبر تكبيرة الإحرام ويأتي بدعاء الاستفتاح والتعوذ "٢٣٤ أ/٣" بعده، ويقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ سورة البقرة إن كان يحفظها أو بقدرها من القرآن إن كان لا يحفظها، ثم يركع بقدر مائة آية من سورة البقرة ولا يقرأ فيه القرآن بل يسبح في الركوع، ولكن التسبيح فيه يكون بقدر قراءة مائة آية من البقرة ثم يرفع رأسه من الركوع، ويقرأ بأم القرآن أيضا وقدر مائتي آية من البقرة، ثم يركع بقدر ما يلي ركوعه الأول من ثمانين إلى تسعين آية، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد فيطيل السجود فيها ثم يقوم من سجوده قائما إلى الركعة الثانية فيقرأ بأم القرآن وقدر مائة وخمسين آية من البقرة، ثم يركع فيسبح قدر سبعين آية من البقرة، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد سجدتين بقدر طول الركعتين فيحصل له ركعتان في كل ركعة ركوعان.
وجملته أنه يقوم فيها ست قراءات يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها، وفي الثاني مائتي آية من البقرة أو قدرها، وفي الثالثة لا يقرأ شيئا بل يعتدل ويسجد وهما في القيام الرابع وهو القيام الأول من الركعة الثانية مائة وخمسين آية من البقرة أو بقدرها، وفي القيام الثاني من هذه الثانية مائة "٢٣٤ ب/٣" آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث من هذه الثانية مائة آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث عن هذه الثانية شيئا بل يرفع ثم يسجد ويرجع فيها أربع مرات يسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الركوع الثاني قريبا منها وفي الركوع الثالث قدر سبعين آية وفي الركوع الرابع قدر خمسين آية، وفي بعض نسخ المزني يركع في الثانية بقدر ثلثي ركوعه الأول، وهكذا قال في " الأم"، وهذا غلط لان مبنى هذه الصلاة على أن كل ركوع يكون أقصر مما قبله كالقومة الثانية هي أقصر من الأولى وقد قال في الركوع الثالث: يسبح بقدر سبعين آية، وعلى هذه الرواية يكون الثالث أطول من الثاني؛ لأن ثلثي المائة يكون ستة وستين آية، وقيل: إن المزني لم يروا هذا، وإنما رواه الربيع وهو غلط لما ذكرنا، والمشهور أن الغلط هو في نقل المزني، والشافعي لم يقل ذلك وقد صحف الكاتب وأسقط كلمة ما.
وقال في البويطي: يقرأ في القيام الأول سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران، وفي الثالثة سورة النساء، وفي الرابعة المائدة وليس هذا باختلاف القول؛ بل "٢٣٥ أ/٣" هو قريب مما ذكرناه وقال: في الركعة الأولى يسجد سجدتين طويلتين ويسبح في كل سجدة بنحو ما سبح في ركوعه، فالسجود الأول قدر الركوع الأول، والثاني كالركوع الثاني، وفي الركعة الثانية يسجد سجدتين تامتين طويلتين يسبح في كل سجدة نحو ما
[ ٢ / ٤٨٦ ]
يسبح في ركوعه.
وحكى عن مالك أنه قال: لم يسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف وهذا غلط لما روى ابن عمر أنه قال: قام رسول الله - ﷺ - في صلاة الكسوف فلم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد، وهذا يدل على أنه طول السجود كما طول الركوع.
ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يسجد كما يسجد في غيرها لأن الشافعي لم يذكر وقال ابن سريج: يطيل السجود وليس بشيء وهذا ضعيف عندي، وقال فيه أيضا: في الركوع الأول يركع طويلا نحوا من قراءته وكذلك في الركوع الثاني والثالث والرابع وهذا يدل على أنه قدر الركوع بقدر القيام الذي قبله بخلاف ما قال في الأم فحصل قولان "٢٣٥ ب/٣"، وجه ما قال في البويطي إن الركوع موضع التضرع والدعاء والخشوع فإن لم يزد على القيام يجب أن لا ينقص منه.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يسبح في الركوع بقدر نصف القيام، وهذا ليس بشيء، ووجه ما قال في " الأم": أن القيام في سائر الصلوات هو أطول من الركوع لأن أقل ما يجزئ منه مقدار فاتحة الكتاب، وأقل ما يجزئ من الركوع مقدار الطمأنينية، وذلك القراءة المسنونة في أطول من التسبيح المسنون، فوجب أن يكن الركوع أقل من القيام الذي قبله، وبقولنا قال عثمان بن عفان وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق ﵃.
وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة الصبح. وحكى عن أحمد وإسحاق أنه يصلي ركعتين في كل ركعة ثلاث قومات وثلاثة ركوعات، وهذا غلط لما احتج الشافعي بما روى ابن عباس ﵁ قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فخرج وصلى والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا ثم قام قياما طويلا، وهو بعض "٢٣٦ أ/٣" القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الذي قبله، ثم قام قياما طويلا، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم سجد فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات ثم انصرف" يعني: سلم من صلاته، وقد تجلت الشمس أي في حال انصرافه كانت الشمس قد تجلت، فقال: يعني: خطب وفي خطبته قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" الخبر، وإنما قال هذا لأن إبرايهم ابنه كان قد مات في ذلك اليوم، ولم يكن الوقت وقت الخسوف إذ الشمس في الغالب إنما تنخسف في اليوم الثامن والعشرين من الشهر أو التاسع والعشرين. فقالوا: إنما خسفت لموت إبراهيم، فرفع رسول الله - ﷺ - إشكالهم.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
واحتج أيضا بأثرين: أحدهما: عن ابن عباس ﵁ أنه صلى في كسوف القمر ركعتين في كل ركعة ركعتين، ثم ركب يعني ركب البعير فخطب إذ لم يكن هناك منبر فقال: أي قال في خطبته إنما صليت بكم "٢٣٦ ب/٣" كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، يعني صليت بكم في خسوف القمر كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في خسوف الشمس؛ لأنه لم ينقل عنه - ﷺ - أنه صلى في خسوف القمر.
والثاني: ما حكاه بلاغا فقال: وبلغنا أن عثمان ﵁ صلى في كل ركعة ركعتين يعني ركوعين وقيامين، فغن قيل: فقد روى جابر أنه قام ثلاث قيامات، وروى خمس قيامات، وروى ثمانية قيامات، وروى أنه ركع ركعتين في عشر ركعات، وأربع سجدات. قلنا: أجمعنا على ترك هذه الروايات ولم يحصل الإجماع في ترك ما رويناه، أو يقول، قال بعض أصحابنا: شبه أنه صلاها مرات وكرات فكانت إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته وزاد في عدد الركوع وإذا قصرت نقص من ذلك، فيصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة.
ومن أصحابنا من قال: لا يزيد على ما ذكرنا وهو الظاهر، وبه قال ابن عباس ولم يصح ما رووا عن رسول الله - ﷺ - وإن صح فقد نسخ"، واحتجوا بما روى النعمان بن بشير قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى ركعتين، وروى "٢٣٧ أ/٣" أنه - ﷺ - قال: "إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة"، قلنا: نحمله على الجواز أو نحمله على أنه صلى ركعتين عددا، وإن كان في كل ركعة قيامان وركوعان.
وقال أبو إسحاق: قال بعض أصحابنا: إن رسول الله - ﷺ - ركع ركوعا واحدا ليدل على الجواز، فالسنة والأولى أن يركع ركوعين في طويل الخسوف وقصره وقال بعض أصحابنا: ركع ركوعا واحدا لقصر الخسوف، فالسنة في طويل الخسوف ركوعان وفي قصره ركوع واحد. وقال ابن سريج: كل ذلك من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من بعض. واعلم أن هذا التطويل غير واجب، فإن زاد على هذا أو نقص منه واقتصر على الفاتحة أجزأه والمستحب أن يطول على حسب امتداد الخسوف حتى إن قصر الخسوف قصر الصلاة أيضا.
فرع
قال: لو ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الخسوف لم يعيد تلك الركعة، بل يصلي ركعة أخرى ويسجد للسهو كما يقول في سائر الصلوات.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك الإمام في هذه الصلاة، وقد رفع رأسه من الركوع الأول، فإنه يكبر خلفه
[ ٢ / ٤٨٨ ]
"٢٣٧ ب/٣" ولا يكون مدركا لهذه الركعة، فإذا سلم الإمام أي بالركعة الأخرى على التمام بقيامين وركوعين نص عليه في البويطي، ولفظه: فإذا سلم الإمام فإن بقى الكسوف قام وصلى ركعة بقيامين وركوعين على طولهما، وإن كانت قد تجلت خفف فيهما. وقال صاحب التقريب: يقضي قياما واحدا وركوعا واحدا وهذا غلط، لأن الركوع الثاني هو تبع للأول، فهو كالسجدتين لا يحصل له بإدراكهما ولا بإدراك واحدة منهما شيء، ولو كان يحصل له بذلك الإدراك لما لزمه قضاء شيء من تلك الركعة لمن أدرك جزءا من الركوع كفاه، وقيل فيه: إنه يصير مدركا للركعة، لأنه أدرك ركوعا صحيحا معتدا به.
فَرْعٌ آخرُ
هل يتعوذ في القومة الثانية؟ وجهان.
فرع
قال في "الأم": لو فرغ من صلاة الخسوف والخسوف باق لم يزد في الصلاة واشتغل بالخطبة لأنه لم ينقل عن النبي أنه صلى في الخسوف إلا ركعتين فلا يزيد على ذلك.
قال القفال: هل يعود إلى الصلاة؟ وجهان: بناء على أنه هل يزيد على ركوعين عند طول الخسف، فإن قلنا: يزيد هاهنا يعود إلى الصلاة، وإن قلنا لا يزيد فلا يعود إلى الصلاة "٢٣٨ أ/٣" وهذا لا معنى له مع النص الذي ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو تجلت الشمس وهو في القيام الأول، فإنه يتمها ويخفف نص عليه، وقال القفال: فيه وجهان، فإن قلنا: يزيد إذا امتد فهاهنا يقتصر على ركوع واحد، وإن قلنا: لا يزيد فهاهنا لا يقتصر وفيه نظر أيضا والله أعلم.
مسألة: قال: ويسر في خسوف الشمس. وهذا كما قال: المستحب أن يسر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس، لأنها من صلاة النهار لها نظر بالليل.
وهو الصلاة لخسوف القمر فلا يجهر فيها كالظهر والعصر وبه فارق صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء. وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: يجهر فيها بالقراءة، وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روت عائشة ﵂ قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى وجهر في صلاته بالقراءة"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس ﵁ "قال كنت إلى جنب رسول الله - ﷺ - فما سمعت منه
[ ٢ / ٤٨٩ ]
حرفا".
قال الشافعي: لأنه أسر أي أن ابن عباس لم يسمع القراءة لإسراره، ثم أيد ذلك، فإن قال: ولو سمعه ما قدر قراءته أي "٢٣٨ ب/٣" ما احتاج إلى أن يقول: قرأ نحوا من كذا، بل كان يقول: قرأ كذا وكذا، وقال سمرة بن جندب: "قام رسول الله - ﷺ - في صلاة خسوف الشمس أطول قيامه في صلاة قط ولم أسمع له حسا"، وروى ولم أسمع له صوتا.
وأما خبر عائشة قلنا: اختلفت الرواية عنها، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: تحرزت قراءة رسول الله - ﷺ - "فرأيت أنه قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران"، وهذه الرواية هي أولى لانها تعاضد ما رويناه. فإذا تقرر هذا فإنه يخطب في الخسوف بعد الصلاة على المنبر ليلا كان أو نهارا، ويجلس بين الخطبتين ويأتي بأركان الخطبة ويحضر الناس على الخير ويأمرهم بالتوبة، والتقرب إلى الله تعالى، فإن كان في الموقف بعرفة خطب راكعا ويصلي بين الخطبتين بسكتة قدر الجلسة لو كان على المنبر، ولو تركها أو خطب على غير ما أمر به كرهت ولا إعادة ويستمع الناس لها فإن انصرفوا كرهته، ولا إعادة.
وقال في "الأم" وأحب "٢٣٩ أ/٣" للقوم بالبادية والسفر أن يخطب بهم أحدهم ويذكرهم إذا صلوا هذه الصلاة، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا تسن الخطبة في الكسوف واحتجوا بأن النبي - ﷺ - لو خطب لنقل نقلا ظاهرا كما نقلت خطبة العيد. وهذا غلط لما روت عائشة ﵂ قالت: لما صلى رسول الله - ﷺ - الخسوف انصرف وخطب الناس، وذكر الله تعالى فأثنى عليه، وقال " يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وانصرفوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما أحدا أعز من الله تعالى أن يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا"
قال ابن المنذر: ما خالف هذا الخبر أحد من أصحابنا إلا مالك وهذه غفلة منه؛ لأنه روى الحديث ثم تركه، لانه لم يشتهر وعدم الاشتهار لا يمنع صحة الخبر لأن النقل يكون على حسب الدواعي، ألا ترى أن الأذان لما توفرت الدواعي عليه نقل نقلا ظاهرا حتى لا يختلف "٢٣٩ ب/٣" أحد أنه شفع، واختلفوا في الإقامة هل هي شفع أو وتر، ولم ينقل مثل ذلك النقل، وإن صلى منفردا لم يخطب لأن الخطبة هي للوعظ والتذكير للغير.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
مسألة: قال: وإذا اجتمع خسوف وعد واستسقاء.
الفصل
وهذا كما قال: جملته أنه إذا اجتمع في يوم واحد صلوات بدأ بالأهم، فإذا اجتمع خسوف وعيد واستسقاء وجنازة بدأ بالأهم وهو صلاة الجنازة، لانها من فرائض الكفايات، وتتعلق بحرمة الميت مع حق الله تعالى، ثم نقل المزني أن الشافعي قال: فإن لم يكن حضر الإمام أمر من يقوم بها وبدأ بالخسوف وتداخل المزني بالنقل والشافعي لم يقل هكذا، بل قال في "الأم": فإن لم يكن حضرت: يعني: الجنازة ولكنها تنتظر فالإمام يأمر جماعة لينتظروها ويقوموا بها إذا حضرت ويبدأ الإمام مع الآخرين بصلاة الخسوف، وإن كانت صلاة العيد آكد منها، لأنه يخاف فوتها بالتجلي، ولا يخاف فوت العيد، ثم إذا فرغ من صلاة الخسوف، وقد صلى أولئك على الجنازة بذلك وإلا هو صلى عليها إن كانت حضرت ثم "٢٤٠ أ/٣" قال الشافعي: وتركها، أي: لا يتبعها حتى تدفن ويشتغل بصلاة العيد وقيل: ما نقل المزني صحيح أيضا، ومعناه: فإن لم يرد الإمام أن يصلي على الجنازة أولا يريد حضورها بل من يصلي عليها وبدأ الخسوف، وقيل: معناه فإن لم يكن حضر الإمام يعني إمام الجنازة وهو الولي، لأنه أولى فتترك جماعة ليصلوا مع الولي إذا حضر، وهذا ضعيف بعيد.
وقال الشافعي في كتاب العيدين: إذا انكسفت الشمس يوم الجمعة ووافق ذلك يوم الفطر بدأ بصلاة العيد، ثم بصلاة الخسوف إن لم تنجل قبل الدخول في صلاة الكسوف، قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين: بل هي على اختلاف الحالين، فالذي قال في العيدين: إنه إذا خاف صلاة العيد فيبدأ بصلاة العيد، لأن فواته متحقق وفوات الكسوف غير متحقق والذي قال هاهنا: إذا كان في وقت صلاة العيد سعة لا يخاف فوتها، ثم إذا فرغ منها بدأ بصلاة العيد وقدمها على صلاة الاستسقاء، لأنه لا يخاف فوتها ومجئ المطر ليس مما يسرع، وإذا جاء المطر لا يفوت الصلاة لأنا "٢٤٠ ب/٣" نقول: يستحب الصلاة بعد للشكر ولهذا قال الشافعي: يؤمر الناس قبل الاستسقاء يصوم ثلاثة أيام، ثم إذا فرغ منها فإن أمكنه أن يصلي صلاة الاستسقاء في ذلك اليوم، ولم تشق على الناس صلاها، وإن شق على الناس أخرها إلى الغد ثم صلاها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اجتمع عيد وخسوف صلى أيهما شاء، وهذا ليس بشيء، واعترض ابن داود قوم ممن يتعاطون علم النجوم فقالوا: إنه يستحيل اجتماع الخسوف والعيد، لأن خسوف الشمس لا يكون في العادة إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من الشهر، وخسوف القمر لا يكون إلا في ليلة الرابع
[ ٢ / ٤٩١ ]
عشر والخامس عشر، فكيف يجتمع ذلك مع العيد. قلنا: الشافعي بينه على أنه لو كان، كيف يكون حكمه على طريق التوسع في التفريط والتبسط في العلم، وهذا كما قال أهل الفائض: إذا خلف مائة حبة وأكثر كيف يكون تنزيلها وحكمها وذلك لا يكون في العادة القائمة، ولكنهم ذكروها على المعنى الذي ذكرنا، وعلى هذا قال أبو حنيفة: لو ضرب رأس رجل بأبي قبيس فقتله فلا قصاص، والثاني: هذا "٢٤١ أ/٣" عندنا أنه من الآيات يخوف الله تعالى بها عباده وبما أظهرها في غير هذا الوقت إذا علم المصلحة فيه بدليل ما روي عن الزبير بن بكار أنه قال في كتاب النسب: إبراهيم ابن النبي - ﷺ - مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول، وكسفت الشمس في ذلك اليوم.
وروي أنه مات يوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة عشر، فإذا تقرر هذا، ذكرنا أنه إذا خاف فوت العيد بدأ بها ويخفف، ثم يصلي الخسوف وإذا فعل كذلك يخطب لهما جميعا خطبة واحدة يذكر فيها ذكر العيد والخسوف جميعا ولا يضر تأخير صلاة العيد إلى ما بعد الزوال، لأن الخطبة هي غير مؤقتة وإنما هي تابعة لصلاة العيد في وقتها فلا يضر تأخيرها.
فرع
لو اجتمع صلاة الخسوف وصلاة الجمعة يبدأ بصلاة الخسوف، لما ذكرنا أن بقاءه غير متحقق ويقرأ في كل قيام بأم القرآن وقل هو الله أحد، فإذا فرغ من الصلاة خطب للجمعة وذكر فيها الخسوف، ثم يصلي الجمعة ولم يقل هاهنا يخطب لهما كما "٢٤١ ب/٣" قال هناك؛ لأنه لو خطب لهما هاهنا لم يجز إذ الخطبة للجمعة فرض فلا يجوز أن يجعلها مشتركة بين الفرض والنفل.
وذكر أصحابنا أنه ينوي بالخطبة للجمعة، وإن خاف فوت الجمعة بدأ بها لأنها آكد من غير إشكال، ثم إذا فرغ منها فإن كانت الشمس كاسفة بعد صلاة الكسوف وإلا فقد فاتت ولا تقضى. قال الشافعي: وهكذا يضع في كل مكتوبة ويخطب بعد المكتوبة، لأنه لا وقت للخطبة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خسفت الشمس بعد العصر وهو في الموقف صلى الخسوف؟، ثم خطب على بعيره ودعا، وإن كان بعرفة قبل المضي إلى الموقف صلاها ولم يدعها للوقوف وخفف الصلاة والخطبة، وإن خسف القمر بالمزدلفة بعد طلوع الفجر صلى للخسوف وإن حبسه ذلك إلى طلوع الشمس ويخفف لئلا يحبسه إلى طلوع الشمس، وإن كان الخسوف بمكة عند رواح الإمام للصلاة بمعنى صلى الخسوف، وإن خاف أن تفوته صلاة الظهر بمنى صلاها بمكة.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خسفت الشمس، ثم حدث خوف صلى الإمام صلاة الخسوف صلاة خوف، كما يصلي المكتوبة صلاة "٢٤٢ أ/٣" خوف وكذلك يصلي صلاة شدة الخوف إيماء حيث يوجد راكبا ماشيا فإن أمكنه الخطبة مع الصلاة خطب وإلا ترك الخطبة.
مسألة: قال: وإن خسف القمر صلى كذلك.
الفصل
وهذا كما قال السنة أن يصلوا في خسوف القمر جماعة مثل ما ذكرنا في خسوف الشمس إلا أنه يجهر فيها بالقراءة.
وقال أبو حنيفة فرادى في بيوتهم، لأن خروجهم ليلا مع الانكساف مشقة.
وقال مالك: لا يصلي أصلا، وهذا غلط لما روينا عن ابن عباس فيما تقدم وما قالوا: ينتقض بصلاة التراويح ثم فرع الشافعي على هذا مثل ما فرع على خسوف الشمس من اجتماع هذه الصلاة مع غيرها في وقت واحد، فقال: وإن خسف به القمر في وقت قنوت أي في وقت قيام الليل من تراويح أو غيرها بدأ بالخسوف قبل الوتر وقبل ركعتي الفجر وإن فاتتا، أي: وإن أدى البداية بصلاة الخسوف إلى فوات هاتين الصلاتين وهما الوتر وركعتا الفجر وعلل، فقال: لأنها صلاتا انفراد، وأراد أن التطوع الذي سن له الجماعة هو آكد من صلاة الانفراد وإن كانت "٢٤٢ ب/٣" مؤكدة وقيل: العلة أن الوتر وركعتي الفجر بعد بخلاف هذه وهذا ينتقض بصلاة العيد فالعلة الصحيحة ما ذكرها الشافعي قبل هذه العلة، ثم بين أن خطبة خسوف القمر يجوز أن تقع في النهار بعدما كانت الصلاة في الليل، فقال: يخطب بعد صلاة الخسوف ليلا ونهارا.
وأما النساء: فيستحب لهن أن يحضرن إذا كن عجائز أو غير ذوات الهيئة، وقالت أسماء بنت أبي بكر فزع رسول الله - ﷺ - يوم كشفت الشمس فقام قياما طويلا، فرأيت المرأة التي هي أكبر مني والمرأة التي هي أصغر منهي قائمة، فقلت: أنا أحرى بالصبر على طول القيام.
وقال في "الأم": لا أكره لمن لا هيئة له شهود هذه الصلاة ويكره للشباب وذوات الهيئة ويصلي هؤلاء في بيوتهن إما فرادى أو جماعة، وإذا فرغن لم يخطبن لأن الخطبة ليست من رتبة النساء.
وقال في "الأم": وإن قامت إمامتهن فذكرتهن ووعظتهن كان حسنا، ولو حصل
[ ٢ / ٤٩٣ ]
رجل معهن، ولا رجل هناك سواه، فإن كن ذوات محارم له صلى بهن وإلا يكره له ذلك، فإن خالف وصلى "٢٤٣ أ/٣" بهن صحت صلاتهن، ثم بين أين تصلي هذه الصلاة وقد مضى بيانه في خسوف الشمس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تصلى صلاة الخسوف في كل مسجد أم لا تصلى إلى في جماعة واحدة؟ وجهان مخرجان بناء على القولين في صلاة العيد، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: فإن لم يصل حتى تغيب كاسفة.
الفصل
وهذا كما قال. إذا غفل عن صلاة الخسوف حتى تجلت كلها لم يصل وهذا لقوله - ﷺ -: في رواية جابر ﵁: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي" فجعل الانجلاء غاية الصلاة ولأن الصلاة إنما شرعت ليدعو الناس الله تعالى حين يرد إليها الضوء للانتفاع به، فإذا تجلت زال هذا المعنى فإن قيل: قد قلتم: الاستسقاء إذا مطروا صلوا الاستسقاء، فلم لا تقولون هاهنا إنه يصلي بعد التجلي، قلنا: لانهم يصلون هناك لاستزادة المطر وإتمام المنفعة. وهاهنا لا معنى للصلاة لاستزادة الضوء فلهذا لم يصلوا.
فرع
لو تجلى بعضها صلى ليرد الله تعالى "٢٤٣ ب/٣" ضوء ما انكسفت منها ولهذا لو انكسف بعضها في الابتداء فإنه يصلي كذلك.
مسألة: قال: فإن غاب خاسفا صلى صلاة الخسوف بعد الصبح ما لم تطلع الشمس.
وهذا كما قال: إذا انخسفت الشمس وغابت خاسفة قبل أن يحرموا بالصلاة لا يصلون؛ لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب سلطانها وذهب الوقت الذي دخل فيه ضوئها منفعة للناس فلم يكن للصلاة معنى، ولو خسف القمر ففيه ست مسائل:
أحدها: أن ينجلي ليلا قبل الصلاة فلا يصلي مما ذكرنا في الشمس.
والثانية: أن ينجلي بعضه فإنه يصلي.
والثالثة: أن يغطيه السحاب منخسفا فإنه يصلي.
والرابعة: أن يغيب القمر منخسفا في بعض الليل قبل أن يصلوا صلاة قولا واحدا ويخالف غروب الشمس كاسفة؛ لأن زمان الليل هو وقت لسلطان القمر وبقاء ضوئه في بعض الليالي فإن غاب في بعضها، وغيبوبة الشمس لا يختلف زمانها وليس لها في
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الليل سلطنة بوجه، وقيل في القمر: إن القمر قد يكون باقيا بعد طلوع الشمس فلا يكون لطلوعه وبقائه حكم مضئ الليل فكذلك "٢٤٤ أ/٣" إذا غاب مع بقاء الليل وجب أن لا يكون لغيبوبته حكم مع بقاء الليل وليس كذلك الشمس؛ لأنه لا يسقط حكمها مع بقائها فكذلك لا يبقى حكمها مع غيبوبتها.
والخامسة: أن تطلع الشمس وهو منكسف فإنه لا يصلي، لأن وقته قد فات وسلطانه قد ذهب فهو بمنزلة غيبوبة الشمس.
والسادسة: أن يطلع الفجر وهو منكسف ففيه قولان: قال في "القديم": لا يصلي لأن القمر من آية الليل والشمس من آية النهار، فكما لا يصلى لخسوف الشمس بالليل لا يصلى لخسوف القمر بالنهار، وقبل الفجر حاجب الشمس.
وقال في "الجديد": يصلي وهو الصحيح، لأن قبل طلوع الشمس سلطان باق لقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الإسراء: ١٢" فما لم تطلع الشمس فالسلطنة له وقد يقع لضوئه في هذا الوقت.
فرع
لو خسف القمر بعد طلوع الشمس، هل يبتدئ الصلاة؟ فيه قولان بناء على هذين القولين ولو ابتدأ خسوف القمر بعد طلوع الشمس لا يصلي قولا واحدا.
مسألة: قال: فإذا طلعت أو أحرم فتجلت أتموها.
وهذا كما قال أراد به إذا طلعت الشمس في خلال صلاة خسوف القمر إذا أحرم بصلاة خسوف الشمس، ثم تجلت الشمس "٢٤٤ ب/٣" أتموها، وهذا لأن القصد بهذه الصلاة إعظام الله تعالى ما رأوا من الآيات التي يخوفهم بها، ومسألة تجليها وإعادة ضوءها إليها، فإذا افتتحوا الصلاة ثم حصل المقصود لم يجز إبطال الصلاة بل إتمامها أحسن لعبادته. وأتم لشكر نعمته.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه أراد يتجوز فيها ويطرح الزوائد التي خصت بها، وقد ذكرنا وجهين، والنص الظاهر أنه يتمها كما شرع فيها إلا أنه يخفف.
فرع
لو كسفت الشمس، ثم تغيبت السماء، وتغيبت الشمس في السحاب يصلون صلاة الخسوف؛ لأن الخسوف يقين وتجليها مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، ولو طلعت الشمس في غمام أو غيابة فتوهمها خاسفة فلا صلاة حتى يستيقن ذلك، ثم ذكر في "المختصر": مسألتين مضى بيانهما:
إحداهما: قال: فإذا اجتمع أمران فخاف فوات إحداهما بدأ بالذي يخاف فوته.
والثانية: قال: فإن لم يقرأ بأم القرآن أجزأه، وهذا لأن الفريضة تجزئ بأم القرآن فالنافلة أولى، ثم بين أن الجماعة وإن كانت مسنونة لهذه الصلاة فليست بواجبة بخلاف
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الجمعة، فقال: ولا يجوز عندي تركها لمسافر على "٢٤٥ أ/٣" ما ذكرنا وأراد أنه لا يجوز من طريق السنة.
وحكى عن الثوري، ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز هذه الصلاة منفردا، وهو غلط لأنه روى أن ابن عباس صلى صلاة الخسوف على ظهر زمزم وذلك الموضع لا يتسع للجماعة ولأنه ليس من شرطها الوطن فكذلك الجماعة.
مسألة: قال: ولا آمر بصلاة جماعة في آية سواهما.
وهذا كما قال: لا تسن في غير آية الخسوف من الزلازل والريح الشديدة والظلمة ونحو ذلك؛ لأن هذه الآيات كانت على عهد رسول الله - ﷺ - ولم تنقل الصلاة لها.
قال الشافعي: ويستحب التكبير والدعاء، فإن صلى للناس منفردين لئلا يكونوا على غفلة جاز، وحكى عن الشافعي هاهنا أنه قال: وآمر بالصلاة منفردين، وقال بعض أصحابنا: لم يستحب الشافعي هذا بل أمر لئلا يكون على غفلة وحدث حادث فيكون على أفضل القرب وهي الصلاة، لأن الصلاة هي خير موضوع ولم يذكر في " الحاوي" غيره، ويحتمل أنه استحب ذلك لها منفردا اعتمادا على ظاهر قوله/ ولا إشكال أن هذه الصلاة هي كسائر الصلوات. وقد روى عن النبي "٢٤٥ ب/٣" - ﷺ - أنه كان: "إذا سمع صوت رعد أو صاعقة يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"، وروى أنه كان إذا هبت ريح شديدة يستقبلها جاثيا على ركبتيه ويقول: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت فيها"، وهذا لأن في كل موضع ذكر الله تعالى الريح فهو للعذاب وهو موضع ذكر الرياح فهو للرحمة، هذا ذكره ابن عباس قال الله تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ " الحجر: ٢٢" وقال: ﴿وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ "الأعراف: ٥٧" الآية وقال ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ "الحاقة: ٦" وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "القمر: ١٩" وقال ابن مسعود ﵁ يصلي في جماعة كل آية، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال أهل العراق: يصلون فرادى الزلازل والرياح سنة. وحكى عن الشافعي أنه قال في كتاب اختلاف العراقيين: صلى علي ﵁ جماعة في زلزلة ثم قال: فإن صح قلت به، فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي - ﷺ - قلنا: به وإلى وقتنا هذا لم يصح، ومنهم من قال: إن صح عن علي قلنا به فمن "٢٤٦ أ/٣" قال بهذا اختلفوا على
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وجهين: أحدهما: أراد إن صح قلنا: في الزلزلة وحدها. والثاني: أراد إن صح قلنا به في سائر الآات مثله