مسألة: قال: وإذا سافر الرجل سفرًا يكون ستة وأربعين ميلًا بالهاشمي. فله أن يقصر الصلاة.
وهذا كما قال. الأصل في جواز القصر في السفر الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية. وأما السنة: فما وري أن النبي - ﷺ -: "كان يقصر في أسفاره حاجًا وغازيًا". وأما الإجماع: فلا خلاف بين الملمين فيه. فإذا تقرر هذا، فجملة الأسفار على أربعة أضرب: سفر واجب كالسفر للحج والعمرة والجهاد والهجرة، وسفر معصية: كالسفر لقطع الطريق، وطلبه الزنا، والمعاصي، والهرب من الغريم مع القدرة، والخروج مراغما لأبويه في شيء، وسفر طاعة: كزيارة الوالدين أو أحدهما، الخروج إلى مسجد رسول الله - ﷺ - وإلى المجد! لأقصى، وسفر مباح: كتجارة أو تنزه ويستباح القصر في كلها إلا في سفر المعصية.
وقال ابن مسعود - ﵁ _: لا يجوز القصر إلا في السفر الواجب: لأن الواجب لا يترك إلا للواجب، وقال عطاء [٤٢ أ / ٣]. ﵀ -: لا يجوز إلا في سفر الطاعة لأن رسول الله - ﷺ - لم يقصر إلا في سبيل الخير. وقال داود: لا يجوز إلا عند الخوف لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] النساء: ١٠١] فشرط الخوف وهذا غلط لما روى ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاء وفي السفر ركعتين"، وروى يعلى بن أمية
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقيل: يعلى بن منية، وقيل: أمية أبوه ومنية جدته، فنسب إلى كل واحد منهما. قال: وقلت لعمر بن الخطاب - ﵁ _: أباح الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر إذا أمن، فقال: عجبت مما عجبت، فألت النبي - ﷺ - فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". فثبت جوازه في الأمن. وروى جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: "خياركم من قصر في السفر وأفطر"، وروى ابن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "خيار أمتي أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا [٤٢ ب / ٣] وإذا سافروا قصروا وافطروا"، وروى عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: كنت مع عمي عبد الله بن عمر في سفر فصلى ركعتين، ثم انصرف فرأى ناسًا في المسجد يصلون فقال: لو كنت مصليًا معهم لأتممت، لقد صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فما رأيته يصلي إلا ركعتين، ما يصلي معهما شيئًا حتى لقي الله"، ولقد صحبت أبا بكر في السفر "فما رأيته يصلي إلا ركعتين ما يصلي معهما شيئًا، ثم صحبت عمر في السفر ففعل هكذا ثم صحبت عثمان فما رأيته إلا هكذا، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال أبو سعيد الخدري - ﵁ - كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج من المدينة فسار فرسخًا قصر الصلاة، وروي أن النبي - ﷺ - قصر في السفر في الحج وكان آمنا، ولأن الرخصة إذا تعلقت بسفر الطاعة تعلقت بالفر المباح كصلاة النافلة على الراحلة. وأما ما ذكر ابن مسعود - ﵁ - ينتقض ممن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه يقصر بالإجماع، وأما ما قال عطاء فلا يصح لأنه لو اختص بموضع السنة [٤٣ أ / ٣] لما جاز القصر في غير الموضع الذي سار فيه رسول الله - ﷺ - ولأنه كان يقصر الصلاة في عوده، وإن كان مباحًا وأماما، قال داود ﵀: قلنا ذكر الخوف لا للشرط كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فهذا ليس بشرط، وقال أبو حنيفة - ﵀ _: يجوز القصر في جميع الأسفار، وان كان سفر معصية وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا فإن عنانا لا يجوز القصر إلا في السفر الطويل، وقال داود: يجوز القصر في السفر القليل وإن كان فرسخًا لظاهر الآية، وهذا غلط لما روى ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدني من أربعة برد من مكة إلى عسفان". وهذا يخص الآية، ولأن المشقة لا تلحقه في ذلك غالبًا فأشبه الانتقال في البلد من محله إلى محله.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فإذا تقرر هذا فحد السفر الطويل ماذا؟ قال الشافعي: هاهنا ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي. وقال في القديم: يقصر إذا جاوز أربعين ميلًا، وقال في موضع: مسيرة ليلتين، وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة. وقال في موضع: أربعة برد. وكل هذا واحد والأصل فيه ما قال [٤٣ ب / ٣] هاهنا ستة وأربعون ميلًا، والذي قال ثمانية وأربعون ميلًا احتسب فيه الميل الذي يبتدي منه، والميل الذي ينتهي إليه وهناك لم يحتسب. والذي قال في القديم: جاوز أربعين ميلًا أبهمه وفسره في الجديد، والذي قال مسيرة ليلتين قال: فيه قاصرتين سير الأبغال ودبيب الأقدام دون سير البرد والخيل ونحب الركاب لأن ذلك خارج عن المعتاد، كما لا يعتبر سير المزمن والمقعد، وذلك ستة عشر فرسخًا في كل ليلة ثمانية فراسخ، والذي قال مسيرة يوم وليلة أراد إذا وصل سير الليل والنهار وذلك ما قلناه. والذي قاله: أربعة برد فهو ما ذكرنا؟ لأن كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله - ﷺ -، وهو الذي قدر أميال البادية وبردها كل ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة. وجملته ستة عشر فرسخًا.
وقال بعض أصحابنا: كل ميل أربعة آلاف قدم وهو غلط ظاهر، وقال الساجي: قوله: ثمانية وأربعون ميلًا أراد به أميال بني أمية، وقوله: ستة وأربعون ميلًا أراد به أميال بني هاشم لأن أميال بني أمية هي أقصر من أميال بني هاشم وهذا [٤٤ أ / ٣] غلط، لأن الشافعي رحمة الله عليه نص في الموضعين على أميال بني هاشم، وبقولنا: قال مالك والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر ﵃، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: لا يقصر إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرون فرسخًا، وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁ وسويد بن غفلة وسعيد بن جبير والنخعي ﵏.
وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم، وروي ذلك عن أنى ﵁ وقال الزهري ﵀: مسيرة يوم تام ثلاثين ميلًا، وقد قال الشافعي ﵀: لا يستحب أن يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام. كما قال أبو حنيفة: للخروج من الخلاف، والدليل على ما ذكرنا: خبر ابن عباس ﵄ ما ذكرنا، وقال عطاء ﵀: لابن عباس ﵄ أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى منى؟ فقال: لا، ولكن اقصر إلى جدة أربعة برد. واحتجوا بما روي عن أنس ﵁ كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ يصلي ركعتين. أورده أبو داود عن علي ﵄ أنه خرج [٤٤ ب / ٣] إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة؟ قلت: احمل الخبر على ما لو نوى سفرًا طويلًا، فحين خرج من بلده ثلاثة أميال ابتداء
[ ٢ / ٣١٧ ]
القصر، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الشد والحل والارتحال فجاز القصر فيها كالثلاث، ثم الصحيح أنه تجديد كالنصاب في الزكاة: لأنه ثبت بالنص عن الرسول - ﷺ - والصحابة لا بالاجتهاد، وقال أبو إسحاق ﵀: لم يقصد الشافعي بألفاظه التحديد الذي لا ينقص منه وإنما أراد به التقريب.
فرع
لو سافر في البحر لا اعتبار بسير الفن كما لا اعتبار في البر بالسير السريح، بل الاعتبار بالمسافة التي يقصر الصلاة في مثلها في البرء قال: فإن شك هل بلغ مثل تلك المسافة في البر أم لا؟. لا يجوز له القصر حتى يستيقن أنها مسافة القصر.
مسألة: قال: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة.
وهذا كما قال: الصلوات المفروضات خمس، اثنتان منها لا تقصران، وهما الصبح والمغرب، والباقيات يقصرن وهي الظهر والعصر والعشاء، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: فرفت [٤٥ أ / ٣] الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر إلا المغرب والصبح. أما المغرب فوتر النهار، وأما الصبح فلطول القنوت. معناه: أنه مقصور عددًا ولكنه يطول بطول القراءة فإذا كان في السفر يخفف القراءة فيه: ولأن الصبح مقصور والمغرب لا ينتصف صحيحًا، ولا يمكن أن ترد إلى ركعتين: لأنه يخرج عن كونه وترًا ولا أن ترد إلى ركعة: لأنه إسقاط الأكثر، ثم اعلم أن القصر رخصة لا عزيمة ولا فرض كالمسح على الخفين فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وأيهما فعل سقط عنه الغرض كالعبد والمرأة إذا حضرا الجمعة يختاران الجمعة أو الظهر أربح ركعات، وأيتهما فعلا سقط عنهما الفرض، وبه قال عثمان وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة ﵃ والأوزاعي وأحمد وأبو ثور ﵏.
وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: القصر عزيمة لا يجوز تركه بحال، وبه قال عمر وعلي ﵄، وعن مالك ﵀ روايتان والأشهر عنه نحو مذهبنا، وهذا غلط لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجت مع [٤٥ ب / ٣] رسول الله - ﷺ - في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت. فقلت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال النبي - ﷺ -: "أحسنت"، وهذا نص ولأنه لو صلى خلف مقيم صلى أربعًا والركعات لا تزيد بالإتمام، فإذا تقرر هذا نص الشافعي ﵀ في كتاب استقبال القبلة أن القصر أفضل من الإتمام، ونقل المزني ﵀ في "الجامح الكبير": أن الاختيار للمسافر القصر، ثم اعترض عليه بأن الإتمام أفضل لأنه أكثر عملًا، وهو مذهبه ونص في كتاب الإمامة على أن الإتمام
[ ٢ / ٣١٨ ]
أفضل، فيكون في المسألة قولان، ومن أصحابنا من ذكر قولًا واحدًا أن القصر أفضل وهو اختيار أبي حامد، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وقول الشافعي ﵀: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة لم يرد به أن تركه رغبة عن السنة، ولكن أراد إذا ترك على وجه الرغبة عن السنة كفر، فكيف يقول الشافعي هذا؟ قلنا: قيل: إن الشافعي قال في "الأم": والقصر سنة وأكره تركه، وهذا نقله المزني وله تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يتركه في حال [٤٦ أ / ٣] الأمن عدولًا عن قبول خبر الواحد. وهذا لا يوجب كفرًا، لأنه ذهب إلى ظاهر القرآن وشرط الخوف فيه.
والثاني: أراد أنه رغب عن هذه السنة الرخصة الثانية بالسنة، وقال: لا أترك ما ثبت من عدد الركعات بالتواتر والإجماع، فإن قيل: أليس الصوم أفضل من الإفطار في السفر إذا أطاق الصوم فكذلك الإتمام وجب أن يكون أفضل؟ قلنا: قال القفال: الفطر
أفضل من الصوم في أحد الوجهين والصحيح الغرة، وذلك أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون قضاء الصلاة إذا قصرها، ودخل الوقت تفوت بالفطر بخلاف القصر، ولأن الخلاف فيه أشهر منه في جواز الفطر: ولأن النبي - ﷺ - قال: "خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا"، وقد داوم النبي - ﷺ - على القصر ولا يداوم إلا على الأفضل، وقال عمران بن الحصين ﵁: حججت مع رسول الله - ﷺ -، فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر ﵁ فكان يصلي ركعتين حتى [٤٦ ب / ٣] ذهب وسافرت مع عثمان ﵁ فصلى ركعتين ست سنين، ثم أتم بمنى.
فإن قيل: إذا اعتبرتم الاحتياط للخروج من الخلاف هاهنا، وفي القصر في أقل من ثلاث مراحل على ما قال الشافعي فيم لا يحتاطون في الوتر حتى يوتر بثلاث؟ قلنا: لأن الأخبار في الوتر بواحدة هي كثيرة مشهورة، وهاهنا أكثر فعل رسول الله - ﷺ - في الأسفار القصر فيها، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وله أن يفطر في أيام رمضان، فإن صام فيه أجزأه" وموضعه كتاب الصوم.
مسألة: قال: فإن نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق المنازل.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في وقت القصر، فكل سفر يقصر فيه الصلاة فوقت القصر هو إذا فارق البنيان والمنازل، وهو المكان الذي إذا عاد إليه من سفره يزول القصر، فإن كان للبلد سور فحتى يفارق السور، وإن لم يكن له سور فحتى يفارق البنيان والمنازل، فلا يبقى بيت منفصل ولا متصل، وان كانت أطراف البلد حزبه نظر، فإن كانت الحيطان قائمة فهي كالعامرة، وان كانت ساقطة [٤٧ أ / ٣] فهي كالمعدومة، وإن كان حول البلد بساتين،
[ ٢ / ٣١٩ ]
فإن الاعتبار بمفارقة حيطان البلد المبنية للإيواء والكن، فأما حيطان البساتين فهي كالمعدومة: لأنها مبنية لحفظ الغلات والثمار لا للاستيطان، وإن كان البلد ذا جانبين يفصل بينهما نهر كبغداد وواسط والبصرة فالجانبان معًا كالبلد الواحد يفصل بينهما شارع، فالماء والشارع سواء فلا يجوز القصر إذا عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن كانت قريتان اتصلت عمارتها حتى ليس بينهما قضاء فإنهما بمنزلة القرية الواحدة، وإن كان بينهما قضاء فهما قريتان، وان كان ذراعا مثلا ذكره في "الحاوي".
ضومن أصحابنا من قال: إن كان الفضاء يتباعد بينهما فعلى ما ذكرنا، وان قرب القضاء بينهما فهما قرية واحدة. ذكره ابن سريج، وهذا خلاف المذهب، لأن الشافعي نص على ما ذكرنا وأطلق، وهذا لأن كل واحدة منهما منفصلة باسمها وبنائها، وإن كان بدويًا يخرج من البادية، فإن لم يكن خيمة يكون فيها بل له بقعة قد نزلها، نقل المزني أنه لا يقصر حتى يفارق موضعه. وقال الشافعي في كتاب استقبال القبلة: حتى [٤٧ ب / ٣] يجاوز البقعة التي فيها منزله، وهذا أبين وأشرح، وأراد المزني أيضًا بقعة موضعه لا نفس الموضع، وهي مواضع تردده إليها في الاحتطاب وغير ذلك على العادة، وقال عطاء والأسود والحارث بن أبي ربيعة ﵏: إذا نوى السفر جاز له القصر في منزله وبلده لمجرد النية.
وقال مجاهد ﵀: إن سافر نهارًا لا يقصر حتى يمسي، وإذا سافر ليلًا لا يقصر حتى يصبح، وهذا غلط لما روي عن أنى ﵁ أنه قال: صليت مع وسول الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقال علي بن ربيعة: خرجت مع علي ﵁ فقصر ونحن نرى البيوت ورجعنا بقصر ونحن نرى البيوت. واحتج عطا، بأنه لو نوى الإقامة فإنه يلزمه الإتمام في الحال، فإذا نوى الفر قصر في الحال أيضا. إن الحارث بن أبي ربيعة أراد سفرًا فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، فصار إجماعًا، قلنا: إذا نوى الإقامة وجد مع النية ما يوافقها وهو اللبث والإقامة، وإذا نوى السفر لا يوجد ما يطابقها حتى [٤٨ أ / ٣] يسير فيما جاوز البنيان فاعتبر ذلك فيها.
فرع
لو كانت له خيمة وهناك خيام مجتمعة كالبيوت في القرية فحتى يفارق كلها، نص عليه في "الأم" قال: فإن كان في حاضر مجتمع فحتى يفارق ما قارب منزله، وأراد إذا كان من أهل المظال والخيام لقبائل متفرقة فلا اعتبار بالحلة، فإن كانوا يعدونها حلة واحدة فيعتبر مجاوزة جميعها، وان كانوا يعدونها حللًا مختلفة، فإذا جاوز حلت له أن يقصر: لأن الحلل هي كالقوى فإذا فارق قريته قصر وإن كان يقربها قرية أخرى لم
[ ٢ / ٣٢٠ ]
يجاوزها. قال أصحابنا: وما يكون من مرافق الحلة كمطرح الذبل وموضع الطبخ، والخبز، ومتحدث النادي من جملتها لا يقصر حتى يفارقها. وقال القفال: إذا كانوا يجتمعون للسمر ويتعين بعضهم ببعض في الحوائج، وان كانت متفرقة فهي كالمحلات في بلده.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وإن كان في عرض وادٍ فلا يقصر حتى يقطع عرفه. قال أصحابنا: أراد به إذا كانت البيوت قصر، وان كان في عرض كان في عرض الوادي، وقال القافي الطبري: لم يشترط الشافعي ما ذكره بل أطلق وإنما قال ذلك، لأن [٤٨ ب / ٣] جانبي الوادي بمنزلة السور على البلد؛ لأنهم إنما اختاروا النزول في الوادي ليتحصنوا بجانبيه كما يتحصن أهل البلد بسورة فينبغي أن لا يقصر حتى يفارقه، ولو كان منزله في طول الوادي فإنه يقصر أيضًا إذا جاوز البيوت.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ما دام يتردد حول خيمته للارتحال وإحضار الدابة فهو كالمقيم إلا أن تستوي دابته على الطريق ذاهبًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان على صعود في صحراء فما لم ينهبط منه لا يقصر، وان كان في هبوط فما لم يصعد لا يقصر، وعندي ليس هذا على هذا الإطلاق لأنه قد تطول المسافة بين الصحراء وبينه، فإذا فارق موضعه من أعلاه وتباعد يجوز له القصر وان لم ينزل بعد.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الإملاء": لو خرج مسافرًا، ثم ذكر شيئًا نسيه في منزله فعاد إلى بلده لأخذ ذلك الشيء، لم يكن له أن يقصر لأنه صار بعوده مقيمًا، ولهذا لم يجز له أن يقصر إلا بعد مجاوزته.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل البلد الذي قصده، وبلغ أول بنيانه أتم الصلاة. وقال في "البويطي": لو خرج إلى الجب مبرزًا ليخرج إلى مكة في المشاة أو الركبان وكانت [٤٩ أ / ٣] نيته المقام حتى يتكامل الناس أتم حتى يرحلوا، لأن السفر يبتدأ من حيث نزل هاهنا، وإن كانت بنية المقام في الجب أقل من أربعة أيام ويسير منه مكامل الناس أو لم يتكاملوا فله القصر.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "البويطي": لو رجع واحد ممن له القصر إلى منزله في حاجة، فحضرته الصلاة ذاهبًا وجاثيًا قصر، وليست المسألة على قولين بل على اختلاف حالين، فالذي قال في "الإملاء": لا يقصر إذا حصل في جوف البلد، والذي قال في "البويطي": يعني: في طريق البيت ما لم يدخل شيئًا من البلد، وفي طريقه راجعًا إذا فارق البلد فاعتبر كونه في الوطن، وقال القفال: حال ما نوى صار مقيمًا في مكانه رجع أو لم
[ ٢ / ٣٢١ ]
يرجع، ولو لم يرجع لا يجوز له القصر ما لم يفارق مكانه. قال: وهكذا لو نوى الرجوع من موضع أبعد منه بعد ما لا يكون بينه وبين مبتدأ سفره مسافة قصر الصلاة، فإن سار قدر مسافة القصر ثم نوى الرجوع صار مقيمًا في موضعه، لأنه ترك سفره الأول ثم عند الانصراف له القصر في الطريق، وقطع في الصيد لأني بهذا الجواب، ولم يذكر ما قال في "البويطي" والصحيح ما ذكرت من التفصيل. [٤٩ ب / ٣].
فَرْعٌ آخرُ
ذكره أصحابنا على هذا الذي سبق، وهو أنه لو سار إلى بلد بعيد يدخل في طريقه بلل أو نوى المقام فيه أربعة أيام أتم، فإن خرج منه إلى المقصد وبينه تمام الفر قصد أيضًا إذا فارق بنيان هذا البلد، فإن نسي شيئًا فعاد إلى البلد لأخذه له أن يقصر هاهنا ذاهبًا وجائيًا، وفي وسط البلد: لأن هذا البلد ليس بوطن له، وبلده الذي هو وطنه موضع وطنه فانقطع قصره بدخوله.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الإملاء": لو أحرم خارجًا من البلد بنية القصر، ثم رعف فانصرف فاخل بعض المنازل لغسله، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة وله العود والبناء لزمه الإتمام: لأنه حصل في الوطن في أثناء الصلاة، وإن قلنا: إذا رعف بطلت صلاته لم يلزمه إتمامها فاعتبر الوطن لا غير.
مسألة: قال: وإن نوى المسافر مقام أربع أتم.
وهذا كما قال متى دخل المسافر بلدًا لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ينوي المقام أو لا ينوي فإن نوى المقام فطر، فإن نوى مقام أقل من أربعة أيام فهو مسافر، وان نوى مقام أربعة أيام فهو مقيم ينقطع قصره، وهذه الأربعة هي غير يومه الذي دخل [٥٠ أ / ٣] فيه ويومه الذي خرج منه فيه، فلو دخل يوم الأحد وخرج يوم الخميس كان له القصر: لأن بين دخوله وخروجه ثلاثة أيام، وإنما ينقطع قصره إذا دخل يوم البت وخرج يوم الخميس تعمل له أربعة أيام في الوسط؛ فلو ترك بعد طلوع الفجر من يوم السبت ورحل قبل غروب الشمس من الخميس أتم فيها كلها، وبه قال عثمان وسعيد بن المسيب والليث وأحمد وإسحاق ومالك وأبو ثور ﵏.
وقال أبو حنيفة ﵀: إن نوى مقام خمسة عثر يومًا مع اليوم الذي دخل فيه واليوم الذي يخرج منه بطل حكم سفره، وبه قال الثوري واختاره المزني ﵀، وعن ابن عمر ﵄ ثلاث روايات إحداها: هذا، والثانية: إذا نوى ثلاثة عشر يومًا أتم وفي لفظ أقلها يقصر، والثالثة: إذا نوى اثنا عشر يومأ أتم، وفي أقلها يقصر، وبه قال الأوزاعي، وقال نافع: اختلفت الروايات عن ابن عمر ﵄
[ ٢ / ٣٢٢ ]
في مدة الإقامة ثم آل الأمر إلى اثني عشر. وروي عن علي وابن عباس ﵄ إذا نوى إقامة عثرة أيام أتم وإلا قصر وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سبعة عشر يومًا، وبه قال إسحاق في رواية [٥٠ ب / ٣] وقال الليث في رواية: أكثر من خمسة عشر يومًا، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الحسن البصري ﵀: إذا دخل البلد أتم، وقالت عائشة ﵂: إذا وضع المسافر رحله أتم وسواء كان في البلد أو خارجه.
وقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم وإلا قصر، وروي عن أحمد ﵀ أنه قال: إن نوى مقام مدة يؤدي فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وروي هذا عن عائشة ﵂ وهو قريب من مذهبنا، وبه قال ابن المنذر، وحكي عن أنس ﵁ أنه أقام بنيسابور سنتين وكان يقصر فيهما، وروى النخعي أن علقمة أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر فيهما.
واحتج الشافعي ﵀ عليه بقوله - ﷺ -: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"، وأراد بالمهاجر الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة كان حرامًا عليهم بعد ذلك أن يقيموا بمكة، فرخص لهم رسول الله - ﷺ - لمن حج منهم أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، ولم يرخص في أكثر من ذلك، فدل أن ما زاد يكون في حد الإقامة ولما روي أنه أقام بمنى ثلاثًا يقصر الصلاة، وبما روى [٥١ أ / ٣] ابن عمر ﵁ أجلى أهل الذمة من الحجاز وذلك أن النبي - ﷺ - كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ولو عشت لأخرجت اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، فلم يعش إلى قابل، ولم يتفرغ لذلك بعده أبو بكر ﵁ فلما آل الأمر إلى عمر ﵁، جمع من كان في جزيرة العرب وهي بلاد الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها وأمرهم بالانجلاء منها، وضرب لمن يقدم منهم تاجرًا مقام ثلاثة أيام أي قدر ولم يقدر أكثر من ذلك يدل أن ذلك مقام السفر وما جاوزه مقام الإقامة.
واحتج أبو حنيفة ﵀ بما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم بها خمسة عشر ليلة فأكمل الصلاة ولا مخالف لهما.
واحتج أحمد ﵀ بما روي أن النبي - ﷺ - دخل مكة صبيحة يوم الأحد وهو الرابح من ذي الحجة، وكان قد صلى الصبح قبل دخوله، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بها في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام. وصلاته [٥١ ب / ٣] في هذه المدة عشرون صلاة؛ قلنا: أما الأول: فقد روى الشافعي عن عثمان ﵁ أنه قال: من أجمع إقامة أربع أتم.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فتعارضا، ثم روى أبو مجلز، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر ﵄ فقلت: يا أبا عبد الرحمن أتى المدينة طالبًا حاجة فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية، كيف أصلي؟ قال: ركعتين.
وأما ما ذكره أحمد ﵀: نقول به، لأن مدة إقامة رسول الله - ﷺ - غير يوم الدخول ويوم الخروج ثلاثة أيام، وإنما لا يعتبر يوم الدخول ويوم الخروج لأنه يشق مراعاة الزمان والساعة التي دخل فيها وخرج وضم بعضه إلى بعض، وفيه وجه آخر: أنه إذا دخل وقت الزوال يوم الجمعة ودخل وقت الزوال يوم الثلاثاء لا يقصر لأنه أربعة أيام كوامل، وهذا خلاف النص، وإن لم ينو الإقامة أصلًا ولكنه دخل لينجز حاجته كالبيع والشراء، أو سرع حديث أو لعلة لحقته حتى يبرأ، ويحصل مراده في اليوم واليومين، وربما طال فله أن يقصر ما لم يتصل مقامه أربعة أيام كاملة على ما بينا، ويستحب له فيه القصر على ما ذكرنا في السفر السائر، وإن زاد على هذا بعد نقل المزني أنه يتم وإن قصر أعاد [٥٢ أ / ٣].
وقال في "الإملاء": وإن دخل بلدًا لحاجة فيحج في اليوم واليومين فاستأخر كان له القصر ما لم يجمع مكثًا أو يبلغ مقامه مقام النبي - ﷺ - بهوازن وذلك سبع عشرة ليلة ~ن زاد عليه أتم، وقال في استقبال القبلة من "الأم": فإن جاوز أربعًا أحببت له أن يتم، فإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد أربع، ولو قيل الحرب وغير الحرب سواء في هذا كان مذهبًا. فاستحب الشافعي ﵀ الإتمام.
وقوله: إنما يريد به مستحبًا؛ لأنه نص على أن الإتمام مستحب وقال فيه: ومن قصر كما يقصر في خوف الحرب لم يبن لي أن عليه الإعادة، فإن اخترت ما وصفت، واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق وغيره: بعد الأربعة إلى ثمانية عشر يومًا قولان أحدهما: لا يجوز له القصر، لأنه لو نوى مقام أربعة أيام لزمه الإتمام، فإذا أقام أربعة من غير نية الإقامة أولى أن يلزمه الإتمام؛ لأن فعل المقام هو آكد من نيته، والثاني: يجوز له القصر ما لم ينو مقام أربعة أيام، أو يجاوز سبعة عشر يومًا والثاني يقصر أبدًا، فأما القصر إلى سبعة عشر يومًا فإنه يجوز قولًا واحدًا وهذا أصح، ولا يصح الطريقة الأولى، لأن الشافعي [٥٢ ب / ٣] ﵀ بين في "الأم": أن إعادة الصلاة إذا قصرها بعد الأربعة هي استحباب وأنه إذا استحب الإتمام، فإذا لم يتم تكون الإعادة مستحبة أيضًا، ونص أنه والمحارب سواء لا فرق بينهما والمزني ﵀ اختصر كلام الشافعي وأخل به وأورث شبهة، ونقل عن "الإملاء" أنه يقصر ما لم يجمع مكثًا، ولم يقتصر الشافعي على هذا، بل قال: أو يجاوز مقامه مقام رسول الله - ﷺ - فلم ينقله المزني.
وقال أبو حامد: أسقط المزني قول الشافعي: أحببت أن يتم فنقل أنه يتم، ومن أصحابنا من قال: ما نقل المزني صحيح وذكر في موضع آخر في كتاب استقبال القبلة
[ ٢ / ٣٢٤ ]
من "الأم": أنه إذا كان محاربًا أو خائفًا مقيمًا في موضع سفر قصر ثمانية عشر، فإذا جاوزها أتم، وإذًا كان غير خائف قصر أربعة فإذا جاوزها أتم، وهذا مثل ما نقله المزني، ويحتمل أن يكون قوله في "الأم": أحببت خطأ القلم من أوجبت، لأنه في الموضع الذي يستحب القصر لا يأمر بالإعادة إذا أتم فعلى هذا لا يقصر فيما زاد على الأربعة قولا واحدًا، أو هذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي يقصر أبدًا كما في الحرب في أحد القولين بل أراد أن [٥٣ أ / ٣] الحرب كالأمن في أن لا يزيد فيها القصر على أربعة أيام، فهو يشبه الحرب بالأمن لا الأمن بالحرب، واحتجاج المزني ﵀ بما روى ابن عمر ﵄ في أذربيجان أنه يقصر أبدًا غلط، لأن أذربيجان هي بلاد كثيرة، فيجوز أن يكون أقام في كل بلد منها دون مدة المقام، وهكذا الجواب إن احتج بما روي أن مسور بن مخرمة أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة، وهذا غلط لما ذكرنا من النص الصريح.
وقيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يقصر أبدًا وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يقصر إلى سبعة عشر.
والثالث: لا يقصر فيما زاد على الأربعة بحال. فأما إذا تيقن أنه لا تنتجز حاجته في أقل من أربعة أيام لا يجوز له القصر عندنا قولًا واحدًا، وأما المحارب وهو من كان مقيمًا على حرب أو مستعدًا للحرب أو خائفًا من حرب، فلا يخلو إما أن ينوي مقامًا معلومًا أو لا ينوي، فإن نوى مقامًا مدة معلومة، فإن قصرت عن أربعة كان له القصر كالتاجر سواء: وقال في "القديم": فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: له القصر أبدأ وبه قال أبو حنيفة - ﵀ _، وهو اختيار المزني رحمه [٥٣ ب / ٣] الله لأن المحارب لا تصح نيته وعزمه لأنه مقيم على الحرب فربما هزم وربما هزم ولا اختيار له في ذلك، وروي أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إنا نقرأ ببلاد خراسان فنقيم في الموضع الشهر والشهرين، أفأقصر الصلاة؟ فقال: اقصر ولو إلى عشر سنين. وقال ابن عباس ﵄: قام رسول الله - ﷺ - بخيبر أربعين يومًا يصلي ركعتين، وظاهر المذهب الأول؛ لأنه نوى مقام أربعة أيام، وما ذكروا من التجويز يجوز أيضًا في حق من أقام على نجز حاجة من غير حرب، وان لم ينو مقامًا ولكنه يتوقع انقضاء الحرب ويريد الانصراف متى ينقضي، فله القصر إلى سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يومأ: لأن النبي - ﷺ - أقام هذه المدة بمكة عام الفتح مستعدًا لحرب هوزان يقصر، وقد اختلفت الأخبار في هذا، فروى أنس ﵁ أنه أقام عشرة أيام، وروى عمران بن حصين ﵁ أنه أقام سبعة عشر، وروى ابن عباس ﵄
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أنه أقام ثمانية عشر، وروى جابر ﵁ عشرين يومًا، ولم يصحح الشافعي ﵀ خبر أنس، والأصح أنه كان [٥٤ أ / ٣] ثمانية عشر يومًا، وجابر ﵁ حسب فيه يوم الدخول ويوم الخروج فصار عشرين يومًا، فإن زاد على ذلك نص في "الأم" على قولين، وقال فيه القول الأول أولى أن لا يقصر زيادة على ما ذكرنا، وهذا لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أقام رسول الله - ﷺ - لحرب هوزان ثمانية عشر يومًا يقصر الصلاة، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم، واختار المزني القول الثاني، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال أيضًا على ما ذكرنا وهو ضعيف بعيد، فإذا تقرر هذا فاعلم أن في هذا الفصل إشكالًا وهو أن الشافعي جعل أربعة أيام في مباشرة الإقامة حدًا لجواز القصر فيها حين قال: فإذا جاوز أربعة أتم، وقيل: هذا بعد أربعة بنية الإقامة حدًا لوجوب الإتمام، فيحتاج إلى الجمع بين هذين النصين لئلًا يتناقضا.
ووجه الجمع ما ذكره القفال ﵀، وهو أنه أراد بذكر أربعة أيام في مباشرة الإقامة مع يومي الدخول والخروج، وأما في نية الإقامة أراد فيه مقام أربعة أيام سوى يوم الدخول والخروج فهما متفقان من هذا الوجه [٥٤ ب / ٣].
فرع
لو نوى أن يقيم في بلد يومًا، ونوى أنه إن بقي فيه ثلاثًا أقام أربعة أيام فإنه يقصر في ذلك اليوم حتى يلقاه؟ لأنه قبل أن يلقاه لم يحصل منه نية مقام أربعة أيام ولا فعله، فإذا لقيه لم يجز له القصر، وكذلك لو نوى الخروج إلى سفر طويل، ثم بعل مفارقة العمران قال: إن لقيت فلانًا انصرفت فلما لم تلقه لا تنقطع رخصته، فإذا لقيه صار كالمقيم في موضعه بنيته السابقة، وقال القفال ﵀: وكذلك لو قال: إن دخلت بلدة في وسط الطريق أقمت هناك أربعة أيام، فما لم يدخلها لا يصير مقيمًا، وإن كان من بلده إلى هناك أقل من مسافة القصر.
وقيل فيه وجهان: وليس بشيء فإنه خلاف المنصوص. ولو خرج في الابتداء يريد لقاء فلان أو أتى عبدًا له أو ضالة ببلد يقصر فيه الصلاة، فقال: إن تنجزت الحاجة دون البلد رجعت، لم يكن له القصر حتى تكون نيته بلوغ البلد الذي يقصر فيه الصلاة، أو تيقن أنه لا تنتجز حاجته ما لم يخرج ستة عشر فرسخًا، وهذا لأنه لم يقطع بنيته سفرًا يستباح فيه القصر فتفرق بين الابتداء والانتهاء في هذه النية نص عليه، ولو [٥٥ أ / ٣] أقام في بلد أربعة بعده على ما بينا.
فرع
لو قصد السفر إلى البلد الذي فيه العبد الآبق، وهي مسافة القصر، ثم في أثناء الطريق قال: إن استقبلني العبد في الطريق رجعت، فإلى وقت تغيير النية له أن يقصر
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وبعد تغيير النية، هل له أن يقصرها؟ فيه وجهان كما ذكرنا فيمن أنشأ سفرًا مباحًا، ثم أحدث نية المعصية.
فرع
الأسير في أيدي الكفار إذا سافر معهم، فإن كان يعرف مقصدهم وقصد الخروج معهم إلى مقصدهم له أن يترخص، وإن كان على عزم الانصراف متى قدر على التخلص فلا يترخص، وإن كان لا يعرف مقصدهم ففي الحال لا يترخص، فإذا ساروا به أكثر من مرحلتين.
حكي عن الشافعي ﵀ أنه قال: له أن يقصر لأنه تيقن طول سفره، وقال: العبد الآبق إذا قصد رده أنه لا يترخص، لأن القصد في الابتداء ما وجد. قال أصحابنا: فتكون المسألتان على قولين، ونظيره ما لو باع مال أبيه على تقديم أنه حي وكان ميتًا هل يجوز؟ فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ
لو سافر من مكة إلى المدينة وله فيما بين مكة والمدينة مال أو ماشية فنزل لشيء من ماله كان له أن يقصر ما لم [٥٥ ب / ٣] يجمع مقام أربعة أيام وكذلك إن كان له ذو قرابة أو أصهارًا وزوجة، ولم ينو المقام قصر إن شاء، نص عليه في "الأم" خلافًا لأبي حنيفة، واحتج بأن النبي - ﷺ - خرج إلى الحج وأصحابه معه ونزلوا مكة في دورهم وعلى أقاربهم وكانوا يقصرون الصلاة، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ لما حج قصر هذا.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خرج من بلده يريد بلدًا والمقام فيه أربعة أيام فصاعدًا، ثم الخروج منه إلى بلد أخر فهما مفران مختلفان، فإن كان كل واحد منهما يقصر فيه الصلاة قصر، وان كان لا يقصر في واحد منهما الصلاة لم يقصر، وإن كان يقصر في إحداهما دون الآخر قصر فيما يقصر ولم يقصر فيما لا تقصر، ولو رجع من البلد الأقصى إلى بلا كان بينهما أو بلدة فإن لم يكن إليه مسافة القصر أتم وإلا قصر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أقام في المراسي في البحر، وهي: المواضع التي تحبس فيها السفن أو الجزائر فهي كالمقام في البر لا تختلف، فإن أزمع مقام أربعة أتم، وإن لم يزمع قصر على ما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو حبسه الريح في البحر ولم يزمع مقام أربعة إلا ليجد السبيل إلى الخروج [٥٦ أ / ٣] بالريح، قصر ما بينه وبين الأربعة، فإذا مضت أربعة كما وصفت في
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الاختيار، وإذا أتيت به مسيرة قصر يعني سار إلى مكانه الذي قصده، وإن ردته الريح إلى ذلك المكان فهو على القصر ما لم يجمع مقام أربعة، وهذا يدل على أنه لو نوى هناك مقام أربعة انقطع القصر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة كالبحر والمفازة هل يصر مقيمًا؟ قولان كما لو نوى الإقامة في الحرب. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يصير مقيمًا وهذا غلط عندي؟ لأن الخبر ورد في الحرب دون هذا، ولأن هناك هو على الخطر من الإقامة فإنه ربما يغلبه العدو فيطرده فلا تتحقق الإقامة وهذا لا يوجد في غير الحرب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كان الرجل مالكًا للسفينة وفيها منزله وأهله وأولاده معه، أو لا أهل معه فيها، فأحب إلي أن يتم، وان كان الأحب للمسافر القصر، لأن هذا يسير، ومنزله معه يسير، فإن قصر جاز، وهو فيها كالغريب يتكاراها لا يختلفان.
وقال أحمد ﵀: لا يجوز له القصر، لأنه مقيم فيمكنه وماله وهذا غلط للظواهر الواردة في القصر، ولأن كون أهله [٥٦ ب / ٣] وماله معه لا يمنع الترخص كالجمال.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو كان الرجل من أهل البادية لا مال له ولا دار يصير إليها، وإنما هو سيارة تتبع مواقع القطر، فكلما شام برقًا انتجعه، فإن استيقين أنه بينهما ما تقصر فيه الصلاة وكانت نيته أنه إن مر بموضع مخصب أو موافق له في النزول أن ينزل لم يقصر.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "البويطي": لو خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا أو يخرجوا، لم يجز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان على مسافة تقصر الصلاة بينها إلى مكة فخرج حاجًا كان له القصر حتى يدخلها، فإذا دخل ولم ينو المقام بها قصر أيضًا، وإن نوى مقام أربعة أتم، ثم إذا خرج منها إلى عرفة يريد قضاء النسك نظر، فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن لم ينو المقام إلى أن يرجع من حيث جاء فله القصر، فإن قيل: عندكم من سافر إلى بلد تقصر الصلاة إليه فدخل بنيان ذلك البلد انقطع القصر، وقد سافر رسول الله - ﷺ - إلى مكة وقدمها فلم يزل يقصر فيها. قلنا: كان قصده - ﷺ - قضاء النسك لا المقام لها فدخل مكة اليوم الرابع من [٥٧ أ / ٣] ذي الحجة، وخرج إلى منى اليوم الثامن وحج، وعاد إلى منى اليوم العاشر، فأقام بها ثلاثًا، ثم قدم قاصدًا مكة ليلة الرابع فنزل بالمخصب، ثم دخل مكة وطاف وانصرف فما أقام بها مدة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بمنزلة ما لو خرج إلى بلد في رسالة، فإن له القصر حتى يعود وليس عليه
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الإتمام بوصوله إلى ذلك البلد.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خرج إلى مكة واليًا عليها وعلى الحج قصر حتى ينتهي إلى مكة، ثم أتم بها وبعرفة ومنى، لأنه انتهى إلى بلدة مقامه ما لم يعزل، فإذا عزل لم يقصر حتى يخرج منها مسافرًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو ولي بلادًا كثيرة ونيته المقام ببلدة منها كان له القصر في كل بلد دخله من ولايته ما لم ينو المقام فيه، كان رسول الله - ﷺ - يخرج في أسفاره ويمر ببلاد الإسلام وأهلها وأهل طاعته فما أتم في شيء منها.
فَرْعٌ آخرُ
لو خرج من مكة يريد المدينة فنوى المقام بعسفان أو عدل عنها إلى موضح يقيم فيه أو يتعرف الأخبار فيه، كان كمن هو من أهل عسفان؟ لأنه قد قطع سفره الأول، فإلى أي موضع سافر من عسفان راجعًا إلى مكة أو غيرها، فإن كان [٥٧ ب / ٣] سفرًا يقصر فيه الصلاة قصر وإلا أتم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نوى مقام أربعة في موضع ومعه من نوى هذه النية غير أن مذهبه أن يقصر مع هذه النية.
قال في "الإملاء": كرهت له أن يأتم بهذا الذي لا يتم، فإن خالف وائتم به نظر، فإن أتم إمامه فذاك، وان سلم من اثنتين قام هو فأتم أربعًا، وهذا لأنه محكوم بجواز صلاته خلفه، قلت: لا شك أنه ينوي القصر عند إحرامه، وعندنا من نوى القصر وليس له القصر تبطل صلاته فلا تجوز الصلاة خلفه على قياس قول الشافعي، ويمكن أن يقال: إذا جاز هاهنا تجوز الصلاة خلف الحنفي، وإن ترك الأركان؛ لأنه محكوم بجواز صلاته في نفسه ويمكن أن يقال: إذا نوى القصر لا تبطل صلاته بل تنعقد نفلًا على وجه، فحينئذ تجوز الصلاة خلفه وهذا أشبه.
مسألة: قال: وإن خرج في أخر وقت الصلاة قصر.
الفصل
وهذا كما قال. الكلام الآن في وقت إنشاء السفر، وفيه ست مسائل:
أحدها: أن يسافر قبل الزوال، ثم زالت الشمس وهو في السفر.
والثانية: أن يسافر بعد الزوال نظر، فإن [٥٨ أ / ٣] كان القدر الذي مضى من الوقت، ما يصلي فيه أربع ركعات قصر. وقال المزني ﵀ لا يقصر لأن الشافعي ﵀، قال: إن أمكنت امرأة الصلاة فلم تصل حتى حاضت لزمتها، وهذا لأن الصلاة عنده تجب بأول الوقت والإمكان فهذا أشبه بقوله: قلنا خرج ابن سريج ﵀ هاهنا وجهًا أنها تسقط بالحيض أيضًا.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا المسألتين، قولان وهذا غلط، والجواب أنا لا نقول إن الصلاة تجب بأول الوقت من حيث لا تأثير لآخره في الوجوب، بل الصلاة تجب بقدر ما أدرك من الوقت، فإن أدرك الأول دون الآخر وجبت بالأول، وإن أدرك الآخر دون الأول وجبت بالآخر، وان أدرك جميع الوقت، فالوجوب وفق الأول فلا يؤدي الصلاة في جز، من أجزاء الوقت إلا وقد أداها في وقت وجوبها، فيصير قاضيًا إذا أداها، فبان صحة ما قلناه؛ وأيضًا بالسفر يتعلق تخفيف الفرض دون إسقاطه، فإذا حققنا عنه بعد لمكان فعلها لعارض السفر لم يؤد ذلك إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب، وإذا أسقطنا لعارض الحيض أو الجنون أدى [٥٨ ب / ٣] إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب.
وقال القفال ﵀: هذا شيء يختاره المزني على أصل الشافعي لأن مذهبه أنه لو فاتته صلاة في الحضر، ثم أداها في السفر، فإنه يقصر فاعتبر وقت القضاء وهذا هو مذهب تفرد به، وفي هذا عندي نظر.
والثالثة: أن يسافر وقد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات يجوز له القصر أيضًا. وقال المزني وأبو الطيب بن سلمة رحمهما الله صاحب بن سريج: لا يجوز له القصر؛ لأنه قد تعين صلاة الحضر، وهذا غلط؟ لأنه لم يتضيق وقتها في حال الإقامة، فإذا لم يتضيق لم يتعين فعلها مقيمًا فجاز له القصر.
والرابعة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما لا يمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات. نص الشافعي في "الإملاء" في هذه المسألة أن له القصر حكاه القافي الطبري، وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في "الأم" في باب تفريع السفر.
وقال في "الحاوي": المنصوص في غير "الإملاء"، وبه قال عامة أصحابنا إنه لا يقصرها لعدم الأداء في جميعها ففي المسألة قولان، واختيار أبي إسحاق أنه لا يقصر، واختيار ابن خيران أنه [٥٩ أ / ٣] يقصر واستدل بأن الصلاة قد تجب بآخر الوقت في أصحاب العذر كوجوبها في أوله، فاقتضى أن يستويان في جواز القصر، وهذا مبني في الحقيقة على أنه يكون مؤديًا لكلها ومؤديًا لبعضها قاضيًا لبعضها وقد بينا هذا فيما مضى، وظاهر المذهب ما ذكره ابن خيران.
والخامسة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه ركعتين، فالمذهب أن المسألة على قولين. وحكى الداركي عن أبي هريرة أنه يجوز له القصر هاهنا قولًا واحدًا، لأنه إذا قصرها أدى جميع الصلاة في وقتها، وهذا غلط لما بيناه.
والسادسة: أنه يسافر وقد بقي من الوقت مقدار تكبيرة وما دون ركعة يلزمه الإتمام بلا خلاف.
مسألة: قال: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وهذا كما قال. قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: صلاة المسافر ركعتان ولا حاجة إلى نية القصر، لأنه عزيمة وعندنا رخصة لا تثبت له إلا بالنية، وأصل فرضه أربع، ثم احتج على أن أصل فرضه أربعء فإنه لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر خلف مقيم يعني أربعًا، وذكره الشافعي وأسقط المزني، ثم اعترض عليه المزني وقال: ليس [٥٩ ب / ٣] هذا بحجة وكيف يكون حجة وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين فرض فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين:
أحدهما: أن الخلل وقع من الاختصار، لأن الشافعي ﵀ قال: ما صلى أربعًا وأراد أن ركعات الصلاة في الأمل لا تزيد بسبب الاقتداء فلما، أجمعنا أن المسافر يصلي خلفه المقيم أربعًا دل ذلك أن أصل فرضه أربع وهذا دليل قوي.
والثاني: أن الشافعي ﵀ ألزمه على أصل أبي حنيفة ﵀ أن اختلاف صلاتي المأموم والإمام تمنع صحة الاقتداء، ثم لم يمنع في هذا الموضع فدل أن أصل صلاتهما واحد.
وقال المزني ﵀: نية القصر شرط ولكن يجوز في أثنائها، ولو نوى مع سلامه جاز، وان سلم غير ناو كمن ملم في صلاته ساهيًا فتم. وهذا غلط، لأن كل صلاة تفتقر إلى النية فمحل تلك النية الإحرام.
وقال المزني: يجوز له القصر، وان نوى الإتمام كما جاز له أن يفطر، وإن نوى الصوم وهذا غلط، لأن الفطر مضمون بالقضاء فلم يتحتم الصوم بدخوله [٦٠ أ / ٣] فيه بخلاف القصر.
وقال الشعبي وطاوس رحمهما الله: لا يلزم الإتمام بالصلاة خلف مقيم، وبه قال إسحاق، وقال مالك ﵀: إن نوى الإمام والمأموم القصر ثم نوى الإمام الإقامة أو الإتمام لا يلزم المأموم الإتمام وهذا غلط؛ لأنه مؤتم بمتم فلا يجوز له القصر، كما لو نوى الجمعة خلف من يصلي الظهر.
فرع
لو أراد أن يصلي الظهر قصرًا خلف من يصلي الجمعة لم يكن له ذلك، لأنه مؤتم بمقيم نص عليه في "الإملاء".
فَرْعٌ آخرُ
لو فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، وقلنا له: قصرها في قول فأراد أن يؤديها خلف من يصلي الصبح قصرًا لا يجوز؛ لأنه مؤتم بمقيم. ولو صلى مسافر بأهل البلد الجمعة فدخل معه مسافر ينوي صلاة الظهر قصرًا لم يجز وعليه الإتمام؛ لأن
[ ٢ / ٣٣١ ]
الإمام وإن كان مسافرًا إلا أنه يصلي صلاة المقيم. جملته أن كل من ائتم بمقيم أو يتم لا يجوز له القصر.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر يجوز إذا قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور، وهذا غلط ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ
لو نوى الإتمام، ثم خرج منها لم يجز له القصر بعده خلافًا للمغربي، وكذلك [٦٠ ب / ٣] إذا أحرم مطلقًا ثم أفسدها لأنه التزم الأربع فلا يسقط بعده.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك أنه نوى عند افتتاحها الإتمام أو القصر فعليه الإتمام، لأنه شك في شرط الجواز والأصل عدمه، فإن تذكر بعده أنه نوى القصر فعليه الإتمام أيضا، لأنه وجب عليه الإتمام في حال فلا يجوز القصر بعده بحال.
فَرْعٌ آخرُ
لو جهل رجل القصر فقصر ظنًا أن ليس له ذلك أعاد كل صلاة تامة قصرها؛ لأنه صلى ركعتين وعنده أن ذلك لا يجزيه، ولو أتم في السفر وهو جاهل بالقصر فلا إشكال أنه يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
أنه لو أدرك تكبيرة من صلاة المقيم أتمها أربعًا، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود ﵏، وقال مالك: إذا أدرك ركعة من صلاته أتمها، وإلا قصر، وهذا غلط لما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما قالا: إذا دخل المسافر في صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وروي أنه سئل ابن عباس فقيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة وهذا بمنزلة الرواية عن النبي - ﷺ - ولأن [٦١ أ / ٣] هذه الصلاة مردودة من الأربع فلا يصليها خلفه من يصلي الأربع كالجمعة، واحتج مالك ﵀ بأن من أدرك دون الركعة هن الجمعة لا تصح جمعته كذلك هاهنا قلنا: لأن بذاك يرجع من أربح إلى ركعتين فلا يحصل له بدون ذلك وهاهنا خلافه.
مسألة: قال: وإن نسي صلاة وهو في سفر فذكرها في حضر.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها لا يخلو إما أن يكون تركها في حضر فذكرها في حضر، أو تركها في سفر فذكرها في سفر، فأما إذا تركها في الحضر فذكرها في الحضر، فإنه يأتي بها تامة سواء تخلل بين الوقتين سفر أو لم يتخلل؛ لأن
[ ٢ / ٣٣٢ ]
العذر لم يوجد في وقت استقرارها ولا أدائها. وأما إذا تركها في السفر تذكرها في الحضر فقال في "القديم" و"الإملاء": يجوز له قصرها، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري إلا أنهم قالوا: يتحتم عليه القصر، وعندنا على هذا القول هو بالخيار بين القصر والإتمام، وروي هذا عن الحسن وحماد، وهذا لأن القضاء معتبر بالأداء ويجزيه في الأداء ركعتان فكذلك في القضاء.
وقال في "الأم": لا يجوز له قصرها وبه قال [٦١ ب / ٣] الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني ﵏: لأن القصر رخصة، فإذا زال السفر قبل الترخص بطلت الرخصة كما لو قدم قبل أن يفطر، وأما ما ذكر القائل الأول فإنه تبطل بالجمعة إذا تركها لا يؤديها ركعتين.
وأما إذا شرطها في الحضر، ثم ذكرها في السفر فإنه يأتي بها تامة: لأن صلاة الحضر قد استقرت في ذمته بفوات وقتها في الحضر فلا يجوز إسقاط شيء منها. وروى الأشعث عن الحسن البصري: أن الاعتبار فيها بحالة الفصل فيصلي ركعتين، وروى يونس عنه أن الاعتبار بحال الترك.
وقال القاضي الطبري ﵀: رأيت للمزني في مسائله المعتبرة على الشافعي ﵀ أنه نقص، واحتج عليه بأنه لو ترك صلاة وهو صحيح، ثم ذكرها وهو مريض بأنه يصلي صلاة المريض قاعدًا كذلك هاهنا، ولأنه لو أفطر في رمضان، ثم شرع في قضائه في السفر فهو بالخيار إن شاء أتم وان شاء أفطر فكذلك هاهنا.
قلنا: أما الأول نصفه الفصل يخالف عدد الركعات، لأنها تسقط بالعجز والعدد يسقط رخصته لا بالعجز، ولم يوجد سبب الرخصة وقت الاستقرار، ولأنه [٦٢ أ / ٣] إذا لم يأت بها على حسب حاله مريضًا أدى إلى تأخيرها وفي ذلك تقرير بها، وهاهنا الإتمام ممكن في الحال، وأما ما ذكر ثانيًا، قلنا: قال أبو إسحاق: إن ترك الصوم في الحضر بلا عذر، ثم أراد قضاءه في السفر انحتم عليه، لأن الأصل في الحضر كان منحتما فكذلك القضاء، وان كان تركه للعذر ثم أراد أن يقضيه في السفر كان له الخيار في القضاء إن شاء أتم، وعلى هذا أكثر أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: تثبت له رخصة الإفطار في القضاء سواء كان أفطر لعذر، أو لغير عذر، والفرق أن الصوم يتركه إلى بدل بخلاف الركعتين فإنه يتركهما لا إلى بدل، وكان أغلظ، ولهذا يقول: إذا أصبح في السفر ناويًا للصوم، ثم أراد الفطر له ذلك، ولو أحرم بالصلاة ينوي الإتمام ثم أراد القصر ليس له ذلك فإن قيل: أليس من وجبت عليه الكفارة ثم اعتبر جاز له العدول إلى الصوم اعتبارًا بحالة الأداء، يقولوا: مثله هناء قلنا: لا نسلم على أحد الأقوال، وإن سلمنا فلأن الكفارة لا تقضى بل تؤدى أبدأ أو هاهنا بخلافه، وأيضًا فإن ملك حالة عجز فهي بمنزلة المريض في [٦٢ ب / ٣] حالة القضاء بخلاف هذا، فأما إذا
[ ٢ / ٣٣٣ ]
تركها في السفر، ثم ذكرها في السفر هذا السفر أو غيره.
قال في "الإملاء" و"القديم": له القصر وهو الصحيح عندي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها صلاة تؤدى وتقضى، فكان قضاؤها مثل أدائها كالصبح، وأيضًا هذا تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقيًا، كالقعود في صلاة المريض، وقال في "الأم": ليس له القصر، لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وهذا اختيار مشايخ خراسان، قالوا: وهذا ظاهر المذهب؛ لأن الشافعي ﵀ علل بأن علة القصر الوقت والسفر، وقال أبو حامد: لا أعرف هذا القول وليس كذلك لأن المسألة مشهورة بالقولين.
فرع
لو تخلل الحضر بين السفرين، فإن قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يقصر فهاهنا أولى، وان قلنا هناك يقصر فهاهنا وجهان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هاهنا لا يقصر قولًا واحدًا، لأن في كل حالة عليه تكليف القضاء، فإذا لم يقض صار كأنه تركها في تلك الحالة، ولو تركها في الإقامة ثم سافر أتم، وهذا كما لو غصب شيئًا قيمته ألف فبلغت قيمته ألفين ثم [٦٣ أ / ٣] تلف يلزم ألفان، لأنه مخاطب في كل حالة برد المغصوب، فكأنه غصبه في تلك الحالة وهذا أقيس، والمسألة مشهورة بالقولين هاهنا أيضًا من غير فرق.
فرع
لو سافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه يجوز له القصر، فلو لم يصل حتى خرج هل له القصر؟ فيه قولان: بناء على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يصل في السفر في وقتها حتى دخل الحضر وبقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه وجب عليه الإتمام بلا خلاف، ولا يكون بمنزلة فوات الصلاة وكذلك إذا بقي من وقتها مقدار ركعة في الحضر، ولم يصل حتى فات وقتها.
فَرْعٌ آخرُ
لو أخر المسافر صلاة الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع كان له أن يقصرهما في وقت القصر قولًا واحدًا، لأن وقت القصر وقت الظهر في السفر وهو مؤد للصلاتين فيه، وإن أخرها من غير نية الجمع ففي القصر الظهر قولان؛ لأنه يصير بترك نية الجمع قافيا عاميًا.
مسألة: قال: وإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى المقام أتم أربعًا ومن خلفه من المسافرين.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وهذا كما قال: هذه صورة صلاة يكون في ابتدائها مسافرًا وفي آخرها مقيمًا، فإذا أحرم [٦٣ ب / ٣] بالصلاة بنية القصر، ثم نوى في الصلاة أن يقيم في ذلك الموضع أربعة أيام فصاعدًا لم يجز له القصر، لأنه اجتمع له المقام مع النية، فإن قيل: أليس لو كان مقيمًا فنوى السفر لا يصير مسافرًا بمجرد النية فيجب أن لا يصر مقيمًا لمجرد النية؟ قلنا: الفرق هو أن نية الإقامة قد وجدت مع نقل الإقامة وهو اللبث، ونية السفر لم توجد مع السفر، ولو نوى السفر وسار مع النية صار مسافرًا، ووزانه من مسألتنا أن ينوي الإقامة وهو سائر في سفره غير ماكث لا يصير مقيمًا، ونظير هذه المسألة إذا نوى القينة في مال التجارة يصير للقينة، ولو نوى التجارة في مال القينة فإنه لا يصير للتجارة ما لم يتجر، فإن قيل: ألا قلتم وجود الإقامة في أثناء الصلاة لا يوجب إتمامها حيث مع الدخول فيها مقصورة، كما قلتم في المتيمم: إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته.
قلنا: الفرق هو أن المتيمم وجب عليه الدخول في الصلاة عند عدم الماء وهذا رخص له، فإذا زال سبب الرخصة سقطتء ولأن المتيمم إذا وجب عليه استعمال الماء بطل ما عمله بالتيمم، وها هنا يتمم الصلاة ويبني على ما فعله.
وقال مالك رحمه [٦٤ أ / ٣] الله: لا يبني عليها فإن كان قد صلى ركعة بسجدتيها أتمها ركعتين نافلة ويستأنف الفريضة، وهذا غلط؛ لأنهما صلاة واحدة ولا تختلف بينهما إلا من جهة العدد، فإذا نواها ركعتين جاز له أن يجعلها أربعًا كالنافلة، وإن كان إمامًا وخلفه مسافرون في هذه المسألة يلزمهم أن يتموا أيضًا، وإذا أرادوا الإتمام بنوا على ما فعلوا ولا تبطل صلاتهم وقد ذكرنا عن مالك أنه قال: هم يقصرون، وكذلك لو نوى الإتمام فإنه يلزمه الإتمام وعليهم أن يتموا.
وقال أبو حنيفة ﵀: يقصر هو ويقصرون لأنه لا تأثير لنية الإتمام عنده في الصلاة في السفر، فإن قيل: أليس لو نوى الإتمام لا يجوز له القصر بعده، فكذلك إذا نوى القصر لا يجوز له الإتمام؟ قلنا: لأنه إذا نوى الإتمام ترك الترخص، ونوى الصلاة الكاملة وهاهنا نوى الترخص، ثم ترك الرخصة والتزم التامة فلا يجوز له النقصان.
فرع
لو أحرم مسافرًا بصلاة نوى القصر فيها فصلى أربعًا تجزيه ويسجد للسهو [٦٤ ب / ٣] ولو تعمد ذلك بنية الإتمام لم يجد، وهذا فرع غريب! لأن الزيادة التي توجب سجدة السهو إذا تعمدها أفسدت الصلاة، وهاهنا السهو يوجب السجود والعمد لا يبطل.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزيه لأن هذا السهو عمل كثير، وهذا غلط لأن هذا من جنس الصلاة فلا يبطلها كما لو صلى خامسة.
فَرْعٌ آخرُ
لو نوى القصر، ثم صلى أربعًا عامدًا من غير نية الإتمام بطلت صلاته كمن صلى الصبح أربعًا عامدًا.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
فرع
لو سهى فصلى أربعًا، فلما بلغ أخر صلاته تذكر فعليه أن يلغي الزيادة ويرجع إلى تشهد الركعة الثانية، ويسجد للسهو. فلو قال في نفسه: كان لي أن أتم جميع ما فعلت محسوبًا، قلنا: عليك أن تقوم فتصلي ركعتين أخرتين؛ لأن الوسطين لغو وأنت قد نويت الإتمام قبل السلام، ولم يكن حصل لك محسوبًا إلا ركعتان فزد ركعتين واسجد للسهو.
مسألة: قال: ولو أحرم في مركبٍ ثم نوى السفر لم يكن له أن يقصر.
وهذا كما قال، وأراد بالمركب السفينة، ولا يتصور السفر في خلال الصلاة الآن [٦٥ أ / ٣] من هذا الوجه، لأنه بمجرد النية لا يصير مسافرًا كما يصير لمجرد النية مقيمًا، فإذا أحرم فيها والفينة قائمة، ثم نوى السفر وسارت السفينة لا يجوز له القصر؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والإقامة ابتنى حكمها على الإقامة، وهكذا لو أحرم بها وهو مسافر بنية القصر ثم دخل المركب البلد الذي يريده قبل أن يفرغ من الصلاة.
مسألة: قال: "وإن أحرم خلف مقيم أو خلف من لا يدري فأحدث الإمام كان على المسافر خلف المقيم يلزمه إتمام الصلاة".
ولو صلى خلف من لا يدري أهو مسافر أو مقيم يلزمه الإتمام أيضًا؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، ثم إذا تبعه وكان الإمام مسافرًا وقد نوى القصر فسلم عن ركعتين قام هو وأتم صلاته أربعًا، ولو علم أن الإمام مسافرًا ولكنه شك هل نوى القصر أم الإتمام؟، فإن له أن يصلي خلفه وينوي القصر إن قصر الإمام قولًا واحدًا، وفي كيفية نية القصر عند افتتاح الصلاة اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يحرم بنت القصر قطعا، ثم ينظر في حال الإمام فإن قصر قصر معه، وإن أتم أتم [٦٥ ب / ٣] ولا يضره ما تقدم من نية القصر لأن تغيير نية القصر إلى الإتمام جائزة، فإن علق نيته، وقال: إن قصر الإمام قصرت، وان أتم أتمت لا تجوز الصلاة، لأن الدخول في الصلاة بنية معلقة لا يجوز، ألا ترى أنه لو نسي الظهر أو العصر، ولا يدري عينها لم يجز له أن يحرم بها بنية معلقة، فنقول: إن كانت المنسية ظهرًا فهذه ظهر، وان كانت المنسية عصرًا فهذه عصر، ولو قطع النية بإحدى الصلاتين، ثم ذكر أنها هي المنسية أجزأته أيضا: لأنه إن قطع النية فهي في الحقيقة معلقة، لأنه إن أتم الصلاة لزمه الإتمام، إن قصر جاز له القصر فجاز له التعلق.
ونظير هذه المسألة أن يخرج خمسة دراهم فنقول: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذا زكاته، وإن لم يكن سالمًا فهو نافلة يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين أن يجهل حال الإمام. فلا يدري أمقيم هو أو مسافر؟ فلا يجوز له أن ينوي القصر خلفه وبين أن يعلم أنه مسافر
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ويجهل حاله أنه نوى القصر أو الإتمام. فيجوز له أن ينوي القصر خلفه، وقول الشافعي ﵀ أو خلف من [٦٦ أ / ٣] لا يدري أراد به المسألة الأولى دون الثانية.
والفرق: أنه إذا علم أنه مسافر فالظاهر من حاله القصر؛ لأنه خائف وهو الأولى وليس كذلك إذا جهد حاله في الأصل، لأن الظاهر أنه مقيم فلا يجوز له القصر، وهذا كما لو شك هل هذا اليوم من رمضان أم لا؟، فإن كان في أول الشهر جاز لم تصح له نية صوم رمضان لأن الأصل أنه من شعبان، وان كان في آخر الشهر فإنه يصح لأن الظاهر له من رمضان؟ لأن الأصل أنه من رمضان حتى يثبت دخول شوال.
وأيضًا فإن للمسافر علامات لا تكاد تخفى فيمكن تعرفها، فإذا لم يتعرف اقتدى به على الشك فيلزمه الإتمام والنية غيب لا يوقف عليها، فلو قلنا: إنه لا يجوز القصر إلا أن يتيقن بنية القصر أدى أن لا يمكنه القصر بحال خلف الإمام. فإذا تقرر هذا فلو أحدث هذا الإمام وانصرف فلا يخلو حاله من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يعلم أنه كان نوى القصر بأن يخبره فيقصر هو.
والثانية: أن يعلم أنه نوى الإتمام أتم هو.
والثالثة: أن يشك هل نوى القصر أم الإتمام؟ قال أبو إسحاق ﵀: لزمه الإتمام وهو [٦٦ ب / ٣] الذي نقله المزني، لأنه شاك في نية إمامه فهو كمن صلى بعض الصلاة، ثم شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا فإنه يلزمه البناء على اليقين، وكما لو شك في نية نفسه هل نوى القصر أم لا؟ وهذا ظاهر المذهب.
وقال ابن سريج ﵀: يجوز له القصر وغلط المزني ﵀ في النقل، وإنما أجاب الشافعي ﵀ بهذا الجواب: إذا أحدث المأموم وانصرف ليتوضأ، وقد نص عليه في كتاب استقبال القبلة فقرر المزني أنه أراد إذا أحاث الإمام. والغرق بينهما أن الإمام إذا أحاث وانصرف، فإن نية الإمام هي فعل باطن لم يكلف المأموم الإحاطة بها فجاز أن يرجع إلى الظاهر، والظاهر من حال المسافر القصر؟ لأنه أقل عملًا وأكثر أجرأ فيقصر هو، وإذا أحدث المأموم وانصرف يمكنه أن يرجع ويتعرف كيف صلى الإمام وهل قصرها أم أتمها؟ لأن عدد الركعات فعل ظاهر يحمل من الإمام، فإذا لم يتعرف كان التفريط من جهته فلزمه الإتمام.
فرع
لو أحرم خلف من لا يدري أمقيم هو أو سافر؟ فقد ذكرنا أنه يلزمه الإتمام فلو أفسد المأموم صلاته يلزمه أن يقضيها تامة.
وقال [٦٧ أ / ٣] أبو حنيفة ﵀: يجوز له قصرها، لأن الإتمام لزمه الاقتداء فإذا زال الاقتداء سقط حكمه وهذا غلط، لأن هذه العبادة لزمته بالدخول فيها، فإذا أفسدها يلزمه قضاءها على صفتها كالحج.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو أن مسافرًا أم مسافرين ومقيمين، وكانت نيته القصر فصلى أربعًا ساهيًا فقد ذكرنا أنه يسجد للسهو، وأما من خلفه من المسافرين إن نووا إتمام الصلاة لأنفسهم فصلاتهم صحيحة تامة، وإن لم ينووا إتمام الصلاة لأنفسهم إلا أنهم رأوه قد أتم لنفسه فأتموا معه، فإنه يجزيهم أيضًا لا يلزمهم أن يصلوا أربعًا خلف من صلى أربعًا، وان صلوا ركعتين معه على غير شيء من هذه النية وعلى أنه ساهٍ فاتبعوه، ولم يريدوا الإتمام لأنفسهم يلزمهم إعادة الصلاة نص عليه في كتاب استقبال القبلة.
فرع
لو أحرم مسافر خلف إمام مسافر، وكان الإمام قد نوى الإتمام أو المقام وهو قد نوى القصر ولم يعلم، ثم انكشف أن الإمام كان جنبًا، قال ابن القاص في "التلخيص": له القصر؛ لأن صلاة الإمام لم تنعقد فلم ينعقد بها صلاة المأموم قال: وليس على أصلنا مسألة يحرم المسافر خلف المقيم ويجوز [٦٧ ب / ٣] له القصر عبر هذه المسألة.
فرع
لو قام الإمام من اثنتين ساهيًا فظن القوم أنه نوى الإتمام فقاموا معهم يلزمهم الإتمام، وإن بان بعد ذلك إن لم يكن نوى الإتمام بل كان ساهيًا وليس له أن يسلم عن اثنتين بعدما ظن أنه نوى الإتمام إلا أن يتيقن أنه ساه فيلم ولا يتابع وهذا قلما يعلم.
فَرْعٌ آخرُ
لو أحرم خلف من ظنه مقيمًا مقتديًا به، ثم بان أنه كان مسافرًا محدثًا أو غير محدث لم يقصر هذه الصلاة أبدًا؛ لأنه التزم الإتمام، وانعقد صلاته خلفه.
فَرْعٌ آخرُ
لو أن مكيًا قصد الخروج إلى منى ثم إلى عرفات، ثم يعود إلى منى ثم إلى مكة ثم إلى بعض الأفاق ولا يقيم في شيء من هذه المواضع أربعة أيام لا يقصر في شيء من هذه المواضع نص عليه؛ لأن المسافات متقاربة ومكة بلد إقامته، ولو قصد الخروج منها إلى موضع يقصر إليه الصلاة ويعود إليها ويفارقها من غير إقامة فيها فدخلها راجعا، فلا شك أن له القصر ذاهبًا وراجعًا. وهل له القصر في مكة ما لم يجاوز مقامه فيها أربعة أيام؟ قد ذكرنا نصًا في "الأم": أنه يقصر ولا يصير بالدخول فيها مقيمًا. وقال القفال: فيه [٦٨ أ / ٣] قولان. وقال بناء على ما مر في سفره ببلد له به أهل ومال، هل يصر مقيمًا بدخوله؟ قولان فحصل في المسألة طريقان وهذا غريب. ولو خرج إلى ثمانية فراسخ بنية أن يرجع ليس له أن يقول: ذهابي ورجوعي ستة عشر فرسخًا فلي القصر، بل لا يجوز له القصر
[ ٢ / ٣٣٨ ]
بحال ولا يكون ذهابه ورجوعه كفر واحد في هذا المعنى.
فَرْعٌ آخرُ
لو شرع في الصلاة بنية الإتمام منفردًا، ثم بان أنه كان محدثًا له القصر؛ لأنه لم يصح شروعه فيها، فكذلك لو دخل فيها في الحضر، ثم بان أنه كان محدثًا، ثم سافر له قصرها لأن دخوله محدثًا فيها في حال الإقامة كلأ دخول.
مسألة: قال: وإن رعف وخلفه مسافرون ومقيمون فقدم مقيمًا كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعًا.
وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمسافرين ومقيمين فرعف الإمام قبل أن يستكمل ركعتين يقدم مقيمًا ليصلي بهم بقية الصلاة. قال الشافعي ﵀: يصلون أربعًا، والراعف أيضًا، أما المستخلف فلا شك أنه يصلي أربعًا؛ لأنه مقيم والمسافرون يتمون لأنهم ائتموا بمقيم، وأما الراعف [٦٨ ب / ٣] قال الشافعي ﵀: يتم، وقال المزني: هذا غلط، بل له أن يصلي ركعتين، لأنه مسافر ولم يأتم بمقيم.
واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق: هذا بناه على قوله "القديم": إنه يبني على صلاته إذا غسل الدم، وهذا مذهبه في "الإملاء". من "الجايد"، وقد غسل الدم وأتم صلاته مع هذا المقيم بدليل أن الشافعي علل فقال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى صار فيها في صلاة مقيم، فدل أنه رجع إلى صلاة المقيم وذكر على قوله "الجديد": إنه لا يبني ولكنه خرج من الصلاة وغسل الدم وعاد وأحرم خلف خليفته، وقيل: قاله على قوله "القديم": وأنه لم يخرج من الصلاة فيكون بعد الاستخلاف في حكم المؤتم بالمقيم، وإن لم يأتم وهذا ليس بشيء؟ لأنه لم يأتم بمقيم حقيقة وقطعًا.
وقال ابن سريج ﵀: إنما أوجب الشافعي على الراعف الإتمام أيضًا، لأن الذي استخلفه يصلي أربعًا، ولا يجوز أن يكون الذي هو خليفته، ويبني على ترتيب صلاته فصلى أربعًا وهو يصلي ركعتين.
قال أبو إسحاق: وهذا غلط لأن الشافعي ﵀ قال في كتاب صلاة الخوف [٦٨ أ / ٣]، في باب تقدم الإمام في صلاة الخوف: إذا كان الإمام الأول مسافرًا وخلفه مسافرون ومقيمون فصلى ركعة ثم أحدث، وقدم مقيمًا ليصلي بهم بقية الصلاة، كان على الطائفتين جميعًا أن يصلوا أربعًا، فإن قيل: لم أمر الطائفة الأولى بالإتمام وهي لا تأتم بالإمام الثاني لأنه إذا صلى الإمام الأول وهو مسافر ركعة، فإن الطائفة الأولى تفارقه وتصلي لنفسها ركعة أخرى؟، قلنا: أراد الشافعي ﵀ إذا أحذث الإمام الأول قبل أن تفارقه الطائفة الأولى مثل أن يحدث قبل أن يعتدل في الركعة الثانية فلما قدم الإمام الخليفة صارت الطائفة الأولى مقتدية به، وهذا في كلامه بين،
[ ٢ / ٣٣٩ ]
لأنه قال في آخره: إن كلا قد دخل مع الإمام مقيم في صلاته. ذكره القاضي الطبري رحمه اه. ولأن الخليفة يصلي أربعًا لأنه مقيم. وهذا ليس بمقيم فكيف يكون حكمه حكمه.
وقال أبو غانم: تلقى أبي العباس تأويل المسألة أن الإمام أحس بالرعاف فاستخلف ولم يكن وعف فوقف خلف خليفته، ثم رعف فانصرف فعليه الإتمام؛ لأنه صار خلف مقيم وهذا غلط [٦٩ ب / ٣] أيضًا؛ لأن الرجل لا يجوز له أن يستخلف في الصلاة ويكون فيها مأمومًا له قبل الانصراف عنها، ولأن الشافعي قال: رعف وخلفه مسافرون ومقيمون ولم يقل أحس.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجب على المسافرين خلفه الإتمام، لأن صلاتهم هي مبنية على صلاة الإمام الذي قبله، بدليل أنه لو كان مسبوقًا بركعة فإنه يبني على ترتيب المستخلف، وهذا غلط لأنهم مؤتمون به وقد بطلت صلاة الأول ولهذا لو سها هذا الخليفة فإنه يلزمهم سجود السهو، ولو بطلت صلاة هذا الخليفة بالحدث عمدًا بطلت صلاتهم عند أبي حنيفة فدل أنه للإمام في الحقيقة.
مسألة: قال: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخر.
الفصل
وهذا كما قال: إن أراد أن يسافر إلى بلد وله إلى ذلك البلد طريقان، أحدهما: مسيرة ثمانية وأربعين ميلًا، والأخرى أقل من ذلك، فإن سلك الأقرب لم يجز له القصر، وإن سلك الأبعد فإن كان لفرض له فيه، مثل أن يكون في الأقرب حزونة وهي الحنونة من الحجارة، والصعود والهبوط، أو يكون فيه خوف من اللصوص، أو السباع، أو لا يكون فيه ماء [٧٠ أ / ٣] أو كان له في الأبعد قريب أو صديق يريد زيارته، أو معامل يريد محاسبته فهذا يجوز له القصر قولًا واحدًا، وان لم يكن له فيه غرض بوجه ففيه قولان:
قال في كتاب استقبال القبلة من "الأم": لا يقصر وبه قال أبو إسحاق ﵀، وهو الأصح لأنه طول على نفسه من غير غرض فأشبه إذا هام في الأرض ومشى لا يجوز له القصر، وإن سار ألف فرسخ، وقال في "الإملاء": يقصر. وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار المزني، واحتج بأنه سفر مباح قلنا: لا نسلم أنه مباح؛ لأن فيه إتعاب نفسه وطهره وقال النبي - ﷺ -: "إن الله تعالى يبغض المشايين من غير إرب". ومن أصحابنا من قال ما قاله في "الإملاء": مجمل وتفسيره ما ذكرنا إذا كان له فيه غرض فليس في المسألة إلا قول واحد إنه لا يقصر.
مسألة: قال: وليس لأحد سافر في معصيةٍ أن يقصر.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا أنشأ الإنسان سفره لمعصية على ما ذكرنا، فلا يجوز له الترخص بشيء من وخص السفر كالفطر، والقصر، والمسح على الخفين ثلاثًا، والجمع بين الصلاتين، والنوافل على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة، وأكل مال [٧٠ ب / ٣] الغير إذا لم يأذن صاحبه عند الضرورة. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ﵏.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ﵏: هو كالمطيع في سفره في جميع الأحكام وهو اختيار المزني ﵀. واحتجوا بأنه لو غصب خفًا جاز له المح عليه وإن كان عاصيًا يلبسه كذلك هاهنا، ولأنه إذا منع المضطر من أكل الميتة فقد أمرتم بقتل نفسه وهذا لا يجوز، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] قال ابن عباس ﵁: غير باغ على المسلمين مفارق لجماعتهم مخيف للسبيل، ولا عاد عليهم بسيفه؟ ولأن فيه إعانة على المعصية والإعانة على المعصية معصية، ولهذا لا يجوز صلاة الخوف في القتال ظلمًا، وأما الخف المغصوب لا يسلم في وجه، وإن سلمنا فبسب الرخصة هناك هو السفر وليس الخف شرطًا وليس بسبب؛ ولأن المعصية لا تختمر بلبسه لأنه غاصب وإن نزعه بخلاف هذا.
وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه لا يجوز لأن اللبس معصية فلا يكون سببًا للرخصة وقال أبو حامد ﵀: يجوز وجهًا واحدًا [٧١ أ / ٣] وأما المضطر قلنا: يقال له: تب ويحل، ثم يحل له أكلها فلا يؤدي إلى قبلة.
فرع
قد ذكرنا أن له أن يمسح مسح المقيم على الصحيح من المذهب، لأنه يجعل كأنه لم يسافر، وهكذا لو دخل بلدًا ليقيم فيه على معصية هل يمسح مسح المقيمين؟ وجهان: ذكرهما أبو إسحاق ﵀، لأن الإقامة هي سبب لمسح يوم وليلة، كالسفر سبب لمسح ثلاثة أيام، وهو عاص بهذه الإقامة والمذهب جوازه.
فرع
لو أنشأ السفر في غير معصية ثم نقله إلى معصية هل يترخص؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يترخص وهو الأصح وظاهر المذهب، والثاني: يترخص لأنه مستديم غير متثنى وهو اختيار بعض مشايخ خراسان ﵏.
فرع
لو أنشأ سفرًا مباحًا إلا أنه كان يفق فيه بالأفعال المحرمة يجوز له الترخص؟ لأن السفر مباح، وإنما يؤمر بترك المعصية لا بترك السفر.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان جريحًا في سفر المعصية فإن له التيمم؛ لأنه لا تأثير للسفر فيه وإنما التيمم
[ ٢ / ٣٤١ ]
للقرح بخلاف ما إذا عدم الماء فإنه يتيمم ويعيد الصلاة في أصح الوجهين عندي؛ لأن السفر فيه شرط.
وقال بعض أصحابنا [٧١ ب / ٣] بخراسان: ينظر إن أصابته الجراحة في الحضر لا يعيد، وإن أصابته في السفر ففيه وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
لو وثب من موضع لاعبًا فاندقت قدماه فصلى قاعدًا. قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح عندي أنه لا إعادة وهو المذهب؛ لأن دوام العجز ليس باختياره ولا هو مقصود جنايته ولا يلزم السكر لأنه مقصود جنايته، وإن لم يكن دوام المكر باختياره.
فَرْعٌ آخرُ
لو تاب في خلال سفره، فإن بقي إلى مقصده من موقع التوبة مسافة القصر قصر وإلا فلا.
فَرْعٌ آخرُ
التنفل في السفر مستحب قال في "الأم": هو كالحاضر في التطوع. وقال بعض أهل العلم من السلف: يكره لمن يقصر أن يتنفل لأنه إذا أسقط بعض الفرض لا يأتي بالنافلة. وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها وهذا غلط، لما روي عن البراء بن عازب ﵁ قال: صحبت رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سفرًا فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر.
وروى عطية عن [٧٢ أ / ٣] ابن عمر ﵁: "أنه قال صليت مع النبي - ﷺ - في السفر ركعتين وبعدها ركعتين". وروي أنه - ﷺ - "كان يتنقل على راحلته في السفر"، وروي أن النبي - ﷺ - بمكة على حرب هوازن عام الفتح فكان يصلي قبل الظهر ركعتين. وروي: أربعًا ولأن المسافر كالحافر في النفل الواقع في أثناء الصلاة فكذلك كالحافر في النفل الواقع خارجها.
فرع
وإن صلى مسافر بمقيمين ومسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين، وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمقيمين أو مسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين إذا نووا القصر، وأما المقيمون يلزمهم الإتمام فإذا فرغ الإمام يستحب أن يقول لهم الإمام: أتموا لما روي أن النبي - ﷺ - أقام عام الفتح بمكة أيامًا يصلي ركعتين ركعتين ويقول لهم: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر"، وهذا لأنهم أو بعضهم لا يعلمون ذلك.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فرع
هل يجوز للإمام أو المقيمين أن يقدموا من يصلي بهم بقية الصلاة؟ هذا مبني على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام وانصرف، فإن [٧٢ ب / ٣] قلنا: لا يجوز هناك فهاهنا لا يجوز، وإن قلنا: يجوز هناك وهو قوله الجديد فهاهنا وجهان: أحدهما: يجوز كما لو أحدث الإمام وانصرف.
والثاني: لا يجوز لأن هذه الصلاة قد أديت جماعة فلا يجوز عقد جماعة أخرى فيها كما يقول في المسبوق بركعة في صلاة الجمعة إذا سلم الإمام والأول أصح، والفرق بينهما وبين الجمعة هو أن الجمعة لا تصلى جماعة بعد جماعة بخلاف غيرها، وهكذا المسبوق بركعة في غير الجمعة هل يستخلف؟ على هذين الوجهين.
مسألة: قال: وكل مسافر له أن يتم.
وقد مضت هذه المسألة، واحتج هاهنا بما روي أن عثمان ﵁ كان يتم الصلاة إذا حج، وكان يحتاط في ذلك لأنه كان له بمكة أهل وعيال فاختار الإتمام وإلا فالمستحب القصر.
مسألة: قال: واحتج في الجمع بين الصلاتين في السفر بأن رسول الله - ﷺ - جمع في سفره إلى تبوك. . . الخبر.
وهذا كما قال: إذا سافر سفرًا يجوز له فيه قصر الصلاة يجوز له الجمع فيه بين الصلاتين، وهو الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء. وأما [٧٣ أ / ٣] في السفر القصير هل تجوز الجمعة؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز قاله في "القديم" وبه قال مالك، ووجهه: أن أهل مكة يجمعون بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء وسفرهم قصير ولم ينكر منكر.
والثاني: لا يجوز ذكره في "الجديد" وهو الصحيح لأنه تأخير العبادة عن وقتها فلا يجوز في السفر القصر كالفطر، وأما أهل مكة فإنهم يقصرون أيضًا ونحن وأنتم تقولون: لا يجوز ذلك في السفر القصير.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي ﵀: اختلف قول الشافعي ﵀ في جمع أطر مكة بعرفة ومزدلفة أهو لحق النسك أم لحق السفر؟ على قولين فإذا قلنا: إنه نسك فلا كلام، وإذا كان للسفر فمتى كان السفر قصيرًا قولان وسائر أصحابنا لم يذكروا القولين.
وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهًا أنه لحق النسك وليس بمذهب الشافعي، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه كان يقول: لا يجوز الجمع إلا في السفر الطويل، نص عليه في الجديد والقديم.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الجمع لحق السفر أصلًا، وإنما يجوز لحق النسك [٧٣ ب / ٣] في موضعين. أحدهما بعرفة في يوم عرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر والثاني بمزدلفة ليلة النحر يجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وبه قال النخعي، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين قالوا: وفي السفر تؤخر الظهر إلى آخر وقتها ويعجل العصر في أول وقتها، وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ يفعل ذلك وروي ذلك عن ابن سيرين، وقيل: إنه مذهب المزني ﵀ وبقولنا قال ابن عباس وابن عمر، ومعاذ بن جبل، ومالك، والثوري، وعطاء، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاها، وأحمد، وإسحاق، وأبو موسى، وسعد بن أبي وقاص، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها غير الواحد. وهذا غلط لما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله - ﷺ - في السفر فقالوا: بلى، فقال: "كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، فإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت [٧٤ أ / ٣] العصر"، وكذلك في المغرب والعشاء. وهذا نص ورواه ابن عمر وأنس أيضا.
وروى معاذ أن رسول الله - ﷺ -: "كان يجمح في غزوة تبوك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا".
وروى نافع أن ابن عمر ﵁ استصرخ على صفية وهو بمكة فسار حتى غربت الشمس وبات النجوم فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا عجل به أمر في سفر بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما. وروي أن ابن عمر كان يرجع من جرف أرعوه، فأخبر في الطريق بأن امرأتك صفية بالموت فأسرع السير، فلما غربت الشمس قلنا له: الصلاة فسكت حتى دخل وقت العشاء فنزل وجمع، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل إذا جد به السير والرواية الأولى أصح.
وقال أنس ﵁: "كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع [٧٤ ب / ٣] بينهما، قال: ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق"، ثم احتج الشافعي ﵀ بالجمع في عرفة ومزدلفة فاستنبط منه المعنى وعدى إلى سائر الأسفار، وأما ما ذكروا قلنا:
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الأوقات تثبت مطلقة ويجوز تخصيصها بحالة الإقامة بخبر الواحد: كما يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. فإذا تقرر هذا فالمسافر بالخيار بين أن يقدم العصر وقت العصر فيجمع بينهما في وقت الظهر، وبين أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما في وقت العصر، وهكذا في المغرب والعشاء، والحقيقة أن السفر يمزج الوقتين، فإذا زالت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العصر، وكذلك إذا غربت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العشاء، والأفضل أنه إن سار قبل الزوال أن يجمع بينهما في وقت العصر، وان زالت الشمس قبل أن سار جمع بينهما في وقت الظهر، لأن النبي - ﷺ - هكذا فعل وهذا أسهل وأرفق.
مسألة: قال: ولا يؤخر الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع.
وهذا كما قال: إذا اختار الجمع في وقت الظهر لا تصح إلا [٧٥ أ / ٣] بأربح شرائط: السفر والنية والموالاة والترتيب.
فالسفر قد ذكرناه ولا بد منه لأنه روي عن رسول الله - ﷺ - أنه جمع في السفر كما روي عنه أنه قصر في الفر، فجعلنا السفر علة في الجمع كما جعلناه علة في القصر: لأن كل واحد منهما تخفيف في الصلاة.
وأما نية الجمع: فلا بد منها ليخرج بذلك عن أن يكون تاركًا للصلاة ساهيًا أو متوانيًا. وحكي عن المزني ﵀ أنه قال إذا أتى بالثانية عقيب الأولى جاز ولا يحتاج إلى النية؛ لأن الجمع حصل بفعله، ولأن الوقت يوجد لهما في السفر، وصار وقت الصلاتين واحدًا وهذا غلط؛ لأنه أحد الجمعية فافتقر إلى النية كتأخير الظهر إلى العصر، ولأن أفعال الصلاة تؤخذ من غير قصد إلى فعلها ولا تجري كذلك هنا.
وأما الموالاة: فإنه لا يفصل بينهما فصلًا طويلًا، والمرجع في التطويل إلى العرف والعادة، وان تكلم بينهما فلا بأس، فإن أتى بركعتين نافلة بينهما لا يصح الجمع، وقد قال الشافعي: ولا يسبح بينهما ولا عقيب الثانية فيهما يعني أنه لا يتطوع بالصلاة لأنه إن تطوع بينهما طال الفصل، وان تطوع [٧٥ ب / ٣] بعد الثانية بعد تطوع العصر والتطوع بعد العصر لا يجوز.
وقال أبو سعيد الإصطخري ﵀: التنفل بركعتين بينهما لا يمنع صحة الجمع، لأنه من سنة الصلاة كالإقامة.
وحكي عنه أنه لا يحب الموالاة، لأن كل واحدة منهما منفردة عن الأخرى، ولهذا جازتا بإمامين، وهذا غلط لأن النبي - ﷺ - أمر أن تقام الثانية ولم يتنفل بينهما، وقد قال الشافعي ﵀ في مواضع: أنه إن صلى الأولى ثم أغمي عليه فأفاق أو سها أو نام أو شغل شغلًا بطل جميعه.
وأما الترتيب: فهو أن يقام الظهر أولًا، فإذ قدم العصر لم يجز، وهذا لأن الوقت
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الأولى والثانية تجوز تبعًا لها فيجب تقديم المتبوع، وعلى هذا لو تلبس بالظهر فأفسدها، ثم صلى العصر بعد الزوال لم يجز حتى يصلي الظهر أولًا ثم الحصر، وإن أواد الجمع بينهما في وقت الثانية افتقر إلى شرطين السفر ونية التأخير للظهر إلى وقت العصر، فإن أخرها بغير نية فقد عصى وأثم، وإن سها عنها فصلاها في وقت الحصر كان قافيًا، ولا يكون مؤديًا لها في وقت العصر حتى يؤخرها بنية [٧٦ أ / ٣] الجمع وفات الجمع الشرعي، ثم إذا زاد يصليها في وقت العصر لا يحتاج إلى نية أخرى للجمع، لأن كل واحدة منهما يصليها بعد دخول وقتها.
وأما الموالاة والترتيب: فليسا بشرط أما الموالاة: فإن الوقت للقصر فأي وقت أتى بها فيه فقد أتى بها مؤديًا، وأما الترتيب: فإن الظهر إذا تأخرت إلى وقت العصر لم يكن إحداهما تبعًا للأخرى، بل صارت كل واحدة منهما متبوعة غير تابعة والأفضل أن يقدم الظهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزم الترتيب هاهنا؟ وجهان حتى لو ترك الترتيب كان الظهر قضا، لا أداء، فلا يجوز قصرها إذا قلنا: لا يقصر الفائتة ولا معنى لهذا مع النص الصريح عن الشافعي. وأما وقت نية الجمع فالجمع ضربان: جمع تأخير، وجمع تقديم.
فأما جمع التأخير: فلا بد وأن ينوي تأخير الظهر على ما بيناه، ووقت النية من حين نزول الشمس إلى أن يبقى من الوقت ما يقيم فيه الصلاة فإن فاق الوقت عن هذا كان عاصيًا، وهذا على قول أبي إسحاق، فأما على [٧٦ ب / ٣] القول الذي يقول: إذا بقي من الوقت مقدار ما يملي فيه ركعة لا يكون عاميًا ولا قاضيًا فيجوز أن يؤخر نية الجمع إلى أن يبقى من الوقت هذا القدر.
وأما جمع التقديم: إن نوى قبل أن يحرم بالأولى لا يجوز، وإن نوى بعد السلام من الأولى لا يجوز، وقال المزني ﵀: يجوز إذا لم يطل الفصل بين السلام من الأولى والإحرام بالثانية. وقال أبو يعقوب الابيوردي: قد قيل: إن الشافعي ﵀ نص على هذا في استقبال القبلة فقال: ولو أكمل الظهر، ثم نوى الجمع أو كان فيه أجزأه، وهذا غريب، وقيل: قوله: أكمل الظهر أي: أفعاله سوى السلام، وان نوى مع التحريم بالأولى أجزأه بلا إشكال وإن نوى في أثناء الأولى فيه قولان:
أحدهما: يجوز حتى ينوي عند الإحرام بالأولى: لأن محل النية ذلك الوقت نص عليه في الجمع في المطر.
والثاني: يجوز نص عليه في الجمع في السفر فقال: إذا نوى قبل أن يسلم مع التسليم جاز له الجمع؛ لأن وقت الجمع حين ينفصل عن الأولى ويدخل في الثانية ولا تتأخر النية عن هذا الوقت فجاز [٧٧ أ / ٣] وهذا اختيار أبي إسحاق ﵀ قال: وهذا أشبه بأصل الشافعي، ويفارق نية القصر تعتبر عند الإحرام لتبتعد صلاته ركعتين.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد يجوز ذلك، وما قاله في جمع المطر قصد به أن المطر لا يبيح الجمع بنفسه دون انضمام النية إليه، لأنه ذكر المسألتين في باب واحد
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فيبعد تخريجهما على قولين.
ومن أصحابنا من قال: في الجمع للمطر تشترط النية عند الإحرام، وفي الجمع للسفر لا شرط عنده والفرق هو أن نية الجمع يجب أن تكون في حالة يشترط فيها وجود سبب الجمع بقي السفر موجود، وفي المطر أن يشترط وجود المطر الذي هو سبب جواز الجمع في أول الصلاة الأولى وأول الصلاة الثانية حتى إن سكبت فيما بين ذلك لا يضر فلهذا اشترط نية الجمع في أول الصلاة الأولى.
فرع
لو جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ثم بعدما فرغ من الصلاتين نوى الإقامة قبل أن يدخل وقت العصر ووصل إلى مقصده هل يستحب بالعصر؟ وجهان: أحدهما: لا يحتسب لأن الشرائط قد زالت قبل دخول [٧٧ ب / ٣] وقت الوجوب كما لو عجل زكاته ثم هلك المال.
والثاني: يحتسب لأنه فرع على الصحة كما لو عجل شاة بصفة الزكاة فحال الحول وقد تعيبت بصفة لا يجوز إخراجها في الزكاة يعتد بهاء وهكذا الخلاف لو دخل وقت العصر فنوى الإقامة قبل مضي إمكان الصلاة فإن مضى وقت إمكان الصلاة ثم أقام فقد استقر حكم ما فعل فلا إعادة.
مسألة: قال: والسنة في المطر كالسنة في السفر.
وهذا كما قال: يجوز الجمع للمطر بين الصلاتين كما يجوز السفر، وبه قال عبد الله بن عمر والفقهاء السبعة. فقهاء المدينة. وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بعز الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار". وفعله عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو مذهب مالك وأحمد والليث إلا أن عندنا يشترط في ذلك أن يكون المطر قائمًا وقت افتتاح الصلاتين معًا، ولم يشترط ذلك غيره.
وروي عن مالك وأحمد أنه يجوز الجمع للمطر بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر لأن [٧٨ أ / ٣] المشقة في مطر الليل دون النهار.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي والمزني: لا يجوز ذلك للمطر بحال وروي عن الأوزاعي مثل قولنا. وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵁ قال صلى رسول الله - ﷺ -: "الظهر والعمر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سفر". أورده أبو داود. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر وإنما ذكر قول مالك استئناسًا، فأما وجه الدليل منه ظاهر وهو أن الدليل قام في غير المطر فتعين المطر،
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وروى أصحابنا عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - "جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر". ويقول: على مالك كل عذر أباح الجمع بين المغرب والعشاء أباحه بين الظهر والعصر كالسفر، وأما ما ذكره من المشقة لا اعتبار بها، لأن الليلة المقمرة كالنهار ويجوز الجمع فيها عندكم. فإذا تقرر هذا يجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما بلا خلاف، فإن أراد الجمع بينهما في وقت الثانية منهما. قال في "القديم" و"الإملاء": إن شاء قدم الثانية إلى وقت الأولى، وإن شاء أخر الأولى إلى وقت [٧٨ ب / ٣] الثانية. وبه قال أحمد وقال في "الجديد": في استقبال القبلة لا يؤخر الأولى إلى الثانية للمطر وهو المذهب المشهور، فقد قيل قولان، وقيل: قول واحد لا يجوز إلا في وقت الأولى، لأن المطر ينقطع بغير اختيار فربما ينقطع المطر ولا يؤخذ عند الجمع بخلاف السفر، فإنه لا ينقطع من دون اختياره فلا يتقدم حالة الجمع طاهرًا فإذا قلنا: لا يجوز ذلك فلا كلام، وإذا قلنا: يجوز فإن لم ينقطع المطر بينهما، وإن انقطع صلاهما في وقت العصر، لأن وقت العصر قد دخل والظهر عليه فيصليهما معًا. وأما إذا جمع بينهما في وقت الأولى منهما لا يصح إلا بأربع شرائط على ما ذكرنا، فالعذر وجود المطر حين الإحرام بالأولى، فإن أحرم بها والمطر قائم نظر، فإن استدام حتى في غ منهما فلا كلام، وإن انقطع قبل [٧٩ أ / ٣] الفراغ منهما نظر، فإن انقطع بعد أن أحرم الثانية لم يؤثر، لأن الجمع قد صح فإن قيل: قد قلتم إذا دخل في الثانية ثم نوى المقام، أو دخل البلد الذي يريده بطلت صلاته فلم لا يقولون مثله هاهنا؟ قلنا: الفرق هو أن نية المقام والسير إلى بلده بإرادته واختياره، فإذا اختار ذلك لم يكن له الجمع وانقطاع المطر لا يتعلق باختياره وإرادته، فإذا انقطع بعد دخوله في الصلاة لم يضره كما قلنا في وجود الماء في حق المتيمم في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي ﵀ على انقطاع المطر بعد الإحرام بالثانية لا تؤثر في صحة الجمع، وعلى قياس هذا ينبغي أن تكون نية الإقامة ودخول البلد الذي يريده مثله، ولا يمنع هذا أيضًا صحة الجمع لأنه إذا جاز الدخول في الصلاة جاز له إتمامها ويفارق هذا إذا دخل في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة فإنه يتمها أربعًا لأنها صلاة واحدة تامة ومقصودة وهاهنا إن لم يجوز له الجمع أبطلنا ما جوزنا له الدخول فيه وذلك لا يجوز فافترقا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا [٧٩ ب / ٣] المسألتين وجهان: وقال هذا القائل: لو نوى الإقامة بعد الفراغ من العصر أو انقطع المطر في هذه الحالة فعلى أحد الوجهين وجهان، وهذا ضعيف، ولو انقطع المطر قبل أن يحرم بالثانية لم يكن له الجمع.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فرع
لو انقطع قبل أن يسلم من الأولى، ثم عاد واتصل لا يمنع ذلك الانقطاع صحة الجمع نص عليه، ولو وجد عند افتتاح الأولى والثانية، ولكن انقطع عنا خروجه من الأولى وعاد في الحال. قال الشيخ أبو زيد ﵀: لا يصح الجمع وفيه وجه أخر أنه يصح الجمع، وهو ظاهر ما قال أصحابنا يشترط وجود المطر عند افتتاح الأولى والثانية.
فرع
لو افتتح الظهر والسماء لم تمطر، ثم مطرت بعده لا يجوز الجمع، نص عليه في استقبال القبلة، وهذا لأنه شرع فيها ولم يكن من أهل الجمع فصار كما لو أحرم ولا سفر، ثم وجد السفر لا يصح الجمع، ومن أصحابنا من قال فيه قولان: مبنيان على أنه هل تجوز نية الجمع في أثناء الصلاة فإذا قلنا: يجوز ذلك يمكنه أن ينوي الجمع عند مجيء المطر ويجمع.
فَرْعٌ آخرُ
هل يجوز الجمع للمنفرد في بيته أو في المسجد، أو بمن كان في المسجل [٨٠ أ / ٣] أو لمن كان بين منزله والمسجد ظلال يمنع وصول المطر إليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الأم" لأنه إنما جوز للمشقة ولا مشقة في هذه الحالة وعلى هذا إنما يجوز في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من بعد في المطر. وقال في "الإملاء": يجوز لأن النبي - ﷺ - كان يجمع وكانت بيوت أزواجه مفتحة إلى المسجد لا يشق عليه الخروج للجماعة، ولأن العذر إذا تعلقت به الرخصة استوى فيه وجود المشقة وعدمها كما في السفر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان ولا معنى لهذا مع النص.
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي ﵀: ويجمع في قليل المطر وكثيره. قال أصحابنا: معناه إذا كان القليل بين الثياب، فإن كان مما لا يبل لا يجوز به الجمع، وقال القاضي الطبري ﵀: يعتبر ابتلال الثياب والطين. قلت: ابتلال الثياب يورث الطين لا محالة فلا فائدة في ذكره.
فَرْعٌ آخرُ
البرد لا يبح الجمع، لأنه لا يبل الثياب. وأما الثلج فإن كان رقيقًا يبل الثياب فهو كالمطر، وإن لم يكن كذلك فلا يبيح الجمع، وفيه وجه آخر [٨٠ ب / ٣] كالثلج يبيح الجمع بكل حال، لأنه يتأذى بالمشي فيه ويشتق.
فرع
الوحل، والظلمة، وشدة الريح، والبرد لا يبيح الجمع، وقد قال الشافعي: لا يجوز الجمع في الحضر من غير مطر للمرض والخوف. وقال أحمد وإسحاق ومالك رحمهم
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الله: يجوز للمريض والخائف ذلك، وبه قال عطاء بن أبي رباح وقالوا: يجوز في الوحل أيضًا: لأنه كالمطر في المشقة، ولهذا يجوز ترك الجمعة به، واختاره القاضي الحسين فإن كانت تشد الحمى في وقت الزوال وتخف وقت العمر فالأولى أن يؤخر الظهر، وإن كانت تشد وقت العصر يقدم العمر إلى الظهر، وهذا لأنه عذر يبيح الفطر كالسفر، ولأن الضرر بهذا أكثر منه بالمطر ولهذا أبيح به ترك القيام والفطر في الصوم. وقد روي أنه ﵊ قال للمستحاضة: "إن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر وتغتسلي، ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين بالعشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين المغرب والعشاء فافعلي، وهذا هو أحب الأمرين إلي". رواه البيهقي ﵀ وهذا غلط،؛ لأنه لم ينقل الجمع في شيء منها وكانت كلها على عهد رسول [٨١ أ / ٣] الله - ﷺ -؛ ولأن عذر المطر من جهتين من الأعلى والأسفل، وهذا الوحل من الأسفل، وأما ترك الجمعة للرجل قلنا هناك لا يترك إلا السعي إلى المسجد ويأتي بالصلاة فيحصل له الترفه بترك السعي إلى المسجد وحده وهاهنا يترك السعي إلى المسجد ويترك الوقت الذي هو شرط من شرائط الصلاة، فكان حكمه أغلط، ولهذا جاز ترك الجمعة لخوف فوت الرفقة وطلب الغريم بخلاف الجمع.
وحكى ابن المنذر، عن ابن سيرين أنه قال: يجوز الجمع بين الصلاتين من غير مرض أيضًا، واختاره ابن المنذر واحتج بما روى أبو داود ﵀ في سننه بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قال: فقلت لابن عباس: ما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته. وقال ابن المنذر: ولا يمكن حمله على عذر من الأعذار لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهي قوله: أراد أن لا تحرج أمته وحكي عن ابن سيرين ﵀ [٨١ ب / ٣] أنه قال: لا بأس به إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذ عادة. وهذا غلط لما روي من اختيار المواقيت. وأما خبرهم قلنا: أصحاب الحديث قد تكلموا في حبيب بن أبي ثابت، ثم إنا نحمله على أنه انقطع المطر في أثناء الصلاة الثانية، أو أراد الجمع بتأخير الظهر إلى آخر وقتها، وتعجيل العصر في أول وقتها، وفي هذا رفاهية ورفع للحرج ولا يمكن أن يول به أخبار الجمع في السفر؛ لأنه صرح هناك بما لا يحتمل هذا التأويل.
[ ٢ / ٣٥٠ ]