قال: أخبَرَنا شفيانُ وذكر الخبر.
وهذا كما قال: [٣٤٢ ب/ ٤] جملته أن صوم يوم عرفة هو مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة، فأما الحاج فيستحب له أن يفطر يوم عرفة بكل حال، قال الشافعي: لأن الحاج مسافر مُضح وأراد به أنه متعرض للشمس، فإذا صام ضعف عن الدعاء يوم وأفضل الدعاء يوم عرفة فحيازة فضيلة الدعاء في ذلك الوقت أفضل من الصوم فيه، وقبل: يستحب أن يصوم يوم التروية معه للاحتياط حتى لا يفرته فضيلة يوم عرفة، وقيل: غلط المزني في حكاية هذا التعليل في قوله: مضح وإنما هو ضاح ذكره في "الإملاء "، أي: تأزر للمس ومنه قوله تعالى: ﴿وأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ولا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: لا تصيبك الشمس فتؤذيك فأما المضحي فهو الداخل في وقت الضحوة وليس ذلك وقت الوقوف بعرفة، وقيل: المضحي هو الواقف في الضحى والضحى هو الفضاء، وقال عطاء: إن كان صيفًا فالأولى له الإفطار، وإن كان شتًاء فالأولى له الصوم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا لأنه إذا كان قويًا في الشتاء لا يؤثر فيه الصوم فيكون [٣٤٣ أ/ ٤] جامعًا بين العبادتين، وروي أن عائشة ﵂ كانت تصوم يوم عرفة (١)، وقال هذا القائل هذا اصح وأنا أقول به مثله، وبالله التوفيق وذا غلط، بدليل ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن صوم يوم عرفة (٢) "، وقال ابن عمر: حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر بصيامه ولا أنهي عنه (٣)، وروي عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمَّانَا فقال: ادن فكل لعلك صائم إن رسول الله ﷺ لم يصم هذا اليوم (٤)، وحكي عن أبي حنيفة أنه يستحب له صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء ويقطعه عنه، وروت أم الفضل بنت الحارث: أن أناسًا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو قائم بعرفة فشرب (٥)، وأما صوم يوم عاشوراء يستحب أيضًا وهو صوم اليوم العاشر من المحرم والأصل فيه ما روي أن النبي ﷺ [٣٤٣ ب/ ٤] قال: "صيام يوم عرفة كفارة السنة والسنة التي تليها وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة (٦) " وأراد بقوله كفارة السنة والسنة التي تليها ما جاء في
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "معرفة السنن" (٢٥٧٨، ٢٥٧٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، وأبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي (٢٨٣٠)، وابن ماجة (١٧٣٢)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٣٨٩، ٨٣٩٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٧٥١)، والنسائي (٢٨٢٥، ٢٨٢٦)، وابن حيان (٣٥٩٥).
(٤) أخرجه البيهقي في "الكبرى"، (٨٣٨٧)، وفي "معرفة السنن" (٣/ ٤٢٨).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٠/ ١١٢٣).
(٦) أخرجه مسلم (١٩٦/ ١١٦٢)، والترمذي (٦٤٩)، وابن ماجه (١٧٣٠)، والبيهقي في "الكبرى".
[ ٣ / ٣٠٤ ]
خبر آخر مفسرًا صيام يوم عرفة يكفّر سنة قبلها وسنة بعدها، ولا يوجد في ثواب شيء من العبادات أن يكون تكفير ذنوب زمان لم يأت بعد، وإنما حض الرسول ﷺ بذلك حيث قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وقيل: أراد به أنه كفارة سنتين ماضيتين وقيل: صوم يوم عرفة هو أفضل من كل يوم يتطوع به الإنسان لهذا المعنى، وقال زؤيبة: كان النبي ﷺ يأمرنا في يوم عاشوراء أن نتفل في أفواه الصبيان، وقال: "لا تسقوهم شيئًا إلى الليل ".
قال أصحابنا: ويستحب أن يصوم اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر لما روي أن النبي ﷺ لما صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: "فإذا كان في العام المقبل صمنا اليوم التاسع "ثم لم [٣٤٤ أ/ ٤] يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١) وأراد بقوله صمنا اليوم التاسع أي: مع العاشر.
وقال بعض أصحابنا: الأكمل أن يصوم اليوم التاسع معه فإن لم يصمه يصوم الحادي عشر معه حتى يخالف اليهود وإذا قلنا: يؤمر به احتياطًا لما روى شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء يومين يوالي بينهما مخافة أن يفوته (٢). فعلى هذا لو لم يصم التاسع لا يصوم الحادي عشر بدله، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء "، وقيل: أمر بصوم يوم تاسوعاء للاحتياط من أن يخرج ذو الحجة ناقصًا وهو لا يعلم ذلك فيفوت عنه صوم العاشر ومن العلماء من قال: صوم يوم عاشوراء هو صوم اليوم التاسع من المحرم وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يومًا فقال: "ما هذا "قالوا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى ﵇ وأغرق فرعون فقال: "أنا أحق بموسى منهم "فأمر مناديه "ألا من [٣٤٤ ب/ ٤] أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم (٣) "، وكان غرق فرعون في اليوم العاشر من المحرم، وروي أنه "سألهم رسول الله ﷺ عن اليوم الذي يصومون فيه فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فسكت حتى أصبح يوم عاشوراء فأمر الناس بالصيام وأخبر (٤) موسى هذا وإن اليهود ضلوا عنه كما ضلوا عن يوم الجمعة "قال القفال: وهذا أصح لأن اليهود لا يصومون الآن يوم عاشوراء بل يصومون يومًا آخر وقد ذكرنا أنه لم يكن واجبًا قط، وهو ظاهر المذهب لما روى الشافعي عن حميد بن
_________________
(١) = (٨٨١)، وفي "معرفة السنن" (٢٥٧٤). () أخرجه مسلم (١٣٣/ ١١٣٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٤٠١).
(٢) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٤٠٢).
(٣) أحرجه البخاري (٣٢٩٧، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧)، ومسلم (١٢٧/ ١١٣٠).
(٤) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
عبد الرحمن: أنه سمع معاوية ﵁ يوم عاشوراء على المنبر يقول يا أهل المدينة أين عطاؤكم سمعت رسول الل ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر (١) "، ومن أصحابنا من قال: إنه كان واجبًا وهو قول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: صوم المحرم أفضل من صوم سائر شهور السنة لأن النبي ﷺ سئل أي: الصوم أفضل [٣٤٥ أ/ ٤] بعد رمضان؟ فقال: "شهر الله المحرم (٢) ".
فصل
قال أصحابنا: يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بستة من شوال ليكون جميع صيامه سنة وثلاثين يومًا فيكون له صيام السنة كلها كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال النبي ﷺ: "من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام الدهر (٣) "، وبه قال أحمد وجماعة العلماء، وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا خوفًا من أن تلحق ذلك بالفرض وحكاه محمد عن مالك ولم يذكر خلافه، وقال في الموطأ: يكره له ذلك وما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وهذا كله غلط، لما ذكرنا والأولى أن تكون متتابعة عقيب الفطر فإن (٤) الفضيلة، وقد روى أبو حنيفة أن النبي ﷺ قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام السنة (٥) "، وهذا خبر غريب، وروى ابن عباس [٣٤٥ ب/ ٤] أن النبي ﷺ قال: "الصائم الستة بعد رمضان كالكار بعد الغار "قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب لما روي أن النبي ﷺ سئل: أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "شهر الله الأصم "وروي: "الأصم "لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة صبًا.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، وصوم الثاني منه كفارة سنتين، وصوم اليوم الثالث منه كفارة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١٢٦/ ١١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢/ ١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٧٤٠)، وأحمد (٢/ ٢٤٤)، والدرامي (٢/ ٢١)، والبيهقي في "الكبري" (٨٤٢٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٠٤/ ١١٦٤)، من حديث أبي أيوب، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، وابن ماجة (١٧١٦)، والدرامي (٢/ ٢١)، وأحمد (٣/ ٣٠٨، ٣٢٤)، من حديث ثوبان.
(٤) موضع النقط بياض بالأصل
(٥) أخرجه ابن ماجة (١٧١٥)، والطبراني في "الكبيرة" كما في "مجمع الزواند" (٣/ ١٨٣)، وقال الهيثمي: "وعبد الرحمن بن غنام لم أعرفه".
[ ٣ / ٣٠٦ ]
سنة ثم صوم كل يوم منه كفارة سنة ثم بعد رجب شهر شعبان (١) "، قال النبي ﷺ: "من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر "وأراد بشر الصبر شعبان، وقيل: رمضان (٢)، ومعنى وحر صدره أي: غل صدره وبلابله ومن أراد أن يصوم أيامًا فيستحب له أن يصوم أيام البيض، قال أعرابي: يا رسول الله إني أصوم ثلاثة أيام من الشهر فقال: "إن كنت صائمًا فصم الغر (٣) "، قال ابن قتيبة [٣٤٦ أ/ ٤] الغر: البيض بطلوع القمر في جميعها.
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "من كان صائمًا من الشهر فليصم الأيام البيض (٤) "، وروي أنه قال: "هي كهيئة صوم الدهر "يعني: أن صوم ثلاثة أيام بشهر وإن صام ثلاثة من الشهر غيرها فيستحب أيضًا لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت منها صوم ثلاثة أيام من كل شهر (٥) "، وقالت حفصة ﵂: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى (٦) "، وروت عائشة ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يبالي أي أيام الشهر يصوم هذه الثلاثة (٧) " فقيل: هذه الثلاثة صوم أيام البيض وقيل: إنها يوم الاثنين والخميس والاثنين الآخر من الجمعة الأخرى، ويستحب أن يصوم يوم الاثنين والخميس، قال أسامة بن زيد ﵁، كان رسول الله ﷺ لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس، وقال: هما يومان [٣٤٦ ب/ ٤] تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح (٨).
وروى أبو قتادة ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل القرآن (٩) " ويستحب لمن قدر أن يصوم صوم داود ﵇ وقيل: إنه أفضل من صوم الدهر لما روى عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام أخي داود ﷺ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود وكان يرقد شطر الليل ويقوم ثلثه ثم يرقد آخره (١٠) ".
_________________
(١) انظر: كنز العمال للهندي (٢٤٢٦١).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٧٨)، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢/ ٣٠).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٦)، والنسائي (٤/ ٢٢٢)، وابن حيان (٩٤٥)، والحاكم (٤/ ١٣٥).
(٤) أخرجه الخطيب في "تاريخه" (١١/ ١٢٠).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٨٥/ ٧٢١).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٤٥١).
(٧) أخرجه مسلم (١٩٤/ ١٦٠).
(٨) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٠)، وأبو داود (٢٤٣٦)، والنسائي (٢٧٨١، ٢٧٨٢، ٢٧٨٢٣، ٢٧٨٥).
(٩) أخرجه مسلم (١٩٨/ ١١٦٠)، وأحمد (٥/ ٢٩٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٤٣٤).
(١٠) أخرجه مسلم (١٨٩/ ١١٥٩)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي (٣/ ٢١٤)، ابن ماجه (١٧١٢)، والحميدي (٥٨٩).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
فرع
قال أصحابنا: لا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقًا ولم يخف ضررًا ولفظ الشافعي في "مختصر البويطي "لا بأس بسرد الصيام إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها وبه قال عامة الفقهاء، وهذا لما روت أم كلثوم مولاة أسماء ﵂ قالت: قيل لعائشة ﵂: تصومين الدهر وقد نهى رسول الله ﷺ عن صيام الدهر؟ قالت: نعم وقد سمعت رسول الله ﷺ [٣٤٧ أ/ ٤] ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إنما نهى رسول الله صلى الله علي وسلم عن صوم الدهر لأنه يضعف عن العبادات وهو يشبه النفل الذي نهى عنه ولو أراد بالنهي صوم هذه الأيام كلا ما كان لتخصيص الأيام الستة بالنهي معنى ولما خص الأيام الستة دل على أن صوم الباقي جائز وهكذا إذا خاف ضررًا وضعفًا في أداء العبادات لا يستحب ما ذكرنا من صيام الأيام المستحبة لما روي "أن النبي ﷺ آخى بين سليمان وبين أبي الدرداء فجاء سليمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة فقال ما شأنك فقالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا فقال: سليمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا وعبيدك عليك حقًا فصم وافطر وقم ونم وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله ﷺ ما قال سليمان، فقال النبي ﷺ "مثل ما قال سليمان.
والدليل على ما ذكرنا أن أبا طلحة الأنصاري كان لا يفطر في حضر ولا في سفر فلم يعبه رسول الله [٣٤٧ ب/ ٤] ﷺ ولا نهاه عن ذلك، ومن العلماء من قال: يكره ذلك لما روى أبو قتادة ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها حتى سكن غضب رسول الله ﷺ ثم قال عمر: يا رسول الله كيف من يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: "أو يطيق ذلك أحد "قال: كيف يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: "وددت لو أني أطقت ذلك "، قال: ثم قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله (١) "قلنا: يشتبه أن يكون غضب النبي ﷺ من كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه أو يمله بقلبه فيكون صيامًا من غير إخلاص، وقوله: "لا صام ولا أفطر "معناه لم يصم ولم يفطر [٣٤٨ أ/ ٤] ومعناه الدعاء عليه كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك إذا لم يفطر في شيء من الأيام، وإن نهى عن صيامها أو إذا لم يقوِ على ذلك على ما ذكرنا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٦/ ١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥، ٢٤٢٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٦، ٢٠٧)، والترمذي (٧٦٧)، وأحمد (٤/ ٢٥)، والدرامي (٢/ ١٨)، وابن حيان (٩٣٧)، والحاكم (١/ ٤٣٥).
[ ٣ / ٣٠٨ ]
فرع آخر
ذكره ابن سريح إذا نذر صوم الدهر انعقد نذره إلا زمان العيدين والتشريق فإن أفطر في رمضان لعذر من سفر أو مرض فعليه القضاء ولا وقت للقضاء غير زمان النذر فيقضي من رمضان ويدع النذر وهل يدخل زمان القضاء تحت نذره فيه وجهان: أحدهما: لم يدخل تحت نذره لأنه بان أنه مستحق للقضاء فلم يدخل في النذر كشهر رمضان، والثاني: دخل زمان القضاء تحت نذره لأنه لو صامه عن نذره أجزأه، فإذا قلنا: بهذا هل تلزمه الفدية عن هذه الأيام التي فاتته من نذره؟ قال: يحتمل وجهين: أحدهما: يلزمه لأنه بسقط إلى مال لتعذر صومه عليه بكل حال كما يقول في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزمه لأنه لا يمكنه فعله فهو كالمريض إذا أفطر واتصل مرضه بموته لا تلزمه الفدية.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀: أنه لو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا منه هل يقضيه في يوم من الأيام المستقبلة؟ قال: [٣٤٨ ب/ ٤] قال أصحابنا: لا يقضيه ويصوم عن أداء النذر في الأيام المستقبلة لأنه لو قضاه في يوم وجب عليه قضاء ذلك اليوم ثم إذا قضاه يلزمه قضاء ذلك اليوم أيضًا فيؤدي إلى إخراج كثير من صيامه عن الوقت وهو نظير ما قلنا في قضاء إحرام دخول مكة لا يلزمه لهذا المعنى.
فرع آخر
قال والدي: لو قضاء في يوم آخر هل يصح عن القضاء فيه وجهان: أحدهما: يصح عن القضاء في الحال، والثاني: لا يصح لا عن القضاء ولا عن الأداء فعلى هذا يلزمه الإطعام في الحال لأنه آيس من استدراك هذا الصوم بالقضاء، قلت: ويحتمل وجهًا آخر على ما ذكرنا: ولو سافر هذا الرجل يحل له الفطر وهل عليه الإطعام في الحال وجهان.
فرع آخر
إذا نذر أن يصوم يوم الخميس أو يصلي فيه لم يكن له أن يصوم يوم الأربعاء ولا أن يصلي يوم الأربعاء خلافًا لأبي يوسف، ولو نذر أن يتصدق بدرهم يوم الخميس له أن يتصدق به يوم الأربعاء، وهذا لأن إطلاق النذر يحمل على المعهود الشرعي والصوم والصلاة الشرعيان لا يجوز تقديمهما على الوقت بخلاف الزكاة كذلك هاهنا.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو نذر صوم يوم بعينه ثم أراد أن يأتي فيه بصوم النفل أو فرض آخر غير النذر فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما في رمضان، والثاني: يجوز وهو الأوضح وعليه قضاء المنذور والفرق أن زمان رمضان لو لم يلزم صومه لم يجز فيه غير صوم رمضان وهو في حق الصبي فإذا تعين كان مثله وفي هذا اليوم لو لم يلزم الصوم
[ ٣ / ٣٠٩ ]
فيه لفقد النذر صح فيه صوم التطوع فكذلك إذا لزمه صومه بالنذر.
فرع
لو كان عليه قضاء رمضان فأخره بعذر إلى رمضان ثانٍ ثم قدر على القضاء عقيب انقضاء رمضان ثم أخره فمات قبل دخول رمضان ثالث لا تلزمه الفدية للتأخير.
فرع
لو قال: لله عليَّ أن اصوم شعبان أبدًا فأسر هذا الناذر فكان يتحرى فصام رجبًا على أنه شعبان وصام شعبان على أن رمضان ثم تبين له الأمر بعد سنين يلزمه قضاء شهرين أحدهما عن شعبان والثاني عن رمضان ولا إطعام علي للتأخير.
فرع
لو كان عليه صوم ثلاثة أيام أحدهما عن قضاء يومان عن نذر فصامهما ثم على أنه ترك النية في أحدها ولا يدري عين ما ترك له [٣٩٤ ب/ ٤] النية يلزمه أن يعيد صوم يومين أحدهما عن النذر والثاني عن القضاء ليتيقن سقوط الفرض عنه كما لو كانت عليه ثلاث صلوات إحداها صبح واثنتان ظهر فصلاها ثم علم أنه ترك النية في إحداهما يلزمه أن يعيد الصبح وظهرًا واحدًا.
فرع آخر
لو صام يومين أحدهما عن نفل ثم علم أنه أضلَّ بالنية في أحدهما ولا يدري هل كان في الفرض أم في النفل، قال أصحابنا: يلزمه إعادة الفرض وقال والدي: لا يلزمه إعادته لأنه شاك في وجوب الإعادة والشك في وجوب الإعادة لا يوجبها.
فرع آخر
ذكره والدي: إذا وطئ زوجته وهي ناشزة في رمضان وقلنا بقول: التحمل هل يتحمل عنها الكفارة وجهان أحدهما: لا يتحمل لزكاة الفطر والنفقة، والثاني: يتحمل والفرق أن ذلك يلزم بمقابلة التمكين وبالنشوز زال التمكين والكفارة تلزم الجماع لأن التمكين وإن وجد لا يلزم الكفارة ما لم بجامع وقد حصل الجماع في حال النشوز كحصوله في حال الطواعية فلزمته الكفارة عنها في الحالين، ويؤكده إن تعلق هذه الكفارة غذ كان الجماع وقد حصل في حال النشوز زال النشوز من الجهة المقصودة [٣٥٠ أ/ ٤] فوجبت الكفارة كما لو تزوج امرأة لا يلزمه دفع المهر، وإن كانت باقية على النشوز لما ذكرنا وهذا أشبه بكلام أصحابنا، والأول أقيس.
فرع آخر
لو جامع العبد امرأته الحرة والزوج الكفارة ل يتحمل عنها، قال والدي ﵀: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يتحمل لأن التحمل إذا لم يثبت في الحال يثبت بعده، والثاني: يتحمل لأن سبب التحمل حصل وإنما امتنع لعارض فإذا زال العارض كان عليه التحمل إذا كان الوجوب باقيًا، وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارة بحال
[ ٣ / ٣١٠ ]
فأما إذا قلنا بحال الوجوب فلا تتحمل لسقوط التحمل في حال الوجوب.
فرع آخر
الصبي إذا جامع في رمضان لا تلزمه الكفارة بحالِ، وهل يبطل صومه بالجماع عن قصد، قال والدي﵀- فيه وجهان مبنيان على القولين من أن عمده عمدَا وخطأ، وإنما قلت هذا لأنه صاحب الإفصاح ذكر من جماع الصبي عمدًا في الحج هل يفسد الحج؟ وجهين.
فرع آخر
إذا شهد عدل بطلوع الفجر في رمضان هل يلزمه الإمساك عن الطعام أم يعتبر قول اثنين إذا لم يمكنه معرفة الحال؟ قال: يحتمل وجهين وهما مبينان على قبول شهادة الواحد [٣٥٠ ب/ ٤] في هلال رمضان، وهذا لأن مقتضاه وجوب الصوم والإمساك كذلك وفي الشهادة على غروب الشمس لابد من اثنين كالشهادة على هلال شوال.
فرع آخر
لو نذر صوم شهر شعبان فشهد عدل واحد برؤية هلاله هل يلزمه الصوم؟ إن قلنا في هلال رمضان يقبل واحد فهاهنا وجهان:
أحدهما: يقبل.
والثاني: لا يقبل لأن وجوبه يختص به الواحد ولا تشترك فيه العامة بخلاف صوم رمضان، ولأن صوم رمضان أكد والأول اصح. ذكره والدي﵀.
فرع آخر
إذا اتمضمض فشق الماء إلى جوفه لا عن مبالغة قبل الزوال، ثم أراد أن يبتدئ بصوم التطوع فيه وجهان بناء على القولين في بطلان الصوم غذا طرأ عليه، والأصح أنه لا يبطل ولا يجوز ابتداء هذا الصوم.