مسألة: قال: وأحب عدد الكفن إلى ثلاثة أثواب بيض رياطٍ.
الفصل
وهذا كما قال. الكلام في الكفن في خمس فصول: في القدر الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والصفة.
فأما الواجب: فقد قال في "الأم": ما يستر به العورة يعني بين السرة والركبة، لأنه ليس بأكد حالًا من الحي، والواجب في الحي هذا القدر، ومنهم من قال: الواجب ثوب واحد يستر جميع بدنه لأن فيما دونه ما وتا بحقه، وأشار الشافعي إليه والصحيح الأول، ومن أصحابنا من قال: الواجب ثلاثة [٢٩٠ أ / ٣] أثواب، وهذا لأن أدنى كمال الثياب للحي ثلاثة: قميص، وسراويل، ولباس الرأس وهذا لا يصح وتأويله إذا تشاجرا في المستحب من الكفن لا في الواجب والمستحب هو للثلاثة. فإذا تقرر هذا بأن كان له ثوب يستر جميع بدنه ستره به، مران كان يستر بعضه ستر به رأسه وعورته، وجعل على رجليه التراب أو شيئًا من الإذخر والشجر، وإن كان لا يستر إلا العورة فقط ستروها وأجزأه، ويجعل على وأسه ورجليه ما ذكرنا، وهذا لما روي أن مصعب بن عمير ﵁ قتل يوم أحد، وكانت له نمرة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه، فإذا غطيت به رجلاه بدى رأسه،
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فقال النبي - ﷺ -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على قدمه شيئًا من الإذخر"، والنمرة: ضرب من الأكسية ذكوه الإمام أبو سليمان، وقال بعض أصحابنا: النمرة هي ثوب الحبرة، وروى جابر أن النبي - ﷺ - "كفن حمزة في نمرة في ثوب واحد"، وأما المستحب: فثلاثة أثواب: لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة، لأنها ثياب الليل عند النوم. وقد روي أن النبي - ﷺ -[٢٩٠ ب / ٣] كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة"، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة. والحولية: هي من ثياب اليمن منسوبة إلى سحول وهي مدينة بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها: الحولية، وهذا بفتح السين والسحول بضم السين: هي الثياب البيض. وروي أن أبا بكر الصديق - ﵁ - كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه، وقالت عائشة ﵂: لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، فإن قيل: روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في المحرم الذي مات بالوقص "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" قلنا: يحتمل أنه لم يكن له ثالث فلهذا قال ذلك، فإن قيل: روى ابن المغفل أن النبي - ﷺ - كفن في قميص. قلنا: راوي خبرنا عائشة وهي أعرف بذلك وأقرب إليه، فإن قيل: روى مقسم عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كفن في ثلاثة أثواب ثوبان وحلة حمراء وقميصه الذي كان عليه. وروي أنه كفن في ثوبين وبرد حبرة. قلنا [٢٩١ أ / ٣] روى القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت: "أدرج وسول الله - ﷺ - في برد ثم أخذت عنه فعلمت عائشة في ذلك ما لم يعلموا"، وروي أنها قالت: "أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه".
وقال مالك: تستحب العمامة رجلًا كان أو امرأة. واحتج بأن عليًا ﵁ كفن وعمم في كفنه، وهذا لا يصح، لأن تلك لم تكن عمامة بل كانت عصابة سد بها رأسه للضربة. وأما قول الشافعي: بيض رياط: جمع الريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين.
وأما المباح فخمسة أثواب. قال الشافعي: فإن كفن في خمسة أثواب فلا بأس به؛ لأنه روي عن ابن عمر ﵁ أنه "كان يكفن أهله في خمسة أثواب". ولأن ذلك من كمال لباس الحي فإنه يلبس قميصًا وسراويلًا وعمامة ورداء، وقال في "الأم": فإن عمم وقمص جعلت العمامة والقميص دون الثياب والثياب فوقهما، وليس في ذلك ضيق إن شاء الله، والدليل على أن القميص لا يكره ما روي أن النبي - ﷺ - كفن عبد الله بن أبي ابن سلول في قميص نفسه، وقال: لا يعرف [٢٩١ ب / ٣] ما بقي
[ ٢ / ٥٣٩ ]
عليه من سلك، فإن قيل كان عبد الله هذا منافقًا، فكيف فعل هذا به؟ قلنا: أراد به تألف ابنه وإكرامه، فإنه كان مسلمًا بريًا من النفاق، وروي أنه لما مات عبد الله أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات فأعطني قميصك ألقيه فيه، فندع رسول الله - ﷺ - قميصه فأعطاه إياه، وقيل: كان عبه الله بن أبي قد كسا العباس بن عبد المطلب قميصًا، وذلك أن الأنصار طلبت للعباس ﵁ ثوبًا يكسونه فلم يجدوا قميصًا يصلح عليه إلا قميص عبد الله فكساه إياه، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، وأما المكروه فما زاد على الخمسة، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا"، ومثله عن علي ﵁ ولأنه سرف وهو مكروه.
وأما صفته: فيستحب أن يكون أبيضًا لما ذكرنا من الخبر، وروى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وروى ابن سمرة "البسوا الثياب البيض فإنها اطهر وأنقى وكفنوا فيها موتاكم" وفي لفظ: "أحب الثياب إلى الله تعالى البيض يلبسها أحياءكم ويكفن فيها موتاكم"، ويستحب أن تكون جددًا لما روي أن رسول الله - ﷺ - "كفن في ثلاثة أثواب بيض جدد"، وقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها.
فرع
يستحب أن تستجاد الثياب التي يكفن فيها، قال النبي - ﷺ -: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وروى أبو قتادة أن النبي - ﷺ - قال: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وقال سلام بن أبي مطيع: أراد به الوسط لا المربع.
وقال أصحابنا: إن كان موسرأ فثلاثة أثواب جياد، وان كان متجملًا فثلاثة أثواب وسط، وإن كان فقيرًا فثلاثة أثواب دون، وكل ما جاز للرجل أن يلبسه في حياته جاز أن يكفن فيه بعه موته، وكذلك المرأة. فإن قيل: فما تأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه لما حضره الموت دعا بثياب جاد فلبسها، ثم قال: سمعت [٢٩٢ ب / ٣] رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها"، قلنا: معنى الثياب هاهنا العمل، كنى بها عنه يريد به أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح، أو عمل شيء والعرب تقول: فلان طاهر الثياب ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك على هذا
[ ٢ / ٥٤٠ ]
المعنى، والدليل على هذا قوله - ﷺ -: "يحشر الناس حفاة عراة"، وقيل: الحسن، فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: لا يستحب للرجل أن يعد كفنه في حياته لئلا يحاسب عليه، وعندي أنه يستحب ذلك ليعرف خلوه عن الشبهة.
مسألة: قال: ويجمر بالعود حتى يعبق بها.
وهذا كما قال: يبخر الكفن بالعود قبل أن يدرج فيه، لأن عادة الحي أنه إذا لبس ثيابا جددًا بنحوها، ولأنه وبما يظهر من الميت رائحة كريهة فتخفيها رائحة العود، فإذا ثبت هذا نجعل الأكفان على مشجب أوعود ثلاث خشبات أو قصبات رؤوسهن مثقوبة مشدودة بخيط ويلف عليها هذه الأثواب، ويوضع [٢٩٣ أ / ٣] المجمر تحتها حتى يعبق بها رائحته. وروى جابر أن النبي - ﷺ - قال: "إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثًا" ويكون البخور عودًا.
قال في "القديم": يبخر بالعود غير المطري دائمًا قال: هكذا لأنه ربما تطرى بالخمر، فإن كان مطرا وهو الذي عليه أخلاط العنبر والمسك فلا بأس، لأن النبي - ﷺ - "كان يتطيب بالمسك"، وقال: "المسك خير الطيب"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - سئل عن المسك فقال: "هو من أطيب طيبكم"، وبه قال أحمد وإسحاق، وقيل: إنما منع من المطري لأن المطري يكون من المسك والعنبر ولا يستحب ذلك، لأنه حار يحمى لحم الميت فيسرع إليه الفساد، ولأن ابن عمر ﵁ كره المسك أن يستعمل في الميت، فاستحب الشافعي الخروج من الخلاف.
مسألة: قال: ثم يبسط أحسنها.
الفصل
وهذا كما قال. السنة أن يبسط على الأرض أوسعها وأحسنها، ويذر عليه الحنوط ثم يبسط الذي عليه ويذر عليه الحنوط، ثم يحمل الميت مستويًا مسجى بثوب، فيوضع فوق الأثواب مستلقيًا ويكون ما يفضل [٢٩٣ ب / ٣] من الأثواب من جانب الرجلين أقل مما يفصل منها من جانب رأسه، وهذا لأن عادة الحي أن يظهر أحسن الثياب، ويجعل الدون تحته وعادة الحي أن ما على رأسه يكون أكثر مما على رجليه وقيل: ظاهر ما نقله المزني يقتضي أن لا يذر الحنوط على الثالث؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما،
[ ٢ / ٥٤١ ]
وأصحابنا لا يختلقون أنه يذر عليه لأنه أولى بذلك فإنه يلي الميت وربما ظهرت من الميت نجاسة في حال تحريكه فهو غلط.
وقيل: قوى، ويذر فيما بينها وقرى فيما بينها فعلى القراءة الأولى الآن على ما ذكرنا وعلى القراءة الثانية أراد إذا قل الحنوط يذر فيما بينهما يعني الميت والريطة التي تليه.
مسألة: قال: ثم يأخذ شيئًا من قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط.
الفصل
وهذا كما قال: إذا تركه على الكفن مستلقيًا مستورًا، فأول ما يصنع به أن يأخذ شيئًا من القطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور، ثم يدخله بين إليتيه إدخالًا بليغًا ويكره أن يكثر من ذلك القطن ليرد شيئًا إن جاء منه عند تحريكه ويشد عليه، أي: فوق ذلك خرقة مشقوقة [٢٩٤ أ / ٣] الطرفين تأخذ إليتيه وعانته، ثم يشد عليه، ثم يشد التبان الواسع والتبان مثل السراويل له حزة وليس له بايكه، أو يقول: ليس له كمان، وقيل: يشد عليه بالخيط ولا يحتاج إلى شق طرفيها.
قال المزني: لا أحب ما قال من إبلاغ الحشو لأن في ذلك قبحًا يتناول به حرمته، ولكن يجعل كالنورة من القطن ما بين إليتيه وشفره قطن تحتها تضم إلى إليتيه، ويكون الشداد فوق ذلك كالتبان يشد عليه فهذا أحسن في كرامته عن انتهاك حرمته، قال أصحابنا: لم يرد الشافعي بهذا إلا بلاغ ما توهمه المزني من مجازة المثوبة ولكن أراد المبالغة في إلصاقه بذلك الموضع كما فسره واختاره فغلط في هذا الوهم ولا نعرف هذا الذي ذكره الشافعي، وما زاد على مراد الشافعي إلا سفرة قطن ونحن لا ننكر هذه الزيادة لو فعل، والدليل على أن مراده هذا لا يتوهم أنه قال: ليرد شيئًا إن خرج منه فلو كان إبلاغًا في الحشو لقال: ليمنع أن يخرج منه شيء، وقد بين في "الأم" فقال: إدخالا بليغًا يبلغ به [٢٩٤ ب / ٣] الحلقة.
وقال فيه أيضا: فإن خيف أن يخرج منه شيء لعلة كانت به أو حدث حادث منه أو كان مبطونًا أدخلوا بينه وبين كفنه لبدًا ثم شدوه عليه، أو ثوبًا صفيقا أقرب الثياب باللبد شبها وشدوه عليه خياطة، فإن تركوا ذلك تركوا الاحتياط، وأرجو أن تجزيهم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ليس كما قال أصحابنا، لأنه نص وصرح بإبلاغ الحشو وهذا وإن كان عند المزني مستقبحًا فإن المصلحة بأجمعها فيه؛ لأن القطنة بين الإليتين إذا لم يكن في إدخالها إبلاغ لم تكن دافعة للخارج، فربما يخرج خارج فيجب استئناف غسله وربما يتسارع التغيير إلى جثته، وحكي عن المزني أنه قال: يشق طرفيها وتشد في وسطه، وهذا لا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في المستحاضة؛ لأنها تمشي وتتصرف في حوائجها فتحتاج إلى ذلك لئلا يبخل بخلاف الميت.
مسألة: قال: ثم يأخذ قطنًا فيضع عليه الحنوط والكافور فيضعه على فيه ومنخريه وعينيه وأذنيه.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وأراد به لينشف الرطوبة الخارجة من هذه المنافذ، ولأتته الهوام بسرعة، ثم قال: وموضع سجوده [٢٩٥ أ / ٣]، يعني: يؤخذ القطن ويجعل عليه الكافور والحنوط ويترك على مساجده من الجبهة والأنف والكفين والركبتين والقدمين؛ لأن هذه مواضع شريفة شرفت بالجود وهكذا ذكره أصحابنا.
وقال القفال: لم يرد أنه يضع القطن على أعضاء السجود كما يضع على المنافذ، بل أراد الحنوط والكافور فقط، وهذا هو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
قال الشافعي: وإن ذر على جميع بدنه الحنوط كان أولى، لأن الحنوط تصلب بدنه وتشده، وإن كانت به جراحة نافذة وضع عليها الحنوط والكافور عليه، فقال: ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، لأن هذا عادة العي وعلى مساجده وأراد مواضع سجوده على ما ذكرنا.
وقال في البويطي: ولا بأس أن يحنط بالمسك والعنبر، وهذا يدل على أن الكافور أولى ويجوز غيره، ولا يستحب، وبه قال علي ﵁ والفقهاء أجمع، وقال مجاهد وعطاء: يكره المسك في الحنوط، وهذا غلط لما روي عن علي ﵁ أنه قال: اجعلوا في حنوطي المسك فإنه بقية حنوط رسول الله - ﷺ -، وروي [٢٩٥ ب / ٣] أنه لما مات سعيد بن زيد قالت أمه لعبد الله بن عمر: أحنطه بالمسك؟، فقال: وأي طيب أطيب من المسك. وقد قال بعض أصحابنا: يستحب المسك لهذا الخبر، ثم بين كيف يلف في أكفانه فقال: ويوضع الميت في الكفن بالموضع الذي يبقى من عنه رجليه منه أقل مما يبقى من عند رأسه فما عند رأسه يستحب أن يجمع جمع العمامة ويجعل على وجهه، ثم في القبر يجعل تحت رأسه وما عند رجليه يعطف على قدميه إلى حيث بلغ، وإنما استحب أن يبقى من الكفن من عند رأسه أكثر مما عند رجليه، لأن الحي يكثر الثياب على رأسه من العمامة والبرنس وغير ذلك، ثم بين بأي جانب من الكفن يبدأ عند اللف عليه، فقال: ثم يثني عليه صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن ثم يثني صنفة الثوب الآخر على شقه الأيسر كما يشمل الحي بالساج، وأراد شيئًا أق ل ما يلي شقه الأيسر على شقه الأيمن، ثم ما يلي شقه الأيمن على شقه الأيسر، فيبدأ من الجانب الأيسر وهو المنصوص في "الأم"، ثم أوضح ذلك بقوله كما يشمل الحي بالساج والحي يشمل بالساج على ما فسرناه ويكون على جانبه الأيسر [٢٩٦ أ / ٣] هو الظاهر، والساج: هو الطيلسان.
وقال في "الأم": يبدأ من الجانب الأيمن فيثني على الأيسر ثم من الأيسر على الأيمن فيكون ما على جانبه الأيمن هو الظاهر وهو اشتمال الحي الساج، ومن أصحابنا من قال في المسألة قولان، ومنهم من قال قول واحد إنه يبدأ من الجانب
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الأيسر: لأن الجانب الأيسر من الطيلسان تحت الذي بدأه من الجانب الأيمن، ومنهم من قال: يبدأ من الجانب الأيمن، وفي رواية المزني إضمار وهو أنه أراد: ثم يئني صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر أي الجانب الذي هو شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر والجانب الذي على الشق الأيسر على الشق الأيمن. فحينئذ هو عين ما قاله في "الأم"، ثم يضع بكل لفافة مثل ذلك، ثم يجعل ما فضل عند رأسه ورجليه على ما ذكرنا، فمان خافوا انتشار الأكفان عقدوها عليه، ثم إذا أدخلوه القبر حلوها يعني العقد لئلا يكون معه في القبر شيء معقود فإنه يكره ذلك ولهذا يستحب أن لا يكون معه مخيط: ولأن العقد إنما كانت لخوف الانتشار والستر للميت وقد أمن ذلك عند [٢٩٦ ب / ٣] إدخاله القبر.
فرع
قال في "الأم": لو مات ميت في السفينة في البحر منع به ما ذكرنا، فإن قدروا على دفنه في الساحل لقربهم منه دفنوه، وإلا أحببت أن يجعلوه بين لوحين ويربطوهما به فيحملاه إلى أن يلقيه البحر بالساحل فلعل المسلمين يجدونه فيواروه، وهو أحب إلي من طرحه في البحر للحيتان يأكلوه، فإن لم يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم، وقال أيضًا: لم يأثموا إن شاء الله، وإنما قال ذلك لأنه إذا شده بين لوحين منعه ذلك من الانتفاخ وألقاه البحر بالساحل، قال المزني: إنما قال الشافعي هذا إذا كان الذين على سواحل البحر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار لئلا يأخذه المشركون فيدفنوه إلى غير قبلة المسلمين. وقال بعض أصحابنا: لا بأس بما قاله المزني، وقال القاضي الطبري: هذا لا أعرفه للمزني وطلبته في "الجامع الكبير" فوجدت المسألة على ما ذكره الشافعي دون هذه الزيادة ولعله ذكرها في موضع أخر، ومن أصحابنا من قال: هذا هو قول عطاء وأحمد أنه يثقل ويطرح في البحر بكل حال إذا لم يمكنهم دفنه، وينتهي [١٩٧ أ / ٣] الموتى في هذا، لأن ما من بحر إلا وفي ساحل من سواحله مسلمون، وما قالوه غلط لما ذكرنا أنه ربما يلقيه البحر فيدفنوه إلى القلة.
فرع
قال الشافعي: ولا أرى أن يصبوا الذواق في أذنه وأنفه ومنخريه. وأراد به الزئبق، ولا أن يضعوا المرتك على مفاصله وذلك شيء يفعله الأعاجم ويريدون به إبقاء الميت، ولا أحب شيئًا من هذا، بل يمنع به ما يصنع بأهل الإسلام وهو الغسل والكفن والحنوط والدفن، فإنه صائر إلى الله تعالى والكرامة له برحمة الله وعمله الصالح.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
فرع
قال: ولا أحب أن يجعل الميت في صندوق من خشب وهو التابوت عندنا. وبلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئًا كأنه الصندوق، فقال: لا بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله - ﷺ - انصبوا علي اللبن نصبًا وأهيلوا علي التراب.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأكره أن يتبع الجنازة بنار بين يديه المجامر للبخور بين يديها إلى القبر على ما هو العادة اليوم ولا يصاح خلفها لقوله - ﷺ - "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار"، ولان فيه قال: [١٩٧ ب / ٣] السوء فيكره. وروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن معقل ومعقل بن يسار وعائشة وأبو سعيا الخدري ﵁ أنهم أوصوا أن لا يفعل ذلك.
مسألة: قال: وأضجعوه على جنبه الأيمن.
وهذا كما قال. ذكر المزني الإضجاع قبل أن يبين كيفية حفر القبر وكيفية الصلاة عليه.
وأما الصلاة عليه: فلها باب منفرد.
وأما حفر القبر: فإنا نتكلم عليه نعود إلى مسألة الكتاب وجملة ذلك أنه يستحب تعميق القبور.
قال الشافعي: قدر بطة، والبطة: الباع وهي قامة وقدر ذلك أربعة أذرع ونصف وذلك قامة وبسطة، والدليل عليه: ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "احفروا وأوسعوا وعمقوا". وقال عمر ﵁ "عمقوا قبري قامة وبسطة"، ولأنه إذا كان كذلك كان أقدر أن لا تناله السباع، وهو أبعد على من ينبشه، وأقطع لرائحته، وأي قدر أعمق ووارى جاز، ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه، لما روي أن النبي - ﷺ - قال للحافر: "أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه"، ثم قال في "الأم": فإن [٢٩٨ أ / ٣] كانت الأرض صلبة شديدة فالسنة اللحد وصورته: أنه إذا انتهى إلى أرض القبر حفر مما يلي قبلة القبر لحد وهو معروف وهو أن يكون الحفر على صفة يحصل الميت تحت قبلة القبر، قال: ثم نصب على اللحد اللبن نصبًا، ويتبع
[ ٢ / ٥٤٥ ]
مزج اللبن بكبار اللبن والطين، ثم أهيل التراب عليه، وإن كانت الأرض رخوة رقيقة، فالسنة الشق، وهو أن يبني من جانبي القبر بلبن أو مخر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض في صورة التابوت ويرفع في بنائه حتى إذا سقف فوق الميت لم يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه وروعي الخلل إن كان فيه، ويطين المكان بطين، قال: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر ويضعون عليه التراب، وفي بلدنا بطبرستان ويضعون على السقف الإذخر، ويضعون عليه التراب أو الطين، ثم يهيلون التراب وهكذا يستحب عند علمائنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: الشق أولى من اللحد. وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا". وروى "والشق ليس لنا"، وروي أن النبي - ﷺ - لما مات بعثوا إلى رجل يلحد والى رجل يشق، وقالوا: اللهم اختر لنبيك فسبق أبو طلحة اللحد فلحد له"، وقال عمر ﵁: "إذا جعلتموني في اللحد فاقصوا لحدي إلى الأرض"، وحكي عن مالك أنه قال: لا حد في لحد القبر فيحضر بقدر ما يغيب عن الناس. وقال عمر بن عبا العزيز: يحفر إلى السرة، وهذا غلط لما روينا عن عمر بن عبد العزيز ﵁. فإذا تقرر هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، وجملة ذلك أن الميت على جنبه الأيمن يريد إلى حيث يكون وجهه إلى القبلة، فيكون رأسه نحو المغرب إن كان بالمدينة أو بتلك البلاد، هكذا فعل بالنبي - ﷺ -، وروي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه" ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة أو حجر كما توسد الحي إذا نام، ثم قال: وأسندوه لئلا يستلقي على ظهره، وأدنوه إلى اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه، يريد أنه يوضع منحنيًا مقوسًا كالدالع لئلا ينكب ولا يستلقى ويجعل خلفه لبنة.
وقال بعض أصحابنا: ويفضي بخده إلى التراب كما وصى [٢٩٩ أ / ٣] عمر ﵁. وقال أبو موسى الأشعري: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا"، وقال أبو يعقوب: نص الشافعي أنه لا يكون بينه وبين الأرض إلا الكفن، ولعل ذلك القائل أواد فخذه مع الكفن. قال الشافعي: ويكره أن يجعل تحته مضربه وتحت رأسه بمخدة: لأن ذلك لم ينقل عن السلف، ولأن ذلك للتنعم ويربو به جسد الميت، ثم بين الشافعي كيف يسد بعد ذلك باب اللحد فقال: وينصب اللبن على اللحد، أي: يوضع اللبنات منصوبة على باب اللحد، ثم قال: ويسد فرج اللبن بإذخر أو حشيش أو بكسار اللبن لئلا يصيبه التواب، قال: ثم يهال عليه التراب. ثم بين سنة الإهالة فقال،
[ ٢ / ٥٤٦ ]
والإهالة: هي أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعًا، ثم يهال بالمساحي. وأراد أنه يستحب لمن على شفير القبر أن يبرك بالإهالة بيديه ثلاثا، هكذا جاء عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، حتى روينا عن أنس ﵁ أنه قال: ما نفضنا أيدينا من تراب قبو رسول الله - ﷺ - حتى استنكرنا قلوبنا. وإنما أمر بأن يطرح التراب أولا قليلا قليلًا برفق حتى لا يزال إلى الميت، ثم قال: ولا أحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه [٢٩٩ ب / ٣] وفي نسخة أن يرد ومعناهما متقارب وهو ما أشار إليه لئلا يرتفع جدًا فيضيق على الناس ولأنه يقال: إن الملائكة يأخذون تراب القبر فإذا زيد فيه غير ترابه يبقى تراب كثير يظن الظان أن الملائكة لم يأخذوا من ترابه فيسئ الظن به.
قال في "الأم": فإذا زادوا على ذلك فلا بأس، وأراد كراهة فيه وإن كان الأولى أن لا يزاد على ترابه، ثم بين كم يستحب أن يشخص عن وجه الأرض، فقال: ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر ليعرف أنه قبر إلا أن يكون في داو الحرب فيخفيه بحيث لا يظهر مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم بسوء، ويرش عليه الماء، لما روى جابر أن رسول لله - ﷺ - "رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه من حصباء العرصة"، فيستحب وضع الحصباء الصغار وإنما يفعل هذا لتلتزق الحصباء بالتراب، وتختلط رطوبته فيبقى أثر القبر عليه ويوضح عند رأسه علامة من صخرة منقوشة أو حشيشة حتى لا يشكل، لما روي أن عثمان بن مظعون ﵁ لما مات ودفن أمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع فقام [٣٠٠ أ / ٣] إليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه، ثم حملها ووضعها عند رأسه، ثم قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي".
وقال الشافعي في موضع: أكره أن يرفع إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه، وروي أن عليًا ﵁ قال لأبي الهياح الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي - ﷺ - أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وقيل: لم يرد به التسوية مع الأرض بل أراد أن يسطحه، وقال جابر: ألحد لرسول الله - ﷺ - ونصب عليه اللبن نصبًا ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وهذا نص فإن قيل: أليس، قال جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذي ألحد قبر رسول الله - ﷺ - هو أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران، وقال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - ﷺ - في القبر، وقال ابن عباس: جعل في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء، قلنا: لم يكن هذا بأمر رسول الله - ﷺ - ولا بمشورة الصحابة ويحتمل تخصصه به.
فرع
قال في "الأم": وإن مات ميت [٣٠٠ ب / ٣] بمكة أو المدينة أحببت أن يدفن في
[ ٢ / ٥٤٧ ]
مقابرهما، وكذلك إذ مات بلد قد ذكر في مقبرته خيرًا أحببت أن يدفن فيها فإن كان ببلد لم يذكر فيها أحب أن يدفن في المقابر لحرمة المقابر والداعي لها وأنه مع الجماعة وأشبه أن لا يتغوط ولا يبال على قبره ولا ينبش وحيث ما دفن الميت فحسن إذ شاء الله.
قال: واختار أن يكون الدفن في الجبان والصحراء لا في البيوت والمساكن؛ لأنه أقرب إلى رحمة الله تعالى لكثرة الداعي له إذا درس قبره. فإذ قيل: أليس رسول الله - ﷺ - قد دفن في حجرة عائشة؟ فكيف استحب الشافعي الدفن في المقابر. وقلنا: إن النبي - ﷺ - كان يدفن أصحابه في المقابر، وفعله أولى من فعل غيره، وأنهم رأوا ذلك تخصيصًا لرسول الله - ﷺ - صيانة له عن رحمة الناس والابتذال وفي غير لا يوجد هذا المعنى. قلت: وقالت عائشة لما قبض رسول الله - ﷺ -: اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر الصديق: سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته بعد قال: "ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يدفن فيه" ادفنوه [٣٠١ أ / ٣] في موضع فراشه. رواه أبو عيسى الترمذي. ورأيت خبرًا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إن الميت ليتأذى بجار السوء".
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي في القراءة عد القبر: رأيت من أوصى بذلك وهو عندنا حسن والرحمة تنزل عند ختمة القرآن. قال أصحابنا: ويختار لمن حضر دفنه أن يقرأ سورة "يس" ويدعو له ويترحم عليه، لما روي أن النبي - ﷺ - مر بقوم يدفنون ميتًا فقال: "ترحموا عليه فالآن حين يسأل".
فَرْعٌ آخرُ
يستحب أن يجمع بين قبور ذوي القرابات، والأصل في بقعة واحدة ليكون أسهل للزيارة والتعهد، ويكون الأب إلى القبلة أقرب، ثم الأسن فالأسن أبدًا وكيف ما دفنوا جاز في خبر عثمان بن مظعون أن النبي - ﷺ - قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" وقيل: إن ترتيب قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه ﵁ أن رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله - ﷺ - ورأس عمر بين كتفي أبي بكر ليكون كل واحد منهما دون مرتبة صاحبه، قلت: وروى جابر أن النبي - ﷺ -[٣٠١ ب / ٣]، "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا أحب إذا مات في بلد أن ينقل إلى غيره، اللهم إلا أن يكون بالقرب من مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن بها، قال النبي - ﷺ -: "من قبر بالمدينة كنت عليه شاهدًا وله شافعًا، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، ونقل الميت إلى بلد آخر حرام ولو أوصى به لا تصح الوصية.
فَرْعٌ آخرُ
لو استعار موقعًا للدفن جاز، وللمعير أن يرجع في ذلك ما لم يدفن الميت، فإذا دفن لزمت العارية للعارة في ذلك، كما لو أعار للغراس فإنه لا يقلع، فإذا هلك الميت وصار رفاتً تصرف المعير في البقعة كيف شاء، فالزرع والحفر والبناء نص عليه ذكره القاضي الطبري وغيره، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا مضى علي حول فازرعوا الموضع.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ويفرد كل ميت بقبر هذا من السنة في حال الاختيار، فإن اتفقت حاجة أو ضرورة مثل إن كثرت الموتى. وقل [٣٠٢ أ / ٣] من يدفنهم جاز أن يدفن الواحد والثلاثة في قبر واحد، ولكنه يحفر القبر على قدر عددهم لما روي أن النبي - ﷺ - قال يوم أحد لأصحابه: "احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنًا"، فإذا دفنوهم جعلوا أفضلهم يلي القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه أبدًا، ويجعل بين كل رجلين حاجز من تراب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب أن لا يدفن الرجل مع المرأة بحال، فإن دعت الحاجة واجتمع رجال ونساء وصبيان وخناثى كانوا في القبر على ترتيبهم في الصلاة، فالرجال يكون القبلة ثم الصبيان يلونهم، ثم الخناثى، ثم النساء آخرهم ويجعل بينهم حاجز من تراب ثم تقدم الأم، على البنت، والأب على الابن، ولا تقدم الأم على الابن.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت له امرأتان أقرع بينهما أيتهما تقدم ذكره في "الجامع الكبير"، وقال صاحب "التقريب": فإن كانت امرأتان لا زوج لهما تقدم أفضلهما ولا يقرع بينهما.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت الأرض من خلقه الأصل مباحة لم يدفن فيها بعد فإنه يدفن فيها كيف شاء، ولو كانت مقبرة مسبلة للدفن فيها، وإن تشاح [٣٠٢ ب / ٣] اثنان في الدفن في موضع منها كان السابق أولى لقوله - ﷺ -: "مناخ من سبق"، وإن بادر إلى المكان اثنان معًا فتشاحا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته دفن قبل الأخر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إن كان المكان مما قد تكرر فيه الدفن لم يحفر إلا في مكان يعلم في العادة أن الميت قد هلك وصار رميمًا، وهذا يختلف باختلاف البلد إن قرب بلد يهلك فيه الميت سريعًا، ورب بلد يبقى فيه الميت كثيرًا لحرارة البلد وبرده، وإذا هلك الميت لا يجوز أن يبني على قبره صورة القبر الجديد، بل يتركه حتى يدفن فيه غيره.
فَرْعٌ آخرُ
إذا حفر الموضع فإذا كان الميت قد هلك وصار رفاتًا دفن في مكان غيره وإن كان قد بقي منه أو من عظامه شيء، قال في "القديم" و"الجديد": أعيدت في القبر قال أصحابنا: ويرد التراب عليها كما كانت، ولا يدفن الميت معه بل يحفر له غير ذلك القبر لا حاجة بنا إلى ذلك، ويخالف هذا دفن اثنين في قبر واحد على ما ذكرنا؛ لأنه لحاجة وإن دعت الحاجة هنا أيضًا يدفن مع العظام في ذلك المكان، وهذا [٣٠٣ أ / ٣] لقوله - ﷺ -: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".
فَرْعٌ آخرُ
لو فرغ من القبر، ثم ظهر فيه شيء من العظام لم يضيق أن يجعل في جانب اللحد ويدفن الثاني فيه.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفن في ملك غيره بغير أمره فهو غصب، قال الشافعي: وأكره أن ينقله لأنه يهتك حرمته، فإن نقله جاز. ولو غصب كفنًا وكفن به ميتًا ودفن. قال أبو حامد: لم يخرج وعلى الغاصب قيمته.
والفرق أن حرمة الأرض أوكد، لأن الانتفاع بها مؤيد بخلاف الثوب، ولأن الكفن ربما يتعين على صاحبه تكفين الميت به، وفي انتزاعه هنا هتك حرمته بخلاف الأرض المملوكة لأنها لا تتعين قط لوجود المباح، ولا يكون في نقله هتك حرمته، ولأن الحاجة من التكفين تبيح غصب الثوب ولا تبيح غصب الأرض.
وقال صاحب "الحاوي": ويحتمل غير هذا القول ويمكن قلب الفروق بما هو
[ ٢ / ٥٥٠ ]
أولى منه أنا وأنت. عن بعض أصحابنا أنه قال: إن لم يستهلك ينبش ويذع ويرد إلى صاحبه وهذا أقيس.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اتفقت الورثة أن يدفنوا الميت في بعض ملك الميت جاز ذلك وإن تشاحوا فقال بعضهم [٣٠٣ ب/٣] يدفن في المقبرة، وقال بعضهم: يدفن في ملكه فإنه يدفن في المقبرة يعني المسلة، فإنذ بادر واحد منهم فدفنه في الملك المشترك فقد تعدى وأثم، وكرهنا للباقين نقله عن الملك ويقر في مكانه حتى إذا هلك عاد الملك إلى تصرفهم على الإطلاق، وليس هذا كالغراس في ملك الغير، حيث قلنا له: إن يأمر الغاصب بنقله ولا يكره ذلك له لأنه لا حرمة للغراس ولا لمالكه وهاهنا للميت حرمة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اختلفوا في الكفن، فقال بعضهم: أكفنه من مال نفسي، وقال: لا بل من تركة الميت كفن من التركة؛ لأن في ذلك منة فلا يجبر سائر الورثة على تحملها، وتخالف المقبرة المسلة، لأنه لا منة فيها فتقدم قول من قال: يدفنه في المقبرة، وعلى هذا ينبغي أن يقال: إذا قال أحدهم: أنا أدفنه في شيء لا يلزمهم قبوله للمنة، فإن بادر دفنه في ملك نفسه أو كفنه من ماله، ثم دفنه لم يذكره الشافعي ولا أصحابه المتقدمون.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا ينقل ولا يبدل، كفنه لأنه ليس في تنقيته إسقاط حق أحدهم وفي نقله هتك حرمته.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفنوه في ملكه [٣٠٤ أ/٣] بالاتفاق لا يجوز تحويله ولا التصرف فيه حتى يهلك الميت، سواء كان الملك ورثوه عن هذا الميت أو عن غيره، فإن أراد كلهم أو بعضهم نقله لم يجز ذلك، ولا يحل نقل الميت عن مكانه إذا كان الدفن يحق أبدًا.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأكره الوطأ على القبر والجلوس عليه والاتكاء إليه فإذ لم يمكنه أن يصل إلى قبر له إلا بالوطء على القبر رجوت أن لا يأثم. قال أصحابنا لزيارة أو لغيرها وروى الشافعي بإسناده أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا على قبر فقال: "انزل عن القبور"، وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي - ﷺ -: "نهى أن يجلس على القبور وأن يصلى إليها"، وروي عن عمارة بن حزم الأنصاري أنه قال: "رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا جالسًا على قبر، فقال: انزل لا تؤذي صاحب القبر"، وروي أيضًا بإسناد عن أبي هريرة أنه قال: "لأن أجلس على جمرة ليحرق ردائي، ثم تفضي إلى جلدي أحب إلي
[ ٢ / ٥٥١ ]
من أن أجلس على قبر امرئ مسلم"، وروى أصحابنا عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "لأن يجلس على جمرة فتحترق ثيابه حتى تخلص [٣٠٤ ب/٣] إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر"، وقال مالك: إن جلس على القبر للبول أو الغائط يكره وإلا فلا يكره، وهذا غلط لما ذكرنا، ويكره عن أحمد أنه يكره دخول المقابر بالنعال ولا يكره بالخفاف والشمشكات.
فَرْعٌ آخرُ
قال: يكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة على البايت.
فَرْعٌ آخرُ
قال: يكره أن يسوى القبر مسجدًا فيصلى فوقه أو يبنى عنده مسجدًا، فيصلى فيه إلى القبر، فإن فعل أجزأه وقد أساء، وهذا لأن القبر هو مستودع الموتى وغير هذا الموضع أنظف، وقد قال النبي - ﷺ -: "لا تصلي على قبر ولا إلى قبر"، وقال النبي - ﷺ -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد"، وقال أيضًا: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال الشافعي: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.
مسألة: قال: وإذا فرغ من القبر فقد أكمل وينصرف من شاء.
وهذا كما قال. جملة هذا أن الانصراف هو على أربع مراتب: أفضلها أن يقف حتى يفرغ من الدفن والقبر [٣٠٥ أ/٣] ويستغفر الله تعالى ويدعو له بالرحمة والتثبيت، ويجوز بهذا جميع الثواب المتعلق بها، وقد روي أن النبي - ﷺ -: "كان إذا دفن ميتًا وقف، وقال: استغفروا الله له وسلوا الله له التثبيت فإنه يسأل الآن". رواه عثمان بن عفان ﵁.
قال بعض أصحابنا: يستحب تلقين الميت بعد مواراته بالتراب، لأن الخبر ورد بسؤال منكر ونكير. وروي أنه لما دفن إبراهيم ابن النبي - ﷺ -، قال له النبي - ﷺ -:
[ ٢ / ٥٥٢ ]
"قل الله ربي ورسوله أبي، والإسلام ديني"، فقيل له: يا رسول الله أنت تلقنه، فمن يلقننا؟ فأنزل الله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] الآية.
والمستحب في التكفين أن يقول من يتولى التكفين أن يقول: يا فلان ابن أمة الله أو يا فلان ابن حوا اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا، وبالقرآن إمامًا وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، قال: وبلغني عن بعض من مضى أن امرأته تقعد عند قبره إذا دفن قدر [٣٠٥ ب/٣] ما ينحر جزور وهذا حسن، ولم أر الناس يصنعونه عندنا، وروى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط"، وكان ابن عمر إذا صلى على جنازة انصرف عنها ولم يقف على الدفن، ثم سمع أن أبا هريرة يروي زيادة في هذا الخبر، وهو قوله - ﷺ -: "ومن تبعها حتى يدفن له قيراطان. أصغرهما مثل أحد"، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة فكان لا ينصرف بعد ذلك عن الجنازة حتى يدفن.
قلت: وقد روى أبو هريرة في سؤال الميت في القبر أن النبي - ﷺ - قال: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟: فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه ثم يقال له: نم يقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حيث يبعثه الله من مضجعه [٣٠٦ أ/٣] ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
والثانية: أن ينصرف إذا فرغ من القبر من غير أن يقف للدعاء فأجره دون الأول، وقيل: يحصل حيازة أجر القيراطين بالانصراف إذا ووري لقول الشافعي: ومن أراد أن ينصرف إذا ووري فذلك له واسع، ومن أصحابنا من قال: لا يكمل أجر القيراطين إلا بالفراغ من القبر وهو الأشبه، ولكن ظاهر المذهب ما ذكرنا.
والثالثة: أن ينصرف إذا سوي عليه اللبن قبل أن يهال عليه التراب فأجبره دون ما تقدم.
والرابعة: أن ينصرف إذا صلي عليه فأجره دونما تقدم وقيل: من تبعها حتى صلي عليها كان له قسط من الأجر، ومن أقام حتى يوارى كان له قسطان من الأجر، ومن
[ ٢ / ٥٥٣ ]
أقام حتى سوي القبر وجعل عند رأسه صخرة فقد أكمل الأجر زيادة على الأول والثاني، ومن أراد الانصراف لا يحتاج إلى أدنى من ولي الميت.
وقال بعض السلف: لا يجوز الانصراف حتى يأذن ولي الميت [٣٠٦ ب/٣] وهذا محال فإن قيل: قد تقرر من المذهب أن المنصرف لو انصرف عقيب الفراغ من الصلاة فذلك واسع له، فما معنى قوله: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، قلنا: مراد الشافعي أن من أراد تحصيل القيراطين فواسع له أن ينصرف عقيب مواراته، فإن انصرف قبل ذلك ومراده القيراطين فغير جائز له، فإن قيل: فما فائدة تكرار الشافعي مسألة واحدة في سطرين وذلك أنه قال: فإذا فرغ من القبر بعد أن أكمل ومعناه إكمال القيراطين، ثم قال في السطر الثاني: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، ومعناه أن القيراطين حصلا والمسألتان واحدة، قلنا: مراده بالثانية أن الميت إذا ووري بلبنات اللحد، ثم القيراطان، ولا يتوقف تمامها على تمام تسوية القبر فمن انصرف بعد وضع اللبنات انصرف بقيراطين ومن صير إلى تسوية القبر انصرف بقيراطين.
مسألة: قال: وبلغنا عن رسول الله - ﷺ - أنه سطح قبر ابنه إبراهيم.
الفصل
وهذا كما قال. السنة تسطيح القبور لا التسنيم، وهو أن يكون دكة لا سنام عليها، لا مغيرًا ولا كبيرًا، وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" [٣٠٧ أ/٣] السنة التسطيح والأولى في زماننا أن يسنم، لأن التسطيح هو من شعار الروافض. وأهل البدع وقال ابن أبي هريرة: أحب أيضًا ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لأنه صار من شعارهم.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد والثوري: السنة التسنيم، وهذا غلط؛ لأن السنة قد صحت فيه فلا يضرموا فقه أهل البدعة فيه. وذكر الشافعي الأخبار في هذا وفي جملتها خبر القاسم بن محمد وتمامه ما روي عن القاسم بن محمد أنه قال: قلت لعائشة ﵂: يا عمتاه أتستطيعين أن تكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه فقالت: نعم فكشفت لي عن ثلاثة قبور مسطحة لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء"، وروى الشافعي أن النبي - ﷺ -: سطح قبر ابنه إبراهيم، وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة كلها مسطحة. قالوا قال إبراهيم النخعي: "أخبرني من رأى قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه مسطحة" قلنا خبرنا أولى لأنه شاهد ذلك.
مسألة: قال: ولا تبنى القبور ولا تجصص.
وهذا كما قال: أما التجصيص [٣٠٧ ب/٣] فمكروه سواء كان القبر في ملكه أو في
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أرض مسلة: لأنه للزينة والخيلاء وليس الميت بموضع واحد منهما، وكذلك اللبنة عليه. وروى جابر أن النبي - ﷺ -: "نهى أن يقعد على القبر وأن تقصص وأن يبنى عليه"، وفي لفظ: "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن تبنى وأن توطأ"، والتقصص هو التجصيص والقصة شيء شبيه بالجص.
وأما في القعود عليه: قيل: أراد القعود عليه للحدث وقيل: إنه كره أن يطأ القبر بشيء من بدنه فمد روي أن النبي - ﷺ -: رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال له: "لا تؤذ صاحب القبر".
وأما البناء عليها، فإن كان في أرض مسلة لم يجز ذلك وقال في "الأم": رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني عليها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك؛ ولأن فيه تضييقًا على سائر الناس وتحجرًا عليهم، وإن كان في الملك فلا يكره ذلك ولهم أن يبنوا فوقه ما شاؤوا، وقيل: معنى قول الشافعي لا يبنى أي لا يرفع عن وجه الأرض أكثر ما ذكرنا من قدر شبر ولا تضرب عليها خيمة ولا قبة، لما روي أن النبي [٣٠٨ أ/٣]- ﷺ -: رأى خيمة فربت على قبر ظلل بها فهتكها وقال: "دعوه ليظله عمله".
مسألة: قال: والمرأة في غسلها كالرجل.
الفصل
وهذا كما قال: غسل المرأة والرجل يتساويان هاهنا كما في حال الحياة وينعقد في شعرها أكثر مما ينعقد في شعر الرجل كما قلنا في حال الحياة، ويسن تطهير شعر رأسها ثلاثة قرون ويلقى خلفها وهو شعر ناصيتها وقرنيها، وبه قال أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجعل ثلاثة أقسام ثم يفتل ضفيرة واحدة، وأصحابنا بالعراق قالوا: يجعل شعرها ثلاث ذوائب وهو ظاهر خبر أم عطية قالت في ابنة رسول الله - ﷺ -: ضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها، ولأن عادة المرأة أن تفعل هكذا في حال حياتها.
وقال أبو حنيفة: لا تضفر ويترك شعرها محلولًا على كتفها أمامها، واحتج بأنه إذا ضفره فلا بد من تسريحه وإذا سرح انتتف وتقطع وذلك مكروه وهذا لا يصح: لأنه يمكن ضفره من غير تسريح أو بتسريح خفيف لا ينتتف به الشعر. وحكي عن أبي حنيفة أنه [٣٠٨ ب/٣] يجعل ضفيرتين ويلقيان على صدرها.
مسألة: قال: وتكفن المرأة في خمسة أثواب: خمار، وإزار، وثلاثة أثواب.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
الفصل
وهذا كما قال. لا شك أن كفنها خمسة أثواب ويزاد لها على الرجال ثوبان استحبابا قال الشافعي: وأحب أن يكون أحدها درعًا، وقال المزني: قد قال به الشافعي ثم خط عليه قال أصحابنا: فيه قولان، ولعله خطأ لا لأنه لم يقل به، ولكن لأنه لم يثبت عنده السنة أحدهما: يكفن به وهو الصحيح؛ لأن النبي - ﷺ -: "كفن ابنته أم كلثوم بالدرع" في جملة أكفانها، قالت أم عطية: أول ما أعطانا رسول الله - ﷺ -: "الحقو ثم الدرع، ثم الخمار، نم الملحفة، ثم الثوب الآخر، وكان يناولها واحدًا واحدًا؛ ولأن المرأة في حال حياتها تخالف الرجل في اللباس فكذلك بعد الموت.
والثاني: لا يكفن به كما في الرجل، وهذا لأن القميص يحتاج إليه الحي لتصرفاته وحركاته ولا حاجة بالميت إلى ذلك، وقال في "الأم": ويشد على صدرها ثوب يضم ثيابها واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ليس هذا الثوب من جملة [٣٠٩ أ/٣] الأكفان، وإنما أمر به ليشد أكفانها عليها فلا يتحرك في أكفانها، فإذا أضجعت في القبر حلت، وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال ابن سريج: هو من جملة الأثواب الخمسة، لأن الشافعي أمر به ولم يأمر بحله، وظاهر كلام الشافعي الأول لأنه قال: يجمع عليها ثيابها. وهذا يدل على أنه يكون فوق جميع الكفن، فإذا قلنا: بقول أبي إسحاق، وقلنا: يستحب الدرع فالترتيب فيه أن تؤزر وتدرع وتخمر، ثم يشد على صدرها وثدييها ثوب ثم تروح في الخامس. وإن قلنا: الدرع لا يستحب فإنها تؤزر وتخمر ويشد على صدرها خرقة ثم يروح في لفافتين وهذا ذكره ابن أبي أحمد.
مسألة: قال: ومؤنة الميت من رأس ماله.
الفصل
وهذا هو كما قال. مؤنة الميت مقدمة على الميراث والديون والوصايا، لأن ذلك مما استغرقته حاجته في نفسه فهو كالمفلس في حياته يترك له من ماله ما لا غناء به عنه، وقال خلاس بن عمرو: ويكون من الثلث بكل حال، وقال طاوس: إن كان موسرًا فمن رأس ماله وإن كان معسرًا [٣٠٩ ب/٣] فمن ثلثه، وهذا غلط لما روي في خبر الأعرابي الذي وقصت به ناقته "كفنوه في ثوبيه" ولم يسأل عن ثلثه، ولو أوصى رجل أن يكون كفنه ثلث ماله جازت.
مسألة: قال: فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة أثواب.
الفصل
وهذا كما قال. إذا اختلقت الورثة في الكفن اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يكفن في ثلاثة أثواب لا ينقص منها، كالحي المفلس يترك عليه ثلاثة أثواب قميص
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وسراويل ومنديل، وهو ظاهر كلامه هاهنا، ومنهم من قال: يكفن في ثوب واحد؛ لأن ذلك يعمه ويستره وهو الأقل، وتأويل ما ذكر هاهنا أنهم اشتجروا في الأجمل وعلى كل حال يعتبر الجنس والغلظ والرقة بحال الميت.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم يكن عليه دين لا ينقص عن ثلاثة أثواب، وإن كان عليه دين فاختلف الغرماء والورثة فقال الغرماء: نكفنه في ثوب واحد وقال الورثة: بل في ثلاثة أثواب، فيه وجهان:
أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه ليس لمحل التجمل والمباهاة مع الدين، وأما إذا اشتجروا [٣١٠ أ/٣] في الحنوط، قال أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: ما قال في "الأم" و"القديم" وكفن الميت وحنوطه ومؤنته من رأس المال وليس لورثته ولا لغرمائه منع ذلك. فظاهره أنه واجب، لأن العادة جارية به كالكفن ويرجع في صفته إلى العرف والعادة لمثله، ولا يجب الكافور على هذا القول لأنه لا حاجة به إليه.
والثاني: لا يجب الحنوط، وإنما هو استحباب؛ لأنه يجري مجرى الطيب ولا يترك للمفلس الطيب كذلك هاهنا، فعلى هذا عند الاشتجار يترك، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا.
فرع
كل من كانت مؤنته ونقضه في ماله في حياته كانت مؤنته في تركته بعد وفاته من المناسبين والمملوكين قولًا واحدًا، وأما الزوجة قال أبو إسحاق: مؤنتها على زوجها موسرة كانت أو معسرة، وبه قال مالك، كما قلنا: في السيد مع عبده والأب مع ابنه، لأن كفايتها عليه في حياته وهو القياس. وقال ابن أبي هريرة: يكون في تركتها فإن لم يكن لها تركة فهي كالتي لا زوج لها يكون كفنها على من تجب عليه نفقتها، وهم الوالدون والمولودون [٣١٠ ب/٣] فإن لم يكن لها قريب فمن بيت المال، وهذا لأن النكاح قد زال بالموت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وهذا أصح عندي.
قال في "الحاوي": وهذا ظاهر مذهب الشافعي، لأن النفقة في حياتها تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولهذا سقط بالنشوز والبينونة ويخالف المملوك، لأنه نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، بدليل أنه يجب نفقة الآبق، والموت لا يبطل أحكام الملك، لأن السيد هو أحق بدفنه وتوليه.
فرع
لو سرق كفنه من القبر يستحب للورثة أن يكفنوه ثانيًا، ولا يجب لأنه يؤدي إلى ما لا
[ ٢ / ٥٥٧ ]
يتناهى ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا؛ قياس مذهبنا أنه يكفن ثانيًا كابتدائه، لأن الميت عورة فلا به من ستره. وقال الكرخي: إن تفسخ دفن من غير كفن وإلا كفن.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له، فإنه يكفن من بيت المال وفي العدد وجهان: أحدهما: ثلاثة، والثاني: ثوب واحد وهو اختيار القفال لأن مصعب بن عمير "كفن في ثوب واحد" قال: وكذلك لو مات عن ثوب واحد ليس على المسلمين أن يتمموه ثلاثة، ولكن لا بد [٣١١ أ/٣] من ثوب سابع ولا يكتفي بقدر ستر العورة، لأن فيه إزراء بحق الميت.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له وهناك من معه فضل ثوب لزمه بذله بالقيمة، فهو كالمضطر إلى طعام الغير سواء.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات جماعة من أقاربه دفعة واحدة بهدم أو غرق أو نحو ذلك فإنه يقدم من خيف فساده فإن لم يخف بدأ بالكبير وهو الأب، ثم الأم، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان أخوين قدم أسنهما، وإن كانت له زوجتان وقلنا: المؤنة عليه أقرعنا بينهما ولم ينظر إلى شيء ولا إلى غيره لأنه لا مزية لأحدهما بحال.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي ﵀: إذا ماتت المرأة الناشزة، وقلنا: كفن الزوجة على الزوج يحتمل أن يقال: يلزم كفنها عليه؛ لأن النشوز قد زال بالموت فصار كزواله بالعود إلى الطاعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزم عليه لأن الطاعة لا توجد منها الآن كما لا يوجد النشوز فاعتبرت الحالة المتقدمة.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي ﵀: إذا طلق امرأته ثلاثًا وهي حامل فماتت فإنه يلزم كفنها على الزوج؛ لأن النفقة واجبة [٣١١ ب/٣] لها في حياتها فهي كالزوجة. وعندي يحتمل وجهًا آخر لا يلزم خاصته إذا قلنا: إن النفقة للحمل.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضًا: لو ماتت زوجته الصغيرة، فإن قلنا: نفقتها على الزوج فكفنها على الزوج، وإن قلنا: لا نفقة لها على الزوج لصغرها فهل يجب كفنها على الزوج؟ وجهان: والأصح أنه يجب وعندي الأصح أنه لا يجب.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فرع
لو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم وتحققنا موت الولد في بطنها قال المزني: القياس أن الحكم لها دون الحمل كما كان في حياتها فتدفع إلى أهل دينها ليتولوا غسلها ودفنها، ومن أصحابنا من قال: يدفن بين مقابر المسلمين ومقابر المشركين أو على طرف مقابر المسلمين؛ لأن للحمل أحكامًا في الشرع، وقيل: على هذا القول: يجعل ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين يكون إلى ظهرها فيحصل به وجه الصبي إلى القبلة وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين يدفنون في مثل هذا الموضع.
ومن أصحابنا من قال: يدفنون في مقابر المسلمين تعلينًا بحكم الإسلام وتجعل الأم كأنها [٣١٢ أ/٣] صندوق الولد وهو الأصح عندي. وروي أن نصرانية ماتت وفي جوفها ولد مسلم "فأمر عمر ﵁ بدفنها في مقابر المسلمين.
الذمي إذا مات ولا مال له ولا قرابة هل يكفن من بيت المال؟ وجهان: أحدهما لا يكفن، والثاني: يكفن كما يطعم إذا جاع.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لمس الرجل امرأة بعد غسلها أو غسل الميت فلمسته المرأة ففيه ثلاثة أوجه مخرجة مما لو خرج من الميت حدث بعد الغسل.
مسألة: قال: ويغسل السقط ويصلى عليه إن استهل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ألقت المرأة جنينها فاستهل صارخًا، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن كالتكبير، وبه قال عامة العلماء، وقال سعيد بن جبير: لا يصلى على الميت غير البالغ، لما روت عائشة أن إبراهيم ابن النبي - ﷺ - مات وكان ابن ثمانية عشر شهرًا فلم يصل عليه رسول الله - ﷺ - أورده أبو داود. ولأن هذا لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه لا ذنب له والصلاة شفاعة.
وقال بعض العلماء: كان قد صلى عليه وإلا فلا. وهذا غلط لما روى جابر وابن عباس رضي الله [٣١٢ ب/٣] عنهما أن النبي - ﷺ - قال: "إذا استهل السقط صلي عليه"، وروي "وروث" وروى المغيرة بن شعبة أن النبي - ﷺ - قال: "يصلى على المولود"، وروي "على السقط"، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ولأنه ثبت له أحكام الدنيا فأشبه البالغ.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وأما خبرهم قلنا: روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - ﷺ -: صلى عليه. وروى عطاء أن النبي - ﷺ - "صلى على ابنه إبراهيم" أورده أبو داود، وقال الخطابي: وهذا أولى وإن كان مرسلًا وقيل: إن الشمس كسفت يوم وفاته فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه وأمر من يصلي عليه. وقيل: إنه استغنى بنبوة رسول الله - ﷺ - عن قربة الصلاة كما يستغنى الشهيد بقربة الشهادة عن الصلاة عليه، وهذا ليس بشيء، وأما قولهم: إنه لا ذنب له يبطل بقول النبي - ﷺ - والمجنون. وروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ -: صلى على المنفوس، ثم قال: "اللهم أعذه من عذاب القبر"، وروى البراء بن عازب أن النبي - ﷺ - قال: "إن أحق ما صليتم عليه أطفالكم" وروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [٣١٣ أ/٣] "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم"، وروى ابن عباس: لما مات إبراهيم صلى عليه رسول الله - ﷺ - وقال: "إن له مرضعًا يرضعه في الجنة، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي"، وإن لم يستهل صارخًا ينظر، فإن بانت فيه الحياة مثل إن اختلج أو تحرك أو تنفس فهو بمنزلة الاستهلال يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلى عليه إلا أن يطول ذلك ويتيقن حياته، لأن النبي - ﷺ - يشترط الاستهلال، وهذا غلط، لأنه ظهرت فيه علامات الحياة فتجب الصلاة عليه كما لو استهل، وإن لم تبن فيه آثار الحياة فإن كان له دون أربعة أشهر لا يصلى عليه ولا يغسل، ويلف في خرقة ويدفن، وإن كانت له أربعة أشهر فأكثر، وقد تخلق وتصور ولكنه لا روح فيه بحال فلا بد من الكفن والدفن قولًا واحدًا.
وأما الغسل والصلاة قال البويطي: لا يغسل ولا يصلى عليه وقال في "الأم" و"القديم": يغسل ويكفن ولم يذكر الصلاة. وقيل: ذكر في "القديم": ويصلى عليه وقال أبو حامد: قرأت القديم كله فما رأيت هذا، وقال القاضي الطبري: قال في كتبه الجديدة: يغسل السقط ويصلى عليه إن استهل أو استكمل [٣١٣ ب/٣] أربعة أشهر، فإنه أول ما ينفخ الروح، فصح القولان، وهذا أشهر.
أحدهما: يصلى عليه [لحديث] المغيرة بن شعبة. ولأن النبي - ﷺ - قال: "إذا بقي الولد في بطن أمه أربعة أشهر نفخ فيه الروح" ولأنه ثبت له حكمة الحي بوجوب الغرة فيه.
والثاني: لا يصلى عليه لأن النبي - ﷺ - شرط الاستهلال وهذا لم يستهل، ولأنه لم يثبت له حكم الدنيا، لأنه لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه. فإذا قلنا: يصلى عليه
[ ٢ / ٥٦٠ ]
غسل، وإذا قلنا: لا يصلى عليه هل يغسل؟ قولان:
أحدهما: لا يغسل كالشهيد.
والثاني: يغسل نص عليه في "الأم"؛ لأن حكم الغسل أوسع، لأن الكافر يغسل ولا يصلى عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد يغسل وفيه قول مخرج وهذا غلط لما ذكرنا من النص في البويطي.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه، فإذا قلنا: بهذا تكفيه خرقة تواريه، لأنه لم يثبت له حكم الأحياء.
فَرْعٌ آخرُ
إذا بلغت البنت حذا شهر لا يغسلها إلا النساء، وقيل: ذلك يغسلها الرجال أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو تحرك ولم يستهل ولم تعلم حياته بالحركة
قال بعض أصحابنا [٣١٤ أ/٣] بخراسان: فيه قولان: أحدهما: الحركة هي علامة الحياة كالاستهلال فحكمه حكم الكبير. والثاني: لا يثبت بها حكم الحي لأن الحي قد يختلج بعد الموت ويضطرب فلا حكم له، وقيل: هذا يغسل قولًا واحدًا وهل يصلى عليه: قولان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس أن يدفن الميت ليلًا، ويستحب أن يدفن نهارًا وقال الحسن: يكره وهذا غلط لما روي أن مسكينة امرأة سوداء كانت تقم المسجد فتوفيت ودفنت ليلًا على عهد رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: "ألا آذنتموني بها" فقالوا: كرهنا أن نوقظك وحقروا شأنها. فقال: "دلوني على قبرها" فدلوه فصلى على قبرها. وقوله: تقم أي: تكنس وروى ابن عباس أن النبي - ﷺ -: "دخل قبرًا ليلًا فأسرج له بسراج فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، وقال: إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعًا"، وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ دفن ليلًا وقالت عائشة ﵂: توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء فما أصبحنا حتى دفناه. وروي أنه دفن يوم الثلاثاء.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يكره الذبح عند الميت بدليل ما روى أنس أن [٣١٤ ب/٣] النبي - ﷺ - قال:
[ ٢ / ٥٦١ ]
"لا عقر في الإسلام". وأراد أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك يعقرون الإبل عند قبر الميت الجواد، يقولون: تجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير فتكون مطعمًا بعد مماته كما كانت مطعمًا في حياته، ومنهم من قال: إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في يوم القيامة راكبًا، وكان هذا على مذهب من يرى البعث بعد الموت، وعندنا في الجبال يذبحون الشياه ويجمعون الناس ويتكلفون في ذلك مع لحوق المشقة بالورثة لفقرهم واحتياجهم، وهذا أيضًا مكروه.