مسألة: قال الشافعي: «يبدأ الجنب فيغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء»
الفصل
وهذا كما قال الكلام في غسل الجناية في شيئين، أحدها: في الأفضل. والثاني: في الواجب.
فأما الأفضل فالمستحب أنه يبدأ فيسمى الله تعالى وينوي، ولم يذكر الشافعي هذا ها هنا اكتفاء بما ذكر في الوضوء، ثم يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، ثم يصب الماء بيمينه] ١٢٨ ب/١] على شماله فيغسل أسافله من الأذى في موضع الاستنجاء وغيره، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء ويأخذ الماء بها فيشرب أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات من ماء، وهو أن يأخذ الماء بكفيه ويحثيه على رأسه مرة ثم مرة ثم مرة، حتى ينحدر كل مرة إلى جسده، ثم أفاض الماء على جسده وأمر يده على جسده حتى يصل الماء إلى شعره وبشره.
قال أصحابنا: ويفيض الماء على شقه الأيمن أولًا، ثم على شقه الأيسر وهذا أحسن،
وقيل كماله في عشرة أشياء: النية واستدامتها إلى إفاضة الماء على جسده،
[ ١ / ١٦٩ ]
والثاني: التسمية، والثالث: غسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، والرابع: غسل ما به من النجاسة فالأذى. أراد بالنجاسة. المذي وبالأذى: المني، والخامس: يتوضأ كامًلا. والسادس: يخلل بيد أصابعه أصول شعر رأسه ولحيته، والسابع: بحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، والثامن: يبدأ بإفاضة الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر والتاسع: الدلك، والعاشر: إيصال الماء إلى جميع شعره وبشره.
فظاهر ما قال في " الجديد": أنه يقدم غسل الرجلين على إفاضة لماء على رأسه وهو رواية عائشة، عن النبي ﷺ أنه فعل هكذا، وهذا هو المذهب. وقال في "البويطي" [١٢٩ أ/ ١]: يؤخر غسل الرجلين وينجي عن المكان ثم يغسل رجليه في الآخر. وبه قال أبو حنيفة وهو رواية ابن عباس عن خالته ميمونة أن النبي ﷺ: "اغتسل في بيتها هكذا، قالت: ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وكلاهما جائز بلا أشكال. وأما الواجب: فشيئان: النية، وإيصال الماء إلى جميع البشرة والشعر.
قال في "الأم": "وعليه أن يغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما ويدخل الماء فيما ظهر من الصماخ وليس عليه أن يدخل الماء فيما بطن منه" وليس عليه إدخال الماء في العينين لأنهما باطنان بالجفون، فأعلم أن ههنا شيئان آخران يختلفان باختلاف الحال:
أحدهما: غسل النجاسة، فإن كانت يجب غسلها وإلا لا يجب.
والثاني: وضوءه للصلاة، فإن لم يكن أحدث، مثل أن ابتدأ الإنزال بالنظر أو الاستنجاء فلا يلزمه الوضوء، وكان مسنونًا في غسله لا فرضًا، وإن كان أحدث قبل الجنابة فيه ثلاثة أوجه معروفة. فإذا قلنا بين الوضوء والغسل فالأولى أن يقدم الوضوء على الغسل، ولو ترك شعرة لم يصبها الماء لا يجوز غسله. وحكى عن أبي حنيفة أنه يجوز غسله. ذكره صاحب"الحاوي" وهذا غلط لقوله ﷺ:"تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" والسنة في الغسل: سنة التسمية وغسل الكفين وتخليل الشعر [١٢٩ ب/ ١]
وإفاضة الماء على الرأس ثلاثًا والبداية الميامن في الدلك.
مسألة: قال: "فإن ترك إمرار يديه على جسده فلا يضره".
وهذا كما قال: قصد به الرد على مالك فإنه يقول: يجب إسرار اليد إلى حيث ينال، وبه قال المزني، واحتج بأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وهذا غلط لما روى أن النبي ﷺ قال لأم سلمة. وقد سألت عن غسل الجناية: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذًا أنت قد طهرت"
[ ١ / ١٧٠ ]
ولم يأمر بالدلك. وقال الشافعي:"وفي إفاضة النبي صلى الله عليه وسلمعلى جلده دليل أنه إن لم يدلكه أجزأه". وهذا إشارة إلى الخبر الذي روى أنه ﷺ سئل ن الاغتسال من الجنابة. فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات، من ماء، فإذا أنا قد طهرت" ولميذكر الدلك. واحتج الشافعي أيضًا بقوله ﷺ للمتيمم:"إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ولم يأمر بالدلك.
وتمام الخبر ما روي أن النبي ﷺ كان في بعض الأسفار فصلى جماعة، ثم رأى رجلًا معزولًا عن القوم لم يصل معهم، فقال له: ما لك لم تصل معنا؟ فقال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء فقال النبي ﷺ [١٣٠ أ/ ١] " التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ثم بعد ذلك وجد الماء فدعاه النبي ﷺ وقال له: "خذ الماء فاغتسل" ولم يأمره بالوضوء ولا بالدلك وأما قوله: أنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك، فلنا: لا نسلم ويقال: غسل الإناء من ولوغ الكلب، وغسل يده وإن لم تمر يده فكذلك هذا.
وفي هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على أن الوضوء فيه لا يجب خلافًا لأبي ثور وداود، وهو معنى قوله: وفي أمره الجنب المتيممم إذا وجد الماء اغتسل ولم يأمره بوضوء دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
مسألة: قال: "فإن ترك الوضوء للجنابة والمضمضة والاستنشاق" فقد أساء ويجزيه ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
وهذا كما قال. وقصد به الرد على أبي حنيفة وأبي ثور، وقد ذكرنا مذهبهما، ثم أنه قال: ويستأنف المضمضة والاستنشاق" ولم يقل ويستأنف الوضوء لأمرين:
أحدهما: أن الشافعي عرف الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق، فندب إليهما الاحتياط في الخروج من الخلاف، ولم يعرف مثل ذلك في الوضوء؛ لأن أبا ثور إنما ظهر مذهبه بعد الشافعي.
والثاني: أن سائر الأعضاء سوى الفم والأنف صارت مغسولة في جملة الاغتسال، فلا معنى لاستئناف غسلها بعد الفراغ بخلاف الفم والأنف، ولأنهما عضوان يتغيران عند طول العهد بالماء فأمر باستئنافها لهذا المعنى، ثم احتج على أبي حنيفة خاصة فقال: "وقد فرض الله غسل الوجه من الحدث كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة" فإذا لم تجب [١٣٠ ب/ ١] المضمضة والاستنشاق في
[ ١ / ١٧١ ]
الوضوء كذلك في الجنابة، وهذا قياس الغسل على الوجه بعلة أنه طهارة فرض فيها غسل الوجه من الحدث.
مسألة: قال: "والمرأة في غسلها كالرجل".
وهذا كما قال. ذكر الشافعي بعد غسل الرجل غسل المرأة وذكر في غسلها زيادة، وهب أنها تحتاج من غمر ضفائرها أكثر ما يحتاج الرجل. أعني الرجل الذي لا ضفائر له. فأما إذا كان له ضفائر أو لحية طويلة كثيفة فحكمه حكمها، ولابد من اتصال الماء في الجنابة إلى أصول شعرهما. والضفائر والدواب واحد، وهو أن تضفر شعر رأسها- والصفر: هو الفتل-ثم فيه ثلاثة مسائل:-
إحداهما: أن يكون الشعر خفيفًا والضفر سهلًا لا يمنع وصول الماء إلى كل الشعر والبشرة التي تحنه، فلا يحتاج إلى نقض ضفائرها ويجزيها أن تغمرها بقدر ما ترى أن قد وصل الماء إليها. وحكى عن النخعي أنه قال: يلزم نقضها على كل حال. وهذا غلط لما روى عن أم سلمة﵂- أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنفضه للغسل من الجنابة فقال: "لا يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" الخبر.
والثانية: أن يكون كثيفًا والضفائر قوية ملبدة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بنقضها، فإنه يلزمها نقضها وغسلها.
وحكى عن مالك أنه قال: "لا يلزمها ذلك [١٣١ أ/ ١] ويجوز غسلها، وإن لم يصل الماء إلى داخل الضفائر. واحتج بما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "لا يضر المرأة الجنب ولا الحائض أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شؤون الرأس" وروى شؤن الرأس الشك من الراوي وشؤن الرأس أعلاه وأيضًا خبر أم سلمة الذي ذكرنا قلنا: إنما ذكر ذلك على غالب الحال أنه يصل الماء إليها دون النقص بدليل قوله ﷺ "تحت كل شعرة جنابة" الخبر والثالثة: أن يكون الشعر محشوًا فتكون كالضفائر، فإن كان ثخينًا يمنع وصول الماء فعليه إزالته وتسريحه حتى يزول الحائل ثم يصل الماء إليها، وإن كان الحشو رقيقًا مثل الدهن ونحوه، فإن ذلك لا يمنع وصول الماء إليه فلا يلزمه نقضه وتسريحه، وإن كان الشعر طويلًا فعليه لطوله نص عليه في"الأم".
وحكي عن أحمد أنه قال: "الحائض تنفض شعرها بخلاف الجنب لما روى أن
[ ١ / ١٧٢ ]
النبي ﷺ قال للحائض: "خذي ماءك وسدرك وأمشطي" وقال لأم سلمة: "أفيضي الماء" وهذا غلط لأنه موضع من البدن فاستوي فيه غسل الحائض والجنب كسائر الأعضاء، وليس بين الخبرين اختلاف؛ لأن ذلك على الاستحباب بدليل أن السدر والمشط لا يجب، وأم سلمة سألته عن الجواز [١٣١ ب/].
فرع
لو كان في شعرها عقد كان جدي﵀ - يفتي أنه لا يجوز الغسل حتى تقطع تلك العقد وتغسل. وإن كان قد صلى يلزمه إعادة الصلاة ورأيت في تصنيف الإمام أن أبي محمد الحويني أنه لا يلزمه قطعها ويجوز الغسل، وهو الأصح عندي؛ لأن تلك العقدة لا يتوهم انحلالها، فهي كالتصاق الأصبع بالأصبع والتحامه، ولأن الماء يتخلل الشعر عند إصابة الماء.
فرع آخر
إذا كان مقطوع الأذن والشفتين هل يجب غسل ما ظهر بالقطع في الجنابة والوضوء؟ وجهان:
أحدهما: لا يجب لأن إيصال الماء إلى بعض الموضع كان ممكنًا قبل القطع، ولم يوجب لكونه باطنًا بأصل الخلقة فلم يجب بعد القطع أيضًا.
والثاني: يجب، لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا، وعندي هذا هو المذهب والوجه الأول خطأ.
فرع آخر
إذا لم يكن مجنونًا هل يلزم إيصال الماء في الجنابة إلى ما تحت القلفة وجهان: أحدهما: يجب لأن تلك الجلدة هي مستحقة الإزالة.
والثاني: لا يجب لأن الجلدة هي في حكم الغسل لم يجعلها كالمعدوم، ولهذا لو غسل الباطن وترك الظاهر لا يجزيه، فإذا تعلق الغسل بظاهرها فما تحتها باطن بأصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه. والأول أصح عندي.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يجب على الثيب غسل الباطن [١٣٢ أ/ ١] الفرج في غسل الحيض، لأن الدم نجاسة أجنبية يمكن إزالتها، وأما في غسل الجنابة إن قلنا رطوبة الفرج نجسة فلا يجب، لأن الغسل لا يفيد فائدة.
وإن قلنا: الرطوبة طاهرة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب لأن الموضع باطن بأصل الخلقة.
والثاني: يجب لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا، وعلى هذا يلزمها أن تغسل
[ ١ / ١٧٣ ]
القذر الذي يظهر من باطن فرجها إذا قعدت على رجليها، مثل ما تقعد لقضاء الحاجة، وما زاد لا يجب لأنه بقي باطنًا كما كان.
فرع آخر
هل يجب على السيد أن يشتري الماء للوضوء والغسل من الحيض والجنابة؟ وجهان أحدهما: تجب لزكاة الفطر، والثاني: لا يجب لأن له بدلًا وهو التيمم، وفي الزوجة قيل
حكمها حكم المملوك وقيل: لا تلزمه لغسل الحيض والنفاس، لأنه من مؤنة التسليم، أو لا يمكنها التسليم إلا بذلك. والتسليم واجب عليها فيلزمها مؤنته [١٣٢ ب/ ١].
مسألة: قال: ولما أمرها رسول الله ﷺ بالغسل من الحيض قال:"خذي فرصة من مسكٍ.
الفصل
وهذا كما قال تمام الخبر [أن] امرأة سألت رسول الله ﷺ عن الغسل من الحيض فعلمها ثم قال في الآخر: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها فاستحيي منها رسول الله ﷺ فأعرض عنها وقال: "سبحان الله، تطهري بها". وروى: "ويلك تطهري بها" قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد فقلت: تتبعي بها أثر الدم.
قال الشافعي: هذا زيادة في غسلها من الحيض على الغسل من الجنابة، وهو مستحب لإزالة الرائحة الكريهة، وإنما توصل هذا إلى الموضع الذي يجب عليها إيصال الماء إليه من باطن فرجها ولا يجب ذلك.
وروى: "فرصة ممسكة": يريد قطنة ملطخة بالمسك مطيبة بها.
وروي: "جدي فرصة فتمسكي بما" يعني تطيبي بها من المسك. والفرصة هي القطعة من كل شيء. وقيل: هو التمسك باليد. وقال أبو عمرو: فرصة أبو عمرو: فرصة من مسك: هي المسك المعجون بالمسك يكون عند نساء المدينة، فإذا كان فيها مسك سميت فرصة بالفاء مكسورة، وإن لم يكن فيها مسك سميت سكيكة. وقال أبو عبيدة: إنما هو فرصة من مسك بالقاف مضمومة [١٣٣ أ/ ١] وفتح الميم: أي قطعة من جلد لتنقي آثار الدم والرواية المشهورة ما ذكرنا. فإن كانت رواية أبي عبيدة صحيحة لم يمتنع أن يجمع بين الأمرين، فيكون الجلد لتتبع الدم وإبقاء آثاره، والمقصود من المسك أن به رائحة الدم فتعمل لذة الدفع، وقيل: المقصود أنه يسرع إلى علوق الولد، فإن عدمت المسك فمن قال بالأول قال: يستعمل خلقة في طيب الرائحة، ومن قال بالثاني قال: يستعمل ما يقوم في إسراع العلوق من القسط والأظفار، وهل هو قبل الغسل أو بعده، من
[ ١ / ١٧٤ ]
قال بالأول قال بعده، ومن قال بالثاني أمر فبله، ثم قال في"المختصر" قال الشافعي: فإن لم يجد مسكًا وطيبًا أي غيره من الطيب.
وقيل: قرئ فطينًا- يعني أن لم يكن مسك ولا غيره من الطيب فيستعمل الطين فإن لم يجد فالماء كاف أي يكفي في التطهير ولا حاجة إلى غيره.
قال أصحابنا: ونظيره الصائم يفطر بالتمر استحبابًا، فإن لم يجد فبحلاوة سوى التمر، فإن لم يجد فالماء كافٍ. وقيل: الطين بالنون لا يصح؛ لأن الشافعي بينه في "الأم" فقال: " فإن لم يكن مسك فطيب ما كان إتباعًا للسنة ولم يذكر الطين ولو لم يفعل ما ذكرنا وانغمست في ماء برأ وأتى الماء على شعرها وبشرتها أجزأها.
فرع
قال في "البويطي": وأكره للجنب أن يغتسل [١٣٣ ب/ ١] في البئر معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد قليلًا أو كثيرًا والبول فيه، لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" ولو وقف تحت مطر حتى أتى الماء على شعره وبشره أجزأه، وإن كان ذا غضون في رأسه أو جسده فعليه أن يغلغل الماء في غضونه حتى يدخلها.
مسألة: قال: "وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما".
وهذا كما قال: أراد به أنه لا ترتيب في الغسل بخلاف الوضوء لأنه جملة واحدة بخلاف الوضوء.
وقال بعض أصحابنا: إنما يستحق أن يبدأ برأسه. وقال إسحاق: تجب البدأة في الغسل بأعلاه البدن.
مسألة: قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة فيهما لم يضره".
وهذا كما قال أعضاء المحدث والجنب والحائض هي طاهرة، لما روى أن النبي ﷺ قال لعائشة﵂- "أنا وليني الخمرة من المسجد" فقالت: أنا حائض فقال: "ليست حيضتك في يدك". وروى أنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى عليه وسلم وهي حائض.
وروي عن أبي ذر﵁- قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب فسلم علي
[ ١ / ١٧٥ ]
وأراد أن يصافحني فقبضت عنه يدي وذهبت فاغتسلت [١٣٤ أ/ ١] ثم أتيته فقلت: يا رسول الله ما منعني من مصافحتك إلا إني كنت جنبًا. فقال: "ليست الجنابة في اليد أما علمت أن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر".
وهذا إذا أدخل يده ليعرف حرارة الماء وبرودته، فإن أدخلها فيه بنية الغسل الواجب وأخرج، فإنه يصير الماء مستعملًا لا يصلح الطهور.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن أدخل رجله في ماء قليل نجس الماء، وكذلك في ماء ثان، فإن أدخلهما في ثالث لم ينجس، ولو أدخل يده لم ينجس لأنه يحتاج إلى إدخال يده دون رجله. وحكي هذا عن أبي يوسف وهو الأصح، وهو غلط؛ لأنه لا فرق بين اليد والرجل في حكم النجاسة.
فرع
لو نجس بدون الجنب كله فاغتسل غسلًا واحدًا طهر من نجاسته، وهل يطهر من جنابته؟ وجهان:
أحدهما: طهر لأن الماء لاقاهما في حالة واحدة، وليس ارتفاع أحدهما أولى من الآخر.
والثاني: لا يطهر حتى يغتسل ثانيًا لأن ماء الغسل الأول صار بملاقاة النجاسة مستعملًا فيها، وما استعمل في النجاسة لم يرتفع بع حدث الجنابة.
فرع
لو قلب الجنب الماء على رأسه وظهره نجاسة فأزالها. فإن قلنا: إن الماء المستعمل في الحدث يصلح لإزالة النجاسة نحكم بطهارة المحل، ولكن لابد [١٣٤ ب/ ١] من غسل ذلك الموضع كرة أخرى للجنابة في أحد الوجهين؛ لأنهما فرضان مختلفان. وإن قلنا: الماء المستعمل في الحدث لا يصلح لإزالة النجاسة فهل نحكم بطهارة الموضع؟ وجهان:
أحدهما: نحكم به لأن الماء قائم على المحل، وإنما يثبت له صفة الاستعمال بعد الانفصال.
والثاني: لا نحكم به، لأنا لا نجعل الماء مستعملًا في حكم الجنابة للحاجة، فإنا لو قلنا بخلافه لاحتاج كل جزء من بدنه إلى ماء جديد، وهذه طهارة أخرى، فيكون الماء مستعملًا في حكمها، فعلى هذا لابد وأن يغسل الموضع عن النجاسة ثم يغسلها مرة أخرى عن الجنابة؛ لأن بقاء النجاسة على الموضع يمنع ارتفاع الجنابة عنه بالماء الأول.
فرع آخر
لو أدخل يده في إناء بنية الغسل من الجنابة ليقلب الماء على رأسه، فالمذهب أن الجنابة ترتفع عن يده ويصير الماء في الإناء مستعملًا، والذي على اليد
[ ١ / ١٧٦ ]
غير مستعمل، فإن قلب على رأسه لم ترتفع الجنابة؛ لأنه انفصل عن اليد فصار مستعملًا، وفيه وجه آخر أنه لا يصير الماء مستعملًا لأنه لا يقصد بإدخال اليد فيه غسل اليد من طريق العادة، بل يجعل يده آلة لنقل الماء على رأسه فيصير كمن أدخل يمينه في الإناء قاصدًا أن يكون يمينه آلة يقلب الماء بها على رأسه، لا يصير الماء مستعملًا فعلى هذا لا تصير اليد [١٣٥ أ/ ١] مغسولة إلا أن بمفردها أو يمر عليها الذي قلب منه على رأسه، وهكذا الحكم في الحدث إذا أدخل يده في الإناء بعد غسل الوجه.