مسألة: قال: ويفضى بالميت إلى مغتسله.
وهذا كما قال. أواد بنقل الميت إذا أريد غسله إلى الموضع الذي يغسل عليه وغسل الميت هو من فرائض الكفايات كالصلاة عليه سواء، وأصل هذا أن عليًا والفضل بن العباس ﵄ توليا غسل رسول الله - ﷺ - بأمره ووصيته، وقال علي ﵁: ". . . . على غسله، وروي أن عليًا ﵁ رأى في عين رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قراءة فأدخل لسانه فأخرجها، وقد روي في خبر المحرم [٢٧٣ ب / ٣] الذي وقعت به ناقته أن النبي - ﷺ - قال: "اغسلوه بماء وسدر" فأمر بالغسل ولأنه لا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا ذكر كيفيته فقال: ويفضى إلى مغتسله ويكون كالمنحدر قليلًا وهو أن يكون موضع وأسه أعلى حتى ينحدر الماء عنه ولا يقف عنه، ويكون ملقىً على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة.
مسألة: قال: ثم يعاد تليين مفاصله.
وهذا كما قال، قال أصحابنا: لا يعرف هذا للشافعي في شي، من كتبه، ولا يستحب ذلك لأن تليين المفاصل إنما يفيد عقيب الموت لبقاء حرارة الروح فيه، فأما عند الغسل فقد بردت المفاصل فلا يفيد التليين شيئًا وقيل: إنه نص على هذا في "الأم": حكاه البندنيجي ففي المسألة قولان، وهذا غير صحيح وينبغي أن يؤول إن صح أنه ذكره في "الأم".
مسألة: قال: ويطرح عليه ما يواري بين ركبتيه إلى سرته.
وهذا كما قال أراد به أن يستر عورته، وهو ما كان يستره في حال حياته من نفسه، والأولى أن يستر جميع بدنه، وهذا إن لم يغسل في قميص [٢٧٤ أ / ٣]، والسنة عنانا أن يغسل في قميص، وهو أن يلبس قميصًا عند غسله ولا تخرج منه يداه ويصب الماء فوق القميص ونص على هذا بعد هذا، وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: المستحب أن يجرد عن ثيابه وتلقى خرقة على فرجه ويكون فخذه مكشوفا وهذا لأن الحي إذا اغتسل تجرد فالميت أولى. وهذا غلط لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -: "غسل في قميصه" فإن قيل: يحتمل أنه - ﷺ - كان مخصوصًا بهذا، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا، ما كان سنة في حقه ففي حق غيره كذلك ما لم يثبت دليل التخصيص. وروي أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما حضره الموت قال: "إذا أنا مت فامنعوا بي كما صنع برسول الله - ﷺ - " ولم ينكر ذلك أحد، وعندنا يجب ستر الفخذ منه، ولا يجوز النظر إليه من غير ضرورة لأنه عورة. وقال النبي - ﷺ - لعلى ﵁: "لا تكشف عن فخذك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت". فإذا [٢٧٤ ب / ٣] ثبت هذا. قال: "أحب أن يكون القميص خلقًا سخينًا"، يعني خلقا ينزل الماء عنه ولا يكون جديدًا صفيقًا ينشف الماء ويتعذر غسله فيه، ثم ينظر في القميص، فإن كان واسعًا أدخل الغاسل يده في كمه وغسله من تحته ويكون على يده خرقة، وان كان ضيقا لا يمكنه إدخال اليد فيه. قال أصحابنا: يفتق رؤوس التحاريس ثم يدخل يده من موضع الفتق، فإن لم يمكن فعل ما ذكرنا إذا
[ ٢ / ٥٢٣ ]
لم يجد القميص.
مسألة: قال: ويستر موضعه الذي يغتسل فيه فلا يراه أحد إلا غاسله.
وهذا كما قال. إذا أراد غسله جعله في موضع لا يطلع أحد عليه، إما في بيت أو تحت سقف ويستر موضعه في البيت بأن يسبل الستر على الباب، وهذا لأجل أنه في حال حياته يستتر عن الناس عند غله فيفعل به بعد موته كذلك، ولأنه ربما تظهر به علامة لا ينبغي أن يطلع عليها الناس ولا يدخل هناك إلا الغاسل والمعين والولي إن شاء فالغاسل يفض بصره ما أمكن ولا ينظر إلى شي، منه إلا أن يكون له بد [٢٧٥ أ / ٣] من النظر للوقوف على قدر ما غسل وما لم يغسل، وأما المعين فيغض بصره بكل حال إلا أن يكون ضرورة ويشتغل بصب الماء، وقيل: إن الذي ولي غسل رسول الله - ﷺ - العباس وعلي والفضل يغسلانه وأسامة يناول الماء، والعباس واقف.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في أنه هل يختار غسله تحت سقف أو سماء؟ فقال بعضهم: يختار غسله تحت سقف، لأن ذلك أصون له وأخفى، وقال بعضهم: يختار تحت السماء لتنزل عليه الرحمة.
فرع
قال الشافعي: لو أن رفقة في طريق من سفرهم مات منهم ميت فلم يواروه، فإن كان في طريق أهل تخترقه الناس والمارة، أو بقرب قرية أساؤوا بتركهم الفصل، وكان على من يقرب منه من المسلمين أن يواروه، وأن يتركوه في صحراء أو في موضع لا يمر به أحد، ولا يجتاز به أهل قرية أثموا وعصوا الله تعالى، وعلى السلطان أن يعاقبهم عليه لتضييعهم حق الله تعالى، واستخفافهم بما يجب عليهم من حق أخيهم المسلم، وان كان على هذا الميت [٢٧٥ ب / ٣] أثر الغسل والكفن والحنوط فإنهم يدفنونه، فإن اختاروا الصلاة عليه صلوا على قبره، لأن الظاهر أنه صلي عليه.
مسألة: قال: ويتخذ إناءين إناء يغرف به الماء المجموع.
الفصل
وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية غسله، فالمستحب للغاسل أن يتخذ ثلاثة أواني.
إناء يجمع فيه الماء الكثير كالمرجل والحب، ويكون بالبعد من الميت بحيث إذا تطاير من غسله ماء لا يصيبه فإن فسد ماء هذا الإناء الصفير الذي بقربه كان ما يأخذه من الإناء الكبير كافيًا، وإناء يغرف به من الماء المجموع: كالكوز والقمقمة، وإناء يلي الميت، يصب به الماء عليه ولا يغرف به لأنه ربما يترشش عليه الماء من غسل الميت إليه فيتنجس به، ثم يتنجس به الماء المجموع، فيكون أحد هذين الإناءين في يد
[ ٢ / ٥٢٤ ]
الغاسل، والثاني في يد المعين ويغرف المعين منه ويصبه على الذي في يد الغاسل، وأراد الشافعي بالإناءين غير الإناء الكبير، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن بدن الميت نجس لأن الشافعي [٢٧٦ أ / ٣] أمر بحفظ الماء كي لا يتطاير إليه غسالة الميت فدل على نجاسته، وقيل: إنه نص على هذا في البويطي: فقال: ولا يصلي على الثوب الذي ينشف به الميت حتى يغسل ثانيًا والمذهب الصحيح أن بدنه طاهر لقوله - ﷺ -:" عليكم في مسلم غل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس حسبكم أن تغسلوا يديكم". رواه ابن عباس وبه قال عامة أصحابنا، وإنما أمر بحفظ الماء هاهنا مخافة أن يخرج منه نجاسة فيصيبها الماء ثم يصيب الماء المجموع فينجسه أيضا إذا مر به تنظيفًا وتطييبًا للنفس، وهذا هو اختيار أبي إسحاق والصيرفي.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج والأنماطي: أنه اختار القول الأول، وقال أبو حنيفة: الآدمي ينجس بالموت ولكنه يطهر بالغسل وقالت عائشة لما قبض رسول الله - ﷺ -: "جاء أبو بكر من قبل رأسه فقبل جبهته ثلاثًا، ثم انحدر عليه فقبله، فقال في الأولى: وانبياه، وقال في الثانية: واصفياه، وقال في الثالثة: واخليلاه".
مسألة: قال: وغير المسخن من الماء أحب إلي.
وهذا كما قال. إذا كان الزمان صيفًا أو معتدلًا ولم يكن بالميت [٢٧٦ ب / ٣] حاجة إلى الماء المسخن، فغير المسخن أولى به وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الماء المسخن أولى، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد وهذا غلط: لأن الماء البارد يمسكه ويقويه ويشده والمسخن يرخي البدن فيسرع إليه الفساد، ولهذا يطرح في الماء الكافور ليشده ويبرده، فإن كان الزمان زمان برد شديد أو كان بالميت ما لا بد فيه من المسخن وكذلك إذا احتاج إلى تليين شيء من بدنه بالدهن لينه به ثم غسله بالماء، ثم قال: ("ويغتسل في قميص" وقد ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: وجه الجمع بين هذا اللفظ وبين ما سبق من قوله، ويرح عليه ما يواري ما بين ركبتيه إلى سرته إن الميت بين موته إلى أن ينقل إلى مغتسله يكون متجردًا عن القميص، فإذا أضجعه الغاسل على مغتسله ألبسه القميص ولا ينبغي أن يكشف عورته في هذه الحالة، ولكن يسترها بإزار ويدفع عنه الثوب الذي سجي به جميع بدنه، ثم يلبسه القميص فوق إزاره، ثم ينتزع الإزار من تحت قميصه.
ومن أصحابنا من قال: الغسل في [٢٧٧ أ / ٣] القميص للأشراف وذوي المروءات وهذا لا يصح، بل الصحيح أن الكل فيه سواء ثم قال: ولا يمس سائر بدنه أيضًا بيده إلا بخرقة لأنه إنما يمسه للغسل والتنظيف ومسه بالخرقة أنظف.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
مسألة: قال: ويعد خرقتين نظيفتين كذلك.
أي: يغسل عورته قبل غسله فيغسلها بإحداهما، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، وإنما استحب ذلك لأنه إذا كانت معه خرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج أن يصبر حتى تغسل ويأخذها فيطول ذلك، وإن فعل هذا بخرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج جاز وإن طال. فإذا تقرر هذا، قال أبو حامد: ظاهر ما قال في "الأم": إنه يستعمل كل واحدة منهما في جميع بدنه في الأعالي والأسافل، فيأخذ إحداهما ويبدأ بغسل وجهه ورقبته وصدره وبطنه وساقه وفخذيه وفرجيه، ويؤخر الفرج حتى إن تنجست لا يستعملها في موضع أخر تنجس بها، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، فيفعل مثل ذلك. وقال في "القديم": يغسل بإحداهما ما بين الإليتين والفخذين ثم يلقيها ويغسل بالأخرى جميع بدنه. قال أبو حامد: وليست المسألة على [٢٧٧ ب / ٣] قولين بل لا خلاف أنه يغسل بكل واحدة منهما جميع بدنه. والذي قال في "القديم": أراد غير هاتين الخرقتين، بل يعد أولا خرقة سواهما يغسل فرجه وما بين الإليتين ثم يلقيها ثم يستعمل الخرقتين الأخرتين في جميع البدن.
وقال القاضي الطبري: هذا الذي قاله أبو حامد لا أعرفه للشافعي في شيء من كتبه والمنصوص في "الأم": أنه يضع إحدى الخرقتين على يده ويشدها، ثم يبدأ بسفليه فينقيهما، ثم يستنجي الحي ثم ينظف يده ويأخذ خرقة أخرى نقية يشدها على يده، ثم صب عليها وعلى الميت الماء، ثم أدخلها في فيه وبين شقيه ويمر على لسانه بالماء ولا يفغر فاه، ويدخل طرف إصبعه على منخريه بشيء من ماء فينقي شيئا إن كان هناك وهذا أصح. وهكذا ذكره أبو يعقوب الأبيوردي أيضًا، وما ذكره أبو حامد هو اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: الخرقتان هما للفرجين وسائر البدن لا يحتاج إلى الخرقة إذ لا نجاسة عليه، وهذا خلاف المنصوص، وقال بعض [٢٧٨ أ / ٣] أصحابنا: ولو غسل كل عضو بخرقة كان أولى.
مسألة: قال: ويلقي الميت على ظهره، ثم يبدأ غاسله.
الفصل
وهذا كما قال. أراد أن يلقيه على ظهره على مغتسله في ابتداء غسله، ثم أول ما يفعل به الغاسل أن يجلسه إجلاسًا رقيقًا ويمر يده على بطنه إمرارا بليغًا، وإنما يكون الإجلاس رقيقًا لئلا يخرج من جوفه شيء في تحريكه، وإجلاسه قبل صب الماء عليه فيتأذى برائحته وإنما يفعل هكذا لأن عادة الحي أنه يتغوط ويبول قبل الغسل.
وقال القاسم بن محمد: توفي عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضًا شديدًا وعصره عصرًا شديدًا، ثم غسله، ويكون إجلاسه كالمنحرف قليلًا على صورة المتكئ
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فيسند الميت إلى رجله اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه، وإنما يحرفه ليخرج الخارج منه وإنما يصب عليه ماء كثيرًا حتى يخفى لون الخارج منه ورائحته في كثرة الماء، ثم قال: وعلي يده الأخرى إحدى الخرقتين يعني: اللتين أعدهما لما ذكرنا فيغسل فرجيه من النجاسة وهو كاستنجاء الحي ثم يلقيها ثم يغسل يده بأشنان وغيره، ولو كان قد أصابها [ب / ٢٧٨ - ٣] شيء، ثم يأخذ الخرقة الأخرى فيشدها على يده ويدخل أصابعه بين شفتيه فيمسح الأسنان مسحًا بليغًا كالسواك للحي، ثم يدخل أصبعيه في منخريه وينظف ما هناك تنظيفًا بليغًا، فإذا فعل هذا فقد غسل ما به من الأذى، ثم يوضئه وضوءه للصلاة ولم ينص الشافعي على المضمضة والاستنشاق إلا أن إطلاق قوله: ويوضئه وضوءه للصلاة يدل على ذلك فهما مسنونان فيه.
ومن أصحابنا من قال: قوله: يدخل أصابعه في فيه وأنفه هما إشارة إليها، ويفغر فاه فيقتصر على ما بين الشفتين والأسنان؛ لأنه لو صب الماء في فيه احتاج إلى تنكيسه لخروجه، وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك وهذا غلط لقوله - ﷺ - لمن غسل: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، ولأن ما يسن في غسل الحي يسن في غسل الميت كالتكرار، ثم إذا وضأه ابتدأ بالرأس فيغسله بماء وسار ثم وجهه ولحيته وقال النخعي: يبدأ بلحيته وهذا غلط لأنه إذا بدأ بغسل الرأس ثم باللحية لم يحتج إلى إعادة غسلها، ثم ينظر في اللحية، فإن كانت كثيفه ملبدة قال في "الأم": لا بأس أن يسرحها بأسنان مشط تكون منفرجة الأسنان لا ينتف [٢٧٩ أ / ٣] شعره، وإن كانت خفيفة أفاض الماء عليها كالحي سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يسرح أصلًا، لأنه يؤدي إلى نتف شعره، وهذا غلط لقوله - ﷺ -: "اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعروسكم"، وأما ما ذكره لا يصح لأنه إذا رفق بالتسريح أمن ذلك، ولهذا يجوز للمحرم أن يسرح لحيته، ثم يبدأ بغسل بدنه فيبتدئ بغسل شقه الأيمن مما دون رأسه إلى أن يغسل قدميه ويحرفه حتى يغل ظهره كما يغسل بطنه، ثم يتحول إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يضجعه على قفاه ثم يبدأ بميامنه فيغسله من صفحة عنقه وشق صدره وجيبه وفخذه وساقه ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك، فإذا فعل هذا صار ميامنه ومياسره مما يلي صدره وبطنه مغسولة مع صدره وبطنه، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويجعل الغاسل ساقي نفسه عمادًا لصدره كي لا ينكب الميت على وجهه ولا يستلقي على ظهره فيغسل ظهره وقفاه وفخذه وساقه اليمنى وهو يراه متمكنا، ثم يلقيه على ظهره، ثم يحرفه على شقه الأيمن ويغسل مياسره من خلفه كما منع بميامنه [٢٧٩ ب / ٣] ويغسل ما تحت قدميه مستقصيًا وما بين فخذيه بالخرقة، ثم يصب عليها الماء القراح وإذا حرفه وغسله هكذا يغسل ما تحته من المغتسل ليكون أنظف له وهذا
[ ٢ / ٥٢٧ ]
هو المذكور في جميع الكتب.
وذكر القاضي الطبري: أنا لا نعرف هذا الترتيب عن الشافعي، ونصه في كتبه ما ذكرنا أولًا وهذا الغسل يكون بالماء والسدر، وقال الشافعي: إن كان هناك وسخ يحتاج إلى قلعه بأشنان استعمله، وقال أبو حنيفة: لا أعرف السدر وهذا غلط لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لمن غسل ابنته "اغسليها بماء وسدر وابتدئي بميامنها"، وإذا صب عليه الماء القراح قال الشافعي: "يلقى فيه شيئًا من كافور"، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أعرف الكافور، وحكي عنه أنه قال: يغسل المرة الأولى بالماء القراح، ويغسل الثانية بماء وسدر، والثالثة بالماء القراح وهذا غلط لقوله - ﷺ - في خبر أم عطية "واجعلي في الأجرة كافورًا أو شيئًا من كافور"، ثم للاحتساب إنما يقع بهذه الغسلة التي فيها الكافور وقيل ذلك بالماء والسدر تنظيف وقد تغير الماء به، لأن قليله [٢٨٠ أ / ٣] لا ينظف، وكثيره بغير الماء فلا يحتسب به، لأنه ليس بطهور وهذا هو المذهب المنصوص.
وحكي عن أبي إسحاق: أن الغسلة الأولى هي التي يعتد بها دون الثانية، وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: لا تجزيه هذه الفسلة أصلًا وإن صب عليه الماء القراح لأنه إذا صب خالطه الدر الذي هو باق من الغسلة الأولى، فصار كالماء الذي خالطه السدر ذكره في "الشامل". وهذا ليس بشي، عندي فإن قيل: هلا قلتم الكافور إذا غير الماء أبطل تطهيره؟ قلنا: قال الشافعي: يغيره بالمجاروة لا بالمخالطة فلا يضر وأراد به اليسير الذي لا يخالطه ولا يمازجه، بل يتروح به الماء قليلًا، والمعنى في ذلك أنه أنقى للميت وأطيب له وأما قوله: وهو يراه متمكنًا أراد الغاسل ينظر في غسل ظهره إليه نظر متمكن، أي نظر من يتمكن من غله ما يجب غله كما قال قبل ذلك: ويغضون أبصارهم عنه إلا فيما لا يمكن لغيره ليعرف الغاسل ما غسل وما بقي، وقيل: متمكنًا يرجع إلى الميت وقال: ويستقصي ذلك وأراد غسل عورته، لأنه [٢٨٠ ب / ٣] موضع خروج الحدث منه.
مسألة: قال: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاثًا.
الفصل
وهذا كما قال. الواجب: النية وغسله مرة واحدة كما في غسل الجنابة، والمستحب أكثر الأمرين من الثلاثة أو الإنقاء فإن أنقته الثلاث من الوسخ والدرن وإلا غسله خمسًا أو سبعًا ويقف على الوتر وقال مالك: الاعتبار بالإنقاء، ولا معنى للعدد، وهذا غلط لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي - ﷺ - فقال: "اغسلنها وترًا ثلاثًا
[ ٢ / ٥٢٨ ]
أو خمساَ أو أكثر من ذلك إن رأيتن، واغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأجرة كافورًا أو شيئًا من كافور فإن فرغتن فأذنني"، فلما فرغن أذناه فألقى إلينا حقوه وقال: "اشعرنها به" قالت: وضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها. وبهذا قال أحمد وإسحاق والحقو: هو الإزار. وقوله: أشعرنها إياه: أراد اجعلنه شعارًا لها وهو الثوب الذي يلي جسدها، والضفر أصله الفتل. ولأنه لما استحب التكرار في غسل الجنابة استحب هاهنا، ثم قال: ويجعل في كل ماء قراح كافورًا، وإن لم يجعل إلا في [٢٨١ أ / ٣] الأجرة أجزأه ذلك، وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: ويتبع ما بين أظافره بعودٍ لا يجرح.
وهكذا كما قال. قال بعض مشايخنا: هذا من عند المزني وهو حسن، ولم يوجد للشافعي ذلك وقيل: هذا ذكره الشافعي وزاد وقال الشافعي: ومن ظاهر أذنيه وصماخيه، وإنما قال هذا على القول الذي يقول: لا يقلم أظفاره فأما على القول الذي يقول: يقلم أظفاره لا يحتاج إلى هذا وإنما قال: بعود لا يجرح لقول عائشة ﵂: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي"، ويروى هذا مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - وأراد فيه الحرمة.
قال أصحابنا: ولو شد على رأس الخلال قطنًا ويتبعها به كان أولى، وإنما يؤمر بهذا للتنظيف ويكون ذلك قبل الغسل؛ لأنه من جملة إزالة الأذى فيفعله في الوقت الذي يفعل فيه السواك وغيره، فإن ترك ذلك في ذلك الوقت أتى به بعد ذلك والمزني أخل بالنقل حيث ذكره هاهنا. وكان من حقه أن يذكر قبل البداية بالغسل، ثم قال: وكلما صب عليه الماء [٢٨١ ب / ٣] القراح بعد السدر حسبه غسلًا واحدًا" وأراد أنه يستحب غله بعد الدر بالماء القراح ثلاثًا على ما ذكرنا، وقد ذكرنا في الغسلة بعد السدر وجهين، وظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يحسب غسلًا، ومن قال بذلك الوجه البعيد تأول كلام الشافعي على أنه أراد إذا نظف السدر، ثم غسله بالماء القراح والسدر حتى يخرج من جوفه ما يريد أن يخرج، ومن الغسلة الأخيرة لا يمر يده على بطنه ولكنه يجلسه لينشفه، وقال بعض أصحابنا: في المرة الأولى يبالغ في ذلك وبعد ذلك برفق ولا يبالغ.
مسألة: قال: ويقعده عند أخر غسلةٍ، فإذ خرج منه شيء أنقاه بالخرقة وأعاد عليه غسله" ..
وهذا كما قال: اختلف أصحابنا فيما لو خرج شيء من دبره أو قبله على ثلاثة
[ ٢ / ٥٢٩ ]
أوجه: فمنهم من قال: لا يعاد الغسل واجبًا بل يعاد مستحبًا، والواجب أن ينقي المكان الذي خرج منه الخارج النجس، ولأنه خارج من الميت بعد سقوط فرض الغسل فلا تجب إعادة الغسل، كما لو أدرجه في الكفن، ثم خرج [ق ٢٨٣ ب] وهذا هو القياس، وبه قال أبو حنيفة، والثوري وهو اختيار المزني وقرئ ههنا: وأعاد عليه غسله بفتح الغين لا بضمها فيكون غسل ذلك المكان.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال: يجب الوضوء؟ لأنه خروج الحدث بعد الغسل كما في الحي يوجب الوضوء، وقال ابن أبي هريرة: يعاد الفسل واجبًا ويقرأ بالضم، وأعاد عليه غسله، وهذا لأن الموت يوجب الغسل وليس فيه أكثر من زوال التكليف، ومثل هذا من الحي يوجب الوضوء، فكذلك خروج الحدث منه يوجب الغسل، وإن كان من الحي يوجب الوضوء، ولأن القصد أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة. وقال أحمد: يعاد غله إلى سبح مرات، ثم إذا فرغ من جميع ذلك، قال الشافعي في "الأم": "أعاد تليين مفاصله". وإنما قال ذلك لأنها قد لانت بالماء فتلين ليبقى لينه ويسهل على الدافن دفنه، فإنها إذا تركت هكذا جفت ويبست فيصعب دفنه كما قلنا في عقيب موته، وقيل: هذا غلط كما قيل فيما تقدم، وليس كذلك، لأن وجه هذا ظاهر، ثم قال: "ثم ينشفه في ثوب" أي [ق ٢٨٤ أ] يمسح عنه البلل؛ لأن هذا عادة الحي ولئلا يتسارع الفساد إلى الكفن.
وقال في كتاب الجنائز من "المختصر الصغير": وألصق بدنه بجنبيه وصف ما بين قدميه وألصق إحدى كعبيه بالأخرى وضم إحدى فخذيه إلى الأخرى ثم ينشف بعد ذلك.
مسألة: قال: ومن أصحابنا من رأى حلق الشعر إذا طال.
الفصل
وهذا كما قال. الشعور ضربان: شعر يحلق تنظيفا، وشعر يحلق زينة، فالذي يحلق تنظيفًا هو ما يحلق فطرة من شعر العانة والإبط وفي معناه حف الشارب وتقليم الأظفار.
قال في "القديم": وأكره إزالته منه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وهو اختيار المزني لأنه قطع جزء من يديه فيكره، كما لو كان أقلف لا يختن بالإجماع. وكذلك لو مات وعليه القطع في الرقة لا تقطع يد. وكذلك إذا وصل بعظمه عظم ميتة ومات لا يقطع بعد موته.
وقال في "الجديد": لا بأس به، وبه قال الحسن وأحمد وهو الأصح لأن النبي - ﷺ - قال: "اصنعوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم [٢٨٢ أ / ٣] وروي أن سعد بن أبي وقاص
[ ٢ / ٥٣٠ ]
حلق عانة ميت ولأن القصد به التنظيف فأشبه الغسل، ولا خلاف أنه لا يستحب والقولان في أنه هل يكره أم لا يكره؟ وقال المزني: تركه أعجب إلي لأنه يصير إلى بلى عن قريب ويمكن أن يجاب عن هذا فإنه لما لم يكن هذا عذرًا في ترك تنظيفه بالغسل وتطييبه وتحسين كفنه كذلك في حلق شعره فإذا قلنا: لا يكره، ففي شعر الإبط بالخيار إن شاء نتفه وإن شاء أزاله بالنورة.
وأما شعر العانة لا يزال إلا بالنورة لئلا يشاهد العورة هكذا ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في شعر العانة فقال: أحدنا نحكم أو بالموسى أو نورة فإن نورة غسل النورة ويقص الأظافير بالمقص، وأما شعر الشارب: يقص بالمقراض ولا يحلق بالموسى فإن حلقه مكروه في حق الحي والميت، وأما الشعر الذي يحلق زينة وهو شعر الرأس، فإن كان ذا جمة لم يحلق قولًا واحدًا، وإن كان يحلق في حياته وقد طال في مرضه [٢٨٢ ب / ٣] هل يحلقه؟ قال أبو إسحاق: فيه قولان: وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي أنه يكره حلقه، لأنه لا يحلق فطرة، وإنما يحلق زينة أو نسكًا بقول واحد إنه لا يحلق وهذا أصح، وأراد الشافعي بحلق الشعر [] هذا، وقال الأوزاعي: يحلق رأسه ويقلم أظفاره ويدفن ذلك معه.
فرع
هل تجب النية في غسل الميت؟ اختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال: يجب وهو الصحيح عندي، لأنه يستحق تعبد الله ﷿ كالغل من الحيض، ولأن الشافعي نص أنه يجب غسل الغريق ثانيًا، وقد مر الماء عليه بعد موته فدل أنه أمر به لأنه لم يجز غسله لعدم النية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب لأن الشافعي نص على أن الذمية إذا غسلت زوجها المسلم فإنه يكره وتجزيه ولا نية للذمية.
وأما ما ذكر في الغريق ثلاثًا أمرنا بإيقاع فعل [] فيه ولم يوجد ذلك في الغريق، وهذا ظاهر المذهب فإذا قلنا: إنها تجب نوى الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: في الكافر إذا غسل المسلم هل يجوز أم لا؟ فيه [٢٨٣ أ / ٣] وجهان. وقالوا أيضًا: إذا قلنا: لا تجب النية لورود ما على الميت عند الغرق لا يجب غسله ثانيًا، ولكنه يستحب لأن الخطاب به على الأحياء فيظهر به الأمر، وهو غلط ظاهر لما ذكرنا من المعنى والنص.
مسألة: قال: ولا يقرب المحرم طيبًا في غسله ولا حنوطه.
[ ٢ / ٥٣١ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا مات المحرم لا يبطل إحرامه، وقال في "الأم": غسل بماء وسدر وكفن في ثيابه التي أحرم فيها أو غيرها ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يعقد عليه ثوب كما لا يعقد الحي المحرم، ولا يمس طيبًا ويخمر وجهه ولا يخمر رأسه. وقال في موضع آخر: "ولا يطرح الكافور في ثيابه ويصلى عليه ويدفن" وبه قال عثمان وعلي وابن عباس ﵃، وهو مذهب عطاء والثوري وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يبطل إحرامه بالموت وهو كالميت الحلال وبه قالت عائشة وابن عمر ﵄، واحتج الشافعي على أبي حنيفة بخبر الأعرابي وتمامه: أن اعرابيًا كان واقفًا مع رسول الله - ﷺ - بعرفات محرمًا فوقصت به ناقته في أخافيق [٢٨٣ ب / ٣] جردان فاندقت عنقه فمات فقال رسول الله - ﷺ -: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا وأسه ولا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" وروي ملبدًا، أي محرمًا على هيئة المحرمين، وقوله: وقصت به ناقته، أي: صرعته فدقت عنقه، وأصل الوقص: الدق والكسر.
فرع
المعتدة المحدة إذا ماتتء قال أبو إسحاق: لا يبطل حكمها كالإحرام سواء، وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح يبطل حكمها، والفرق أن المعتدة إنما منعت من الطيب والزينة لئلا تدعو نفسها إلى النكاح، وهذا معدوم بعد الموت، والمحرم منع من ذلك بحق الله تعالى تعبدًا محضا فلا ينقطع بالموت.
مسألة: قال: وأحب أن يكون بقرب الميت مجمرة.
الفصل
وهذا كما قال. المستحب أن يكون بالقرب من غسله بخور من عود أو عطر لا ينقطع حتى يفرغ من غسله؟ لأنه وبما يخرج منه شيء تظهر رائحته، وربما تضعف نفس الغاسل يشم ذلك فيدفعه البخور.
وقال بعض أصحابنا: إنما ذكر في هذا الموضح ليعلم أن الميت، وإن كان محرمًا فهو كغير المحرم في هذا، لأن [٢٨٤ أ / ٣] الشافعي قال في المحرم: له أن يجلس عند العطار فجوز أن يحمر بالعود بقربه للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: وان رأى من الميت شيئًا لا يتحدث به.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الفصل
وهذا كما قال. يستحب للغاسل والذي يعاونه إذا رأوا من الميت خيرًا أن يرفعوه ويتحدثوا به، كالنور والأحوال الحسنة، وان شاهد التغير والأحوال القبيحة أو رأى كأن به مكتمة في حياته يستره ولا يحدث به، لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من ستر على أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله". وروى أبو رافع أن رسول الله - ﷺ - قال: "من غسل ميتًا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة"، ولأنه وبما يرى عليه اسوداد الوجه لغلبة الدم، أو التواء العنق للتشنج الذي قد أصاب عصبة فلا يكون ذلك لشقاوة فإذا حدث الناس به فإنهم يظنون به ظن السوء.
ومن أصحابنا من قال: لا يتحدث بما يراه خيرًا أيضا، لأنه قد يكون عنده محاسن وعند غيره مساوئ، وهذا لا يصح [٢٨٤ ب / ٣] لأن في ذلك ثناء يبعث على ترك الدعاء له والترحم عليه.
مسألة: قال: وأولاهم بغسلة أولاهم بالصلاة عليه.
الفصل
وهذا كما قال. حكم الغسل والدفن في هذا واحد.
فإن كان الميت رجلًا كان أولى الناس بالصلاة عليه أولى الناس بغسله ودفنه، فيكون الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، وهو مراد الشافعي هاهنا، لأن لفظه لفظ التذكر وهل تقدم زوجته على عصابته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقدم، لأن لها النظر إلى ما لا ينظر العصبات إليه، وهو ما بين السرة والركبة قال هذا القائل. وأراد الشافعي إذا لم يكن هناك زوجة.
والثاني: يقدم العصبات عليها، لأنهم أحق بالصلاة عليه فكذلك في الغسل، وهذا ظاهر المذهب.
فإن كان الميت امرأة فلا يختلف المذهب أن النساء مقدمات على الأقرباء من الرجال لأن عورة المرأة مع المرأة أخف من عورتها مع الرجل، ولهذا أنه يجوز للمرأة أن تغسل المرأة الأجنبية.
واختلف أصحابنا في الزوج هل هو مقدم في غسلها على النساء والأقرباء من [٢٨٥ أ / ٣] الرجال أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يقدم الزوج، لأنه أوسع في النظر إليها وهو الأقيس وقال: وهو اختيار القفال قال: وقصد الشافعي بما قال الرد على أبي حنيفة حيث قال: الوالي أولى
[ ٢ / ٥٣٣ ]
بالصلاة من الولي.
والثاني: يقدم النساء والقرابات من الرجال عليه، وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي نص على أن نساء القرابة أولى بغسلها من الزوج، فإذا قلنا بهذا فإن ذوات المحارم من النسا، أولى من سائر القرابات والأجنبيات. وإن لم يكن محرمًا لها، وان لم يكن هناك امرأة، فإن كان هناك عصبات من غير ذوي المحارم وذوي المحارم من غير العصبات مثل الخال وأب الأم فالمحارم أولى، والذين ليسوا بمحارم بمنزلة الأجانب. وعلى هذا لو ماتت المرأة وخلفت أبوين فالأب أولى بالصلاة والأم أولى بغسلها.
وقال بعض أصحابنا: إذا كان مع الزوج قرابات رجالًا ونساء أسقط الرجال القرابات بالنساء، ثم يبقى النساء والزوج فأيهما تقدم فيه وجهان.
فرع
لو مات رجل وهناك نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة وهناك [٢٨٥ ب / ٣] رجال لا نساء معهن، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أكثر أصحابنا لا يغسل، ولكنه يتيمم ويدفن وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأن في غله النظر إلى من ليس بمحرم، ولأن الغل تعذر لهذا، فأقيم التيمم مقامه كما في الحي.
والثاني: يغسل في قميص ويلف على يده خرقة كي لا يمسها ويغض بصره، وبه قال النخعي.
قال في "الحاوي": وهذا أصح وذكر أن الشافعي نص في الميت إذا كان رجلًا وليس هناك إلا نساء أجانب يغسلنه، ولا يجوز أن يتيمم، وكأذلك يجب غل المرأة أيضا إذا لم يكن هناك إلا الرجال وهذا غريب، وقد روى سنان بن عرفة، وكان صحابيًا أن النبي - ﷺ - قال في الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال ليس لواحد منهما محرم ييممان بالصعيد ولا يغسلان، وعن أحمد روايتان وقال الأوزاعي: يدفن من غير غسل ولا يتمم وهو قول بعض أصحابنا وليس بشيء؛ لأن الفسل أو بدله من التيمم ممكن على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: يلف على يده خرقة ويغسلها [٢٨٦ أ / ٣] ذكره بعض أهل خراسان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
الخنثى المشكل إذا مات، فإن كان له ذو رحم محرم من الرجال أو النساء جاز له غسله، وإن لم يكن ينبغي أن يكون فيه وجهان: كما ذكرنا في المرأة إذا لم يكن هناك محرم أو لا امرأة.
أحدهما: يتمم، وبه قال أهل العراق والمزني؛ لأن الوجه واليدين ليسا بعورة في الرجال ولا في النساء فجاز لكلا الفريقين النظر إليه ولم يجز لهما النظر إلى جسده للاحتياط.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
والثاني: يجب غسله وهو اختيار كثيرون من أصحابنا، فعلى هذا المستحب أن ينل في قميص ويكون موضع غسله مظلمًا ويتولى غسله أوثق من يقدر عليه من الرجال والنساء، قال هذا القائل ولو جاز أن يمتنع هذا الإشكال لامتنع التيمم أيضًا، لأن ذراعي المرأة عورة ولأن الوجه والكف ليسا بعورة في جواز النظر، ولكنها عورة في المباشرة وتحرم مباشرتهما كسائر الجسد، فإذا تساويا فالغسل أولى. وقال بعض أصحابنا: يشتري له جارية من ماله، وإن لم يكن له مال فمن مال بيت المال فتغسله الجارية وقال [٢٨٦ ب / ٣]. الشيخ أبو زيد المروزي هذا خطأ؛ لأن الرجل لا تغسله جاريته إذا مات فكيف تغسله الجارية التي تشترى بعد موته؟، قال: وينبغي أن يقال: يغسله إما رجل أو امرأة أيهما كان، لأنه قد ثبت إن قبل البلوغ لو احتيج إلى غسله حيًا أو ميتًا، فأي هذين غسله جاز، فيستحب ذلك الأصل، وإنما يؤخذ من أمر الخنثى المشكل باليقين، ولهذا لو مس أحد فرجيه فلا وضوء، وإن غطى وجهه أو رأسه في الإحرام فلا فدية عليه حتى يغطيهما معًا.
مسألة: قال: ويغسل الرجل امرأته والمرأة زوجها.
وهذا كما قال: لا خلاف أن المرأة تغل زوجها، لأن أسما، بنت عميس - ﵂ - "غسلت زوجها أبا بكر ﵁ لوصيته"، ولأن الزوجية باقية من التوارث والعدة فكان لها غسله، وروي عن أحمد أنها لا تغسله والرواية الصحيحة عنه خلافه، واحتج الشافعي على هذا بقول عائشة - ﵂ - لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - ﷺ - إلا نساؤه": وإنما قالت ذلك لأنها ظنت أن أبا بكر الصديق هو الذي غسل رسول الله [٢٨٧ أ / ٣]- ﷺ - فلما أخبرت أن عليًا وغيره غسلاه ذكرت هذا متحسرة.
وأما الزوجة إذا ماتت، هل يغسلها زوجها؟ وبه قال علي ﵁: وهو مذهب حماد وعطاء وجابر بن الشعثاء، ومالك وإسحاق وزفر وأحمد في أصح الروايتين. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز له أن يغسلها وهذا غلط لما روته عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله - ﷺ - من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا وأقول وارأساه فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه، ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك ولكفنتك وصليت عليك ودفنتك". وروي أن فاطمة - ﵂ - ومسته أن تغسلها أسماء بنت عميس فكان علي ورضي الله عنه يصب الماء عليها". وقالت عائشة: توفيت فاطمة بعد رسول الله - ﷺ - بستة أشهر فغسلها علي ﵁
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ودفنها ليلًا". وقال جابر: الزوج أحق بغسل المرأة من أخيها، فإن قيل: أنكر عليه
ابن مسعود فقال سمعت رسول الله في يقول: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي". قلنا: هذا لم يذكره واحد من [٢٨٧ ب / ٣] أصحاب الحديث والدليل على عام صحته أن نكاحه ينقطع بموته لنكاح غيره، ولهذا تزوج عثمان رضي لله عنه ابنتي رسول الله - ﷺ - واحدة بعد واحدة، ثم بين الشافعي أن ما فضل به أبو حنيفة بينهما من أمر العدة لا معنى له، فقال: وليس للعدة معنى يحل لأحدهما فيها ما لا يحل له من صاحبه، يعني: كما قلنا في حال الحياة، ولأن المطلقة قبيل موته لا تغسله، وإن كانت في عدته.
فرع
لو ماتت المرأة وتزوج الرجل في الحال بأختها أو بأربع سواها، قال الإمام أبو عبد الله الحناطي ﵀: هل يغسلها؟ وجهان: والصحيح عندي أنه يغسلها لأنه حكم ثبت بالموت فلا يبطل بعده بنكاح آخر ولا معنى للوجهين، وقيل: إلى متى يغسلها زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى انقضاء العدة وبه قال أبو حنيفة. والثاني: إلى أن يتزوج، لأنها استباحت رجلًا أخر. والثالث: تزوجها إبداء لبقاء الميراث.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات الرجل وامرأته حبلى فوضعت قبل دفن الزوج لها أن تغسله وإن انقضت العدة، ولو تزوجت بزوج [٢٨٨ أ / ٣] آخر، قال الإمام الحناطي في "المجرد": لا تغسل زوجها الأول وسائر أصحابنا قال: لها أن تغسله وهو الصحيح عندي لما ذكرته ولا يقال: أنه يؤدي إلى النظر إلى الزوجين؛ لأنها تنظر إلى أحدهما بالشفقة والصلة والى الآخر بالشهوة فلا بأس.
فرع
لو كانت مطلقة رجعية فماتت قبل المراجعة، روى المزني عن الشافعي في "الجامع الكبير": أنه لا يغسلها. ونقله القاضي أبو حامد إلى جامعه لأنه حرم وطئها قبل الموت والنظر إليها، وإنما يجوز غسلها إذا تمسك بزمام النكاح إلى أن فرق الموت بينهما.
وقال بعض أصحابنا: يغسلها لبقاء الزوجية إلى الموت وليس بشيء وهكذا لو مات الزوج لا يجوز لزوجته الرجعية أن تغسله على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت له امرأتان ثم مات فإنه يقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة غسلته.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت الأمة القن فسيدها يغسلها خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأنه تلزمه مؤنتها بحكم الملك كالزوجة، ولو مات السيد فأمته لا تغسله لأنها صارت بموته ملكًا للغير، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [٢٨٨ ب / ٣] فيه وجهان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت الأمة في مدة الاستبراء فيه وجهان: أحدهما: لا يباح غلها لأنها محرمة للاستمتاع. والثاني: يباح بحق الملك. وإنما منعنا الاستمتاع صيانه لمائه حتى لا يختلط بماء، الغير، وليس في إباحة الغسل خوف الفساد.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت أم الولد فسيدها يغسلها قولًا واحدًا؛ لأنها ماتت في ملكه، ولو مات السيد هل لأم الولد غسله فيه وجهان:
أحدهما: ليس لها ذلك، وبه قال أبو حنيفة لأنها عتقت بموته فصارت كالأجنبية. والثاني: تغسله كما تغسلها كالزوجة، وهذا البقاء حرمة الولاء بينهما.
مسألة: قال: ويغسل المسلم قرابته من المشركين.
الفصل
وهذا كما قال. إذا كان للمشرك قرابة مسلمون ومشركون، فإن قرابته المشركين أولى بغسله، لأنهم استووا في القرابة وانفرد المشركون بالولاية والموالاة بالشرك، فإن رضوا بأن يغسله المسلم جاز، ولا يجب على المسلم غسله ولا يكره له ذلك.
وقال مالك: يكره له ذلك. واحتج الشافعي على جواز غسله بخبر علي ﵁ وتمام الخبر: أن أبا طالب لما مات جاء علي ﵁ إلى [٢٨٩ أ / ٣] رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله مات عمك الشيخ الضال فقال: "اذهب فاغسله وادفنه ولا تحدث شيئًا حتى تأتيني"، ففعل ثم رجع إليه، فقال: قد فعلت فقال: "اذهب فاغتسل". وأما الصلاة عليه فلا تحل بحال لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية؟ ولأن القصد بالصلاة الترحم والاستغفار والقصد بالغسل التنظيف فافترقا، وأما الدفن فلا خلاف أنه يجوز لستر العورة ولئلا يتأذى به الناس. ولو ترك التكفين والدفن في الكفار جاز لأن النبي - ﷺ - أمر بأصحاب بدر من الكفار حتى جروا إلى القليب بعد ثلاث وطرح عليهم التراب.
فرع
قال الشافعي: إذا ماتت امرأته النصرانية، فإن شاء الزوج المسلم غسلها وشهدها وأدخلها قبرها ولا يصلي عليها، وأكره له أن تغسله هي فإن غسلته جاز وقد ذكرنا هذا.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فرع
إذا مات في معدن وتعذر إخراجه لا يصلي عليه؛ لأنه تعذر غسله.
فَرْعٌ آخرُ
المحترق إذا خيف عليه التهري يترك غسله واقتصر على التيمم فيه، وقال الأوزاعي: [٢٨٩ ب / ٣] لا يجب التيمم أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: الآدمي لا ينجس بالموت لو تفسخ ونتن، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تنجس لا لعينه، بل لحدوث التفسخ وظهور القيح والصديد ومنهم من قال: لا ينجس وهو كاللحم إذا نتن هل ينجس؟ وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الغاسل أمينًا لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "لا يغسل موتاكم إلا المأمونون". ولأنه إذا لم يكن أمينا لم يأمن أن لا يستوفي الغسل ويستر ما يرى من الجميل ويظهر ما يرى من القبيح.