قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر. وهذا كما قال: اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين:
إحداها: جواز التوضئ بفضل وضوء الغير، وهو على ضربين؛ مستعمل، وغير مستعمل فالمستعمل له باب يأتي، وأما ما فضل في الإناء فهو طاهر يجوز التوضئ به، سواء فضل عن الرجل أو عن المرأة، ويجوز لكل واحد منهما أن يتوضأ بفضل صاحبه، ولا فرق بين فضل الوضوء وبين فضل الغسل. وروي عن أحمد أنه قال: "لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت به" وبه قال إسحاق، وعنه رواية أخرى أنه يكره ذلك، وذكر أصحابنا بخراسان عنه أنه قال: يجوز لكل واحد منهما استعمال ما فضل في الحالة التي تستعمله، حتى لو أن جنبيين يغتسلان من إناء واحد جاز. فأما إذا استعملت وبقي البعض لا يجوز للرجل استعماله بعد ذلك، وروى الكراهة عن الحسن، وسعيد بن المسيب، وروى عن ابن عمر﵄- أنه قال: لا يكره فضل وضوءهما إلا أن تكون جنبًا
أو حائضًا، فإنها إذا [١٣٥ ب/ ١] خلت به قال: لا تقر به.
وحكي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: لا يجوز استعماله بحال، واحتج أحمد بما روى الحكم بن عمرو، أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وهذا غلط لما روى ابن عباس عن ميمونة قالت: أجنبت فاغتسلت في جفنة، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ يغتسل منه، فقلت: إني اغتسلت منه، فقال: "الماء ليس عليه جنابة" واغتسل منه. وروي عن ابن عمر﵄- أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ من إناء واحد. وأراد ما روى أنه كان إذ على ذاك على رأس المنبر حجر محفور مثل المهراس يجعل فيه الماء ويتطهر منه الرجال والنساء قبل نزول آية الحجاب. وروي من الجنابة كان يقول: "ابقي لي وأنا أقول:
[ ١ / ١٧٧ ]
أبقي لي" وكان صورة الحال أنه كان بينهما سترة وتصل يد كل واحد منهما إلى الإناء.
واحتج الشافعي في أول هذا الباب بحديث أنس بن مالك وتمامة أنه قال أذن بلال يومًا، فرجع رجال إلى دورهم وبقي رجال في المسجد لا يأوون إلى أهل، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء يعني [١٣٦ أ/ ١] إناء فجعلوا يشربون إليه فقال: "ما لهم" فقيل: لا ماء معهم، فوضع يده في الإناء حتى رأيته يثني أصابعه من ضيق الإناء، وقال لهم: "هلموا إلى الوضوء المبارك" فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع رسول الله ﷺ حتى توضأ الناس من عند آخرهم فقيل له: كم كانوا؟ فقالوا: ما بين السبعين إلى ثمانين. ومعلوم أنهم توضئوا واحدًا بعد واحد، فحصل وضوء بعضهم من فضل بعض.
وأما الخبر الذي احتج به، قال محمد بن إسماعيل البخاري: هذا الخبر لا يصح وهو موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ، ثم يحتمل أنه كان فسخ بخبرنا بدليل أن ميمونة قالت: فقلت: "إني قد اغتسلت منه" وهذا يدل على مقدم النهي، أو يحمل على ما استعملته،
وسأل عن أعضائها، ثم ذكر الشافعي الأخبار الدالة على أن بدن الحائض طاهر، فلا يجوز أن يصير الماء الفاضل عنها مهجورًا.
والمسألة الثانية: أنه لا حد لأقل ما يجوز التوضئ به والغسل من الماء. وقال في"الأم": أقل ما يكفي فيما أمر بغسله أن يأخذ الماء ثم يجزيه عليه والمستحب أن لا ينقص في غسله عن صاع، وفي وضوئه عن مد، فإن أمكن بدون ذلك جاز فقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالقليل فلا يكفي ويختلف ذلك باختلاف الأبدان".وروى عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وروي عن [١٣٦ ب/ ١] جابر﵁- أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: قد كان يكفي من كان خيرًا منك وأوفر منك شعرًا.
وروي البخاري عن عائشة ﵂- أنها قالت: "كنت اغتسل أنا ورسوله الله ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق". قال الشافعي في "الأم" والفرق ثلاثة آصع [يكون ستة عشر رطلًا، وحكي عن محمد أنه قال: لا يمكن المغتسل أن يعم
[ ١ / ١٧٨ ]
جميع بدنه بما] قل عن صاع، ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوءه بأقل من مد. ويحكى هذا عن أبي حنيفة. وهذا غلط لما روى عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ بثلثي مد وقالت أم عمار: أتى رسول الله ﷺ بإناء فيه ثلثا مد فتوضأ به. وروى أنه كان يتوضأ بما لا يبل الثري من تحته، وهذا إشارة إلى رفقه واستغلاله. وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ توضأ بنصف مد. وروى عن عبد الرحمن بن أبي لبيئة سمع سعيد بن المسيب، ورجل من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان من غسل الجنابة، فقال سعيد: إن لي نورًا يسع مدين
من ماء أو نحو ذلك، فأغتسل به فيكفيني مني فضل، فقال الرجل: إني لأستنثر أتمضمض بمدين من الماء، فقال له سعيد: فما تأمرني إن [١٣٧ أ/ ١] كان الشيطان يلعب بك؟ فقال الرجل: فكم يكفيني؟ فإني رجل كما ترى عظيم، فقال له سعيد: ثلاثة أمداد. فقال: إن ثلاثة أمداد قليل، فقال له سعيد: فصاع، فقل سعيد: إن لي لركوة وقدحًا ما يسع إلا نصف مد أو نحوه، ثم أبول فأتوضأ منه وأفضل فضلًا، فقال عبد الرحمن: فذكرت هذا الحديث الذي سمعته من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار فقال لي سليمان: وأنا مثل ذلك، فذكرت ذلك لأبي عبيدة بن عمار وياسر فقالوا: هكذا سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ وقال بعض أصحابنا: صاع الجنابة ثمانية أرطال وثلث، والمد رطل وثلث.