أعلم أن هذا الباب لم ينقله المزني وذكره الشافعي في القديم والجديد من "الأم" والركاز في اللغة هو عبارة عن المال المدفون في الأرض أي مال كان، واشتقاقه من ركز يركز، إذًا يعني دفن يدفن، ومنه يقال: ركز الرمح في الأرض إذا غرزه فيها، ولا فرق في اللغة بين أن يدفنه مسلم أو مشرك وهو في الشرع: عبارة عن دفين الجاهلية
[ ٣ / ١٨٧ ]
فإذا وجد مالًا مدفونًا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الموضع مواتًا أو غير موات فإن كان مواتًا لا يخلو الموجود من ثلاثة أحوال: إما أن يكون من ضرب الجاهلية أو الإسلام أو منهما فإن كان من ضرب الجاهلية وهي الدراهم الكسروية التي عليها الصورة والتماثيل فهو الركاز الذي أوجب النبي ﷺ فيه الخمس لأن الظاهر أنه ملك الجاهلية وأنه لم يزل عن ملكهم وإنما أوجب الخمس لأنه يوجد دفعة واحدة من غير مؤنة في تحصيله فكثر فيه الواجب، وإن كان من ضرب الإسلام الذي عليه اسم الله تعالى واسم رسول الله ﷺ فهو لقطة يعرفها حولًا وإن كان مبهمًا [٢٠٧ أ/ ٤] لا سكة عليه من ضرب الجاهلية أو غيره فالمذهب المنصوص أنه لقطة لأنه مملوك لا يستباح إلا بتعين هذا ذكره البغداديون من أصحابنا، وقال البصريون: المنصوص أنه يكون ركازًا لأن النفقة تشهد له وهي الموات والإسلام وطارئ، وقيل: إن الشافعي قال في "الأم": أحب أن يعرفه ويخمسه ولا أجبره على التعريف، ولو كان لقطة لم يجز أن يخمسه، وإن كان الموضع مملوكًا لا يخلو من أحد أمرين: أما أن يعرف مالكه أو لا يعرف فإن لم يعرف مالكه لا ابتداء ولا انتهاء مثل الأراضي العادية والأراضي الجاهلية الذين بادوا وفنوا فإن ما يجده فيها من الذهب والفضة هو بمنزلة ما يجده في الموات لأن ما لا سبيل له إلى معرفة مالكه فهو بمنزلة ما لا مالك له ومن جملة ذلك ما نجد في قبورهم فقد روى عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: لما خرجنا إلى الطائف مع رسول الله ﷺ قال: "هذا قبر أبي رغال خرج إلى هاهنا فأصيب كما أصيب أصحابه فدفن هاهنا رأيت ذلك أنه دفن ومعه غصن من ذهب فمن نبشه وجده" فابتدره الناس فأخرجوه. وروى [٢٠٧ ب/ ٤] عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا وجد كنزًا فقال له رسول الله ﷺ: "إن وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل متباعد فعرفه، وإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" وإن كانت الأرض إسلامية فإن عرف مالكها ففي ظاهر الحكم ملك صاحبها فإن كانت لمسلم أو ذمي لم يتعرض له لأنه لا يجوز التصرف في ملكهما وإن كانت لحربي (١) لأخل الخمس والباقي (٢) وقال أبو حنيفة: إذا وجده في موات دار الحرب فهو غنيمة وكله له بناء على أصله فيمن دخل دار الحرب وحده فأصاب مالًا فكله له، وقال أبو يوسف وأبو ثور: هو ركاز وعلى هذا عن أبي حنيفة: ولا يصح وهذا غلط، لأن الظاهر أنه لصاحب الأرض لأن يده عليها وإن لم يعرف مالكها، وقال أصحابنا هو لقطة، وقال في "الحاوي" (٣): وهو اختيار القفال هو لبيت المال ولا يكون لقطة لأنه وجد في الملك فلا يكون لقطة وإنما يكون إذا وجد في غير ملك وضاع من صاحبه.
_________________
(١) (٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٢/ ٣٤٢).
[ ٣ / ١٨٨ ]
قال القفال: وهكذا لو كان عليه آيات القرآن التي هي علامة الإسلام (٢٠٨ أ/ ٤) على هذا الخلاف وهذا أحسن لو وجده في ملك فهو أولى به فلا يمين عليه إذا قال: هو لي وملكي لأنه الظاهر فإن لم يدعه لنفسه فإن كانت الأرض ابتاعها سئل بائعها فإن ادعاه سلم إليه، وإن لم يدعه يرجع إلى بائع البائع وعلى هذا أبدًا، وإن كانت موروثة كان مقسومًا على فرائض الله تعالى، فإن لم يدع رجع إلى ورثة من ورث مورثه عنه فإن ادعوا وإلا وقف أمره حتى ينكشف ولا فرق في كل ما ذكرنا بين الرجل والمرأة والصبي والبالغ والمجنون والعاقل، وقال سفيان الثوري لا يملكه إلا رجل عاقل وهذا غلط، لأنه اكتساب كالاصطياد والعبد إذا وجد كان لسيده.
وحكي عن الأوزاعي والثوري وأبي عبيد أنهم قالوا: يرضخ للعبد منه ولا يعطيه كله وهذا غلط، لأنه كسب عبده فكان لسيده كالصيد والكافر إذا وجد ركازًا كان له، وقال بعض أصحابنا: لا يملك الكافر الركاز ولا المعدن أيضًا كما لا يملك بالإحياء وهذا غلط، وقد تقدم الفرق، ولو أدعى رب الدار والمستأجر في الركاز فالقول قول المستأجر نص عليه الشافعي كما يكون القول [٢٠٨ ب/ ٤] قوله في المتاع الذي في الدار وقال المزني: القول قول رب الدار وعلى المستأجر التنبيه لأن الدفين تابع للأرض وهذا غلط، لأنه مودع فيها وليس بتابع.
وقال أصحابنا بخراسان: المستعير في ذلك كالمستأجر، قال: ولو بنى مشرك حصنًا أو قرية ودفن تحتها كنزًا فبلغته الدعوة فعاند ولم يسلم حتى مات وخربت القرية ثم وجد مسلم ذلك الكنز لا يكون ركازًا بل يكون فيئًا، لأنه مال مشرك معاند رجع إلينا من غير قتال، وإنما يكون كنزًا إذا لم يعرف حاله وهل بلغته الدعوة فعاند يحل محل ماله أم لم تبلغه الدعوة فلم يحل ماله، وأعلم أن الركاز ما جمع وصفين أن يكون من ضرب الجاهلية وذلك مشهور في مجراه فهو ركاز، وإن لم يكن كذلك فيكون لقطة ولو شك هل أظهره السيل أم لا؟ كما لو شك هل هو ضرب الجاهلية أم لا؟ فيه وجهان، فإذا تقرر ما ذكرنا فالكلام في الركاز في خمسة فصول: في المال الذي يتعلق به الحق ثم النصاب ثم الحال ثم قدر الواجب فيه ثم المصرف، فأما المال ينظر فيه فإن كان [٢٠٩ أ/ ٤] من الإيمان ذهبًا أو فضة تعلق الحق به قولًا واحدًا، وفيما عداهما من الرصاص والنحاس والصفر والحديد قولان، قال في الجديد: لا شيء فيه قياسًا على الزكاة تختص ببعض الأجناس، وعلى المعدن وعلى قوله في القديم: يخمس الكل ولو كان فخارًا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وهي رواية عن مالك قياسًا على الغنيمة.
وأما النصاب: فهل يعتبر؟ فيه قولان، قال في "القديم": لا يعتبر، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأصح الروايتين عن مالك لأنه قال: يجب تخميسه كالغنيمة، وقال في
[ ٣ / ١٨٩ ]
الجديد: يعتبر لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كحق المعدن والمستحب أن يزكيه قليلًا كان أو كثيرًا، قال الشافعي: لو كنت أنا الواجد لخمست قليله وكثيره، وقيل قول واحد: النصاب يعتبر والقول الآخر مخرج مما ذكر الشافعي لو كنت أنا الواجد لخمست قليله، وهذا الاحتياط لنفسه كما قال: وأما أنا فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام، فإذا قلنا بقوله القديم يجب في كل جنس الخمس قليله وكثيره ولا يعتبر فيه الحول قولًا واحدًا، وقدر الواجب فيه الخمس بلا خلاف على ما ذكرنا.
وإذا قلنا [٢٠٩ ب/٤] يعتبر النصاب فإن وجد نصابًا أخرج الخمس وإن كان أقل من نصاب نظر فإن لم يكن له مال سواه أو كان ولكن بالإضافة إليه لا يبلغ نصابًا فلا شيء عليه كما لو ورث أو أتهب، وإن كان له مال من غير جنسها فلا شيء فيه أيضًا لأنه لا يضم جنس إلى جنس، وإن كان معه ما إذا ضم إليه يبلغ نصابًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أم يجد الركاز مع حؤول الحول على ما عنده أو بعده أو قبله فإن كان مع حؤول الحول على ما عنده، وإن كان الذي عنده نصابًا مثل إن كان عنده مائتا درهم وقد وجد مائة أخرى زكي الكل خمس المائة وعشرون وربع عشر المائتين خمسة، لأن المائتين حال عليها الحول والركاز في حكم ما حال عليه الحول فوجب ضم أحدهما إلى الآخر، وإن كانت الإصابة بعد الحول فالحكم فيه كما لو كان مع الحول على ما مضى.
ولفظ الشافعي في "الأم" (١): لو حال الحول على ماله في المحرم ثم أصاب ركازًا في صفر خمسة وإن كان دينارًا، رأوا إن كانت الإصابة قبل الحول قال أبو حامد: لا يضم إلى ما في يده ولا يجب فيه الخمس في الحال فيستأنف الحول واحتج بأن الشافعي [٢١٠ أ/ ٤] قال في "الأم" (٢): لو أفاد اليوم ركازًا لا تجب فيه الزكاة وغدًا مثله ولو جمعا معًا وجبت فيهما الزكاة لم يكن في واحد منهما خمس وهذا نص لأنه استفاد الثاني وكمل به النصاب ولم يوجب شيئًا، وقال أيضًا: لو وجد مائة ركازًا أو ورث مائة استأنف الحول وهذا لأن الركاز هو في حكم ما حال عليه الحول، والذي معه من المائتين لم يحل عليها الحول فكان حكمها مختلفًا فإذا تم حول المائتين أخرج زكاتها ثم إذا حال الحول على الركاز أخرج ربع عشره، قال: وقول الشافعي في "الأم": إذا كان له مال يجب فيه الزكاة أو قال: إذا ضم إليه الركاز وجبت فيه الزكاة ولم يعتبر أن يكون حال الحول على ما عنده من المال محمول على أن قصده به إيجاب الضم إلى ما عنده من العين فلم يتعرض لحكم الحول، ومن أصحابنا من قال: يلزمه إخراج حق الركاز في الحال قياسًا على ذكر الشافعي إذا وجده بعد تمام الحول يزكيه، وإن كان الحول الثاني لم يتم على ماله ولا حكم للحول الذي مضى قبل
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣٨).
(٢) انظر الأم (٢/ ٣٧).
[ ٣ / ١٩٠ ]
وجود الركاز، وهذا بمنزلة من كان معه عشرون دينارًا أحد عشر شهرًا ثم بازل تسعة (١) بمثلها انقطع [٢١٠ ب/٤] الحول فيها ولم ينقطع الدينار وقد قال الشافعي: مثل ذلك فيمن كانت معه أربعون من الغنم ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعًا فإن الحول ينقطع فيما باعه ولا ينقطع في الباقي، قال هذا القائل وهذا ظاهر كلامه في "الأم"، فإنه قال: فإن كان ماله الغائب كان في يد من وكّله فهو ككينونة المال في يده، وأخرج زكاة الركاز ولا يعتبر وجوده في آخر جزء من أجزاء الحول أو بعده قال هذا القائل: وأما ما قاله في "الأم": إذا واجد ركازًا لا يتم نصابًا ثم وجد ما يتم به نصابًا لم يضم يحتمل أن يكون قصد بذلك أن الركاز لا يضم بعضه إلى بعض كما يضم المستخرج من المعدن بعضه إلى بعض، لأن الركاز لا يوجد شيئًا بعد شيء ويحتمل أنه أراد إذا تلف الأول لا يضم الثاني إليه يدل على هذا أنه قال في هذه المسألة: وكانا كالمال يستفيد في وقت فتمر عليه سنة لا تكون فيه الزكاة، والقاضي الطبري ذكر في الأول أن المذهب ما قاله الشيخ [٢١١ أ/٤] أبو حامد ثم مال إلى هذا القول الآخر فحصل قولان في المسألة، وهذا كله إذا كان المال في يده نصابًا فإن كان أقل من نصاب ويتم بالركاز مثل إن كانت عنده مائة لها حول تام وأصاب هذه المائة ركازًا فإنه يضمها إليه نصابًا، وما الذي يزكى فيه وجهان، أحدهما: يزكي ربع عشر التي عنده وخمس التي وجدها، لأن المائة التي معه حال عليها الحول والمائة الركاز في حكم ما حال عليه الحول فصار كأنهما معه سنة فوجب أن يخرج زكاتها وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وادعى أنه ظاهر المذهب، والثاني: أنه يخرج خمس التي وجدها دون المائة التي كانت عنده وهذا هو الصحيح لأن الحول لا ينعقد على ما دون النصاب، والركاز لا يعتبر فيه الحول فلا يجري مجرى ما حال عليه الحول، وقال بعض أصحابنا: الأصح أنه لا شيء عليه ويستأنف الحول من حين نما نصابًا لاختلاف حكمهما ذكره في "الحاوي" (٢)، والمنصوص في "الأم" (٣) خلاف هذا لأنه قال: لا فرق بين أن يكون نصابًا أو يتم بالركاز نصابًا، وإن كانت الإصابة قبل الحول مثل إن أصاب مائة وعنده مائة منذ سنة مثل ستة [٢١١ ب/٤] أشهر وقال الشيخ أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه لا شيء عليه في الحال وقد كمل النصاب فيستأنف الحول وقد بينا أن ظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يجب في الركاز الزكاة، وفي المسألة قولان مخرجان.
فرع
إذا وجد ركازًا فالمؤنة لا تحتسب من أصل المال، وعليه إخراجٍ الحق من أصل المال كما قلنا في المعدن، وقال في القديم: وعلى كل من وجد كنزًا إظهاره ولا يحل
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٣٤٤).
(٣) انظر الأم (٢/ ٣٨).
[ ٣ / ١٩١ ]
كتمانه فإن كتمه كان الحق واجبًا عليه فيه حتى يخرجه وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: هو بالخيار إن شاء أظهره فيؤخذ منه الخمس وإن شاء كتمه إذا كان فقيرًا فلا يجب فيه شيء وهذا غلط، لأن بالكتمان لا يسقط الحق كسائر الحقوق، وأما المصرف المنصوص أن مصرفه مصرف الصدقات كحق المعدن سواء.
وقال المزني وابن الوكيل من أصحابنا وهو رواية عن أحمد مصرفه مصرف الفيء، وقال أبو إسحاق: يحتمل ما قال المزني يقبل فيه قولان، وقيل: قوله واحد، وقال أبو حنيفة: مصرفه مصرف الفيء وهذا غلط، لأنه حق يجب في مال لصاحب المال [٢١٢ أ/٤] أن يتولى تفرقته بنفسه فلا يكون مصرفه مصرف الفيء لزكاة النقد.
فرع
إذا وجد ركازًا وحمله إلى الإمام يجب على الإمام أخذ الخمس منه ولا يجوز له تركه به، وقال أبو حنيفة: الإمام بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء تركه به وهذا غلط قياسًا على العشر.
فرع آخر
لو وجده المكاتب لا يؤخذ منه الحق لأنه يعتبر عندنا أن يكون الواجد من أهل الزكاة خلافًا لأبي حنيفة ولو أقطعه الإمام أرضًا فيها ركاز فهو لقطع الأرض سواء كان هو الواجد أو غيره لأنه يملك الأرض بالإقطاع كما يملكها بالابتياع.