قال (٢): أخبرنا عبد الله بن نافع وذكر في الخبر.
وهذا كما قال وقت وجوب الزكاة في الثما إذا جاز ببيعها مطلقًا من غير شرط القطع وهو إذا بدا الصلاح [١١٢ ب/٤] فيها بأن تحمر أو تصفر وفي العنب أن يتموه ويحلو شيء منه إن كان أبيض أو يسود إن كان أسود فإن جاء هذا الوقت وجبت الزكاة وهو وقت توجيه الساعي بخرصها فيبعث الإمام من يخرصها على أربابها فيعلم بالخرص قدر الزكاة فيها لأنه إذا عرف ما يجيء منها تمرًا أو زبيبًا عرف مقدار العشر ثم إذا خرص عليه قال لرب المال أنت بالخيار بين أن تأخذها أمانة أو ضمانًا فإن اختار إمساكها أمانة كان له غير أنه لا يجوز له أن يتصرف في شيء من الثمرة ببيع ولا يأكل غير حفظها كالمال بين شريكين في يد أحدهما فإن خالف فأكل أو أتلفه فقد أثم وعليه الضمان فإن اختار أن يقبلها ضمانًا جاز واعلم أن أصحابنا اختلفوا في معنى الضمان.
قال ابن سريج: إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة والعين مرتهنة بما في الذمة كان معنى الضمان فكها من الرهن ليستفيد رب المال التصرف وإن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين كان معنى الضمان القرض فكأنه قال: أقرضناك هذا الرطب من نصيب المساكين بما يجيء منه تمرًا ويجوز هذا القرض لموضع الحاجة، وقال الشيخ أبو حامد: وأجود من هذا عندي أن يقال خذها بكذا وكذا [١١٣ أ/٤] تمرًا فإن لرب المال أن يعطي العشر منها أو مثله من غيرها تمرًا فإنه إذا قال خذه بما يجيء منه تمرًا فقد أعطاه يعني الزكاة وموجبها وسواء قلنا: أمانة أو تضمين لا يلزم الضمان إذا هلكت بغير تفريط وإنما يفيد التضمين جواز التصرف على الإطلاق كيف شاء لا وجوب الضمان، وقال القفال: الخرص عبرة أو تضمين قولًا، أحدهما: أنه عبرة فلا يأكل رب المال من الثمرة إلا بقدر ما يفضل عن الزكاة ولكن له أن يبسط في الثمار.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٥).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٢٥).
[ ٣ / ١٠٤ ]
والثاني: أنه يضمن فعلى هذا له التبسط في الكل والزكاة في ذمته، وروي نحو قولنا في جواز الخرص التضمين عن أبي بكر وعمر ﵄ وعطاء والزهري ومالك وأبي ثور ﵏، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: لا معنى للخرص إلا أن أصحاب أبي حنيفة هربوا من الأخبار المروية في الخرص، فقالوا يجوز لتخويف رب المال أن تبسط فيه فيتلف شيئًا منه فأما (١) فلا. واحتج الشافعي بخبر عتاب بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدي زكاته زبيبًا كما تؤدى زكاة النخل تمرًا" (٢)، فدل أن خرص النخيل كان معروفًا عندهم معمولًا به ولذلك شبه رسول الله [١١٣ ب/٤] ﷺ الكرم فيه بالنخل إذ الكرم لم يكثر عندهم كثرة النخل ثم احتج بقصة خيبر وهي أن النبي ﷺ قال لليهود حين افتتح خيبر: "أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم"، وبعث عبد الله بن رواحة ﵁ خارصًا وتمام هذه القصة ما روي أن النبي ﷺ افتتح خيبر عنوة وأحلى منها اليهود وقسم تلك النخيل بين الغانمين من المسلمين فلم يهتدوا إلى إصلاحها ونقصت ثمارها فجاءت اليهود مستأمنين وقالوا: نحن أعرف بأمر هذه النخيل فقال لهم النبي ﷺ: "أقركم" أي: في هذه النخيل "ما أقركم الله" أي: ما لم يأمرني الله بإخلائكم وإخراجكم، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يرون النسخ فأراد النبي ﷺ أن يكون لهم حجة غدًا إن أراد إخراجهم بأن يقولوا بيننا وبينكم أي: ساقاهم على هذا الشرط وهو أن تكون الثمرة بين المسلمين وبينهم نصفين فأخذوا على هذا الشرط فلما طابت الثمار بعث إليهم عبد الله بن رواحه ليخرصا عليهم وكانت أم عبد الله خيبرية فلما سمعت اليهود بأنه مقدم عليهم ليخرص استقبلوه وأهدوا إليه حلى نسائهم ليخفف [١١٤ أ/٤] عليهم في الخرص فلم يقبل عبد الله هديتهم وقال: هذا سحت في ديننا فأرادوا أن يستدرجوه بالكلام، فقالوا له: أن أحب من تقدم علينا من هذه الجهة، فقال عبد الله: أما أنا فقد قدمت من عند من هو أحب من نفسي التي بين جنبي وقدمت على قوم هم أبغض على من القردة والخنازير فقالوا له: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا فقال عبد الله حبي إياه لا يطلق إلى الميل إليه وبغضي إياكم لا يحملني أن أجور عليكم إني إنما أحبه في ذات الله وأبغضكم في ذات الله، فقالوا بهذا قامت السموات والأرض ثم إنه خرص عليهم أربعين ألق وسق وروي أكثر فقالوا له: أجحفت بنا أي ثقلت الخرص علينا، فقال لهم: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي يعني إن شئتم أخذت منكما بهذا الخرص ورددتم نصف ما خرصته من الثمن وإن شئتم أخذت منكم بهذا الخرص ورددت نص ما خرصت من الثمن فقالوا بهذا قامت السموات والأرض أي
_________________
(١) مضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٣)، والترمذي (٦٤٤)، والنسائي (٢٦١٨)، وابن حبان (٣٢٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٣٢).
[ ٣ / ١٠٥ ]
بالعدل فقيل إنهم أحصوا تلك الثمار التي أخذوها فلم يكن عبد الله غلط بقدر عشرة أوسق ثم إنه ﷺ قبل وفاته قال: "إن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، [١١٤ ب/٤] فمات النبي ﷺ ولم يتفرغ لذلك أبو بكر الصديق ﵁ فلما كان زمان عمر ﵁ سحرت اليهود ابنه عبد الله بن عمر ﵁ فتكوعت يده فأجلاهم عمر فقالوا كيف تخرجنا وقد تركنا أبو القاسم فقال: ألم يقل أقركم على ما أقركم الله وأقبل على رجل منهم فقال: أنشدك الله ألم يقل لك رسول الله "كأني أنظر إليك وقد حملت متاعك على عاتقك لتخرج من خيبر وأخرجهم".
مسألة: قال (١) وَوَقْتُ الخَرْصِ إذا حَلَّ البَيْعُ.
وهذا كما قال قد ذكرنا أن الوقت الخرص حين يحل بيع الثمار مطلقًا وذلك حين يبدو الصلاح وإن بدا ذلك في زمرة واحدة وهذا لما روي أن النبي ﷺ "كان يبعث عبد الله بن راوحة خارصًا حين يطلب أو الثمرة" ولأن الخرص إنما يراد ليعرف رب المال قدر الزكاة ويملك التصرف لله وهذا إنما يحتاج إليه إذا حدث ما يمنع التصرف وهو تعلق الزكاة، فأما قبل ذلك فهو مطلق التصرف فلا يحتاج إلى الخرص فيه ولأن الساعي يحصي المواشي بعد وجوب الزكاة فكذلك الخرص بعد وجوب الزكاة. وقوله يتموه العنب أراد حين يجمع الماء الحلو وقيل أراد حين يتغير [١١٥ أ/٤] لون إلى الصفرة من قولهم موهب الفضة إذا طليتها بالذهب، وأما قوله ويوجد فيه ما يؤكل أراد يؤكل مستطابًا لأن الحصرم والبلح يؤكلان أيضًا، وقد صرح في موضع آخر فقال: ويوجد فيه ما يؤكل طيبًا ثم أعلم أن الشافعي ذكر خبر سهل بن أبي حثمة ﵁ أن النبي ﷺ أمرنا فقال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" (٢) ثم قال في "الأم" في آخر بيع العرايا: تأويله أنه يدع لرب الحائط وأهلها من الثمرة قدر ما يأكلون ولا يخرصه ليؤدي زكاته، وقال في بعض كتبه: تأويله يدع ثلث الزكاة أو ربعها عد رب المال ليتولى تفرقتها على فقراء قرابته وجيرانه لأنهم يطعمون في ذلك منه ذكره صاحب "الإفصاح" وهذا أقرب وقيل هل يفعل ذلك وجهان.
فرع
لو كان لرجل حائطان بدا صلاح أحدهما دون الآخر فيه وجهان، أحدهما: يخرصان معًا ويكون حكم الصلاح جاريًا عليهما، والثاني: يكون لكل واحد منهما حكم نفسه فيخرص ما بدا صلاحه إلا أن يكون أقل من خمسة أوسق فلا يخرص حتى يبدو صلاح الأخر يخرصان معًا.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٦).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢، ٣)، وأبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي (٢٤٩١)، وابن حيان (٣٢٦٩)، والحاكم (١/ ٤٠٢).
[ ٣ / ١٠٦ ]
مسألة: قال (١): ويأتي الخارصُ النخلةَ فيطيف بها [١١٥ ب/٤] حتى يرى كل ما فيها.
الفصل
وهذا كما قال أعلم أن الصحابة وعلماء الأمصار أجمعت على أن خرص ثمار البصرة لا يجوز لكثرتها وما تلحق المشقة والمؤنة في خرصها فرأى السلف أن تؤخذ صدقتها في الكرش عند دخول ثمرها البصرة فيكون ذلك أرفة بأربابها وأحظ للمساكين. وأما الكرم فهم وغيرهم فيه سواء يخرص عليهم ثم إذا أراد أن يخرص الثمرة على ربها فإنه يجيء إلى كل نخلة من نخيل ذلك الحائط فينظر في شماريخها ويقدرها رطبًا ثم يقدرها تمرًا فيقول يبلغ رطبها كذا وكذا وإذا جف وصار تمرًا نقص كذا وكذا ويثبت مكيلتها من التمر، وقيل يكتبها حتى لا ينساها ولا يغلط فيها ثم يعمل ذلك بكل نخلة حتى يأتي على جميعها ولا يكفي أن ينظر في صف من النخيل أو في عريش من الكرم فيقول خرجها كذا وقيل فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: أن هذا الذي ذكرنا احتياط ولا يجب لأن فيه مشقة خاصة عند كثرة النخل، والثاني: أنه شرط لأن الخرص اجتهاد فيلزم بذل المجهود له، والثالث: وهو الأصح إن كانت الثمرة بارزة من السعف على ما جرت به عادة الحجاز كان شرطًا وقال في البويطي يقدرها بسرًا ثم يقدرها تمرًا. [١١٦ أ/٤] والأول أولى لأنه ليس ما بين البسر والرطب تفاوت فإذا قدره رطبًا فقد قدره بسرًا. وقال أبو إسحاق: فإن اختار أن يحصي جميع ما في الحائط من الرطب ثم يسقط منهم قدر ما نقص إذا يبس كان أسهل وهذا غلط على الإطلاق لأن أنواع التمر تختلف فما قل ماؤه وكثر لحمه مثل المعقلي والبزي كثر تمره وما كثر ماؤه وقل لحمه كالسكر والهلبات قل تمره فيتفاوت ذلك ولذلك يحتاج أن يأخذ من كل واحد من الأنواع بحصته فلا يعرف ذلك فإن كان نوعًا واحدًا، قال بعض أصحابنا يجوز ذلك ولكن الاحتياط هو فيما ذكر الشافعي ﵀ ويخرص العنب كما ذكرنا في الرطب لأنهما في وجوب العشر سواء.
مسألة: قال (٢): ثم يخلي بين أهله وبينه.
وهذا كما قال: إذا خرص الخارص التمرة على ربها فإنه يخلي بينه وبينها لأنه مؤنه اللقاط والتجفيف على رب المال فوجب أن يخلي بينه وبينها فإذا خلى بينه وبينها وقيل خرص الخارص حل له التصرف في التمرة على الإطلاق على ما ذكرنا والأظهر من هذا النص هذا فالحرص يستفيد النصين وبالنصين يستفيد التصرف وبالتصرف يلزمه الضمان ثم إذا أتلفهما ضمن عشر تمرًا على حساب ما خرص عليه [١١٦ ب/٤] من أوسطهما فإن اختلف في وسطها فالقول قول رب المال مع يمينه. قال أصحابنا: ويجب أن يكون اليمين ها هنا استحبابًا لأن قول رب المال لا يخالف الظاهر فإن كان
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٦).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١٠٧ ]
المساكين معينين في البلد ونكل هو عن اليمين هل يحلفون قد ذكرنا إن أوجبنا اليمين إلا أن يأتي الساعي ببينة وأقلها شاهد وامرأتان هذا إذا سلمت إليه بالضمان وإن سلمت إليه أمانة ففيه وجهان، أحدهما: يطالب بأكثر الأمرين من قيمتها رطبًا أو مكيلتها تمرًا لأن لهم أوفر الحقين من الرطب أو التمر كمن أوجب على نفسه أضحية ثم أتلفها لزمه أكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها، والثاني: أن يطالب بمكيلتها تمرًا لأن هذا هو الواجب عليه وهذا هو ظاهر المذهب المنصوص، وقال بعض أصحابنا: إن قلنا: إن الخرص عبرة يضمن قيمة العشر لأنه لا مثل للرطب وهذا غلط لأن الثمرة إن كانت مما تصير تمرًا لم يجز إخراج العشر منه إلا من التمر وليس هذا كما لو أتلف الأجنبي الرطب تلزمه قيمته حين أتلفه لأن ضمان المتلف يختلف باختلاف التلف كالصيد المملوك إن أتلفه محرم فإنه يلزمه الجزاء والقيمة وإن أتلفه حلال فعليه القيمة وكذلك إذا [١١٧ أ/٤] عين أضحية إن أتلفها آخر ضمن قيمتها وإن أتلفه المضحي فعليه أكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها، وكذلك إذا وطئت امرأة بشبة فعليه مهر مثلها فإن كان من العشرة خفف عنه، وإن كان من غير العشرة غلظ عليه، وإن أتلفها قبل مجيء الخارص خرصها فالقول قوله في مقدارها لأنه أمين في الزكاة، ويأثم بما فعل وللإمام أن يعزره إن تعمد ذلك لئلا يعود إلى مثله ويلزمه عشرة تمرًا على ما ذكرنا من المذهب، وقال القفال: فيه وجهان، أحدهما: هذا لأنه منع الخرص فصار كما لو خرص عليه ثم أتلفه، والثاني: تجب القيمة لأن التمر إنما يلزم في ذمته بالخرص وهذا غير صحيح على ما ذكرنا.
فرع
قال بعض أصحابنا: إذا أتلف نصاب الغنم فإنه يضمن للفقراء السن الواجبة عليه وهو المذهب، وقال القاضي حسين: يضمن قيمة الشاة كما إذا أتلف الرطب فإنه يضمن للفقراء ثمن عشرها وهذا صحيح على قولنا إن الزكان تجب على الشركة فإنه متلف شاة مملوكة للفقراء فيضمن قيمتها.
مسألة قال (١): وإن ذكر أهله أنه أصابته جائحة أذهبته.
الفصل
وهذا كما قال: إذا دعي رب المال أن الثمرة أصابتها جائحة فإن ادعى ذهاب الكل [١١٧ ب/٤] نظر فإن ادعى بسبب ظاهر مثل مجيء الجرار ونزول العسكر أو وقوع الحريق في الجرين فلا يقبل منه إلا أن يعلم السبب لأن مثل ذلك يظهر في الغالب ولا يخفي أمره ولا يحتاج فيه إلى اليمين وإن ادعى ذهابها بسبب خفي بأن قال سرق بعد اللقاط أو على رؤوس النخل فالقول مع يمينه كما يقول في المودع إذا ادعى تلف
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١٠٨ ]
الوديعة بسبب ظاهر لا يقبل منه حتى يعلم السبب وإن ادعى تلفها بسبب خفي قبل منه وإنما يحلفه ها هنا إذا اتهمه وهل اليمين واجبة أو مستحبة على القولين لأن هذه الدعوى تخالف الظاهر وهكذا لو ادعى شيئًا ظاهرًا ولكن لم يعلم أنه أصابها ويحتمل خلاف ذلك وإن ادعى ذهاب البعض فالكلام فيه على ما بيناه، وأما الباقي فإن كان نصابًا وجبت الزكاة فيه وإن كان أقل من النصاب فإن قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة، وإن قلنا من شرائط الضمان وجبت في الباقي بقدره.
فرع
قال في "الأم" (١): لو قال أخذنا منه شيئًا وذهب شيء لا أعرف قدره قيل له: ادع فيما ذهب ما شئت واتق الله ولا تدع إلا ما أحطت به علي واحلف ثم يؤخذ العشر منه كما بقي إن كان في عشر ويجب [١١٨ أ/٤] أن يكون في هذه اليمين وجهان هل هي واجبة أو مستحبة وإن لم يذكر شيئًا معلومًا قال الشافعي: أخذنا منه العشر على ما خرصنا عليه.
مسألة: قال (٢): فإن قال: قد أحصيت مكيله ما أخذت وهو كذا وما بقي كذا.
الفصل
وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة: قد نقصت الثمرة عما خرص الخارص وقد أخطأ في الخرص فإن ادعى كثيرًا لا يقع مثله في الخرص مثل النصف أو أكثر منه لم يقبل وطالبناه بعشر ما خرص عليه وان ادعى يسيرًا يقع مصله في الخرص يقبل منه وهل يحلف لم يذكر الشافعي في "الأم" اليمين بل صدق لأنها زكاة وهو فيها أمين وذكر في البويطي اليمين في هذه المسألة فقال: ومن ادعى أن الخارص أخطأ عليه حلف على ذلك وأسقط عنه، قال ابن أبي هريرة لا فرق في اليمين بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة ففي وجوبها وجهان، لأن الظاهر أن الخرص صحيح ودعوى الخطأ خلاف الظاهر وإن ذكر نقصانًا وقال وجدت كذا وكذا ولم يذكر سبب النقصان، قال ابن سريج: القول قوله مع يمينه لأنها قد تهلك بأنه لا يعلمها وليس فيه تكذيب الخارص وإن تفاوت ما ذكره وإن وجد فضلًا عما [١١٨ ب/٤] خرص الخارص عليه أدى زكاة الفضل.
فرع
قال القفال: إذا ادعى غلطَا متفاحشًا وقلنا لا يقبل فهل يقبل المحال في هذه الحالة مثل خمسة أوسق في مائة وسق ونحو ذلك ينبغي أن يقبل ويحط عن هذا القدر المحتمل (٣)
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢٧).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) انظر الأم (١/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١٠٩ ]
هذا ما قال الشافعي في امرأة ادعت انقضاء عدتها بالأقراء في أقل من اثنين وثلاثين يومًا وساعتين فكذبناها فأصرت على دعواها حتى بلغت هذه المدة من يوم الطلاق حكمنا بانقضاء عدتها باثنين وثلاثين يومًا وساعتين وإن كانت تقول انقضت عدتي في عشرين يومًا ونحن نعرف كذبها في دعواها.
فرع آخر
قال القفال: لو ادعى نقصانًا بقدر ما يقع في التفاوت بين الكيلين هل يحط عنه ذلك وجهان، أصحهما: أنه يحط عنه لكن الكيل والخرص ظن وتخمين، والثاني: لا يحط كما لو اشترى طعامًا مكايلة وباع مكايلة فإنه لا يرجع بالنقص بين الكيلين على البائع الأول لأنه كما يحتمل أن يكون لنقص في الأول يحتمل أنه لزيادة في الثاني أو لمبالغة في فعل الكيال فيه كذلك ها هنا يحتمل أنه خطأ في الخرص ويحتمل أنه وقع [١١٩ أ/٤] رجحان في الكيل.
فرع آخر
لو ادعى أن الخارص ظلمه عمدًا لا دعواه كما لو ادعى على الحاكم الظلم لا يسمع إلا أن يدعي أمرًا لا يخفي على أحد ويشهد له المشاهدة لأنه على اصل الأمانة فإنه ادعى أنه أقر بالجور يسمع ويطالب بالبينة ولا يحلف كما لا يحلف الحاكم إذا ادعى عليه أنه أقر بظلم الحكم.
مسألة: قال (١): وإن قال سرق بعد ما صبرته إلى الجرين.
الفصل
وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة سرقت الثمرة بعد ما صيرتها إلى الجرين فالجرين هو الموضع الذي تجفف فيه الثمرة وتسمى الجوخان ويسميه أهل البحرين الفدا، والفدا هو الثمر الكثير المجتمع فسمي الموضع ويسميه أهل بغداد المسطاح ويسمى بخراسان وبالشام البيدر، فإذا ثبت هذا فإن سرقت بعد ما جفت وأمكن إخراج العشر منها صار مفرطًا وعليه ضمانها وإن سرقت قبل الإمكان فإنه تسقط الزكاة فيما سرق وينظر فيما بقي فإن كان نصابًا أخرج عشره وإلا فقولان على ما ذكرنا وإن الثمرة في غير الجرين في موضع ليس بحرز للثمرة فسرقت فعليه ضمان العشر فيما سرق لأنه مفرط في حفظه وإن صيرها في الجرين يستجفها [١١٩ ب/٤] فرش عليها ماء أو أحدث فيها شيئًا فتلفت بذلك أو نقصت فهو ضامن لأنه هو الجاني عليها وإن لم يحدث فيها إلا ما يعلم به إصلاحها فتلفت لم يضمن.
مسألة: قال (٢): وإن استهلكه رطبًا أو يسرًا بعد الخرص ضمن مكيلة خرصه.
وهذا كما قال قد ذكرنا أنه إذا استهلكها وهي رطب يجب عليه العشر على ما
_________________
(١) انظر الام (٢/ ٢٧).
(٢) انظر الأم (١/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١١٠ ]
خرصه الخارص وكذلك إن استهلكها بسرًا فإن قيل يوجب أن لا يلزم العشر إذا قلتم إن الإمكان من شرائط الوجوب لأنه لم يتمكن من إخراج العشر قبل قد سبق الجواب وهو انه إذا لم يبق من شرائط الوجوب إلا الإمكان وهو تيسير الفعل ثم أتلف فهو الذي منع الإمكان وتيسير الداء فكان الإمكان قد وجد ذكر كيفية الضمان.
مسألة: قال (١): وإن أصابَ حائطَه عَطَشٌ.
الفصل
وهذا كما قال إذا أصاب نخيل عطش وعليها ثمرة قد بدا صلاحها فقال أهل البصر بها إن تركت الثمرة عليها حتى تصير رطبًا أدى إلى يبسها وجفافها لأنها تحتلب ماء النخيل فيجب أو ينقص ثمرها في مستقبل الأعوام وإن قطعت الثمرة عنها لم يضرها العطش ولكن يبطل كثيرًا من ثمنها إذ [١٢٠ أ/ ٤] لا يرغب في شراء غيرها كان لرب الثمرة قطعها.
قال الشافعي (٢): يؤخذ ثمن عشرها أو عشرها مقطوعًا وأراد لا يكلف في هذا الموضع عشرها تمرًا.
فإن قيل: هلا قلتم أنه يقطعها ويلزمه عشرها تمرًا كما لو قطع باختياره من غير عطش قبل الفرق أن به حاجة إلى قطعها فكان معذورًا فلا يلزمه العشر تمرًا وصار بمنزله الرطب الذي لا يجئ منه تمرًا ويجوز أخذ العشر من عينة وليس كذلك إذا استهلكها باختياره لأنه كان يمكنه أن يتركها حتى تترطب وتبلغ أوان الجذاذ فيجفف ويؤدي التمر فإذا لم يفعل لم يكن معذورًا وفرط في ذلك فلزمه ما وجب عليه صرفه إلى المساكين، فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: لا يجوز له قطعها ما لم يحضر الساعي، فإذا حضر الساعي قال أبو إسحاق: إن قلنا إن قسمة الرطب على رؤوس النخل بالخرص يجوز على أحد القولين يقاسمه بالخرص فإذا قسمه وتميز نصيب أهل السهمان في نخلات بعينها لحفظ الجميع وأخذ نصبيهم ونظر فإن رأي المصلحة في قسمته بينهم فعل، وإن رأي المصلحة في بيعه وقسمة ثمنه باعه وقسم ثمنه بينهم وإن قلنا [١٢٠ ب/ ٤] إن قسمة الثمار على رؤوس النخل بالخرص لا يجوز (٣) إلى تمييز حق أهل السهمان في عشر هذه الثمرة بعينها فإن رب المال بالخيار بين أن يعطي ثمنها أو من غيرها فإذا قبضه مشاعًا استقر حقهم في عشر هذه الثمرة بعينها وانقطع خيار المال وجاز للساعي التصرف فيه فإذا أثبت هذا وقبضه فإن شاء باعه من رب الثمرة وإن شاء باعه من الأجنبي وإن شاءا باعا الجميع من واحد واقتسما الثمن على قدر حقيهما وقبل أن يقبضه مشاعًا لا يجوز أن يأخذ ثمنه من رب المال لأنه يكون إخراج القيمة في الزكاة وإن شاء فوض البيع إلى رب المال إذا كان أمينًا وهذا هو المذهب.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢٢٨).
(٢) انظر الأم (٢/ ٢٧).
(٣) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ١١١ ]
وقال ابن أبي هريرة: لو رأى الساعي الحظ في أخذ حصتهم من الثمرة فإنهما يقطعانها ويقتسمانها كيلًا أو وزنًا واستظهر رب المال على نفسه ليعلم أن الذي أخذه الساعي لا ينقص عن حق المساكين. فإن قيل كيف أخذتهم القسمة كيلًا أو وزنًا ولم تجيزوها خرصًا على رؤوس النخل لأنكم جعلتم القسمة على هذه الطريقة وبيع الثمرة بعضها ببعض لا يجوز كيلًا ولا وزنًا كما لا يجوز على رؤوس النخل خرصًا قيل إنما لا يجوز خرصًا [١٢١ أ/ ٤] على رؤوس النخل لأن الساعي لا يتيقن أن أخذه تمام حق أهل السهمان لا من أجل الربا لأنه لا ربا بين الساعي وبين رب المال في مقاسمة العشر وإنما الربا في البيع أو في قسمة الثمرة التي بين الشريكين فإذا كان كذلك فتقاسما كيلًا أو وزنًا واستظهر (١) السهمان بحيث يتيقن استيفاء حقهم جاز ولهذا قال الشافعي: ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعة فخير بينهما على ما هو الأنفع للمساكين وهذا خلاف مذهب الشافعي لأنه بعد هذا والعشر مقاسمة كالبيع بلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على الشجرة. وقوله ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعًا أراد يأخذ عشر ثمن عشرها إذا باع العشر مشاعًا بعد القبض على ما ذكرنا أو يأخذ عشرها مقطوعة مشاعًا ثم يتصرف في العشر على ما يجوز في الشرع وقيل: معناه يأخذ عشرها إن كانت باقية أو قيمة العشر إن كانت مستهلكة وعبر بالثمن عن القيمة ونص في "الأم" على هذا وقيل يأخذ عشر قيمتها وإن كانت باقية وهو ضعيف لما بينا أنه لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة وإن احتاج إلى قطع البعض للعطش دون الكل لا يقطع إلا قدر الحاجة.
مسألة: قال (٢): ومن قطع من ثمر نخلة [١٢١ ب/ ٤] قبل أن يحل بيعه لم يكن عليه فيه عشر.
وهذا كما قال إذا قطع ثمر النخل قبل وجوب العشر فيها لم يكره ذلك إلا أن يقصد به الفرار من الصدقة فيكره ولا زكاة مع هذا خلافًا لمالك على ما تقدم بيانه. قال في "الأم" (٣): وكذلك أكره له من قطع الطلع إلا ما أكل أو أطعم أو تخفيفًا عن النخل.
فرع
لو كانت النخيل فحولًا لم يكره قطعٍ طلعها بكل حال لأنه لا زكاة في طلع الفحال إذ لا يخفي منه رطب ولا تمر بل يؤكل رطبًا كالخضروات، نص عليه ثم قال الشافعي (٤) وإن أكل رطبًا ضمن عشرة تمرًا مثل وسطه وقد ذكرنا هذه المسألة وأراد أنه يضمن قبل الخرص تمرًا إذ العبرة بوقت الخرص لا بنفسه وأراد به إذا كانت أنواعًا مختلفة فإنه يؤخذ زكاتها من الوسط فيضمن الوسط وهل يجوز الأكل ولم يضمن تقدم بيانه.
مسألة: قال (٥): وإن كانَ لا يكونُ تَمرًا أَعَلَمَ الوالي ليَأمُر من يَبيعُ عُشرَة رَطبًا.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الأم (٢/ ٢٨).
(٣) انظر الأم (١/ ٢٢٨).
(٤) انظر الأم (١/ ٢٢٨).
(٥) انظر الأم (١/ ٢٢٨).
[ ٣ / ١١٢ ]
الفصل
وهذا كما قال إذا كان له تمر لا يجفف في العادة مثل السكر والهليان والإبراهيمي التي تفرق قشورها وتقل لحومها ويكثر ماؤها فإذا جففت تخشبت وقوله لا يصير تمرًا أراد به أن لا يعمل منه في العادة [١٢٢ أ/ ٤] تمر لأنه لابد وأن يحصل منه تمر وإن كان حشفًا فأكل كان كذلك فإنه يجب فيه العشر فإن قيل إذا كان لا ييبس ولا يدخر وحبس الرطب والعنب ييبس ويدخر وهذا نادر منه فألحق بجنسه فإذا ثبت هذا فاختلف أصحابنا في مقداره فمنهم من قال يعتبر نصابه بنفسه وهو أن يبلغ يابسة خمسة أو سق وإن كان حشفًا لأن الزكاة تجب فيه فاعتبر النصاب ثمنه ومنهم من قال يعتبر بغيره فينبغي أن يكون مقدار ما لو كان يجيء منه الثمن يحصل خمسة أوسق لأنه يعذر اعتباره بنفسه فيعتبر بغيره كما تقول في حكومة الحر يراعي التقويم للحاجة ثم الكلام فيه في أربعة فصول في كيفية الإخراج والتصرف والواجب بالإتلاف يصير تمرًا لأن ثمره حشف ومعظم منفعته في حال رطوبته فعلى هذا يلزمه أن يعلم الوالي الحال ثم الحكم في مقاسمته على ما بيناه في مسألة العطش ومن أصحابنا من قال يجوز قسمة هذا الثمرة كيلًا أو وزنًا بخلاف غيرها ويكون بمنزلة الألبان والخلول وهذا لا يعرف للشافعي والفرق أن أصل العنب والرطب أنهما يصيران تمرًا أو زبيبًا وما لا يصير [١٢٢ ب/ ٤] كذلك فقليل نادر، فكان حكمه حكم الأصل بخلاف اللبن والخل ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي ها هنا: إن أخذ عشرة وزنًا كرهته وأجزأه. وقال في موضع آخر رده فالموضع الذي قال رده هو إذا قلنا إن القسمة تبع والموضوع الذي قال أجزأه إذا قلنا: إنها إفراز حق ومن أصحابنا من قال: حين قال أجزأه إذا أخذه على الاحتياط وتيقن أنه استوفي حق المساكين وحين قال رده إذا أخذه بغير احتياط فأما التصرف فعلى ما مضى. وأما المضمون إذا استهلكه المنصوص أنه قيمة عشرة رطبًا لأن هذا لا يصير تمرًا ولا يخرص بل تؤخذ صدقته في الحال ومن أصحابنا من ذكر وجها أنه يضمن عشرها رطبًا لأن رب المال إذا أتلف الزكاة ضمن الزكاة الواجبة كما لو أتلف أربعين شاة وجبت فيها شاة يجب الضمان بالشاة وهذا ضعيف. وأما النوع هل يضمن من الوسط أو من كل نوع بحصته على ما ذكرنا.
مسألة: قال (١): وفي كل أحب أن يكون خارصان.
وهذا كما قال يستحب أن يكون الخارص خارصين وأكثر ليكون أبعد من الخطأ وأحوط [١٢٣ أ/ ٤] للجميع وأما الواجب فقال أكثر أصحابنا يجوز خارص واحد قولًا واحدًا لأنه كالحاكم في أنه يجتهد وقد روي أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة ﵁ خارصًا وحده ومن أصحابنا من قال فيه قولان، وبه قال صاحب "الإفصاح" وتعلق بقول الشافعي وقيل يجوز خارص واحد كما يجوز حاكم واحد وهذا
_________________
(١) أنظر الأم (١/ ٢٢٨).
[ ٣ / ١١٣ ]
يدل على أن فيه قولًا وروي عن النبي ﷺ أنه بعث مع ابن رواحة غيره ولأن في التقويم لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول. ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول. ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لصغير أو سفيه أو غائب فلابد من خارصين، وإن كانت لغيرها ولا يكفي واحد وهذا غلط لأن الشافعي سوى في "الأم" بين الجميع وإنما فرق بينهم في التخيير، فقال: يخير البالغ العاقل الحاضر ولا معنى للتخيير الصغير والسفيه والغائب الذي لا وكيل له. وفي القسمة إن كان فيها رد يحتاج إلى اثنين وإن يكن ففيه طريقان كما قلتا في الخارص وفي الغائب طريقان أيضًا.
فرع
إذا قلنا يكفي خارص واحد لا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدًا كالحاكم، وإذا قلنا إنه لابد من خارصين لا يجوز [١٢٣ ب/٤] أن يكونا امرأتين أو عبدين وهل يجوز أن يكون إحداهما امرأة أو عبدًا ليكون الرجل مختصًا بالولاية والمرأة والعبد مشاركًا له في التقدير والحرز؟ وجهان، إحداهما: يجوز كما يجوز أن يكون كيالًا أو وزانًا. والثاني: لا يجوز لأنه يحتاج إلى الاجتهاد كالحكم.
فرع آخر
لا يجوز للساعي أن يقبل من أرباب الأموال هدية لأنهم يفعلون ذلك لترك حق أو لدفع ظلم فيصير مرتشيًا (١)، وأراد بالرائش المتوسط بينهما. وقال رسول الله ﷺ: "ما أخذ العامل من عمالته فهو غلول" (٢) فإن قبل الساعي هدية على ترك حق أو دفع ظلم يلزمه ردها وإن قبلها لشكره في إنعام كان منه، قال الشافعي: كانت في الصدقات لا يسعه عندي غيره إلا أن يكافيه عليها بقدره فيسعه تمولها والله أعلم وهذا عند أصحابنا على الاستحباب والاحتياط.
مسألة: قال (٣): ولا تُؤخَذُ صَدقةُ شَيءٍ منَ الشَجَرِ والعِنبِ.
وهذا كما قال هذا الذي ذكره هو قوله الجديد وبه قال ابن أبي ليلى قال: وهذا لأن رسول الله ﷺ أخذ الصداقة منهما [١٢٤ أ/ ٤] وكلاهما قوت يشير بهذا إلى أن علة وجوب الزكاة فيهما أنهما مقتاتان من بين الثمار، وقال في القديم: يجب العشر في الزيتون إذا بلغ خمسة أو سق، وبه قال مالك والزهري والأوزاعي ثم قال في القديم وأحب أن يعشر زيتًا فجوز أن يعشر زيتًا لأنه أكمل وإنما أجاز الزيتون لأنه يدخر.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٤، ١٩٠، ٣٨٧، ٣٨٨)، وأبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (٣٥٨٠)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وابن حبان (٥٠٥٣).
(٢) أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (٢٢٩٦)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٨١).
(٣) انظر الم (١/ ٢٢٨).
[ ٣ / ١١٤ ]
قال أصحابنا: وهذا في الشامي الذي يكون منه الزيت فأما الزيتون الذي لا يكون منه الزيت فإنه يعشر إذا نضج وطاب ويؤخذ عشرة إذا بلغ خمسة أوسق ومن أصحابنا من قال يجب أن يعشر زيتًا لأنها منتهاه كالثمر وهذا خلاف النص. وقد روي عن عمر ﵁ أنه جعل في الزيت العشر (١). وروي عن ابن عباس ﵁ انه قال في الزيتون الزكاة فجمعنا بينهما على ما ذكرنا وإذا أوجبنا الزكاة فيه فوقت الوجوب إذا بدا صلاحها بأن يسود كما يسود العنب ور يجوز خرصه قولًا واحدًا.
وأما الورس قال الشافعي: هو شجرة صغيرة ينبت أصلها تحمل الورس طيب هل فيه العشر؟ قولان قال في "القديم": فيه العشر وذكر خبرًا قال: أخبرنا هشام بن يوسف أن أهل خفاش أخرجوا كتابًا من أبي بكر [١٢٤ ب/ ٤] الصديق ﵁ في قطعة أديم يأمرها أن يؤدوا عشر الورس. وقال: لا أدري أثابت هذا أم لا؟ فإن كان ثابها عشر قليله وكثيره لأنه ليس مما يكال، وقال في "الجديد": لا عشر فيه كما لا عشر في سائر المشمومات من الورد والبنفسج ونحو ذلك وهذا اصح وأما الزعفران قال في القديم: فإن قال قائل فقس عليه الزعفران لأنهما معًا طيب فهو وجه. وإن فرق بأن للورس أصلًا بخلاف الزعفران فإنه ليس له أصل ثابت فهو مذهب.
قال أصحابنا إن قلنا: إنه لا شيء في الورس فإن الزعفران أولى، وإن قلنا: في الورس العشر ففي الزعفران قولان وإذا أوجبنا لا يعتبر النصاب لأنه لا يوسق ثم قال الشافعي: لو قال قائل: في حب العصفر العشر لأنه مما ينبته الناس ويأكلونه في بعض الأحوال كان مذهبًا. ولو قال بالورس عشر قليله وكثيره وأراد بحب العصفر القرطم فهذه إشارة إلى قولين. وروي. عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يأخذ العشر منه ولم يثبت والصحيح لأن لا زكاة فيه لأنه ليس بقوت، وقال بعض أصحابنا: في عصفره قولان أيضًا كما في القرطم ذكره في "الحاوي" (٢).
وأما العسل فقال في [١٢٥ أ/٤] "القديم": الحديث الذي فيه العشر غير ثابت والذي روي فيه أنه لا عشر فيه غير ثابت فكأنه لم يقطع بحكمه وعلى القول فيه والخبر المروي فيه أن بني شبابة كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ من نحل كان عندهم العشر من كل عشر قرب قربة ورجع في الجديد عن ذلك. وقال أحمد وإسحاق والأوزاعي في العسل العشر، وقال أبو حنيفة: إن وجد في غير أرض الخراج يجب العشر وهذا غلط لأنه بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض.