مسألة: قال: واكره لبس الديباج.
الفصل
وهذا كما قال القفال ﵀، أراد بالكراهة هنا التحريم، وجملته: أنه يحرم في حالة القتال من الملابس ما يحرم في غير حالة القتال إلا أن يكون حاجة وضرورة.
وقال سائر أصحابنا: الديباج والحرير وسائر الثياب [١٩٤ ب/ ٣] في العرف لا يحرم لبسها، لما روى أبو داود عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، يقال له: عبد الله بن عمر قال: رأيت عبد الله بن عمر ﵁ في السوق اشترى ثوبًا شاميًا فرأى فيه خيطًا أحمر فرده، فأتيت أسماء وذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية ناوليني جبة رسول الله - ﷺ -. فأخرجت جبة [طيالسة] مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج " وهدا نص.
وروى بعض أصحابنا زيادة: أنه "كان يلبسها للقاء العدو"، وقال علي ﵁: "نهى رسول الله - ﷺ - عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو اربع ".
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الإملاء" و"الأم": لو لبس رجل قباء محشوًا بالقز فلا بأس؛ لأن
[ ٢ / ٤٤٩ ]
الحشو باطن، وإنما أكره إظهار القز للرجال، ومشايخ خراسان ذكروه عن أصحابنا ولم يذكروا هذا النص.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": إذا كان منسوجًا بالقز، والقز غالب كرهته في الحرب وغير الحرب، وان كان قزًا خالصًا كان مباحًا في الحرب؛ لأن القز الخالص يحصنه، وإذا لم يكن خالصًا لا يحصنه تحصين الخالص، ويرجع المعنى إلى ما تقدم في الحقيقة [١٩٥ أ/ ٣] وقيل: فيه وجه أنه يباح لبس ثوب القز؛ لأنه ليس من ثياب الزينة، وإن كان القز أصل الإبريسم.
فَرْعٌ آخرُ
الذهب حرام على الرجال قليله وكثيره؛ لأن النبي - ﷺ - "نهي عن التختم بالذهب". وهو قليل، وكذلك أزرار الذهب والدرع المنسوج بالذهب حرام، وكذلك لو كان الذهب على سيفه أو حمائل سيفه أو منطقته أو كان مموهًا بالذهب، وكان ظاهرًا فيه لا يجوز استعماله، ويخالف الديباج، لأنه لا يعمل فيه السلاح ولا حاجة في الذهب، وان كان في الدرع يجد بثمن ذلك درعًا جديدًا والجديد أخص. فإن قيل: أليس أجزتم بيسير الحرير دون يسير الذهب فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن يسير الذهب يظهر كما يظهر كثيره ويحصل به السرف والخيلاء من طريق العادة بخلاف يسير الحرير.
فَرْعٌ آخرُ
إذا فاجأته الحرب فلا يكره لبسه، لأنه موضع ضرورة، ويحل في حال الضرورة ما يحرم في حال الاختيار، وكذلك لو كان له سيف عليه حلية ذهب ففاجأته الحرب لا بأس أن يتقلده، فإذا انقضت الحرب، قال الشافعي ﵀: "أحببت [١٩٥ ب/ ٣] له نقضه"، وهكذا في حمائل سيفه وترسه ومنطقته، لأن كل هذا جنة أو صلاح جنة ولا يجوز لبس الخاتم من الذهب، وان فاجأته الحرب؛ لأنه لا جنة فيه.
فَرْعٌ آخرُ
يجوز لبس الحرير عند الحاجة إلى لبسه لما روي أن رسول الله - ﷺ - "رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما"
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو نسخ الذهب المنسوخ في الذرع وصدئ حتى لا يظهر لونه حل لبسه؛ لأنه سرف فيه وكذلك لو كان مموها بالذهب ولا يظهر لونه فصار مستهلكا فيه، ويستحب تركه مع هذا وقيل: الذهب لا يصدأ.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا أكره للرجل لباس اللؤلؤ إلا من جهة الأدب فإنه لباس النساء وزينتهن لا للتحريم، وكذلك لا أكره لبس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف أو الخيلاء، يعني: أنه لا يحرم أيضا، وهذا لأن الشرع لم يرد بتحريم لبسها ولكن كره الشرع التشبه بالنساء.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يكره للنساء البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال وفي هذا نظر عندي "١٩٦ أ/٣".
فَرْعٌ آخرُ
التختم باليمين واليسار جائز إلا أن المستحب التختم باليسار، لأنه الآخر من فعل رسول الله - ﷺ -، وقيل: اليمين أولى إلى الاحتراز من النسبة إلى البدعة والاشتهار بهم.
فرع
قال أصحابنا: المشي في نعل واحدة أو خف واحد مكروه للخبر في ذلك عن رسول الله - ﷺ -.
مسألة: قال: ولا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم ولا أن يركب الأبلق.
وهذا كما قال: إذا علم المحارب من نفسه الشجاعة والشدة جاز له أن يعلم، وأراد بالبلاء الشجاعة، وهو أن يجعل في صدره ريش نعامة أو يشد على عمامته عصابة ملونة، أو يركب الأبلق من الخيل، وإن عرف من نفسه الضعف والفشل كره له ذلك؛ لأنه ربما يقصد فينهزم فإذا انهزم من ظهر بعلامة الشجعان كان ذلك قوة للمشتركين ووهنا على المسلمين فيؤدي إلى كسرتهم وهزيمتهم. وروي عن الحسن ﵀ أنه كره الإعلام في الحرب، وهذا غلط، لأن حمزة ﵁ أعلم يوم بدر بأن غرز ريش نعامة في صدره، أي في لحيته، وشدد أبو دجانة "١٩٦ ب/٣" على عمامته عصابة حمراء، وركب أبو محجن الأبلق وكل هؤلاء كانوا أهل شدة وشجاعة.
مسألة: قال: ولا أكره البراز.
[ ٢ / ٤٥١ ]
الفصل
وهذا كما قال، أراد بالبراز المبارزة، وجملته: انه إذا خرج رجل من المشركين ووقف بين الصفين وطلب البراز من المسلمين، لا يكره لمن يعلم من نفسه بلاء من المسلمين أن يخرج إليه فيقاتله، فإن كان مثله في الشجاعة والآلة والسلاح كان الخروج في مقاتلته مباحا وإن كان فوقه كان خروجا مستحبا، وإن كان دونه كان مكروها، وإن لم يطلب أحد من المشركين ذلك فهل يجوز للمسلم أن يبتدئ بطلب المبارزة وجهان:
أحدهما: يكره له، وبه قال صاحب " الإفصاح"؛ لأن أصحاب رسول الله - ﷺ - إنما خرجوا للمبارزة عند الطلب منهم؛ ولأنه لا بأس أن يخرج من المشركين من هو أشجع منه.
والثاني: يجوز ذلك وهو الأصح لما فيه من الرهبة في قلوب العدو. وذكر بعض أصحابنا على هذا الوجه الثاني أنه يستحب ذلك له.
وقال أبو حنيفة ﵀: يكره كل ذلك إلا بإذن الإمام، وقال الحسن ﵀: تكره "١٩٧ أ/٣" المبارزة بكل حال. واحتج الشافي ﵀ بما روي أن عبيدة وحمزة وعليا ﵃ بارزوا بأمر رسول الله - ﷺ - وهذه إشارة إلى قصة نذكرها، وهي: أن يوم بدر خرج من مصاف المشركين ثلاثة نفر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما أخوان، والوليد بن عتبة، وهو ابن أخي شيبة، وطلبوا البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة وكانوا متلثمين فاستنسبوهم فنسبوا لهم، وقالوا: نحن الأنصار فقالوا: أكفاء كرام ولكنا نريد قومنا، ثم نادوا: يا محمد اخرج لنا قومنا من قريش، فقال النبي - ﷺ - لعبيدة بن الحارث بن عبد المطب وهو ابن عمه، ولحمزة بن عبد المطلب عمه، ولعلي بن أبي طالب ابن عمه ﵁: "اخرجوا لهم"، وكان عبيدة شيخا له سبعون سنة فخرجوا لهم، فقالوا: من القوم فاستنسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام فدار حمزة مع عتبة فلم يمهله أن قتله، ودار علي مع الوليد فلم يمهله أن قتله، واختلف بين شيبة وعبيدة ضربتان فضرب عبيدة لشيبة ضربة على عاتقه "١٩٧ ب/٣" الأيسر فأرخى كتفه، وضربه شيبة ضربة جزمت ساقه، فكر حمزة وعلي ﵄ على شيبة وقتلاه، ثم حملا عبيدة إلى النبي - ﷺ - ومخ ساقه يسيل فدعا له النبي - ﷺ -، ثم مات بعد انقضاء الحرب بالصعواء عند منصرفه من بدر فصلى عليه رسول الله - ﷺ - ودفن"، وروي أنه لما رأى رسول الله - ﷺ - ومخ ساقه يسيل قال: أشهيد أنا يارسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال: ووددت أنا أبا طالب كان حيا ليعلم أنا نحن أحق بهذا البيت منه حيث يقول:
ونسلم حتى ما نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم أنشأ يقول:
فإ تقطعوا رجلي فإني مسلم أرجي به عيشا من الله عاليا
وأبسني الرحمن من فضل منه لباسا من الإسلام غطى المساويا
[ ٢ / ٤٥٢ ]
مسألة: قال: ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير.
وهذا كما قال. اختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن خيران ﵀: أراد به الشافعي ﵀ الجلود التي لم تدبغ فيجوز له أن يلبس فرسه ذلك وإن كان نجسا؛ لأنه لا تعب على الفرس، وإنما لا يجوز للرجل لبسه، لأن عليه في نفسه "١٩٨ أ/٣" تعبدا فلا يجوز له لبس النجاسات، وإنما استثنى الشافعي منها جلد الكلب والخنزير؛ لأن الانتفاع بالخنزير لا يحل حال. وأما الكلب فلا يجوز الانتفاع به إلا فيما أذن فيه من اقتنائه للصيد والماشية والزرع وهذا غيره فلا يحل استعماله.
وحكى الداركي عن أبي إسحاق ﵀ أنه قال: أراد به الجلود المدبوغة واستثنى جلد الكلب والخنزير، لأنهما لا يظهران بالدباغ، قال: وقول الشافعي ﵀ لأنه جنة الفرس، ولا تعبد على قوس، أراد به أن لبس الجلود في الحرب مكروه للرجل، لأنا نحتاج أن ننزعها من الشهيد، والمستحب أن يدفن الشهيد على حاله بخلاف الفرس، فإنه لا تعبد عليه فلا يكره له أن يلبسه إياه، وأما غير المدبوغ من جلود الميتة فكما يلزمه لبسه في نفسه يكره لبسه في فرسه وأداته، ولو خالف لا يحرم إلا للصلاة، وذا غلط لأن الشافعي صرح في "الأم" فقال: ليس كل جلد طاهر، وهو جلد ما يؤكل لحمه إذا كان ذكيا، وإن كان جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه فإنه يلبسه فرسه، ولا يلبسه هو إلا أن يدبغ لأنه يكره للإنسان حمل النجاسة ولبسها "١٩٨ ب/٣" بلا ضرورة. وأما إذا اضطر عند الحرب فيجوز لبس كله في نفسه وأدته، وإن كان جلد الكلب والخنزير.
[ ٢ / ٤٥٣ ]