قال: روي عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قالَ: "في سائمةِ الغنمِ زَكَاةٌ" (١).
وهذا كما قال: السائمة هي الراعية وسميت سائمة لأنها تسوم أي: ترعى فكل ماشية يجب الزكاة فيها لا تجب إلا إذا كانت سائمة للذر والنسل فإن كانت للعمل كالنواضح ونقل المتاع من بلد إلى بلد فلا زكاة فيها، كما يجب في السائمة، وقال داود في معلوفة الغنم لا يلزم الزكاة، وفي معلوفة الإبل والبقر يجب الزكاة لأن النبي ﷺ [٩٣ ب/٤] خص الغنم وهذا غلط، لما ذكر الشافعي من الخبر وهو أن النبي ﷺ قال: في سائمة الغنم زكاة" فدل على أنه لا زكاة في غير السائمة وهذا استدلال منه بمفهوم الخطاب واحتج بالأثر فقال: روي عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ "أنه ليس في البقر والإبل العوامل صدقة" (٢)، ومن أصحابنا بخراسان من قال: أراد به إذا كانت العوامل معلوفة فإن كانت سائمة يلزم فيها الزكاة لأن منفعتها أكثر فكانت أولى بوجوب الزكاة فيها وهذا خلاف ظاهر نص الشافعي، لأنه قال: فإن كانت معلوفة أو مستعملة فلا زكاة فيها، فأفردهما وهو قول أهل العراق أجمع ودليل ذلك أن نماء الرعي للذر والنسل لا يتم إذا كانت مستعملة، وإن لم تكن معلوفة فلا زكاة ثم أن المزني فصل بهذا الأثر قوله: حتى تكون سائمة فوهم أنه ن جملة الأثر وليس كذلك بل هو من كلام الشافعي وهو أنه ذكر هذا الأثر في البقر والإبل عطف عليه فقال: وكذلك الغنم لا صدقة فيها حتى تكون سائمة فأخل المزني بالاختصار كما بيناه، ثم بين
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ٣٧٢)، وأبو داود (٢/ ٩٧).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠٣) عن ابن عباس.
[ ٣ / ٨٧ ]
الشافعي النكتة المفرقة بين السائمة والمعلوفة فقال (١): والسائمة الراعية [٩٤ أ/٤] وذلك أن يجتمع فيها أمران إن لا يكون لها مؤنة في العلف ويكون لها نماء الرعي فتجتمع قلة المؤنة وكثرة النما لأنهما سببًا وجوب الزكاة التي هي مواساة، وإذا علفت فالعلف مؤنة يحيط بفضلها، وقال في "المختصر الكبير": يحيط بكلها أو بعضها أي: العلف ربما يحيط بجميع نمائها وربما يحيط ببعض نمائها فيخرج به عن احتمال المواساة ثم رجح ذلك بقوله، وقد كانت النواضح على عهد رسول الله ﷺ ثم خلفائه فلم أعلم أحدًا روى أنَّ رسول الله ﷺ أخذ منها صدقة ولا أحذًا من خلفائه ثم في آخر الباب رجع إلى الرد على مالك أيضًا فقال: من مذهب مالك أنه لا زكاة في الذهب والورق إذا كانت مصوغة عن جهة النماء مع قوله ﷺ في الرقة ربع العشر (٢)، فجاز أن لا يلزم الزكاة في المعلوفة مع قوله ﷺ في أربعين شاة، وفي خمس من الإبل شاة (٣). إذ لا فرق بينهما، وأما قول داود أن النبي ﷺ قال في الإبل السائمة: "في كل أربعين بنت لبون" (٤).
مسألة: قال (٥): وإن كانتِ العَوَامِلُ تَرعَى مُدَّةً وتَترُك أُخرى.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في [٩٤ ب/٤] العلف الذي يسقط به حكم السوم وينقطع به حكم الحول اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: إذا علف اليوم واليومين لا يسقط الزكاة فاعتبر العلف في مدة لو لم يعلف فيها لتلفت وذلك ثلاثة أيام فأكثر، ومن أصحابنا من قال: قليل الزمان وكثيره فيه سواء قصد المالك أو علفه الغير ليلة من غير علمه لظاهر قول الشافعي، وهذا لأن السوم شرط في وجوب الزكاة فإذا عدم في قليل المدة أو كثيرها سقط حكم الحول كالنصاب والأول هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: إذا علفها دفعنة ونوى القطع انقطع الحول نص عليه في الأم، وقد قال: في موضع آخر: لا زكاة حتى يسميها دهرها وهذا لأن النية قارنت الفعل المسقط للزكاة فسقطت، وإن قل الفعل ذكره القاضي أبو علي البندنيجي وهذا غريب، ومن أصحابنا بخراسان من قال: ينظر إلى أكثر الحول فإن علف في أكثر الحول سقطت وإلا فلا، وهذا ليس بشيء ويحكى هذا عن أبي حنيفة.
فرع
لو كان الرعي يكفيها ولكنه يعلفها أيضًا لا يتغير حكمها به، وإن كان الرعي لا
_________________
(١) انظر الأم (١/ ٢١٧).
(٢) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٧٥١٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (٢/ ٩٨)، والدارقطني (٢/ ١٦)، والحاكم (١/ ٣٩٣).
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢، ٤)، والنسائي (٥/ ١٥)، وابن خزيمة (٢٢٦٦)، والحاكم (٤/ ٣٨٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٣٩٠).
(٥) انظر الأم (١/ ٢١٨).
[ ٣ / ٨٨ ]
يكفيها يتغير حكمها بالعلف، وقد ذكر القفال: أنه لو كان يسرحها كل يوم وأراد ردها بالليل إلى المراح فألقي إليها [٩٥ أ/٤] شيئًا من العلف لا ينقطع الحول وأراد به ما ذكرت ثم اعلم أن بعض أصحابنا قال: معنى لفظ المختصر وإن كانت العوامل ترعى مرة وتترك أخرى عن الرعي فتعلف وهذا خطأ، بل معناه وتترك أخرى عن الرعي فتستعمل، وإن لم يعلف بدليل أنه عطف عليه قوله أو كانت غنمًا تعلف في حين وترعى في أخرى وحكم في هاتين المسألتين بأنه لا زكاة تغليبًا للعطف على الرعي والاستعمال على السوم.
مسألة: قال (١): "ولا صَدَقَةَ في خيلٍ".
الفصل
وهذا كما قال: عندنا أنه لا صدقة في الخيل إلا أن تكون للتجارة، وبه قال عمر وعلي ابن عمر ﵁، وأما مالك والليث والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو يوسف وعمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق ومحمد ﵏، وقال أبو حنيفة ﵀: يلزم في إناثها وإناثها وذكورها إذا اجتمعت ولا زكاة في ذكورها إذا انفردت وبه قال حماد، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها، وقد قال الشافعي (٢): لا زكاة بدلالة سنة رسول الله ﷺ في ذلك وأراد بالسنة ما رواه وهو قوله ﷺ "عفوت [٩٥ ب/٤] لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٣)، وقال علي ﵁ قال لنا رسول الله ﷺ: "تجوّزنا لكم عن صدقة الخيل" (٤) وروي: "قد تجاوزت لكم عن صدقة الخيل" (٥) وقال يزيد سألت رسول الله ﷺ عن الخيل فيها شيء، قال: "لا إلا ما كان منها للتجارة" وروي أنه ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٦)، وروي في خبر آخر أن النبي ﷺ قال: "ليس في الجارة ولا في الثجة ولا في الكسعة صدقة" (٧) والجارة الخيل والثجة الدقيق والكسعة الحمير لأنها تقتني للزينة والتجمل لا للنماء كالبغال.