مسألة: قال: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر).
الفصل
إلى أن قال: (فسد الماء) وهذا كما قال: أعلم أن فساد الماء في هذا الموضع هو أن لا يصلح التطهر به، إما لنجاسة، أو لكونه مستعملًا، والمقصود ذكر مفسدات الماء في الجملة فأما القدر الذي يفسد والذي لا يفسد، فإن بيانه في الباب الذي بعده، ثم إنه افتتح الباب بقوله: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر) يعني في الإناء الذي فيه ماء الطهارة نقطة خمر، فأراد بالنقطة (١٩٣ ب/١) القطرة اليسيرة، وإنما ذكر الإناء لأن العادة أنه يكون فيه ماء قليل، ومراده بيان حكم الماء القليل، وجملته أنه إذا وقع في الماء القليل نجاسة من غائط أو بول، أو خمر، أو دم، أو قيح، أو صديد يُنظر، فإن كانت قدرًا يدركها الطرف نجس الماء، وكذلك في الثوب إلا في الدم والقيح
[ ١ / ٢٣٧ ]
والصديد، فإنه (يعفى) عن اليسير منها في الثوب، وإن كانت قدرًا لا يدركها الطرف لقلته فقال المزني: ما يدركها الطرف فقد فسد الماء، فمفهومه أنه إذا لم يدركها الطرف لا يفسد الماء، وقال في (الإملاء): فإن أصاب الثوب غائط، أو بول، أو خمر، أو تيقنه، أدركه الطرف، أو لم يدركه نجسه. وقال في موضع آخر: إذا وقع ذباب على بول أو خلاء رقيق، ثم وقع على الثوب غسل موضعه، واختلف أصحابنا في المسألة على خمس طرق:
إحداهما: يحكم بنجاستهما قولًا واحدًا؛ لأنه نص في الثوب على ما ذكرنا، فالماء أولى لأن الثوب أحسن حالًا في النجاسة من الماء؛ لأنه يعفي عن دم البراغيث فيه دون الماء، وليس له نص في الماء، وما نقله المزني ليس لكلامه دليل خطاب حتى يؤخذ به، وأيضًا إنما قال مما يدركها الطرف لتتحقق حصول النجاسة، فإن تحقق من دون إدراك الطرف ثبت حكم النجاسة أيضًا (١٩٤ أ/١).
والثانية: لا ينجس الماء ولا الثوب قولًا واحدًا، ذكره ابن سلمه، أما الماء فبدليل كلامه، وأما الثوب فلأنه أولى وهو أحسن حالًا من الماء، وقوله في (الإملاء): أدركه الطرف أو لم يدركه: معناه أنه لم يدرك في موضع وقوعه ولكن أدركه الطرف حين وثب إلى الثوب.
والثالثة: في الماء والثوب قولان: أحدهما: لا ينجسان؛ لأنه لا يمك الاحتراز منها في الغالب كأثر الاستنجاء دم البراغيث، والثاني: تنجسان لتحقق وصول النجاسة التي لا يعفى عنها إليهما.
والرابعة: الثوب تنجس بنص قوله: (والماء لا ينجس) بدليل، والفرق أن للماء قوة في رفع النجاسات عند الكثرة بخلاف الثوب، وقيل: هذا ظاهر المذهب وهو الصحيح.
والخامسة: على عكس هذا، وهو أن الماء تنجس دون الثوب؛ لأن الناس لا يحترزون من قضاء الحاجات في الصحاري، والغالب فيها أن الذباب يقع على النجاسة الرطبة، ثم يقع على الثوب ولا يدركها الطرف ويشق الاحتراز منها، فعفي عنها فيه كما عفي فيه عن قدر دم البراغيث، بخلاف الماء فإنه يمكن صونه عن النجاسات بتخمير الأواني وتغطيتها، وأيضًا فإنه إذا طارت الذبابة فالغالب أن رجلها تجف في الهواء، فإذا وقعت على الثوب ورجلها جاف (١٩٤ ب/١) لم تضر الثوب بخلاف الماء، فإنه يرطب رجلها فيؤثر فيه، وعلى هذا لو كان الثوب رطبًا فإنه تنجس الثوب، وعلى العلة التي قبلها لا ينجس وهذا حسن، ولكنه خلاف نص الشافعي، وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: غلط المزني في قوله: مما يدركها الطرف في الماء، فإن الشافعي شرك ذلك في الثوب لا في الماء، وهذا خلاف صريح النص الذي ذكرناه وهو الصحيح.
[ ١ / ٢٣٨ ]
مسألة: قال: (وإن توضأ رجل ثم جمع وضوءه في إناء نظيف ثم توضأ به هو أو غيره لم يجز).
وهذا كما قال: الماء المستعمل هو على ثلاثة اضرب؛ مستعمل في رفع الحدث، ومستعمل في البدن، ومستعمل في غير الحدث والندب.
فأما المستعمل في رفع الحدث فهو الماء الذي توضأ به المحدث، أو اغتسل به الجنب، أو الحائض، فالماء طاهر لأنه لاقى موضعًا طاهرًا، وهو هو مطهر؟ المشهور أنه غير مطهر. وبه قال عمر، وابن عباس (﵄) والاوزاعي والثوري، والليث، وأحمد.
وروي ذلك، عن مال، وأبي حنيفة، وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن الماء المستعمل هل هو طهور؟ فتوقف فيه، وقال عيسى بن أبان، قال الشافعي: هو طاهر مطهر.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال: هو غير مطهر قولًا واحدًا ورد رواية (١٩٥ أ/١) ابن أبان، وقال: لا أجد مذهب صاحبي من المخالف وقيل: غلط عيسى في هذا لأنه سمع الشافعي يقول: الاستعمال لا يؤثر، وأراد في طهارته لا في طهوريته، فظن أنه لا يؤثر في طهوريته ومنهم من قال: عيسى هذا ثقة، وإن كان مخالفًا فالمسألة على قولين:
أحدهما: ما ذكرنا وهو الصحيح؛ لأنه أدى به الفرض فلا يؤدي به الفرض ثانيًا، كما لو أعتق عبده من الكفارة لا يقدر على عتقه ثانيًا.
والثاني: هو طاهر مطهر، وبه قال الحسن، والنخعي، وعطاء بن أبي رباح والزهري، ومكحول، وأبو ثور، وداود، وأهل الظاهر، وهو راوية عن مالك. واحتجوا بما روت ربيع أن رسول الله (ﷺ) مسح رأسه بفضل ما كان في يده، ولأن هذا ماء طاهر لاقى جسمًا طاهرًا فأشبه إذا لاقى ثوبًا، وهذا غلط، والخبر محمول على أنه كان ترك المسحة الثانية، وفي الثوب لم يزد العبادة بخلاف ها هنا، وروى ابن المنذر، عن علي، وابن عمر، وأبي أمامه (﵃) أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه: إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل، وهو اختيار ابن المنذر، وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه نجس، وبه قال أبو يوسف، واحتج الشافعي عليه بأن النبي (ﷺ) (١٩٥ ب/١) توضأ ولا يشك أن من بلل الوضوء ما يصيب ثيابه، ولا نعلمه غسله، ثم انفصل عن سؤال مالك، فإنه قال: إذا لم يكن لم لا يتوضأ ثانية؟ وما الفرق بين أن يغسل ثوبًا طاهرًا أو بدنًا طاهرًا، وقد يتوجه هذا السؤال من وجهة أبي يوسف على العكس، فقال الشافعي: ولا يتوضأ به لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة، وليس على ثوب أو أرض تعبد.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فإذا قلنا: إنه طاهر غير مطهر، فإن كان أقل من قلتين فغير مطهر قولًا واحدًا، وإن بلغ قلتين فالمنصوص في (الأم) أنه طاهر غير مطهر، وذكره المزني في جامعة الكبير أيضًا؛ لأنه إذا لم تؤثر فيه النجاسة فلأن لا يؤثر فيه الاستعمال أولى، ولأنه إذا كان كثيرًا في الابتداء لا يصير مستعملًا، فإذا كثر من بعد ذلك حكمه، وقال القفال: فيه وجهان، أحدهما: هذا، والثاني: هو مستعمل كما كان ولا يعود طهورًا؛ لأن كونه مستعملًا فيه والكثرة لا تسلبه صفته بل تكثر صفته بكثرته، فهو كماء الزعفران إذا كثر لا يعود طهورًا. وقيل: هذا اختيار القفال، وهو خلاف نص الشافعي، وإذا قلنا: إنه غير مطهر، أو كان أقل من قلتين، هل يجوز غسل النجاسة به؟ المذهب أنه لا يجوز؛ لأنه مائع يجوز لا يرفع الحدث فلا يرفع (١٩٦ أ/١) الخبث كماء الورد، وقال أبو القاسم الأنماطي أستاذ ابن سريج، وابن خيران: يجوز لأن للماء قوتين إزالة النجاسة وإزالة الحدث، وقد زالت إحداهما وبقيت الأخرى، وهذا باطل بما أزيل به النجاسة لا يزال به الحدث الأصغر، ولا يقال له قوتان كذلك ها هنا، وهكذا في العكس منه إذا استعمل الماء في إزالة النجاسة، وقلنا: إنه طاهر غير
مطهر هل يجوز استعماله في إزالة الحدث على هذا بخلاف.
وأما المستعمل في الندب: وهو ما غسل به يديه قبل إدخالهما في الإناء أو تمضمض به، أو استنشق أو استعمل في المرة الثانية، والثالثة في الوضوء في تجديد الوضوء، أو في غسل يوم الجمعة ونحو ذلك، قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر مطهر، لأنه لم يؤد به الفرض مرة، وإليه أشار الشافعي حيث قال: لأنه أدى به الفرض مرة وهو الأصح، والثاني: أنه مستعمل طاهر غير مطهر، لأنه استعمل في التعبد في الجملة، وإلى هذا أشار الشافعي في قوله: لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم، وقوله: لأنه أدى به الفرض مرة، من قول المزني، ولم يقله الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وإليه يميل القفال.
وأما المستعمل في غير الندب والحدث بالماء الذي يتبرد به أو يتنظف أو غسل به الثوب فهو طاهر مطهر بلا خلاف.
فرع
لو اغتسلت الكافرة (١٩٦ ب/١) من الحيض لاستباحة وطئ المسلم هل يصير الماء مستعملَا فيه وجهان:
أحدهما: يصير مستعملًا لأنها أدت طهارة مأمورًا بها بهذا الماء.
والثاني: لا يصير مستعملًا، لأنها لم تؤد به عبادة، وهذا أظهر، ولا خلاف أنها لو اغتسلت لا من الحيض أو النفاس لا يصير مستعملًا.
فرع
لو اغتسل المحدث رأسه ففيما سقط عن رأسه من الماء وجهان حكاهما ابن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤٠ ]
أحدهما: أنه لا يكون مستعملًا، لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه فلم يصر الباقي الفاضل من غسله مستعملًا فيه.
والثاني: يكون مستعملَا، لأنه زاد على الكفاية كما لو كان يكفيه لوضوئه مد فاستعمل صاعًا صار الصاع مستعملًا، وإن كان بعضه مكتفيًا.
فرع آخر
الجنب إذا اغتسل هل يصير الماء بانتقاله عن العضو إلى صدره مستعملًا؟ وجهان:
أحدها: يصير مستعملًا فلا ترتفع جنابة العضو الذي انتقل إليه، والثاني، وهو الأصح: لا يصير مستعملًا حتى ينفصل عن جميع الجسد، لأن بدن الجنب هو كالعضو الواحد من أعضاء المحدث، ولهذا لا ترتيب فيه بخلاف أعضاء المحدث ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لو دخل الجنب في الماء لطلب الدلو لا يطهر الجنب ولا يفسد الماء، وإنما يحكم للماء بحكم الاستعمال إذا نوى وصح غسله، وهكذا لو (١٩٧ أ/١) أدخل يده في الماء القليل في الإناء ثم أخرجه.
فرع آخر
لو نوى رفع الجبانة وانغمس ف ماء، فإن كان الماء قلين ولم ينقص منه شيء حتى خرج عنه لم تزل طهوريته وزالت جنابته، لأنه كما لاقي أول جزء منه الماء صار مستعملًا، ثم انغمس في ماء يستعمل، والمنصوص للشافعي في رواية الربيع أنه يصير مستعملًا وتزول جنابته، لأن الماء لا يصير مستعملًا بأول الملاقاة، بل يصير مستعملًا بالانفصال عنه، كما لو صب الماء على رأسه، لا يقال يصير مستعملًا بملاقاته أول جزء من رأسه حتى إذا أنحدر إلى الوجه لا تزول جنابة الوجه، كذلك ها هنا، ورجع الخضري إلى هذا، وعلى هذا لو صب الماء على رأسه وانفصل منه إلى البطن بحيث لم يمر على وجهه فكما انفصل عن رأسه صار مستعملًا.
فرع آخر
لو نزل الجنب في الماء الذي هو دون القلتين إلى سرته ثم نوى رفع الجناية، ترتفع الجناية عن كل ما تحت الماء من بدنه، وأما ما هو فوق الماء إن أخذ الماء بيده وصب الانفصال، وإن غاص في الماء بباقي بدنه، قال بعض أصحابنا: فيه وجهان.
فرع آخر
لو شرع رجلان في ماء دون القلتين بلا نية ثم نويا رفع الجبانة، فإن نويا تحت الماء
[ ١ / ٢٤١ ]
دفعة (١٩٧ ب/١) واحدة ارتفع جنابتهما، وصار مستعملًا، وإن شرعًا مع النية دفعة واحدة ارتفعت الجناية عن أول جزء وصل إلى الماء من بدن كل منهما وصار مستعملًا ولا ترتفع
الجبانة عن باقي أعضائها، لأن الماء كالمنفصل من بدن كل واحد منهما في حق صاحبه.
فرع آخر
لو اغتسل الجنب مرة في ماء قليل كان الماء الأول مستعملًا، والثاني: مطهرًا، لأن تكرار الثلاث مأثور في الوضوء والنجاسة، وغير مأثور في غسل الجنابة، ففي الموضع المأثور في أحد الوجهين يصير مستعملًا دون غيره، ذكره في (الحاوي) ويحتمل وجهان آخر، لأن التكرار فيه مندوب في قول بعض أصحابنا.
مسألة: (إذا ولع الكلب في الإناء فقد نجس الماء).
وهذا كما قال: الكلام في الكلب في فصول ف نجاسة عينه، وفي نجاسة سوره وفي وجوب غسل الإناء من ولوغه وكيفية العدد في غسله، فأما نجاسة عينه، فعندنا هو نجس العين خلافًا لأبي حنيفة، وقال مالك: الكلب والخنزير طاهران لوجود المياه فيهما، وبه قال داود.
وأما نجاسة سؤره فعندما أنه إذا ولغ في ماء قليل، أو طعام من لبن أو خل أو غيرهما تنجس ويلزم إراقته، وغسل الإناء (١٩٨ أ/١) منه، وبه قال ابن عباس، أبو هريرة، وعروة بن الزبير (﵁)، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وقال الزهري، ومالك، وداود هو طاهر يجوز التطهر به، وإن ولغ في طعام لا ينجس ولا يحرم أكله، اختاره ابن المنذر لكن يغسل منه الإناء تعبدًا.
وروى هذا عن الأوزاعي، وهذا غلط لقوله (ﷺ): (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) فأمر بالإراقة وعندهم لا تجب الإراقة.
ورى أبو هريرة أن النبي (ﷺ) قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). ولأنه إذا وجب غسله لحدوث حادث تكون لنجاسته لا للتعبد، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، قلنا: هذا مما يطعمه طاعم وكلامنا في الإناء، ونجاسة الماء
[ ١ / ٢٤٢ ]
الذي فيه، ثم هذا في السنة إن لم يكن في الكتاب.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يأمر بغسل الموضع الذي أصابه فم الكلب، قلنا: أراد به صيد الكلاب، وقوله مكبلين أراد به المعلمين ثم ليس فيه دليل على أن ذلك الموضع لا ينجس، كما أنه لم يأمر بغسل الصيد عن الدم، ولا شك أن دمه نجس على أن من أصحابنا من قال: موضع النص (١٩٨ ب/١) وإن كان نجسًا لا يجب غسله، بل يكون معفوًا عنه، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وظاهر المذهب أنه كسائر المواضع التي يصيبها فم الكلب، واحتجوا بما روى جابر (﵁) قال: سئل رسول الله (ﷺ) عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب فقال: لها ما شربت في بطونها ولنا ما أبقت شرابًا وطهورًا، قلنا: نحمله على الماء الكثير بدليل ما ذكرنا. واحتجوا بأنه حيوان فكان طاهر السور كالشاة قيل: يجوز اقتناؤها إعجابًا بها وتفاخرًا بخلاف الكلب بدليل قوله (ﷺ): (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشيه نقص من أجره كل يوم قيراطان)، ولأن مالكًا وافقنا في أنه لا يجوز بيع الكلب ولم يرحم ذلك لحرمته، لأنه لا حرمة للكلب، ولا لعدم المنفعة، لأن منفعته كاملة، فدل أنه إنما حرم لنجاسته بخلاف الشاة، ولأنه لم يرد الأمر بالغسل من الولوغ هناك بخلاف ها هنا.
وأما العدد فعندنا يجب غسل الإناء من ولوغه سبع مرات، إحداهن بالتراب، وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وعروة، وطاووس (﵃) وقبل: إنه قول الأوزاعي وقول مالك، ومن أصحاب مالك من يقول: يعتبر ذلك استحبابًا، وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه، وعنه رواية أخرى (١٩٩ أ/١) أنه يجب غسله ثماني مرات سبع مرات بالماء وواحد بالتراب منفردًا، وبه قال الحسين، وقال أبو حنيفة: يغسل مرة، وروى ثلاثًا. واحتجوا بما روى عبد الله بن معقل أن النبي (ﷺ) قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات والثامنة عفروه بالتراب).
وروى أولاهن بالتراب ويحمل، ما روا على أنه أراد إذا نسي التراب في إحدى الغسلات السبع يلزمه الإتيان بالثامنة، بدليل خبرنا أو عد التراب ثامنة، وإن كان يوجد مع أحد السبع؛ لأنه جنس آخر. وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه العدد، بل يلزمه أن يغسل حتى يغلب على ظنه طهارته من النجاسة، واحتجوا بما روى الأعرج، عن أبي هريرة -رضي الله
عنه- أن النبي (ﷺ) قال في الكلب يلغ في الإناء: (يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا). قلنا رواية عبد الوهاب بن الضحاك، وهو ضعيف، ثم يحتمل هذا
[ ١ / ٢٤٣ ]
التخيير، ويحتمل الشك من الراوي فيجب التوقف فيه ويعمل بخبرنا.
فرع
الأفضل أن يكون التراب في الغسلة الأولى ليرد الماء عليه بعده فينظفه من التراب، نص عليه في حرملة، وورد في الخبر ذلك، وفي أي الغسلات كان التراب أجزأه لقوله (ﷺ) (إحداهن بالتراب).
فرع
كيفية الغسل بالتراب أن يخلط التراب بالماء في إحدى الغسلات (١٩٩ ب/١)، لا أن يقتصر على الدلك بالتراب، ولا يجب الدلك باليد في وسط الإناء، ولا فرق بين أن يصب الماء على التراب أو التراب في الماء حتى يتكرر.
فرع
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في أنه يكفي ما يقع عليه اسم التراب قل أو كثر أو يلزمه أن يستوعب به محل الولوغ على وجهين، أحدهما: ما يقع عليه الاسم المطلق الخبر، والثاني: يلزمه استيعابه لأنه ليس بعض المواضع أولى من بعض وهذا هو المشهور عندي والوجه الأول غريب.
فرع
قال الشافعي: والماء الذي ولغ فيه الكلب وعليه أن يهريقه، فمن أصحابنا من قال: يجب إراقته ويحرم الانتفاع به للخبر، وقال جمهور أصحابنا: لا تجب إراقته بل يستحب ولا يحرم الانتفاع به في وجه مخصوص وقوله (ﷺ): (فليهرقه) ليتوصل بالإراقة إلى غسله لوجوب استهلاكه.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو خلط التراب بخل أو ماء ورد ثم غسل به هل يجزي عن التراب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز وهو الأصح؛ لأن الخل ليس بطهور.
والثاني: يجوز؛ لأن التراب هو المقصود، وكذلك لو كان التراب نجسًا ففيه وجهان، والأصح أنه لا يجوز، ولا معنى لهذا عندي مع ما ذكرنا من النص الصريح.
فرع آخر
جميع أجزاء الكلب كفمه (٢٠٠ أ/١) وكذا روثه ودمه، وقال أبو حنيفة: إذا أصاب سائر بدنه الماء لا ينجس روثه قال مالك وداود: وبنيا على أصلهما أن الكلب
[ ١ / ٢٤٤ ]
طاهر، وإنما يغسل الإناء من ولوغه صار تنبيهًا على ما أصاب بيده ورجله؛ لأن الولوغ يكثر منه ويشق الاحتراز منه بخلاف سائر أعضائه، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه يختص السبع بالولوغ؛ لأنه غير معقول المعنى، والنص فيه ورد فكيفي الغسل مرة من مس أعضائه ودمه وبوله، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر
يجب غسل الثوب من دم الكلب سبع مرات على ظاهر المذهب، فلو لم تزل عينه إلا ثلاث غسلات فالمرة الأولى هي محسوبة عن السبع، وفي الثانية والثالثة وجهان:
أحدهما: لا تحتسب عن السبع، بل يجب غسل المحل بعد زوال عين الدم ست مرات.
والثاني: يحتسب من السبع كالمرة الأولى.
فرع آخر
لو ولغ كلبان في إناء آخر أجزاء أن يغسل سبع مرات إحداهم بالتراب، نص عليه في حرملة، ومن أصحابنا من قال: فيغسل على عدد الكلاب لكل كلب سبع مرات، كما قال الشافعي: إذا بال واحد يصب عليه ذنوب من ماء، وإن بال اثنان يصب ذنوبان، وهذا ليس بتخريج صحيح؛ لأن ولوغ الكلب الثاني بمنزلة تكرير ولوغ الكلب الواحد، ولو كرر الكلب الواحد الولوغ يكفي (٢٠٠ ب/١) سبع مرات، فكذلك إذا كثر عدد الكلاب يكفي سبع مرات، وفي البول ذكره الشافعي تقريبًا في التطهير لا تحديدًا، والبول يكثر بكثرة البائل
والنجاسة ها هنا لا تزيد. وقال الإصطخري: يغسل لكل ولوغ سبعًا، فإن ولغ كلب واحد عشرًا غسل سبعين مرة، ذكره في (الحاوي). وقال: في المسألة ثلاثة أوجه وهذا خطأ فاحش لأن النجاسة لم تزد يستحيل أن تزيد الإزالة.
فرع آخر
لو غسل الإناء من ولوغه مرة، ثم وقع في نقطة خمر، أو دم غسله ستًا وطهر؛ لأنه غسل النجاستين معًا جميعًا نص عليه في حرملة.
فرع
لو وقع هذا في ماء قليل نجسه، ولو وقع في ماء كثير قدر قلتين فصاعدًا لم ينجسه، وهل يطهر به الإناء؟ فيه أوجه:
أحدهما: يطهر ولا يحتاج إلى التراب؛ لأنه صار إلى حالة لو ولغ فيه في تلك الحالة لم ينجس، ولأن القصد بالعدد مكاثرة الإناء بالماء وها هنا حصلت المكاثرة، وهذا إذا أقمنا الماء مقام التراب.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والثاني: تكون غسلة واحدة، وست مرات إحداهم بالتراب لظاهر الخبر، وهذا اعتبار ابن الحداد.
والثالث: يكفي التراب بعد هذا.
والرابع: ذكره أصحابنا بخراسان: يُنظر، فإن أصاب فم الكلب نفس الإناء فهو غسلة واحدة، وإن أصاب الماء ثم نجس الإناء تتبعًا للماء فإنه يطهر تبعًا للماء أيضًا (٢٠١ أ/١) وعلى هذا لو كان إناء كبيرًا ولغ فيه الكلب فصب عليه ماء حتى تم به قلتان هل يطهر على هذا الخلاف؟
فرع آخر
لو غسله ثمان مرات هل تقوم الغسلة الثامنة بالماء مقام التراب؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يقوم مقامه؛ لأن القصد التطهر والماء أبلغ، وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأنه مأمور بعين التراب فلا يجوز غيره، ولأن قصد النبي (ﷺ) تقوية الماء بالتراب والجمع في غسلة بينهما، والتراب مع الماء ينقي ما لا ينقيه تكرار الماء.
والثالث: إذا كان التراب موجودًا لا يقوم مقامه، وإن كان معدومًا يقوم مقامه للعذر، وهذا كله إذا قلنا غير التراب من الأشنان والنخالة تقوم مقامه.
فرع
لو صب الغسلة السابعة في الإناء وغلغل فيه ولم يصب عليه هل يطهر؟ وجهان كالوجهين في الثوب النجس إذا لم يعصر من الغسالة.
فرع
لو أصاب فم الكلب أرضًا فغسلت سبعًا أو جرى عليها الماء سبعًا هل يحتاج إلى تراب أجنبي؟ وجهان، والأصح أنه لا يحتاج؛ لأن نفس الأرض تراب ولم يذكر القفال غيره.
فرع آخر
لو أدخل الكلب رأسه في الإناء ولم يعلم أنه ولغ فيه، فإن أخرج رأسه يابسًا فالماء على طهارته، وإن كان رطبًا فيه وجهان: (٢٠١ ب/١) أحدهما: يحكم بنجاسته؛ لأن الماء لا ينجس بالشك، ويحتمل أن تكون تلك الرطوبة من لعابه أو ولوغه في غيره.
فرع
لو ولغ في إناء في طعام جامد يلقى منه ما أصابه فمه وينتفع بالباقي، كما لو ماتت الفأرة في السمن وهو جامد، ولو ولغ في ماء قليل، أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبًا أو إناء آخر، وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
فرع
إذا بلغ الماء قلتين فتغير بالنجاسة، ثم ولغ فيه الكب، ثم أصاب منه ثوب إنسان،
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال القاضي الحسين (﵀): يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن لعاب الكلب مازج ذلك الثوب النجس والماء المتغير بالنجاسة، كالخل الذي يقع فيه النجاسة وإن لم يتغير.
مسألة: قال: (وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا فغسله بما يقوم مقام التراب في
التنظيف مثل أشنان أو نحالة أو ما أشبهه ففيه قولان).
الفصل
وهذا كما قال المأمور في غسل الولوغ بالتراب، فإن غسله بغير التراب كالأشنان، أو النخالة، أو الصابون، هل يجوز؟ فيه قولان، أحدهما: يجوز ويقوم ذلك مقام التراب، وهو اختيار المزني؛ لأن المقصود منه التطهير عن النجاسة، والصابون هو أبلغ في التطهير من التراب، ولأنه إزالة نجاسة بجامد فلا يتعين ذلك الجامد كالاستنجاء والدباغ. والثاني: لا يجوز لأنه طهارة أمر فيها بالتراب (٢٠٢ أ/١) تعبدًا فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم، ومعنى التعبد أنه أمر بغسله سبعًا والنجاسة تزول مرة واحدة، ولأنه أحد الطهورين في ولوغ الكلب فلا يقوم غيره مقامه كالماء، وهذا طاهر المذهب. والجواب عما ذكر المزني أن المقصود من الاستنجاء تخفيف النجاسة، ومن الدباغ تنشيف فضول الجلد، فالمعنى والمقصود معلوم فقام غير المنصوص مقام المنصوص. وها هنا الأمر بالتراب غير معقول المعنى فأشبه التراب في التيمم.
فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في موضع القولين، فمنهم من قال: القولان إذا كان عادمًا للتراب، فإن كان واجدًا للتراب لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي قال: فإن كان في بحر لا يجد ترابًا، وهذا هو الظاهر. ومنهم من قال وهو الأصح: فيه قولان سواء كان واجدًا للتراب أو عادمًا له، وإنما صور الشافعي في البحر، لأن الغالب عدم التراب فيه، وإن كان واجدًا لا يتكلف غيره.
فرع
قال القفال: لو كان ثوبًا، فإن قلنا في الإناء أنه يقوم الأشنان مقام التراب، ففي الثوب أولى، وإن قلنا: لا يقوم ففي الثوب وجهان؛ لأن التراب يفسد الثوب، ويصلح الإناء، والأطهر عند عامة أصحابنا أنه لا فرق بين الثوب وغيره.
مسألة: قال: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا أحب إلى
وهذا كما قال: المستحب أن يغسل من غير (٢٠٢ ب/١) الكلب والخنزير ثلاث مرات، والواجب أن يكاثرها بالماء حتى يزول لونها ورائحتها ولا يشترط العدد، وقال أبو
حنيفة: يجب غسله ثلاث مرات إذا كانت النجاسة حكيمة غير مرئية.
وقال أحمد: يجب غسله سبعًا إذا أصاب الإناء لولوغ الكلب سواء، وهكذا لو
[ ١ / ٢٤٧ ]
أصابت غير الإناء [إلا] في الأرض إذا أصابتها فإنه قال: لا يجب العدد فيها، وربما يقول بعض أصحابه: إنه لا يشترط التراب غير الولوغ، واحتج بأن الخبر الوارد في الولوغ تنبيه على غيره؛ لأن نجاسة الكلب أخف لأنه مختلف فيها، وهذا غلط لما روي عن ابن عمر (﵁) قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، والغسل من البول سبع مرات، فلم يزل رسول الله (ﷺ) حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة، وقياسه على الكلب مخالف للنص، ثم نجاسة الكلب حكيمة لا يلزم غسل المحل، واحتج عليه الشافعي بما روى أن النبي (ﷺ) قال لأسماء في دم الحيض (حثيه ثم أقرضيه ثم غسليه بالماء ثم صلى فيه) ولم يعتبر العدد.
مسألة: قال: (وما مس الكلب والخنزير الماء (٢٠٣ أ/١) من أبدانها نحبه وإن لم يكن فيهما قذر)
وهذا كما قال: أراد وإن لم يكن فيهما قدر سواهما لأن عينيهما نجاسة، وهذا لأن النص على الولوغ تنبيه على سائر الأعضاء على ما ذكرنا.
مسألة: قال: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب
الفصل
وهذا كما قال: نص في (الجديد) أن الخنزير نجس يغسل من ولوغة سبعًا كالكلب، وحكى ابن أبي أحمد، عن الشافعي قولًا في (القديم) أنه يغسل من ولوغ الخنزير مرة، فمن أصحابنا من أنكر هذا، وقال: وهم ابن أبي أحمد فيما قال: قال أبو ثور: قال الشافعي في (القديم)؛ يغسل من ولوغ الخنزير، وأطلق لم يذكر العدد، وهذا خطأ؛ لأنه ذكر العدد في موضع آخر، وأراد بالإطلاق السبع، وقيل: هو ثقة في الرواية فالمسألة على قولين:
أحدهما: يغسل مرة لأن الكلب مألوف، فخص بزيادة تغليظ كالخمر لما كانت مألوفة خصت بوجوب الحد بشربها وينسب هذا القول إلى مالك ولا يصح عنه.
والثاني: يلزمه غسل سبع مرات، لأن النص في الكلب تنبيه على الخنزير، لأنه أسوأ حالًا، لأن الكلب محرم نصًا ولا يجوز إقتناؤه أصلًا بخلاف فإنه مختلف في جواز أكله وحكم المتولد بين الكلب والذئب حكم الكلب في هذا الحكم (٢٠٣ ب/١).
فصل
يشتمل على فروع النجاسة إذا أصابت ثوبًا أو غيره يغسله بالماء عن المحل، فيه ثلاث مسائل:
[ ١ / ٢٤٨ ]
(إحداها): أن ينفصل الماء متغيرًا بالنجاسة فهو نجس بلا خلاف، سواء طهر المحل به أو لم يطهر، لأن النجاسة غلبته.
والثانية: أن ينفصل عنه غير متغير ولم يطهر المحل بعد، فالمذهب أنه نجس، لأن الماء إذا ورد على النجاسة إما أن يغلبها أو تغلبه، فإن غلبها وجب أن يزيلها، فلما لم يزلها دل على أنها غلبته، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: هذا، والثاني: أنه طاهر، لأن الماء الذي يزد على النجاسة بمنزلة الماء الكثير الذي تزد النجاسة عليه فلا تنجس إلا بالتغير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه روي هذا عن الشافعي في (القديم).
والثالثة: أن ينفصل عنه غير متغير والمحل قد طهر، فالمذهب المنصوص أنه طاهر، وبه قال جماعة أصحابنا، لأن البلة الباقية في الثوب هي طاهرة، فالمنفصل منه طاهر أيضًا. وقال أبو القاسم الأنماطي: هو نجس، وبه قال أبو حنيفة: فعلى هذا العبارة عنه أن حكم الماء بعد الاستعمال حكم المحل المغسول قبل أن يغسل، إذا قلنا بالمذهب، قال القفال: لأصحابنا عبارتان، أحدها: أن حكم الماء بعد الغسل حكم الماء قبل الغسل؟ فعلى هذا غسالة (٢٠٤ أ/١) كل مغسول هي طاهرة وهو عين القول القديم، والثانية: أن حكم الماء بعد الغسل حكم المحل بعد الغسل، فعلى هذا غسالة عين الكلب والخنزير طاهرة، والغسالة في المرة السابعة من ولوغ الكلب والخنزير طاهرة أيضًا، وما قبلها نجس، وعلى هذا لو نجس الماء بولوغ الكلب فأصاب الثوب منه نجس وغسل سبع مرات كما يغسل الإناء سبعًا، فإن غسله مرة ففي هذا الماء وجهان: أحدهما: طاهر، لأنه انفصل غير متغير، والمذهب أنه نجس، فلو أصاب الثوب من هذه الغسالة نجس الثوب وبماذا يطهر، اختلف
أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يغسل بعد هذا سبعًا إحداهن بالتراب، لا أن تكون الغسلة الأولى بتراب فيغسل ستًا بلا تراب، وعلى هذا أبدًا، فإن بقي من غسلات الإناء خمس غسل خمسًا، ولو بقي واحدة غسل واحدة، وإن أصاب من السابعة لا المحل المغسول قبل الغسل، فيغسل من المرة الأولى سبع مرات إحداهن بالتراب، ومن الثانية ست مرات إحداهن بالتراب، إن لم يكن غسل المرة الأولى بالتراب، ومن السابعة يغسل مرة، ومن أصحابنا من قال: يغسل مرة واحدة لكل خال، لأن كل مرة قد أخذت سبع النجاسة فيغسل منها مرة، فاعتبر هذا القائل ما زال من النجاسة بالغسل دون (٢٠٤ ب/١) ما بقي.
فرع
لو جمع ماء الغسلات السبع في إناء هل يكون نجسًا؟ فإن قلنا: ماء الغسلات كلها طاهرة فلا مسألة، فإن قلنا: الجميع نجس إلا ماء الغسلة السابعة فيه وجهان:
أحدهما: الجميع نجس، لأن ماء الغسلة الأولى إلى السابعة نجس، وماء الغسلة السابعة طاهر، فإذا جمع ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسًا وهو الصحيح، والثاني:
[ ١ / ٢٤٩ ]
أنه طاهر، لأن الجميع بمنزلة الماء الذي أزيل به النجاسة وقد انفصل غير متغير فطهر المحل، وهذا خطأ بيَّن.
فرع آخر
قال ابن سريج: وهكذا لو غسل به ثوب من نجاسة فانفصل متغيرات ثم غسله مرة أخرى فانفصل غير متغير، ثم جمع الماءان فزال التغير فيه وجهان:
فرع
لو أصاب الثوب نجاسة فغسله مرة وعصره في إجانة وإنفصل عنه غير متغير بعد طهارة المحل، ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى، ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجابة أخرى، ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى فالماء الذي في الإجانة الأولى طاهر غير مطهر، وفي الثانية والثالثة وجهان، لأنه مستعمل في طهارة مندوب إليها، وفي الرابعة طاهر مطهر قولًا واحدًا، فلو جمعت هذه المياه كلها، فإن قلنا: الأوسطان كالرابع فالكل طاهر مطهر، لأن الأول تغير مغلوبًا، وإن قلنا الأوسطان كالأول فالكل طاهر (٢٠٥ أ/١) غير مطهر، لأن الرابع يصير مغلوبًا.
فرع
لو غمس الثوب النجس في إناء نجسه، ولو غمسه في إناء آخر نجسه أيضًا، ولا يطهر بحال إلا أن يغمسه في قلتين من الماء أو يورد الماء عليه، وهذا هو المذهب الذي لا يجوز غيره، ومن أصحابنا من غلط، وقال: إنما تنجس به إذا لم يقصد إزالة النجاسة، فإن قصد ذلك لا ينجس ويطهر الثوب، وهذا ليس بشيء، لأنه لا اعتبار بالقصد بدليل أنه يطهر بقصد الصبي والمجنون، وإن لم يكن لهما قصد، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فعل هذا ثلاث يطهر في المرة الثالثة وهو قول أبي يوسف.
فرع آخر
لو كان ثوبًا نجسًا فأخده بإحدى يديه وصب عليه بيده الأخرى ماء ترابًا، وترك تحته إناء فنزل الماء في ذلك الإناء، قال إبن سريج: أساء في جميع ذلك في الإناء إلا أنه طاهر، لأن الثوب قد طهر به، ويفارق هذا الثوب إذا صب عليه الماء ولم يعصره لا يطهر على أحد الوجهين، لأن الماء لم يفارق محل النجاسة وها هنا فارق.
فرع آخر
لو غسل نصف الثوب النجس كله وطهر هذا النصف الذي غسله عند أصحابنا، وقال إبن القاضي في التلخيص، لو غسل بعض الثوب كله في جفنه، ثم عاد إلى ما بقي فغسله لم يجز حتي يغسل الثوب كله دفعة واحدة، وأراد به إذا طرح بعض ذلك (٢٠٥ ب/ ١) الثوب في جفنه ثم صب عليه الماء فلا يطهر، لأن البعض الذي لم يصبه الماء هو وارد على الماء الذي في الجفنة، والنجس إذا ورد على الماء القليل نجسه، وإذا نجس الماء نجس الثوب الذي هو فيه، وصورة مسألتنا غير هذه الصورة، ومن
[ ١ / ٢٥٠ ]
أصحابنا من قال: علة إبن القاضي في ذلك أن النصف الأول لما غسله طهر، ثم نجس بما جاوره من النجاسة، ثم إذا غسل النصف الثاني يطهر إيضًا، إلا أنه تنجس بما جاوزه من النجاسة وهو النصف الأول المغسول، وعلى هذا يظهر الخلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا غلط، لأم الجزء الذي يجاور اليابس ينجس والباقي لا ينجس لما روي أن النبي (ﷺ) قال في الفأرة، تقع في السمن
الجامد: قوروها وما حولها.
وعلى ما قاله ابن القاضي تنجس جميع السمن بالتعدي من جزء إلى آخر وبعض أصحابنا بخراسان اطلقوا، وقالوا: الصحيح ما قاله صاحب التلخيص، ولم يفصلوا ما ذكرنا من التفصيل، ولا شك أنه على هذا التفصيل.
فرع آخر
إذا غسل الثوب عن النجاسة، ثم وقعت عليه نجاسة في الحال، هل يجب غسل كلها أو غسل موضع النجاسة؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان لأنه ينشر، وعلى هذا لو خرز الخف بشعر الخنزير يصير نجسًا، لأنه لا يمكن إلا بالرطوبة فلو غسل هل يحكم (٢٠٦ أ/ ١) بطهارة ظاهره؟ وجهان:
أحداهما: لا يطهر لأنه لا يمكن تطهير كله، والرطوبة تتعدى.
والثاني: يطهر، ويجوز أن يصلي عليه، ولو غرف رجله لا نحكم بنجاسته، ولا تتعدى النجاسة من ثقب النعل إلى الجزء المغسول، وهذا هو الصحيح عندي، واختاره الإمام القاضي الحسين -﵀-
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: إذا طبخ اللحم بماء نجس فإنه يصير نجسًا، والطريق في تطهيره أن يطبخ بالماء الطاهر مرة أخرى حتى يصل الماء في الكرة الثانية إلى كل موضع وصل الماء إليه في المرة الأولى فيطهره، وعندي أنه لا يطهر، وسمعت بعض أصحابنا يقول: لابد من أن يجفف ثم يغسل حتى يصل الماء إلى باطنه فيطهر به كالأجر النجس بما لا عين له.
فرع آخر
العجين بالماء النجس لا يصير بالخبز طاهرًا، والطريق في تطهيره أن يقلب عليه الماء حتى ينفد ويخرج من الجانب الآخر، كما قلنا في الأجر النجس، وعلى ما ذكرنا عن بعض أصحابنا يلزمه أن يجففه أولًا ثم يصب عليه الماء هكذا.
فرع آخر
لو كان ثوبًا نجسًا فوضعه في طست، وصب عليه ماء حتى غمره، ثم عصره، فالثوب طاهر بلا خلاف، وإن لم يعصره ففيه وجهان:
أحدهما: يطهر الثوب لأنه كأثره بالماء وغمره، فوجب أن يطهر كما لو بال رجل على الأرض قصب عليه ماء غمره فإنه يطهره.
[ ١ / ٢٥١ ]
والثاني: (٢٠٦ ب/١) لا يطهر، لأن غسل الثوب من البول في العادة بأن يغمره الماء ويعصره حتى ينزل الماء عن محل النجاسة فيعتبر ذلك، وبه قال أبو حنيفة: وفي الأرض ضرورة فجوزنا الأول أصح،
فرع آخر
لو كان إناء فيه ماء نجس أو بول، فقلب ما فيه ثم صب الماء في الإناء حتي كاثره وغمره طهر، وإن لم يقلب البول منه، ولكنه صبه فوق البول أو الماء ما كاثر به هل يطهر؟ فيه وجهان: أحدها: يطهر كما قلنا في الأرض والبئر وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه لا يطهر، لأن في العادة يقلب ما في الإناء ثم يغسل بخلاف البئر فإنه لا يمكن أن تقلب، ولأن النبي ﷺ قال في الكلب يلغ في الإناء: فليغرقه ثم ليغسله سبع مرات.
فرع آخر
لو كان على ثوبه نجاسة فغسلها وبقي بونها ولا يخرجه الماء حكم بطهارته نص عليه في (الأم)، ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يستعين بعين الماء من الأشنان أو الصابون، فإن تعذر إزالته هل يحكم بطهارة الثوب أو بالعفو مع النجاسة؟ وجهان، وليس كلون الحناء النجس، لأنه لون الصبغ وهذا لون النجاسة، والصحيح عندي ما تقدم، لما روى أبو هريرة (﵁) أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن بقى أثر الدم، فقال: الماء (٢٠٧ أ/١) يكفيك ولا يضرك أثره.
وقالت عائشة - ﵂- كنا نغسل الدم من الثوب فيبقى فيه أثره فنلطخه بالحناء ونصلي فيه.
فرع آخر
لو بقيت الرائحة، فإن لم يكن لتلك النجاسة رائحة زكية لم يطهر المحل وبقاء الريح دليل على بقاء العين، وإن كان له رائحة زكية كالخمر وبول المبرسم فيه وجهان: أحدها: لا يطهر، والثاني: يطهر وهو الأظهر، لاأنه قد تذهب العين وتبقي الرائحة، كخمر يخرج من بيت فتبقي رائحتها أياما للمجاورة، وفيه قيل قولان.
فرع آخر
لو بل خضابًا بنجاسة من خمر أو غيرها، فإن كان لون النجاسة باقيًا فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يذهب ذلك اللون، وإن لم يكن لون النجاسة باقيًا، ولكن بقي لون الخضاب فيه وجهان: أحدها: نجس، لأن الخضاب صار نجسًا، ويدل بقاء لونه على بقاء النجاسة، والثاني: طاهر، لأن نجاسة الخضاب هي نجاسة مجاورة،
[ ١ / ٢٥٢ ]
وهذا اللون لون عرض الخضاب لا تحله النجاسة، وإذا قلنا بالأول لا ليزمه طبق اللحية، بل يمكن حتى يتصل لونه لأنه يزول لا محالة، ثم أعاد الصلاة، وإن كان على بدن، فإن كان يزول كالحناء فعلى ما ذكرنا، وإن كان لا يزول كالوشم بالنيل، فإن أمن التلف في كشطه فإنه يلزمه كشطه بخلاف الشعر، لأن ذلك يجوز (٢٠٧ ب/١)، وإن كان يخاف التلف من كشطه فإن كان يجزه أكرهه على الخضاب به وأقره، وأن كان هو المختضب فهل يجب إزالته؟ وجهان مخرجان من الوجهين في واحد العظم النجس إذا خاف التلف من نزعه.
مسألة: قال: (واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير عن رسول الله (ﷺ) أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها).
وهذا كما قال: الحيوانات ما عدا الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما طاهرة الذات والسؤر والعرق، سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل، من البغل، والحمار، وحشرات الأرض، وجوراح الطير، والأسد،. والذئب، وبه قال عمر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، ومالك (﵃) وقال أبو حنيفة: الأسأر على أربعة أضرب، ضرب نجس وهو سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها، وضرب مكروه، وهو حشرات الأرض وجوارح الطير والهر، وضرب مشكوك فيه، وهو سؤر الحمار والبغل، وضرب طاهر غير
مكروه وهو سؤر كل حيوان يؤكل لحمه، وحكي عن أحمد أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك حشرات الأرض والهر، وفي السباع روايتان، إحداهما (٢٠٨ أ/١) طاهر، والثانية: نجس، وكذلك في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس، والثانية مشكوك فيه. واحتجوا بما روي عن ابن عمر (﵁) أن النبي (ﷺ) سئل عن المياه تكون بأرض الفلاة تمر بها السباع والذئاب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ولأن لبثه نجس فكذلك سؤره وهكذا غلط للخبر الذي ذكرنا واحتج الشفعي بحديث أبي قتاة في الهرة أن النبي (ﷺ) قال: إنها ليست بنجسة، وعامة ما روي عن كبشة بنت كعب امرأة أبي قتادة (﵂) أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة شربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم فقال: إن رسول الله (ﷺ) قال: إنها ليست بنجسه إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وروي أنه قال: كنت أسكب الوضوء لرسول الله (ﷺ) فدنت الهرة، فأصغى لها الإناء فشربت، ثم قال هذا، فذلم لطهارة سؤرها بطهارة عينها، وقد ثبت ان ما سوى الكلب والخنزير طاهرة الأعيان، فاقتضى ذلك أن تكون طاهرة الأسار، وقد جعل الشافعي هذا الاستدلال بعينه علة في المسألة، فقال: ولعاب (٢٠٨ ب/١) الدواب وعرقها قياسًا على بني آدم، واحتج أيضٌا بقوله (ﷺ): إذا سقط الذباب في الإناء فاملقوه، وتمام الخبر فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخرة دواء، وإنه تقدم الداء، وروي: فإن في أحد جناحيه سمًا، وفي الآخر شفاء، ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه الشافعي من بعد، وهو أن الذباب لما أمر رسول الله (ﷺ) بمقله في الإناء دل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا فيما وصفنا.
وروى أبو هريرة -﵁- أن النبي (ﷺ) كان يأتي أهل بيت من الأنصار فيدخل عليهم، وكان بقربهم أهل بيت لا يدخل عليهم، فشق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله تدخل
على بيت فلان ولا تدخل علينا، فقال: إن في بيتكم كلبًا فقالوا: يا رسول الله فإن في البيت الذي تدخل عليهم سنورًا فقال: إن السنور سبع وهذا إشارة إلى أنه ليس بنجس كسائر السباع.
وروي عن جابر بن سمرة قال: رجع رسول الله (ﷺ) من جنازة أي الدحداح على فرس عري، والعري في غير ابن آدم هو كالعريان في ابن آدم، ووجه الدليل أنه لا يخلو عن العرق في حر الحجاز، فإن ثبت طهارة عرقه من غير كراهية كذلك سؤره، ولا حجة في (٢٠٩ أ/١) خبرهم، لأن الكلاب والخنازير هي داخلة في اسم السباع، ولأن الغالب أن السباع إذا ورت الماء بالت فيه وراثت، فلهذا أجاب بما أجاب.
وأما اللبن قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه يحرم شربه، وهل هو طاهر؟ فيه وجهان، أحدها: هو طاهر كاللعب، وهو اختبار الأصطخري، والثاني: وهو الصحيح المنصوص أنه نجس، لأن اللبن معتبر باللحم فيما لا يمنع من أكله لحرمته، واللعاب لا يعتبر بتحريم الأكل بدليل سباع الطير والحشرات، ولهذا إن جوارح الطير بيضها نجس وسؤرها طاهر، قال ابن القطان من أصحابنا: هل يحل شربه؟ وجهان أحدها: ما ذكرنا، والثاني: يحل لأن الحمار كان مباح اللحم واللبن فورد الشرع بتحريم اللحم، ولم يرد النص في لبنه، وهذا ليس بشيء، والدليل على أن سؤر الهرة لا يكره خلاف قول أبي حنيفة، ما روى أن هرة أكلت من هريسة بين يدي عائشة (﵂) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، وقالت إن رسول الله (ﷺ) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، وقالت إن رسول الله (ﷺ) قال (إنها ليست
[ ١ / ٢٥٤ ]
بنجسه) وقد رأت رسول الله (ﷺ) يتوضأ بفضلها، فإن قيل: هي تأكل النجاسات؟ قيل: والنصراني يشرب الخمر ولا يكره سؤره.
مسألة: قال: (وغمس الذباب في الإناء ليس (٢٠٩ ب/١) يقتله)
الفصل
إلى أن قال: " فإن مات ذباب أو خنفاء أو نحوهما في الماء نجسه" وهذا كما قال أراد به أن النبي ﷺ قال في الذباب: "فامقلوه" فأمر بمقل الذباب في الإناء ولم يرد به قتله
فإن قتله تنجس الماء أو الطعام، والمقصود من هذا بيان ما يموت من الماء أو في غيره من الحيوان، وجملته أن الحيوان على ضربين نجس، وطاهر، فالنجس الذي ذكرنا حكمه، وأما الطاهر فضربان، أحدها: ما يحل أكله بعد موته كالسمك والجراد، سواء كانت له نفس سائلة، كالسمك الكبار، أو لا نفس له سائلة لا ينجس الماء لا في حياته ولا بعد وفاته، ولا ينجس هو بالموت، والثاني: ما يحرم بالموت وهو على ضريين، ماله نفس سائلة وما لا نفس له سائلة، فما له نفس سائلة هو على ضريين آدمي وغير آدمي، فالآدمي هل ينجس بموته؟ قولان فإذا قلنا: ينجس فمات في قليل من الماء ينجسه إلا فلا، أما غير الآدمي فإنه ينجس بموته وينجس الماء قولًا واحدًا.
وأما ما لا نفس له سائلة فهو على ضربين، ما يخلق من نفس الشيء كدود الخل، والماء، والجبن، والبق، وما خلق لا من نفسه كالذباب، والزنابير، والعقارب، والأوزاغ ونحو ذلك، فبالموت ينجس كله، ثم ينظر فيه مإن مات فما خلق منه كان (٢١٠ أ/١) معفوًا عنه قولًا واحدًا، وإن نقل عنه إلى غيره فالحكم فيه ومما لم يخلق منه سواء، فهل ينجس به ذلك؟ فيه قولان: أحدها: قال في القديم: لا ينجسه، وهو اختبار المزني وكافة العلماء، وهو الأصح عندي للخبر الذي به ذكرنا في الذياب إذا وقع في الطعام، وروى سلمان الفارسي - ﵁ - أن رسول الله (ﷺ) قال له (يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو حلال أكله وشربه والوضوء منه)، ولأنه يشق الإحتراز منه فعفى عنه، والثاني: أنه ينجسه قال في (الجديد): وهو ظاهر المذهب، قال إبن المنذر: لا أعرف أحدًا قال ذلك غير الشافعي، وقال القاضي الطبري: وهذا هو قول محمد بن المنكدر، ويحيى بن أبي كثير، ووجهه أنه حييوان لا يحل أكله لا لحرمته فكان نجسًا بعد موته كالذي له نفس سائلة، وإذا ثبت نجاسته ثبت أنه ينجس به الماء القليل.
وقال القفال: القولان في أنها هل تنجس بالموت وهل تنجس أيضًا وهذا أقيس وعلى هذا في روثه هل هو طاهر؟ وجهان، وقال أهل العراق: هذا مذهب مالك أنها
[ ١ / ٢٥٥ ]
لا تنجس ويحل أكلها، ولا خلاف بين أصحابنا أن كلها تنجس بالموت أكلها حرام.
فرع
الحية والوزغ هل هي ذات نفس سائله؟ قال الدراكي وأبو حامد: (٢١٠ ب/١) هي ذات نفس سائلة، وقال أبو الفياض، وأبو القاسم الضميري: ليست بذات نفس سائلة.
فرع
أما إذا مات في الماء غير الحوت مما يكون عيشه في الماء، إن قلنا: إنه لا يحل أكله لا ينجسه، وكلب الماء وخنزيره والسلحفاة والسرطان والحية طاهر يؤكل في أحد القولين، ذكره بعض أصحابنا: وهذا في الحية غريب.
فرع
الصفدع يحل أكله قولًا واحدًا، ولكنه لا دم فيه فهل ينجس الماء القليل إذا مات؟ فيه؟ قولان، وهل ينجس في نفسه؟ فيه طريقان على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا: الضفدع دم سائل ينجس الماء قولًا واحدًا، وقال أبو حنيفة: لا ينجس الماء شيء يكون عيشه في الماء قياسًا علي السمك، وهذا غلط، لأنه حيوان له دم سائل فأشبه البري.
فرع
إذا قلنا لا ينجسه فوقع فيه كثير حتى غير أحد أوصافه لونه أو طعمه أو ريحه، حكى أبو حفص عمر بن أبي العباس عن أبيه في وجهين: أحدها: نجسه، لأنه تغير بالنجاسة ويمكن الإحتراز منه، والثاني، وهو الأقيس: لا ينجسه لأنه لو نجسه إذًا غيره ينجسه من غير تغيير، لأن في الماء القليل لا يعتبر التغيير.
فرع آخر
قال أصحابنا: بخراسان: في دود القز إذا مات هل ينجس؟ قولان، وكذلك القولان في بزره وروثه، وفائدة القولين جواز (٢١١ أ/١) الصلاة معه، وجواز بيعه ووجوب ضمانه إذا أبلغه، والسم القاتل إن كان من نبات فهو طاهر، وإن كان من الحية فنجس وكذلك الترياق، إن كان فيه لحم الحية فهو نجس.
فرع آخر
البهيمة إذا تناولت الحب وخرج منها بعينه، قال أصحابها: إن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت لم تكن عينه نجسة ويجب غسل ظاهره، كما لو ابتلع النوى وخرج منه، وإن لم تبق صلابته كان نجسًا.
فرع
دم الحوت هل هو نجس، أو طاهر؟ وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر أنه نجس، ولكن مع هذا يحل أكله ميتًا، كما لو طعن صيدًا
[ ١ / ٢٥٦ ]
ولم يخرج منه إلا دم قليل قبل أن يصل إليه الذاع حل أكله، وإن بقى الدم في أجزائه.
والثاني: أنه طاهر، وبه قال أبو حنيفة؛ ليس بدم حقيقة بل هو ماء أحمر لأن الدم يسود إذا أصابته وها لا يسود، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا هو رطوبة شبه الدم فهو طاهر وجهًا واحدًا، وإن قلنا إنه دم ففيه وجهان، وهذا الخلاف من ورثه وبوله، والفتوى عندي أن الكل طاهر؛ لأنه رخص في ابتلاعه حيًا وأكله ميتًا، فلا وجه للحكم بنجاسة شيء منه، ثم ختمك المزني هذا الباب بما مضى بيانه فلا نعيد.
فرع آخر
سؤر الفرس لا يكره وه طاهر، وقال أبو حنيفة: يكره وهذا خطأ لأنه حيوان يجوز بيعه كالشاة (٢١١ ب/ ١).