قال (٣) أخبرنا مالك وذكر الخبر.
وهذا كما قال: أراد بالمكيلة مقدار ما يجب في زكاة الفطر من الطعام بالكيل وجملته أنه إذا أخرج في صدقة الفطر تمرًا أو شعيرًا يخرج صاعًا بلا خلاف، وأما إذا أخرج برًا أو زبيبًا فالواجب عندنا صاع لا يجزيه أقل من ذلك وبه قال الحسن والشعبي
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٦).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥٦).
(٣) انظر الأم (٢/ ٥٧).
[ ٣ / ٢١٨ ]
ومالك وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وقال أبو حنيفة: الواجب من البر نصف صاع، وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومعاوية وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن العزيز وعروة بن الزبير واختلفت الرواية عن علي وابن عباس والشعبي فروي صاع وروي نصف صاع، وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان إحداهما: نصف صاع، والثانية: صاع، وبه قال أبو يوسف ومحمد واحتجوا بما [٢٤٢ ب/٤] روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير" وهذا غلط، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج وكان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير أو كبير حر أو مملوك صاعًا من طعام أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أنه قال: إني أرى مدين من تمر الشام يعدلان صاعًا من بر فأخذ الناس بذلك (١)، وأما خبر ثعلبة قال ابن المنذر: لا يثبت نصف صاع به عن النبي ﷺ، وخبرنا أولى لأنه زائد.
مسألة: قال (٢): وَبَيَّنَ فِيْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنَّ زكاةَ الفطرِ من البَقْلِ وممَّا يَقْتَاتُ الرجلُ ومَا فيه الزَّكَاةُ.
وهذا كما قال: البقل عند العرب هو ما يقتات به وأراد أن زكاة الفطر يتعلق بما يقتاته الآدميون [٢٣٤ أ/٤] على الدوام في بعض البلدان فيما يبقى له في المعدة ثقل بقى ممتدًا حتى يقوم بها الأبدان، وهاهنا إشكال وذلك أن هذا اللفظ بظاهره يدل على التنويع وليست هاهنا أنواع ولكن كلما كان قوتًا معتادًا ففيه صدقة الفطر.
وفي بعض نسخ "المختصر" حذف الواو عن قوله وما يقتات الرجل والحذف هو أقطع لهذا الإشكال، ولكن الواو ثابتة في قوله: وما فيه الزكاة فيكون الإشكال ثابتًا في تلك اللفظة ثم قطع هذا الإشكال أن يقال: قد حد الشافعي ما تجب فيه صدقة الفطر بثلاثة حدود أحدها: ما كان ثقلًا وهذا أيضًا حد كامل لأن الصدقة لا تجب إلا في الأقوات، والحد الثالث: قوله وما فيه الزكاة وهذا حدثًا منه لأن زكاة الفطر لا تتعلق إلا بما يتعلق به العشر سوى الأقط فإن فيه كلامًا سنذكره، فإذا تقرر هذا نقول يجوز إخراج البر والشعير والتمر والزبيب والحبوب التي يلزم فيها العشر، وقال الشافعي في الباقلاء: لا أحسبه يقتات فإن كان قوتًا أجزأه إذا أدّى منه صاعًا وأجمع أصحابنا أنه قوت يجب [٢٣٤ ب/٤] فيه الزكاة ويخرج منه زكاة الفطر، وأما الدقيق من الحب الذي يجزي في الفطرة، المذهب أنه لا يجوز، وقال مالك: يجوز بدلًا من الحب مع دقاقه
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٠٦/ ١٥٠٨)، ومسلم (١٨/ ٩٨٥).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥٧).
[ ٣ / ٢١٩ ]
أن القيمة لا تجوز وبه قال الأنماطي من أصحابنا، وروي عن مالك مثل مذهبنا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ويكون أصلًا وهذا غلط، لأنه ناقص المنفعة عن الحب ولا يكون أصلًا فيه كالخبز واحتجوا بما روي في خبر أبي سعيد الخدري ﵁: "أو صاع من دقيق" قلنا: قال أبو داود روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه وهل يعتبر غالب قوت البلد أو غالب قوت نفسه ظاهر قول الشافعي وهو الصحيح، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق يعتبر غالب قوت البلد لا قوته، وبه قال مالك، لأن النبي ﷺ قال: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وإنما يحصل الاستغناء بغالب قوت البلد، وقال أبو عبيد بن خربويه يعتبر غالب قوت نفسه وادعى أن هذا ظاهر المذهب لأن الشافعي قال (١): وأي قوت كان الأغلب على رجل أدّى منه زكاة الفطر ولأنه [٢٤٤ أ/٤] لما وجب إذا فضل عن قوته وجب أن يجب من موته، ومن قال: بالأول قال: أراد به إذا كان يقتات هو من غالب قوت البلد.
قال القفال: وهو الأصح عندي أنه يلزمه أن يخرج مما يقتاته من هو في مثل حاله في الغالب أو خيرًأ منه فإن كان مثله يقتات الحنطة ولكنه يقتات الشعير لشحه لم يجزه إلا الحنطة، وإن كان مثله يقتات الشعير ولكنه يقتات الحنطة إسرافًا فله أن يؤدي الشعير، وإن ادعى الحنطة فهو أولى، وإن كان مثله يقتات كليهما وهو يقتات كليهما فإن كان أحدهما هو الأغلب اعتبرنا الأغلب، وإن استويا فهما سواء يؤدي من أيهما شاء، والأفضل أن يؤدي من خيرهما.
ومن أصحابنا من قال: يتخير بين أجناس الأقوات فيخرج من أيهما شاء، وبه قال أو حنيفة لقوله ﷺ: "صاعًا من نمر أو صاعًا من شعير" ولفظة أو إذا لم تكن شكًا ولا تنويعًا كانت للتخيير وهذا غلط، لأن معنى الخبر صاعًا من تمر إن كان القوت هو التمر أو صاعًا من شعير إن كان القوت هو الشعير [٢٤٤ ب/٤] فإذا قلنا بقول عامة أصحابنا، فإن كان قوته غالب قوت البلد ففيه ثلاثة مسائل:
أحدها: أن يخرج من الغالب فيجوز، فإن أخرج أعلى منه مثل إن كان غالب قوت البلد الشعر فأخرج تمرًأ أو بُرًّا فيجوز قولًا واحدًا وعلى هذا لو أخرج التمر بطبرستان يجوز قولًا واحدًا بلا إشكال، وقال في "الحاوي" (٢): فيه وجه آخر لأصحابنا: أنه لا يجوز لأنه غير ما وجب عليه، وإن كان خيرًا كمن أخرج البر عن الشعير أو الدينار عن الدرهم لا يجوز وهذا خلاف المنصوص ونظيره أن يخرج في زكاة الإبل أعلى سنامًا وجب عليه يجوز وإن أخرج دونه مثل إن كان الغالب حنطة فأخرج شعيرًا لا يجوز في ظاهر المذهب، وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر أنه يجوز وهو عين ما ذكرنا أنه يتخير بين أجناس الأقوات، وقال القاضي الطبري: وهذا هو الصحيح عندي لظاهر السنة ولا خلاف على هذا أن التمر والبر أولى من غيرهما وفي أولادهما وجهان أحدهما: التمر
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٨).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٣٧٨).
[ ٣ / ٢٢٠ ]
أولى وبه قال ابن عمر وأحمد لأن الرسول ﷺ [٢٤٥ أ/٤] كان يخرج منه وعمل أهل المدينة عليه.
والثاني: وإليه مال الشافعي: البر أولى وبه قال علي ﵁ وإسحاق، قال علي ﵁: الآن قد أوسع عليكم فأخرجوا البر ولأن التمر مجمع على أنه لا يجوز أقل من صاع، وفي البر اختلفوا ولا يصلح التمر للزراعة بخلاف البر ولأنه أصلح القوت وأطيبه، ومن أصحابنا من قال: يعتبر الأفضل بكثرة الثمن وبه قال أحمد وقيل: قال الشافعي في "الأم" (١): الأفضل البر، وقال في البويطي: الأفضل البر والتمر ولو قيل: يختلف هذا باختلاف البلاد كان مذهبًا وله وجه وهذا صحيح عندي وإن كان أهل البلد يقتاتون أقواتًا مختلفة، فالمستحب أن يخرج الأفضل ويجوز أن يخرج من أيهما شاء لتساوي الكل وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجوز إلا من الأجناس الخمسة المنصوصة وهذا لا يصح لأنها تجب في الفاضل عن قوته وربما يكون قوتهم الذرة ويحصل الإغناء بذلك فجاز. د
مسألة: قال (٢): وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعًَا بِصَاعِ [٢٤٥ ب/٤] رسول الله ﷺ.
وهذا كما قال: صاع النبي ﷺ هو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال واحتج بما روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ "كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" (٣) والمد رطلان. وهذا غلط، لما روي أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة في فدية الأداء: "أطعم ثلاثة آصع بين مساكين" (٤) والفرق بتحريك الراء هو ستة عشر رطلًا وهو بسكونها مائة وعشرون رطلًا، فدل أن ثلاثة آصع ستة عشر رطلًا.
وقال أحمد بن حنبل: عبرت صاع رسول الله صلى اله عليه وسلم بالمدينة فكان خمسة أرطال وثلثًا والطريق الواضح في ذلك نقل أهل المدينة خلفًا عن سلف فإنه لما اجتمع الرشيد مع مالك بالمدينة ومعه أبو يوسف اختلفا في قدر الصاع فحمل مالك قومًا كثيرًا معهم آصع نقلوها عن آبائهم أنهم كانوا يؤدون بها إلى النبي ﷺ [٢٤٦ أ/٤] فعبرت فكانت خمسة أرطال وثلثًا فرجع أبو يوسف إلى ذلك، وأما خبرهم فلم يصح قوله والمد رطلان ويحتمل أنه كان مد الطهارة أكثر من الزكاة، ثم اعلم أن الأصل هو الكيل في ذلك وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارًا لئلا تختلف المكاييل والأولى إخراجها بالصاع إتباعً لرسول الله ﷺ.
وقد قال الشافعي في "القديم": وصاع رسول الله ﷺ خمسة أرطال وثلث زيادة
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٨).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥٨).
(٣) أخرجه مسلم (٥١/ ٣٢٥)، والترمذي (٥٦، ٦٠٩)، والنسائي (١/ ١٨٠)، وابن ماجه (٢٦٧)، وأحمد (٦/ ١٢١، ١٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٨١٤، ١٨١٥)، ومسلم (٨٣/ ١٢٠١).
[ ٣ / ٢٢١ ]
شيء أو نقصانه وغلط جماعة منت أصحابنا حيث قالوا: يعتبر الوزن وليس كذلك فقد عبر بعض المتقدمين من أصحابنا وزن المعشر الذي يخرج في زكاة الفطر بطبرستان فذكر أنه يزيد وزنه على وزن الحنطة في كل مدٍ عشرون درهمًا فالمد منه مائة وثلاثة وتسعون درهمًا وثلث درهم، وقال الطحاوي: الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه والذي يستوي كيله ووزنه الزبيب والعدس والماش.
مسألة: قال (١): وَلاَ تُقَوَّمُ الزَّكَاةُ.
الفصل
وهذا كما قال: قصد به أبا حنيفة حيث جوز [٦٤٢ ب/٤] إخراج القيمة وعندنا لا يجوز لظاهر الخبر، وقال الشافعي (٢): ولو قومت لكان إذا أدى ثمن صاع زبيب ضروع أي: نفيس، كثير القيمة جيد وهو جنس من عنب الطائف أدى ثمن آصع حنطة وأراد أن هذه الأجناس من الأقوات مختلفة القيم متفاوتة تفاوتًا متباينًا فلو كان الاعتبار بالقيمة لأدى واجبًا ووافقنا أنه لو أراد أن يؤدي عن ثلاثة أشخاص صاعًا من زبيب ضروع قيمة ثلاثة أصع من حنطة فإنه لا يجوز فلو جازت القيمة لجاز هذا أيضًا.
مسألة" قال (٣): وَأَحَبُّ إِلَيَّ لأَهْلِ البَادِيَةِ أَنْ لاَ يُؤَّدُوْا أقِطًَا.
وهذا هو كما قال الكلام الآن في القوت الذي لا يجد فيه الزكاة وعلل في الأقط فقال: لأنه وإن كان قوتًا فألقت قوت وقد يقتات الحنظل يعني يحتاج مع كونه قوتًا إلى وصف آخر وهو وجوب الزكاة ثم بين أن أهل البادية إذا كان قوتهم الأقط يؤدون من قوت أقرب البلدان إليهم وهذا كما يعتبر [٢٤٧ أ/٤] في إبل الدية إبل أقرب البلدان إلى العاقلة إذا لم يكن للعاقلة إبل، وإذا قلنا: يتخير بين الأجناس أخرج إلى الأجناس شيئًا من الأقوات ها هنا ثم استثنى فقال: إلا أن يقتات ثمرة لا زكاة فيها يعني أهل أقرب البلدان إليهم فيؤدوا من ثمرة فيها زكاة وهذا كله تعليق القول في الأقط ثم أوضح ذلك فقال: ولو أرادوا أقطًا لا شيء أن أرى عليهم الإعادة يعني اعتبر القوت الذي فيه الزكاة قبل هذا ثم قال: أو يجيز القوت، وإن لم يكن فيه زكاة أي: نجيز القوت من الثمار في أقرب البلدان، وإن لم يكن فيها الزكاة كما أجاز الأقط ها هنا واعتذر أصحابنا عن هذا بأن الأقط من الأقوات العامة لأهل البادية، فكذلك جوزنا لهم خاصة بخلاف الثمار وقد ورد به الخبر أيضًا بخلاف الثمار التي لا زكاة فيها واختلف أصحابنا فيه على طرق، قال أبو إسحاق: يجوز قولًا واحدًا نص عليه في "القديم" و"الأم"، وبه قال مالك وأحمد، وإنما علق القول حين لم يصح الخبر عنده [٢٤٧ ب/٤] فلما صح الخبر عنده قطع به.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٧).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥٧).
(٣) انظر الأم (٢/ ٥٨).
[ ٣ / ٢٢٢ ]
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان وعند أبي حنيفة: لا يجوز على طريق الأصل، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أهل الحضر، وإن كان لهم قوتًا قولًا واحدًا، لأنه نادر وفي أهل البادية قولان: فإن قيل: أليس قال أبو سعيد الخدري ﵁: كنا نخرج وهو كان حضريًا، قلنا: أنه قد صح إنه كان يسكن البادية كثيرًا وقد قال ﷺ: "إذا كنت في باديتك فارفع صوتك بالأذان" فإذا قلنا: أنه يجوز الأقط فيجوز اللبن مع وجوده لأن اللبن أكمل منه لأنه يجيء منه الأقط وغيره، ويجوز الجبن أيضًا لأنه مثله ولا يجوز المصل والكشك، وإن كان قوتًا لهم لأنه لا يمكن اقتناؤه مفردًا، وأخرج منه الزبد، وقال أبو حامد: يجوز اللبن إذا لم يجد الأقط لأن الأقط أكمل منه فإنه بلغ حد الادخار، وقيل: قال في "القديم": إن أخرج اللبن عند عدمه أجزأه وقيل: إذا جوزنا الأقط ففي اللبن وجهان بكل حال، لأنه لا يدخر والأقط الذي يمكن [٢٤٨ أ/٤] اقتناؤه أن لا يكون مالحًا شديد الملوحة فإن شدة الملوحة فيه عيب ولو ملح الحنطة لا يجوز أيضًا، وقال أصحابنا بخراسان: لا يجوز الجبن بحال لأنه لا يقتات والأصح ما تقدم، ذكره القاضي الطبري وقيل: إن كانوا يقتاتون اللحم فالحكم فيه كالحكم في اللبن لأنه منفصل عن أصل تجب فيه الزكاة وفيه معنى القوت بخلاف الحبوب البرية.
وأما أهل جزائر البحر الذين يقتاتون السمك وأهل الفلوات النائية الذين يقتاتون البيض ولحوم الصيد لا يجوز ذلك في زكاة الفطر بحال لأن ذلك نادر وقولهم غير راجع إلى أثر وحكي عن الزهري وربيعة وعطاء أنهم قالوا: لا تجب زكاة الفطر على أهل البادية لأنه لا قوت لهم وهذا خلاف الإجماع ونص السنة.
مسألة: قال (١): وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ نِصْفَ صاعٍ حِنْطَة وَنِصْفَ صَاعٍ شعير.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الموجب عليه واحدًا والمخرج عنه واحدًا لا يجوز إلا صاع كله من جنس واحد، وقال أبو حنيفة يجوز أن يخرج نصف صاع تمر ونصف صاع [٢٤٨ ب/٤] شعير كما يجوز في كفارة اليمين أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة وهذا غلط، لأنه إثبات تخيير لم يثبته الشرع ولو ملك رجل نصفين من عبدين وقوته شعير فاخرج من أحد النص ٢ فين شعيرًا ومن الآخر قوتًا آخر لا يجوز لأن المخرج عنه اثنان، وغن كان المخرج واحدًا ولو كان يزكي زكاة الفطر عن جماعة فأخرج عن بعضهم جنسًا غير الجنس الذي أخرج عن البعض يجوز ثم قال (٢): وإن كان قوته حنطة لم يكن له أن يخرج شعيرًا وهذا يدل على أنه لا يتخير خلاف ما اختاره القاضي الطبري ثم قال (٣): ولا يخرجه من مسوس ولا معيب وهذا لا خلاف فيه لقوله تعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] الآية، ثم بين أنه إذا لم يكن من القدم
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٨).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥٨).
(٣) انظر الأم (٢/ ٥٨).
[ ٣ / ٢٢٣ ]
تغير لا يكون عيبًا فقال: وغن كان قديمًا لم يتغير طعمه ولا لونه أجزأه، وغن نقصت قيمته لقدمه وغيره أولى وغن تغير طعمه لا ريحه لا يجوز ثم قال (١): وغن كان قوته حبوبًا مختلفة فاختار له خيرها ومن أين أخرجه أجزأه، قال الإمام أبو محمد الجويني: هذا نص يدل على انه إذا أخرج [٢٤٩ أ/٤] الأدون يجزيه لان اللفظ في حديث ابن عمر هو لفظ تخيير.
مسألة: قال (٢): ويَقُسِّمُهَا عَلَى مَنْ تُقَسَّم عَلَيْهِ زَكَاةُ المَالِ.
وهذا كما قال: أراد زكاة المال الباطن وهم الأصناف الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه سوى العاملين وقال الشافعي في "الأم" (٣): فرقها في ستة أصناف وسقط سهم العاملين والمؤلفة لفقد [ما استحقا به من الحاجة]، وقال أصحابنا: فقد الرقاب أيضًا، فيقسم على خمسة أصناف، ويفرق على ثلاثة من كل صنف فيكون أقل من يفرق عليهم خمس عشرة نفسًا للفقراء، والمساكين، والغارمون، والغزاة، وأبناء السبيل، وقال الإصطخري: إن تولى إخراجها بنفسه يجوز أن يقتصر على صنف واحد فيصرفها إلى ثلاثة من أي الأصناف شاء، ولا يجوز في أقل من ثلاثة وإنما جاز ذلك للضرورة، وإن دفعها إلى الإمام لم يضعها إلا في جميع الأصناف لأنه قادر عليه من غير ضرر وبه يفتي كثير من أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: إن عند الإصطخري أنه يصرفها إلى الفقراء فقط فلو صرفها إلى الغارمين أو أبناء السبيل فإن قلنا: سقوط الفرض [٢٤٩ ب/٤] هناك لأن النبي ﷺ خصهم بالذكر فقال: "صدقة الفطر طعمة للمساكين" لا يجوز وإن قلنا: للمشقة يجوز وللإصطخري هاتان العلتان هناك، وعند أبي حنيفة يجوز أن يدفعها إلى واحد كما قال في زكاة المال، وأنا أفتي به وفصل الضرورة يبطل بما لو وجب عليه جزء من شاة في الخلطة لا يفرقه في صنف واحد ولأنه لا ضرورة لأنه يمكنه أن يجمع زكاة الفطر عند رجل حتى إذا اجتمعت فرقها.
مسألة: قال (٤): وَأَحَبُّ إلى ذَوو رَحِمِه.
وهذا كما قال: الأقارب ضربان، تلزمه نفقته فلا يجوز له صرف الصدقة إليه لأنه مستغني بوجوب نفقته عليه، وضرب لا يلزمه نفقته فالمستحب أن يخصهم بالصدقة لقوله ﷺ: "لا صدقة وذو رحم محتاج" وروى سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي القربى صدقة وصلة" (٥) وروت أم كلثوم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" (٦) ثم الاختيار بعد الأقارب [٢٥٠ أ/٤] أن يصرفها إلى الجيران فإن لم يكن جيران صرف ذلك كيف
_________________
(١) نظر الأم (٢/ ٥٨).
(٢) نظر الأم (٢/ ٥٩).
(٣) نظر الأم (٢/ ٥٩).
(٤) نظر الأم (٢/ ٥٩).
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٧، ١٨، ٢١٤)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٢٥٨٢)، وابن ماجه (١٨٤٤)، وابن حبان (٣٣٣٣)، والحاكم (١/ ٤٠٧).
(٦) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٢).
[ ٣ / ٢٢٤ ]
شاء على من يستحقها وإن ترك الأقارب والجيران مع الفدية فقد ترك الأفضل وأجزأه ويقدم الرضاع والمصاهرة على الولاء فيها لأن الولاء يثبت المحرمية ولا يجوز أن يصرفها إلى أهل الذمة خلافًا لأبي حنيفة وهذا غلط، قياسًا على زكاة المال.
مسألة: قال (١): وَإِنْ طَرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تَجْمَعُ عِنْدَهُ أَجْزَأَِهُ إِنْ شَاءِ اللهُ.
وهذا كما قال: صدقة الفطر من زكاة الأموال الباطنة فله أن يفرقها بنفسه وإن دفعها إلى الإمام أجزأه وبينا الكلام في الأفضل، وهذا نص على أن الأول أن يباشر بنفسه وهذا أولى عند كثير من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: هذا أحب إليه إذا لم يكن الوالي نزيهًا لأن الشافعي روى في "الأم": أن رجلًا سأل عطاء عن ذلك فقال: ادفعها إلى الوالي فجاء الرجل إلى ابن أبي مليكة فسأله فقال: أخرجها بنفسك فقال له الرجل: قال عطاء كذلك فقال أفتاك العلج بغير مذهبه لا تدفعها إليهم فإنما يعطيها [٢٥٠ ب/٤] هشام حرسه وبوابه ومن شاء من غلمانه، وقال بعض أصحابنا: هي جارية مجرى زكاة الأموال الظاهرة فيها قولان كما هناك وقيل: إنما قال الشافعي: إن شاء الله لتعلم كراهيته مع إجازته ولهذا استدل بخبر سالم فقال: سأل رجل سالمًا يعني به ابن عبد الله بن عمر فقال له: ألم يكن ابن عمر يعني أباه يدفعها إلى السلطان قال: بلى ولكني أرى أن لا يدفعها إليه أي: كان السلطان إذ ذاك عدلًا واليوم بخلافه ولم يرد به ابن عمر أن أخطأ في ذلك.
فرع
لو أدت الزوجة زكاة فطرة نفسها إذا قلنا: بالوجوب عليها عند افتقار الزوج ويسارها إلى زوجها يجوز والاختيار لها أن تخصه لأنه في معنى أهلها وأقاربها، وإن أدى هو زكاة فطر نفسه إليها فوجهان أحدهما: يجوز كالزوجة، والثاني: لا يجوز وهو المنصوص لأنها عينه بوجوب نفقتها عليه وهذا حكم زكاة المال، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في كل واحد من الزوجين وهذا غلط، لأنه لا يقضيه بينهما كبني الأعمام.
فرع آخر
الأفضل أن يخرج صدقة [١٥٢ أ/٤] الفطر يوم الفطر قبل الصلاة نص عليه في القديم، وإن أخرجها قبل ذلك في شهر رمضان أجزأه ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان، وقال أبو حنيفة: تجوز لأنها مخرجة عن بدنه وبدنه موجود وهذا غلط، لأن سبب هذه الزكاة الصوم والفطر عنه فإذا بقي لوجوبها سببان لم يجز تعجيلها كما لو بقي الحول والنصاب وقولهم: إنها مخرجة عن بدنه قلنا: هو المؤدي فلا يجوز إذا بقي سببان وإن وجد سبب كما لا يجوز تقديم الظهار إذا وجد عقد النكاح، ولو أخرها عن الصلاة وأخرجها في يوم الفطر أجزأته ولم يأثم، وإن أخرجها عن يوم الفطر أثم به وأجزأته وبه قال أحمد وحكي عن ابن سيرين والنخعي أنهما كانا يرخصان في تأخيرها
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥٩).
[ ٣ / ٢٢٥ ]
عن يوم الفطر وهذا غلط، لقوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وقال ﷺ: "ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".