مسألة: قال: والولي هو أحق بالصلاة عليه من الوالي.
وهذا كما قال: إذا لم يكن هناك مناسب فالوالي أحق بالصلاة إذا حضر، فإن حضر المناسب دون الوالي كان المناسب أولى، وإن اجتمعا معًا فالمذهب الذي نص عليه في القديم، والجديد أن المناسب أولى، وبه قال مالك، وقال في موضع من القديم: الوالي أولى به وبه قال أبو حنيفة وأحمد [٣٢٧ أ/٣] وإسحاق ويحكى عن مالك أيضًا، وروي ذلك عن علي ﵁، وقد قال أبو حنيفة: إمام الحي والمحلة أولى قياسًا على سائر الصلوات، وأشار الشافعي إلى الفرق بينهما فقال: لأن هذا من الأمور العامة، واحتجوا بما روي عن أبي حازم قال: شهدت حسينًا حين مات الحسن ﵁ وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد كان أمير المدينة. قلنا: يحتمل أنه أراد بذلك إطفاء النايرة وتسكين
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الفتنة وهو من السنة.
مسألة: قال: وأحق قرابته الأب ثم الجد.
الفصل
وهذا قال. الكلام الآن في ترتيب المناسبين فالأب أولى من كل أحد، ثم الجد أبو الأب، ثم الابن، ثم ابن الابن على ترتيب العصبات، وقال مالك: الابن أحق من الأب، لأن الابن أقوى تعصيبًا من الأب، وهذا غلط لأنهما في الإدلاء سواء، فإن كل واحد منهما يدلي نفسه إلى الميت ودعاء الأب أرجى للإجابة، فإنه أحن وأرق وأشفق، فكان بالصلاة أولى والجد أولى من الأخ، وقال مالك: [٣٢٧ ب/٣] الأخ أولى من الجد، لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، والبنوة عنده أولى من الأبوة، وهذا غلط لما ذكرنا. والأخ من الأب والأم هو أولى من الأخ للأب. قال في أكثر كتبه: وقال بعض أصحابنا فيه قول أخر: إنهما سواء ذكره القاضي أبو حامد "صاحب الإفصاح" واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال فيه قولان: كما في ولاية النكاح، هل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب؟ قولان. لأنه لا مدخل للنساء فيها فلم يكن لقرابة الأم في ذلك تأثيرًا كما لا مدخل للنساء في ولاية النكاح، ولا يقدم الأخ من الأب والأم فيها في قول، ومن أصحابنا من قال قول واحد: يقام هاهنا الأخ من الأبوين، لأن النساء تدخل في الصلاة على الميت عند الانفراد أو عند الائتمام ولها الإمامة بالنساء فيها، ولا مدخل لهن في ولاية النكاح أصلًا. قال القاضي الطبري: هذا ليس بمشهور، لأن الشافعي قال: تصلي النساء إذا لم يكن الرجال، فلم يجعل لهن مدخلًا إلا لضرورة، وقال القفال: الأشبه بالمذهب هذا، لأن لمن يدلي بالنساء مدخلًا فيها كالخال والأخ من [٣٢٨ أ/٣] الأم، وهذا غلط، لأنه لا ولاء به للأخ من الأم، ولا للخال فيها ذكره أهل العراق أجمع. فإذا قلنا: هما سواء فأولادهما سواء، وإذا قلنا: يقام ذو القرابتين فابنه مقدم ثم العم إن لم يكن له أخ، وهل يقدم العم للأب والأم على العم من الأب؟ على الطريقين وكذلك إذا اجتمع أبناء عم أحدهما أخ من الأم هل يقدم على الطريقين أيضا؟ فإن لم يكن أحد من العصبات فالمولى المعتق كقوله - ﷺ -: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
مسألة: قال: فإن اجتمع له أولياء في درجة واحدة فأحبهم إلي أسنهم.
وهذا كما قال. إذا اجتمع جماعة من الأولياء في درجة واحدة كالإخوة وبني الإخوة ونحوهم وتشاحوا قدم الأسن، وفي الإمامة في سائر الصلوات قدم الأقرأ والأفقه على المسن، والفرق أن القصد من سائر الصلوات حق الله تعالى فتقام فيها الأعلم والقصد
[ ٢ / ٥٧٤ ]
من صلاة الجنازة حق الميت والدعاء له، فكان الأشفق أولى بالإجابة، والأشفق هو الأسن ودعاؤه أرجى، قال النبي - ﷺ -: "إن الله تعالى يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة [٣٢٨ ب/٣] المسلم. ومن أصحابنا من قال هاهنا أيضًا: يقدم الأفقه والأقدر على الأسن كما في سائر الصلوات وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا بالعراق: نص في سائر الصلوات أنه يقدم الفقيه والقارىئ. ففي كلتا المسألتين قولان: أحدهما: يقدم الأسن في الكل، وهذا غلط ظاهر؛ لأن في سائر الصلوات نص الشافعي أنه يقدم الفقيه والقارئ على الأسن من غير إشكال، فإذا تقرر ما ذكرنا، قال الشافعي: فإن لم يحمد حاله، فأفضلهم وأفقههم. وأراد فإن كان هذا الأسن فاسقًا أو غير مرض، فإن كان مبتدعًا أو يهوديًا أسلم الآن، فحينئذ يقدم أفضلهم وأفقههم، وإن كان شابًا. وإن استووا بكل حال ولم يترجح بعضهم على بعض، ولم يتفقوا على تقديم واحد أقرع بينهم كما في ولاية النكاح.
فرع
إذا أوصى أن يصلي عليه رجل بعينه من غير أوليائه. روي عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن سيرين وأحمد: أنه أحق بالصلاة عليه من الولي والوالي وهو قياس قول مالك لأنه [٣٢٩ أ/٣] حقه تنفذت فيه وصيته وعندنا الولي أولى؛ لأنه حق الولي، ولا تنفذ وصيته لانقطاع ولايته ويدخل به النقص على وليه كما يقول في ولاية النكاح.
مسألة: قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك.
وهذا كما قال: إذا كان له وليان في درجة وأحدهما عبد والأخر حر، فالحر أولى بالصلاة من العبد، لأن للحر ولاية وليست للعبد ولاية، فكان من له الولاية أولى كالقريب والأجنبي، وعلى هذا قال أكثر أصحابنا: وإن كان العبد أقرب درجة فالولي الحر، فإن كان العبد فالعم الحر أولى من الأخ المملوك وهو مراد الشافعي لما ذكرناه أنه لا ولاية للعبد أصلًا. فإن قيل: فلم سماه الشافعي وليًا؟ قلنا: هذا من كلام المزني والشافعي قال: والحر أولى من المملوك أو سماه وليًا بمجاز الوجود. والسبب الذي يستحق به الولاية فيه، وليس هذا هو بولي حقيقة. ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي عند استوائهما في الدرجة، فإذا كان العبد أقرب فيه قولان مخرجان، والأول أصوب، وهو اختيار القفال.
فرع
قال الشافعي: ولا بأس [٣٢٩ ب/٣] بصلاة المملوك على الجنازة؟ لأن الفريضة
[ ٢ / ٥٧٥ ]
والنافلة تجوز خلفه، وكذلك الصبي الذي يعقل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
وقال والدي ﵀: لو صلى الصبيان على الميت، هل يسقط الفرض بصلاتهم؟ ينبغي أن لا يسقط، لأنه لا مدخل للصبي في فرض الكفاية فلا يسقط بفعله الفرض، وهذا كما لو سلم وجل على وجل فرد عليه غيره جواب السلام، لم يسقط عنه الفرض، لأن الراد لم يدخل في الفرض، ويحتمل أن يقال: يسقط الفرض بصلاته، لأنه لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في أخر الوقت، فإنه لا تلزمه الإعادة على الصحيح من المذهب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا حضر صبي ولي أو غير ولي مع نسوة نقلاه سواء كان الميت رجلًا أو امرأة فهو أحق بالصلاة من النساء إذا عقل الصلاة، وإن لم يبلغ مملوكًا أو غير مملوك يقدم الصبي والرقيق على النساء، وإنما قدم لأنهما قد استويا في عدم الولاية، وانفرد هو بالذكورة، ولو اجتمع مملوك بالغ وصبي فالمملوك أولى، لأنه مكلف وتجوز إمامته إجماعًا بخلاف الصبي.
فرع
لو لم يكن هناك مملوك [٣٣٠ أ/٣] ولا صبي يعقل، صلت النساء على الميت صفًا منفردات، فإن أمتهن إحداهن قامت وسطهن، لم أر بذلك بأسًا، فلم تجز صلاتهن إلا عند الضرورة، ولم يستحب لهن الجماعة في صلاة الجنازة، قال: ولو حضر الرجال بعد لا يلزمهم إعادة الصلاة. وقال أبو حنيفة: يصلين جماعة لأنهن من أهل الجماعة. وهذا غلط، لأن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة، فلم يشرع لهن الجماعة بخلاف سائر الصلوات.
فرع
قال في "الحاوي": تصلي النساء على المرأة، لأنه يجوز أن تتقدم النساء على النساء إذا لم يكن هناك رجال، وإنما: نص الشافعي أنهن يصلين فرادى بغير إمام في جنازة الرجال.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وسنة وسول الله - ﷺ - في الموتى والأمر المعلوم بعده إلى اليوم أن يصلى عليهم بإمام ولو صلي عليهم أفرادًا أجزأهم إن شاء الله قد صلى الناس على رسول الله - ﷺ - أفرادًا لا يؤمهم أحد، وذلك لعظم أمر رسول الله - ﷺ - بأبي هو وأمي، وتنافسهم لئلا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد. ومن [٣٣٠ ب/٣] أصحابنا من ذكر وجهًا يجب فيها جماعة وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
فرض الكفاية في صلاة الجنازة لا يقع بأقل من ثلاثة إذا وجدوا، لأن الشافعي قال
[ ٢ / ٥٧٦ ]
في "الأم": لو صلى الإمام عليها وهو غير متوضئ، ومن خلفه متوضئون تجوز صلاتهم، فإن كان كلهم غير متوضئين أعادوا، فإن كان منهم ثلاثة متوضئون جازت فاعتبر أقل الجمع. وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: عندي إن صلى واحد أجزأه. فالظاهر أن المسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يكفي أن يصلي عليها واحد، لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد. وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه ثلاثة أوجه: والوجه الثالث: لا بد من أربعة نفر، وهذا ليس بشيء.
فرع
قلت: الأولى كثرة المصلين عليها بالجماعة وأن لا يكون أقل من ثلاثة صفوف لما روى مالك بن هبيرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب". وكان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فاستقل الناس [٣٣١ أ/٣] جزأهم ثلاثة أجزاء. وروت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه"، وروي: مائة فما فوقها. وروى ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه". وروى أن ابنًا له مات بعسفان، فقال لكريب: انظر ما اجتمع له من الناس، فأخبره باجتماع الناس فقال: أربعون؟ فقال: نعم قال: أخرجوه. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - وذكر هذا الخبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأحب أن تكون الصلاة على الميت صلاة واحدة ولا يحبس بعد الفراغ منها لصلاة من فاتته الصلاة عليه، ويصلي على القبر، اللهم إلا أن يرجى حضور الوالي فلا بأس أن يحبس حتى يحضر ويصلي عليه، وهذا إذا لم يخف التغير. وأصحابنا لا يختلفون أن من لم يصل عليها يجوز له أن يصلي، وأما من صلى هل يصلي ثانيًا؟ وجهان: أحدهما: يستحب أن يصلي مع الجماعة كما في سائر الصلوات. والثاني: أنه لا يصليها، لأنه لا ينتقل بها وإذا صلى جماعة آخرون ينوون الفرض، لأن [٣٣١ ب/٣] فعل غيرهم ما أسقط الفرض عنهم، بل أسقط الحرج. وعند أبي حنيفة لا يصلى عليها إلا مرة واحدة.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلى على الميت في المسجد. وبه قال أحمد، وذكر بعض أصحابنا أنه أفضل وهذا ليس بمشهور، وقال في "الحاوي": لا يكره؛ بل يستحب، وقال أبو حنيفة ومالك: تكره الصلاة عليه في المسجد لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". أورده أبو داود وهذا غلط لما روي أن سعد بن أبي وقاص لما مات قالت عائشة: أدخلوه المسجد ليصلي عليه، فأنكروا عليها ذلك فقالت: "والله لقد صلى رسول الله - ﷺ - على ابني بيضاء، سهيل وأخيه في المسجد"، وروي أنها قالت: ما أسرع ما نسيتم، والله ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد. وثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صلى عليهما في المسجد ولم ينكر منكر. وأما خبرهم فراويه صالح مولى التوءمة وهو ضعيف، ثم أراد به نقصان الأجر، لأن الغالب أن من صلى عليها في المسجد ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجبان وصلى عليها حتى يشهد دفنها يكون له قيراطان من الأجر، [٣٣٢ أ/٣] فصار من صلى عليها في المسجد كمن لا أجر له، بالإضافة إلى من صلى عليها في الصحراء.