مسألة: قال: كل قتال كان فرضًا أومباحًا لأهل الكفر والبغي.
الفصل
وهذا كما قال: جملته أن القتال على ثلاثة أضرب:
قتال واجب، وقتال مباح، وقتال محظور.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فالواجب: كقتال المشركين وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية وفي معناه قتال أهل البغي لأن الله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وقتال قطاع الطريق: فتجوز صلاة الخوف في كلها.
وأما المباح: فهو الدفع عن حريمه وماله ونفسه، وكذلك عن نفس الغير وماله وحريمه فإن الصحيح من المذهب إن دفع المسلم عن نفسه مباح غير واجب، لأن حميته في قصده الإسلام بخلاف المسلم الظالم. وقد روي عن حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: "يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فقال رجل: يا رسول الله إن أدركنا هذا الزمان كيف نفعل؟ فقال: "احتمل ذكرك وادخل بيتك"، قال: يا رسول الله [أفرأيت إن] دخل علي بيتي قال: إن أفرقك شعاع السيف فاجعل طوف ثوبك على رأسك ولتكن عبد الله المقتول [١٩٢ أ/ ٣] ولا تكن عبد الله القاتل"،وروي "اتخذ سيفًا من خشب"، فتجوز صلاة الخوف في هذا القتال أيضًا؛ لأن كل رخصة تعلقت بالأمر الواجب فعلقت بالمباح كالقصر في السفر.
قال صاحب "التلخيص": إذا قاتل في الدفع عن ماله هل يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ قولان:
أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الجامع الكبير"، وفي "الإملاء"؛لأن الدفع عنه غير واجب بل هو مباح.
والثاني: يجوز وقال القفال ﵀: نص الشافعي رحمة الله عليه على قولين فيمن غشيه سيل فوجد ملجأ لنفسه دون ظهره وماله، هل له أن يهرب ويصلي صلاة شدة الخوف في هربه؟ والأصح له ذلك لأن في الدفع المباح يجوز القتال، وإن أتى على نفسه كما في النفس سواء فلا فرق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان ماله ذا روح فعلى وجهين، وإن لم يكن ذا روح فهو مرتب على ذلك، وهو بناء على أن له أن يقتل في الدفع عن المال أم لا؟ فيه وجهان، والأصح له ذلك، وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق، وقد أدخل الشافعي حجة كلامه في خلال الفصل، وهو قوله: من قتل دون ماله فهو شهيد [١٩٢ ب/ ٣] على أن له صلاة الخوف في الدفع عن المال وهذا من فصيح الكلام أن يذكر المسألة، ثم الحجة ثم الجواب.
وأما المحظور: فهو القتال لقطع الطريق أو المعصية، أو لمنع الحق، أو أي وجه من وجوه الظلم فليس له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هذا القتال، وإن فعل يلزمه الإعادة لأن الرخصة لا تكون لعاص، ولو انهزم قوم من المسلمين وصلوا في حال انهزامهم صلاة شدة الخوف، فإن كان ذلك ليتحولوا من جهة إلى جهة أخرى ليتمكنوا
[ ٢ / ٤٤٧ ]
من القتال، أو يتحيزوا إلى فئة من المسلمين في مواضع أخرى ليتقووا بهم، فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا تجب الإعادة؛ لأن انهزامهم لهذا السبب مباح، وان انهزموا للعجز والفشل، فإن كان بإزاء كل واحد من المسلمين ثلاثة من المشركين فأكثر فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا إعادة عليهم لأن للواحد أن يفر من الثلاثة، وإن كان بإزاء كل واحد منهم واحد أو اثنان لا تصح صلاتهم: لأنه لا يجوز للمسلم أن يفر من مشركين وإذا فر منهما كان عاصيًا وصلاة شدة الخوف رخصة ولا تستباح الرخصة بفعل هو معصية.
وقال في "الحاوي" [١٩٣ أ/ ٣] إذا عرفوا أنهم لا يطيقون قتال مثليهم من المشركين هل يجوز لهم أن يولوا من غير تحرف القتال أو تحيز إلى فئة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية.
والثاني: لا يجوز لأن لهم طريقًا إلى ما يجوز، إذ لا يعدم الانحياز إلى فئة قربت أم بعدت، وقال أبو حنيفة ﵀: جواز التولي الانحراف إلى القتال أو التحيز إلى فئة كانا في ابتداء الأمر ثم نسخا معًا وعليهم أن يقاتلوا ما أمكن.
مسألة: قال: ولو غشيهم سيل ولا يحدون نجوة.
الفصل
وهذا كما قال: النجوة الموضع المرتفع يلتجأ إليه لينجو به، وجملته: أن الرخصة في صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال، بل كل خوف كان المصلي غير عاص في سببه فهو مثله، فإذا كان الرجل في واد فغشيه سيل وخاف إن وقف للصلاة لحقه السيل وغرقه، فإن كانت نجوة يأوي إليها فعدا في طول الوادي من السيل وصلى في حال عدوه لم يجز وان لم يجد نجوة جاز، وهذا إذا كان بالالتجاء إلى النجوة لا ينقطع عن أهله، ولا يخاف من المقام هناك الجوع وهلاكه منه ونحو ذلك [١٩٣ ب/ ٣].
قال الشافعي ﵀: وإن أمكنهم نجوة لا بد أنهم دون ركابهم فلهم أن يهربوا ويصلوا صلاة الخوف، لأن الخوف على المال هو بمنزلة الخوف على النفس ذكره القاضي الطبري ﵀، وقد ذكره ﵀ على وجه آخر وقد ذكرنا ذلك.
فرع
قال في "الأم": ولو كان في الصحراء في موضع حشيش وحطب يابس، فوقعت فيه نار فاشتعلت فخاف إن ثبت يصلي يحترق، فإن كان يجد نجوة يأمن بها من الحريق لجأ إليها، وان لم يجد وصلى في حال عدوه تجوز صلاته، وهكذا لو طلبته حية أو غيرها من السبع وخاف على نفسه منها وهرب، وكذلك لو طلبه جمل صائل أو فيل، فإنه تجوز صلاة الخوف بالإيماء أينما توجه.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وقال المزني ﵀: يلزم الشافعي على أصله أن يأمره بإعادة الصلاة، لأنه عذر نادر قلنا: لا يلزم ذلك، لأن الخوف معتاد وقد يكون عرضًا نادرًا،، ولكن حكم نادره كحكم معتادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ولو خافوا الحريق على متاعهم أو منازلهم أحب أن يصلوا جماعة، ثم جماعة أو فرادى، ويكون من [١٩٤ أ/ ٣] لم يكن معهم في الصلاة في إطفاء النار، ويكره أن يصلوا في هذه الحالة صلاة الخوف التي صلاها رسول الله - ﷺ - بذات الرقاع: لأن هذه الصلاة شرعت في خوف القتال والحرب.
فَرْعٌ آخرُ
لو هرب من غريمه فإن كان معسرًا فله صلاة الخوف في الهرب، لأن له الهرب وإلا فلا. ولو هرب من عليه القصاص من الولي له أن يصلي صلاة شدة الخوف في عدوه؛ لأنه يرجو العفو لأن العفو مندوب إليه فربما يرغب في العفو، ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وعندي ليس له ذلك إذا كان صاحبه يطلبه: لأنه عاص بالهرب، لأنه لا يجوز أن يمنع حقًا مستحقًا من مستحقه، فإن كان عليه حد فهرب لا يصلي هكذا.