مسألة: قال وإذا أم رجلًا قام المأموم عن يمينه.
الفصل
وهذا كما قال، المأموم إذا كان واحدًا فالسنة أن يقف عن يمين الإمام قال سعيد بن المسيب ﵀ يقف على يساره وقال النخعي ﵀: يقف خلفه إلى أن يركع فإن أدركه آخر وقف معه وإن لم يدركه تقدم ووقف عن يمينه وهذا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس ﵁ في بيت ميمونة ﵂ في هذا الخبر دلائل كثيرة أربعة ذكرناها والخامس: أنه يدل على أنه إذا وقف على يساره فإنه يجوز وإن
[ ٢ / ٢٦٩ ]
[٣٥٣ ب/٢] ترك السنة، والسادس: أنه لا يلزمه سجود السهو بذلك. والسابع: أنه إذا وقف عن يساره يلزمه أن يتحول إلى يمينه، والثامن: أن يؤخره الإمام بيمينه لا يساره، والتاسع: أن يريده من خلفه لا من قدامه، والعاشر: أنه يحرم الكلام في صلاة النفي. والحادي عشر: أنه يدل على أن المشي اليسير لا يبطل الصلاة. والثاني عشر: أن للصبي موقفًا في الصف كالبالغ وابن عباس ﵄ كان صبيًا فإذا ثبت هذا فإن تركه الإمام على يسار نفسه وصلى معه لم تبطل صلاة واحد منهما وإذا أراد أن يدور عن اليسار إلى اليمين فالمأموم يدور دون الإمام لأنه تابع فهو أولى بالانتقال وإن كان المأموم اثنين يقومان وراء الإمام. وروي عن ابن مسعود ﵁ قال يقف بينهما وروي أنه تمسك بثلاث سنن منسوخة. أحدها: هذا، والثانية: التطبيق في الركوع، والثالثة: الإقعاد في الصلاة والدليل عليه في هذا الموضع ما روى جابر ﵁ قال: وقف رسول الله - ﷺ - فجئت ووقفت على جنبه فجاء جابر بن صخر فوقف عن يساره فأخرنا بيده حتى [٣٥٤ أ/٢] صيرنا خلفه. فإن وقفا كما قال ابن مسعود ﵁ أو وقف كلاهما عن يمينه لم تبطل صلاة أحد واحتج بما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه صلى بين علقمة والأسود فلما فرغ قال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ - قلنا: صار منسوخًا بخبرنا. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كانوا ثلاثة تقدم واحد وتأخر اثنان" وقال مسعود: غلام فروة كان رسول الله - ﷺ - يصلي وإلى جنبه أبو بكر الصديق ﵁ يصلي فدفع - ﷺ - في صدر أبي بكر فقمنا خلفه. فإذا تقرر هذا فإذا جاء الثاني ووقف على يساره وأحرم فإن كان قدام الإمام واسعًا ووراءه ضيقًا تقدم الإمام وإن كان قدامه ضيقًا وورائه واسعًا تأخر المأمومان لأنهما تابعان للإمام. وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يتقدم الإمام وذكر بعض أصحابنا بخراسان مثله وهو غلط لما ذكرنا. وقال القاضي الطبري: إذا جاء آخر يقف على يساره ويحرم [٣٥٤ ب/٢] فإذا أحرم فإما أن يتقدم الإمام عليهما أو يتأخر المأمومان عنه ويكره أن يحذر المأموم الذي عن يمينه فإنه لم يصر بعد في الصلاة فلا يجوز له ترك موقفه لأجله وكلام سائر أصحابنا يدل على أنه يتأخر المأموم إلى الجائي قبل الشروع في الصلاة، والصحيح ما ذكره القاضي ﵀ قال: ولو جاء ثالث وهما قاعدان في التشهد الأخير فالمستحب أن يقعد عن يساره متشهدًا ولا يتأخران عنه قل في التأخر في حال القعود أو تقدم الإمام مشقة والمرأة إذ أمت امرأة قامت عن يمينها فإذا جاءت أخرى فإنها تقوم عن يسارها لأن إمامة النساء تقوم وسطهن ولو أم صبيًا وقفا معًا خلفه.
فرع
لو كان معه صف من الرجال وصف من الصبيان خلف الرجال ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي حتى يتعلم أفعال الصلاة والأول: هو المذهب لقوله - ﷺ - "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق" يعني ما يكون فيها من [٣٥٥ أ/٢] ارتفاع الأصوات وما
[ ٢ / ٢٧٠ ]
يحدث فيه من الفتن وقال أنس ﵁: كان رسول الله - ﷺ - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وأما ما ذكروه موجود إذا صلوا خلفهم فإنهم يتعلمون منهم.
مسألة: قال وإن كان امرأة أو خنثى مشكلًا قام كل واحد منهما خلفه وحده وهذا كما قال: المرأة إذا صلت مع الرجل وقفت وراءه على ما ذكرنا وإن كان إمام ورجل وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام والمرأة ورائه والدليل عليه ما روى أنس ﵁ أن حدثته مليكة دعت النبي - ﷺ - لطعام منعته فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل بكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله - ﷺ - واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين وكانت العجوز أم سليم وهذا يدل على نسخ ما قاله ابن مسعود وروى الشافعي ﵀ أن النبي - ﷺ - أم أنس وعجوزًا منفردة خلف أنس وأراد بالعجوز أم سليم وهي أم أنس. وإن كان إمام وخنثى مشكل وقف الخنثى [٣٤٥ ب/٢] خلفه لجواز أن تكون امرأة وإن كان إمام ورجل وخنثى وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام ثم الخنثى خلفه ثم المرأة خلفه وإن كان هناك رجال ونساء وصبيان وخناثى فالرجال يلون الإمام ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى ثم النساء. قال - ﷺ -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها أخرها".
فرع
لو تقدم المأموم على الإمام قال في الجديد: بطلت صلاته وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله: وقال في القديم تصح صلاته قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور رحمهما الله: واحتجوا بأن مخالفة الموقف لا تبطل الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام ووجهه قوله الجديد هو الصحيح لأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال فلا تصح صلاته كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد وبهذا فارق إذا وقف عن يساره لأن اليسار قد يكون موقفًا للمأموم بخلاف القدام.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان الناس في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة فصلوا بصلاة الإمام فإن كان الإمام أقرب إلى الكعبة من المأمومين صحت صلاتهم، وإن كان بعضهم أقرب إلى الكعبة من الإمام قال [٣٥٦ أ/٢] أبو إسحاق: تبطل صلاتهم لأنهم تقدموا على الإمام. وهذا بخلاف نص الشافعي لأنه نص في كتاب الإمامة على خلاف هذا فقال: ويجتهدون أن يكونوا أبعد عن البيت من الإمام فإن لم يفعلوا وعلموا وبعضهم أنه أقرب إلى البيت من الإمام فلا إعادة عليهم ثم قال: ولا تجزي صلاة الذين يصلون من جهته إلا أن يكونوا خلفه فإن لم يفعلوا عادوا ففرق الإمام بين من كان خلف الإمام يتوجه إلى الكعبة وبين من كان موجهًا إلى الكعبة من جهة أخرى وذكر في الفرق بينهما أن من هو في غير جهته لا يخفى عليه فعله وليس كذلك إذا كان الإمام في جهته خلفه لأنه يخفى عليه فعله فلم يجز وأيضًا من كان محاذيًا له لما جاز له التوجه إلى غير جهة
[ ٢ / ٢٧١ ]
الإمام وجاز له التقدم عليه ومن هو خلفه لما لم يجز له أن يتوجه إلى غير جهة الإمام لم يجز له التقدم عليه وهذا هو الجواب إن احتج به أصحاب مالك على جواز التقدم وكذلك في الكعبة لو استقبل أحدهما صاحبه على هذا الوجه يجوز وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه إذا تقدم المأموم على الإمام [٣٥٦ ب/٢] في الكعبة تجوز وهذا الإطلاق خطأ وإنما يجوز على ما ذكرنا.
مسألة: قال وركع أبو بكر وحده وخاف أن تفوته الركعة فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فلم يأمره بالإعادة وهذا كما قال من دخل وقد استوت الصفوف فإن وجد فرجة وقف فيها معهم في الصف ثم آخر فإن أحرم خلفه ثم دخل الفرجة فإنه يكره ويجوز صلاته، وهكذا لو مضى على صلاته وحده ولم يدخل معهم في الصف كره وأجزأه وبه قال الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وابن المبارك ﵏ وروي ذلك عن زيد بن ثابت. وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، وداود: لا تنعقد صلاته وبه قال النخعي، والحسن بن صالح واختاره ابن المنذر واحتجوا بما روى وابصة بن معبد: أن النبي - ﷺ - صلى، ثم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. وأيضًا روي أن النبي - ﷺ - قال لرجل صلى خلف الصف: أنها خلف الصف هلا دخلت في الصف أو جررت رجلًا من الصف فيصلي معه أعد صلاتك. وروي أنه - ﷺ -[٣٥٧ ا/٢] قال: "لا صلاة للمنفرد خلف الصف" وهذا غلط لخبر أبي بكرة وتمام الخبر ما روي أن أبا بكرة دخل المسجد فوجد رسول الله - ﷺ - في الركوع فخاف أن تفوته الركعة فركع وحده خلف الصف ثم خطا خطوة أو اثنتين حتى اتصل بالصف فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من صلاته روي أنه قيل له ذلك وروي أنه علمه لأنه كان يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من قدامه فأقبل على أبي بكرة. وقال له: يا أبا بكرة زادك الله حرصًا ولا تقرأوا اسم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ولأنه أخطأ في الوقف ولم يخرج عن حد المتابعة فأشبه إذا وقف الواحد على يسار الإمام وأما خبرهم الأول والثاني فإنا نحمله على الاستحباب وأما الثالث فلعله أساء إلى رجل بعينه كان منافقًا أو لم يتم ركوعه وسجوده فقال: لا صلاة له.
فإن قيل فقد نهى رسول الله - ﷺ - أبا بكرة عن القعود قلنا: إنما تنهاه لأجل الكراهة أو أراد لا تعد إلى التأخر.
وقال بعض أصحاب [٣٥٧ ب/٢] أحمد إدا افتتح صلاته منفردًا خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع الإمام رأسه من الركوع فلا صلاة له ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة نفر ولو التحق بالصف أو تلاحق به القوم قبل رفع الإمام رأسه من الركوع تصح صلاتهم وكان الزهري، والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريبًا من الصفوف أجزأه وإن كان بعيدًا لم يجزه.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فرع
لو دخل المسجد ولم يجد في الصف فرجة، يصلي خلف الصف وحده وذكر أبو حامد أنه يستحب له أن يجذب رجلًا من القوم ليقف معه خلف الصف فإن لم يفعل هذا كره وأجزأه وبه قال جماعة من أصحابنا وقالوا: لا نص فيه وذكر القاضي الطبري أن الشافعي ﵀ نص في البويطي أنه يقف وحده ولا يجذب رجلًا وهو أصح لأن في جذبه رجلًا يحدث خللًا في الصف الأول ويحرمه فضيلة الصف الأول وليس له ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد في الأول فرجة فدخل رجل له أن يتقدم ويسد الفرجة وإن احتاج إلى المرور بين يدي [٣٥٨ أ/٢] آخر لأن الذي ترك الفرجة بين يديه في الصف الأول منع حق نفسه حين لم يتصل بالصف الأول.
مسألة: قال وإن صلت امرأة بين يديه أجزأته صلاته وهذا كما قال في رواية ابن خزيمة وإن صلى وبين يديه امرأة وقصد به الرد على أحمد ﵀ حيث قال: ومرور الحائض بين يدي الرجل في الصلاة تبطل صلاته وأخذ بالخبر الذي تقدم وقد روي عن عائشة ﵂ أنها لما أخبرت بذلك قالت: "بئس ما عدلتمونا بالكلاب كان النبي - ﷺ - يصلي على فراشي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمز وجلي فأقبضهما وإذا رفع مددتهما" والقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة ووجهه أن المرأة إذا لم تكن في الصلاة فإذا وتكون قائمة بخلاف ما إذا كانت في الصلاة فإذا لم تضر. صلاة الرجل في شر حاليها فلأن لا تضر صلاته في أحسن حاليها أولى.
مسألة: قال وإن صلى رجل في طرف المسجد والإمام في طرفه ولم تتصل الصفوف بينه وبين الإمام.
الفصل
وهذا كما قال إذا صلى الإمام في المسجد وصلى غيره لصلاته نظر [٣٥٨ ب/٢] فإن كان معه من جوف المسجد صحت صلاته سواء كان بينهما حائل أو لم يكن، بعدت المسافة بينهما أو قربت، اتصلت الصفوف أو لم تتصل، إذا كان له طريق إلى العلم بصلاة الإمام فإن كان سميعًا بصيرًا علم بالسماع والمشاهدة لأنه يشاهد الركوع والسجود ويسمع التكبير وقول سمع الله لمن حمده منه، أو من غيره ممن يأتم به وإن كان بصيرًا أصم علم بالمشاهدة وإن كان أصم ضريرًا لم يجز حتى يكون إلى جنب من يسدده للركوع والسجود، فإن لم يكن أو كان ولكنه لم يثق به لم يجز أن يقتدي به ويجوز لهذا الضرير الأصم أن يكون إمامًا لأنه يصلي لنفسه ولا يقتدي بغيره بل غيره يقتدي به والمساجد اللطاف المتصلة بالجامع فإن حكمها حكم المسجد الكبير فإذا وقف المأموم فالمسجد اللطيف والإمام في المسجد الكبير صحت صلاته وإن كان الباب الذي بين المسجدين مردودًا لأن الجميع بني للجماعة الواحدة ولو وقف الإمام
[ ٢ / ٢٧٣ ]
في أسفل المسجد والمأموم على سطح المسجد صحت صلاته لأن سطح المسجد هو من جملة المسجد [٣٥٩ أ/٢] ألا ترى أنه يجوز للجنب اللبث فيه والمستحب له أن يتأخر حتى يكون من وراء الإمام فإن حاذاه كرهنا له ذلك وأجزأه وإن تقدم حتى يصير إلى القبلة أقرب فهو على القولين ولو كان الإمام في ظهر المسجد والمأموم أسفل فإنه يجوز أيضًا وقال أبو حنيفة ﵀ هذا يجوز ولكن إذا كان المأموم أعلا والإمام أسفل فإن كان المأموم أعلا بأقل من قامة الرجل صحت الصلاة وإن كان أكثر من ذلك لم تجز صلاته وهذا غلط لما روى أبو هريرة ﵁ صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد ولم يفصل ولو كان الإمام في المقصورة والمأموم في الصحن أو رحبة المسجد جاز وإن زادت المسافة بينهما على ألف ذراع مثلًا والرحبة هي البناء المبني لدخوله متصلًا به أو فنائه وهو ما يقارب بابه وجداره من حريمه ومطرح ترابه كالعادة الجارية في أفنية الدور وهكذا لو كان الإمام في بئر المسجد أو المأموم فيها والإمام خارج أو كان أحدهما على المنارة والآخر أسفل كل ذلك جائز وإن كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في غير [٣٥٩ ب/٢] رحبة ففيه ثلاثة مسائل؛ إحداها: أن لا يكون دونه حائل بحال مثل أن لا يكون للمسجد حائل يحول دون روية من فيه من حائط وغيره لو يكون له حائط إلا أن باب المسجد بحذائه أو يمينه أو يساره مفتوح فإن كانت الصفوف متصلة صحت صلاته وإن خرجت فرسخًا أو أكثر وإن كانت الصفوف متقطعة قال الشافعي ﵀ تصح صلاته على القرب ولا تصح من البعد وهو أن يكون منقطعًا على قدر ثلثمائة ذراع واختلف أصحابنا من أي موضع أخذ الشافعي هذا التحديد على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما أنه أخذه من صلاة الخوف يوم ذات الرقاع فإنه يحني عن المصاف بقدر رميتهم وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا وقيل أخذه من صلاة الخوف فإنه صلى بفرقة ركعة فانصرفت وهم في الصلاة إلى وجاه العدو وأتت الفرقة الأخرى فأحرمت من خلفه فصارت الفرقتان في مكان بين التي معه والتي تحرسه ثلثمائة ذراع وقال ابن الوكيل، وابن جبران رحمهما الله إنما أخذه [٣٦٠ أ/٢] من العرف والعادة لأنه قال ما يعرف الناس قومًا وكذلك ثلثمائة ذراع فما دونها وهذا ظاهر المذهب ثم اختلف أصحابنا أنه تحديد أو تقريب قال أبو إسحاق ﵀: هذا تحديد فإن جاوز ثلثمائة ذراع لم تجز صلاته قال أبو إسحاق والذي قال المزني أجاز ذلك في الإملأ بلا تأقيت مطلق محمول على ما قيده ههنا وهذا هو المذهب المشهور ذكر القاضي الطبري ﵀ ومن أصحابنا من قال هو تقريب وليس بتحديد فإن زاد عليها قليلًا قدر ثلاثة أذرع لم يضر وهذا هو اختيار المزني ﵀ وهو الصحيح عند مشايخ خراسان وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في الأم وذلك ليس بشيء وهذا لأن الشافعي قال مائتي ذراع أو ثلثمائة ذراع أو نحو ذلك وهذا ليس إلا للتقريب ولأنه اعتبر ذلك من صلاة الخوف أو العرف أو العادة وليس ذلك إلا بالتقريب وهل يعتبر هذه المسافة
[ ٢ / ٢٧٤ ]
من الإمام أو من آخر المسجد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يعتبر من موقف الإمام إن لم يكن خلفه أحد في المسجد أو من آخر [٣٦٠ ب/٢] الصفوف إن كانت خلفه صفوف، والثاني: وهو المذهب أنه من آخر المسجد في صحراء موات لا مالك له أو كان ملكًا لرجل واحد فإن كانت أملاكًا مختلفة ففيه وجهان؛ أحدهما: يجوز ولا اعتبار باختلاف الليل وإنما الاعتبار باختلاف الأبنية ولا بناء ههنا. والثاني: لا يجوز أن يكون الإمام في ملك والمأموم في ملك آخر وهذا كان اختيار القفال ﵀ ثم رجع عنه وهذا الوجه الثاني لا وجه له عندي. المسألة الثانية، والثالثة: أن يكون بينه وبينه حائل فإن كان الحائل من غير المسجد لم يختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: حائط المسجد ليس بحائل لأنه بني لمصلحة المسجد كالسواري في الوسط وقال عامة وهو المذهب الصحيح وهو حائل يمنع صحة الصلاة لأنه بني الفصل بينه وبين غيره بخلاف غيره ولأن عائشة ﵂ قالت لنسوة صلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإن كان دونه في حجاب لم يكن بين منزلها والمسجد إلا سور المسجل لأن باب منزلها كان ينفذ إليه وقيل هذه الحكاية لا تصح [٣٦١ أ/٢] عن أبي إسحاق ونص في الشرح على خلافه وإن كان الحائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة مثل المشبك فعلى قول أبي إسحاق هذا أولى أن لا يكون حائلًا وعلى هذا المذهب في هذا وجهان؛ أحدهما: لا يكون حائلًا لأنه لا يمنع النظر إلى من في المسجد فهو كالباب المفتوح. والثاني: يكون حائلًا لأنه يمتنع للاستطراق بخلاف الباب المفتوح وهذا أقرب.
فرع
لو كان باب المسجد مفتوحًا والناس في المسجد فوقف رجل بحذاء الباب يصلي بصلاة الإمام فإن صلاته صحيحة وصلاة من على يمينه ويساره وإن اتصل الصف وطال وكذلك صلاة من خلفهم وإن اتصلت الصفوف لأنه إذا كان في الصف من يرى بعض المأمومين أو من بين يديه صحت صلاة الكل وأما صلاة من وقف قدامه على يمين المسجد أو يساره ولم يقف أحد منهم بحذاء الباب هل تصح صلاته؟ المذهب أنه لا تصح وعلى قول أبي إسحاق تصح وحكي عن أبي حنيفة ﵀ مثل قول أبي إسحاق وهذا غلط كما ذكرنا ولأن النبي - ﷺ - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا [٣٦١ ب/٢] في المسجد" وأراد بصلاة الإمام في المسجد ولم يرد به إذا لم يكن حائل يدل على أنه أراد إذا كان حائل وحكي الشافعي ﵀ عن عطاء ﵀ أنه قال يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته ولم يراع القرب وهذا لا يصح لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فظاهره أن السعي واجب وإن علم بصلاة الإمام وروي أن النبي - ﷺ - قال: "لو صليتم في بيوتكم لضللتم" ومذهب عطاء جوازها في بيته وحكي عن مالك ﵀ أنه قال: يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته إلا في الجمعة. وهذا غلط أيضًا لما سبق من الدليل ويقيس على الجمعة.
مسألة: قال وكذلك الصحراء والسفينة.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الفصل
وهذا كما إذا كان الإمام في الصحراء والمأموم يصلي بصلاته وبينهما مسافة يعتبر القرب والبعد على ما ذكرنا ومقدار المسافة يعتبر في أخر الصفوف والشارع والطريق بين الصفوف ليس بحائل وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله هو حائل يمنع الائتمام وقيل أنه وجه آخر وليس بشيء لما روي عن النبي - ﷺ -[٣٦٢ أ/٢] أنه قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق فليس هو مع الإمام" وهذا غلط لما روي أن أنسًا ﵁ كان يصلي الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام في المسجد وهو الوليد بن عبد الملك وبينه وبين المسجد طريق ولم ينكر منكر ولأن ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها هو لأن ذلك لا يمنع الاستطراق ولا المشاهدة وأما الخبر الذي ذكروا فإنه لا أصل له في كتب أصحاب الحديث أو هو محمول على البعد أو الكراهة وأما في السفينة فقد ذكرنا جواز الصلاة فلو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ إما أن تكونا مغطاتين أو إحداهما مغطاة والأخرى مكشوفة أو كلتاهما مكشوفتين فإن كانتا مغطاتين أو إحداهما، لم تجز صلاة المأمومين لأن السفينتين هما في حكم الدارين فلا يجوز أن يكون بينهما حائل، وإن كانت مكشوفتين فإن كانت إحداهما مشدودة إلى الأخرى صحت الصلاة لأنهما كالبيت الواحد وإن كانت إحداهما منفصلة عن الأخرى ولم يكن بينهما بعد فالمذهب جواز الصلاة وإن الماء ليس بحائل وقال أبو سعيد [٣٦٢ ب/٢] الأصطخري: لا يجوز لأن بينهما ما يمنع الاستطراق وبهذا قال أبو حنيفة: وهذا غلط بخلاف المنصوص لأن الماء لا يمنع الاستطراق بسباحة على لوح ولأنه إن نصب الماء يمكن الاستطراق قيام الماء مانع منه فأشبه النار وقد سلم في النار أنها لا تمنع الائتمام وقال الإمام أبو محمد الجويني: الانقطاع ببعد المسافة، أو بنهر عظيم يجرى بينه وبين المسجد، أو بملك لغيره، لا يجوز له الوقوف فيه متى كان بينه وبين المسجد حائل يتعذر به الوصول إلى المسجد من موقفه حتى يحتاج إلى أن يتيامن أو يتياسر فيقطع قنطرة، أو يركب سفينة فذلك في العادة قطر وإلا فلا وهذا أحسن، ولكنه خلاف النص الذي ذكرنا.
فرع
لو كان هناك جسر بينه وبين الإمام فلا شك أن الماء ليس بحائل وكذلك إن كان هناك نهر وليس في النهر ماء أو كان نهر صغير بحيث يمكنه العبور إلى الجانب الآخر أو قل الماء في النهر العظيم كذلك لا يكون حائلًا ولو كان النهر في المسجد وهما في المسجد فلا نص بلا إشكال لأن المسجد جامع وقيل فيه وجهان وليس بشيء.
مسألة: قال [٣٦٣ أ/٢] وإن صلى في دار قرب المسجد.
الفصل.
وهذا كما قال إذا صلى الرجل في الدار بصلاة الإمام في المسجد فإن كان حائط الدار هو حائط المسجد فعلى ما ذكرنا من مذهب أبي إسحاق وغيره وإن كان بينهما حائل غير حائل غير حائط المسجد فإن كان لا يشاهد أحدًا من المأمومين لا يجوز أن يصلي بصلاة
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الإمام بحال، وإن كان يشاهد بعض المأمومين، فلا يخلو إما أن يكون الباب مفتوحًا والصفوف متصلة حتى دخلت إلى داره أو لا يكون كذلك. فإن كانت متصلة على ما ذكرنا فصلاته صحيحة، لأنا بينا أن مواضع الصفوف هي بمنزلة المسجد وإن كانت متصلة متقطعة ولكنه واقف بحذاء الباب ويبصر بعض الصفوف في المسجد أو خارج المسجد، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز ائتمامه إذا كان بينهما مقدار ثلثمائة ذراع فما دونها وهو الصحيح كما يقول إذا وقف في بعض الشوارع والطرقات ومن أصحابنا لا يجوز حتى يكون العقول متصلة إلى داره لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لم يجز إلا بأن تتصل به الصفوف ولا [٣٦٣ ب/٢] منه وبينهما فاعتبر فيه شرطين؛ أحدها: عدم الحائل، والثاني: الصفوف وتفارق الطريق والشارع لأنه جعل ذلك لمرافق المسلمين وهذا أحد المرافق بخلاف الدار والأول هو المذهب وعليه المحصلون من أصحابنا قول الشافعي ﵀ إلا أن تتصل به الصفوف أراد بألا .. أن يكون بينه وبين آخر الصفوف أو آخر المسجد ثلثمائة ذراع فما دونها لأن ذلك عنده في ذلك الصف أو خلفه صحت صلاته ومن وقف قدامه ولم يكن محاذيًا للباب لا تصح صلاته خلفه.
فرع
قال ولو وقف خلف صفوفه متصلة في دار بيت من الدار لم يكن له أن يصلي حتى تتصل الصفوف في البيت وأراد به إذا كان في البيت لا يرى أحدًا من أهل الصف فإن كان يرى بعضهم وكان بينه وبين آخر الصفوف ثلثمائة ذراع أجزأته صلاته هكذا ذكره القاضي الطبري وقال بعض أصحابنا إن كان هذا الصف الثاني في قرار.
ولا حائل فإنه يجوز وإن كان من ذلك حائل مثل إن كان في بيت أو في علو الدار في غرفة أو سطح لا يجوز سواء شاهد الصف [٣٦٤ أ/٢] أو لم يشاهد لأن الشافعي علل فقال: لأن علوها باين من المسجد ونحو هذا ذكره القفال ولعل مواد القاضي الطبري هذا التفصيل أيضًا وهو الأشهر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: كيفية اتصال الصفوف ههنا أن ينظر فإن كان البيت على يمين المسجد أو يساره ولم يكن له باب شارع إلى المسجد فلا يتصور اتصال الصفوف ولا يجوز الاقتداء منه بإمام المسجد بأن يقف رجل في المسجد وآخر داخل العتبة الحائلة بين البيت والمسجد ولا يكون بينهما إلا ما يكون بين رجلين من الصف على العرف والعادة حتى لو كانت العتبة عريضة فتباعد الرجلان، لا يجوز إلا بأن يقف واحد على العتبة ليحصل الاتصال فإذا حصل هكذا واتصل الصف جاز، وإن كان البيت وراء المجد فمن أصحابنا من قال: لا يتصور الاتصال هناك بحال ولا تصح الصلاة خلفه من ههنا ومن أصحابنا من قال: يتصور بأن يقف صف في المسجد أو رجل واحد وصف في البيت أو رجل ولا يكون بين الصفين في سائر المواضع على العرف [٣٦٤ ب/٢] ثم إذا حصل هذه فصلاة جميع من يكون في ذلك البيت جائزة وإن لم تتصل بهذا الرجل الذي وقف داخل العتبة وحصل به الاتصال ثم هكذا لو كان في البيت بيت آخر فالاتصال بين من في البيتين على نحو ما ذكرنا. وإن وقف قوم على سطح البيت الذي بجوار المسجد لم يجز إلا
[ ٢ / ٢٧٧ ]
بأن تتصل الصفوف بهم من سطح المسجد، فيجوز حينئذ قال أصحابنا: ويجوز في موضع آخر وهو أن يكون السطح غير عال وصحن المسجد مرتفعًا حتى إذا وقف رجل في المسجد ورجل على سطح البيت لم يكن قدر ذلك بحذاء رأس هذا الذي في المسجد ولكن تحصل المحاذاة بين جسديهما ببعض الجسد فيكون ذلك في حكم المتصل إذا وقف على حرف السطح ووقف الذي في المسجد بجنبه قريبًا منه وهذا كله اختيار القفال وقيل: خلف المسجد، فعلى وجهين أيضًا كالدار خلف المسجد وقال القفال: لو اختلفت البقعة مثل لو كان الإمام في الصفة وهو في البيت يشترط اتصال الصف حتى يصح اقتداؤه به لاختلاف البناء بخلاف المسجد فإن اختلاف الأبنية فيه [٣٦٥ أ/٢] لا يضر قال و.. فاقتدى من أحدهما الذي في الآخر لا يجوز إلا باتصال الصفوف كالبيتين وهذا كله خلاف المشهور في المذهب والذي تقدم هو أصح.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يتقدم الرجل الصف الأول لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة وروي ما في الصف الأول استهوا عليه وروى البراء أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" والمستحب أن تعمدوا يمين الإمام لما روى البراء ﵁ قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله - ﷺ - ولأنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه. فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -: "قال أتموا الصف الأول" فإن كان نقص ففي المؤخر وروى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فإن الشيطان يدخل بين ذلك الصف" وروى ابن عباس ﵁ قال: خياركم ألينكم مناكب [٣٩٥ ب/٢] في الصلاة. فقيل: لين المناكب لزوم السكينة والطمأنينة فيها لا يلتفت وقيل: أراد لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف لسدد الخلل ولصق المكان بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف.
مسألة: قال ومن خرج من إمامة الإمام فأتم لنفسه.
الفصل
وهذا كما قال. قد ذكرنا هذه المسألة وذكرنا خبر معاذ وروى أنه ما رئي رسول الله - ﷺ - في موعظة أشد غضبًا منه في تلك الموعظة، وقال: أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت؟ أين أنت من ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١] إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف الخبر إلى آخره والله أعلم.
وهذا آخر الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى (باب صلاة الإمام وصفة الأئمة) قد تم نسخ هذا الكتاب بمعرفة محمود صدفي النساخ نقلًا عن نسخة الأصل الموجودة بالكتبخانة الخديوية وذلك في يوم الاثنين ربيع الثاني سنة ١٣٢٥ هـ الموافق مايو سنة ١٩٠٧ م [٣٦٦ أ/٢].
[ ٢ / ٢٧٨ ]