مسألة: قال: "وَلاَ يُجْزِئُ طَهَارَةُ مِنْ غُسْلِ، وَلاَ وُضُوءِ وَلاَ تَيَمُّمِ إِلاَّ بِنَّيِة".
وهذا كما قال. اعلم أن أول فرائض الوضوء النية، فبدأ المزني بباب النية، ثم عقبه باب الأفعال، ومعنى النية عزيمة القلب، وهو أن يقصد بقلبه أن يكون فعله الذي يباشره لله تعالى فرضًا أو تطوعًا.
فإذا تقرر هذا، فكل طهارة من حدث تفتقر إلى النية سواء في ذلك الكبرى، كالغسل، والصغرى كالوضوء. وسواء كان بالمائع أو الجامد كالتيمم. وبه قال ربيعة، ومالك والليث، وأحمد وإسحاق. وروي ذلك عن على - ﵁ - وقال
[ ١ / ٧١ ]
الحسن بن صالح بن حي والأوزاعي في رواية، وزفر: أنه لا يفتقر شيء منها إلى النية. وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية، وهي رواية [٤٤ ب/ ١] عن الأوزاعي واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقولة: وهما طهارتان - يعني الوضوء والتيمم -وأراد عن حدث، فكيف يفترقان في وجوب النية في إحداها دون الأخرى. والدليل على الخاص قول الحسن بن صالح قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وقوله ﷺ: "الوضوء شطر الإيمان". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: الطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر". وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه".
وروي أن عثمان -﵁ - كان قاعدًا يتطهر فمسح ماء من فيه ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مما ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: بينما نبي الله ﷺ قاعد في مقعدي هذا يتطهر، فقال: "ما من عبد يتطهر إلا كانت خطاياه أسرع انحدارًا من طهوره".
فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية.
وقيل في تأويل قوله ﷺ: "الوضوء شطر الإيمان" أي شطر الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم، والصلاة لا تستغني عن النية، فكذلك الوضوء. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] [٤٥ أ/ ١] الآية، ولم يذكر النية، بينا هذه الآن هي حجتنا؛ لأنها تقتضى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ للصلاة، كقولك: إذا سافرت فتزود، معناه للسفر.
حكي عن ابن سريج أنه قال: إزالة النجاسة تفتقر إلى النية، بخلاف قول الشافعي: وهما طهارتان. وقيل: إنه اختيار الإمام سهل الصعلوكي، وعندي أنه لا تصح هذه الحكاية عنهما، وعلى ما ذكرنا لو توضأ الكافر أو اغتسل ناويًا، ثم أسلم لا يجوز له أن يؤدي به قرضًا خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه ليس من أهل النية عندنا.
وقال في "الحاوي": فيه وجه آخر يجوز له أن يؤدي به فرضًا؛ لأنه أصح قصدًا من الصبي، وذكر المزني في "المنثور" أن طهارة الصبي ناقصة إذا بلغ إعادة الوضوء والغسل.
[ ١ / ٧٢ ]
فرع
المرتد إذا اغتسل في ردته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز. وقال في "الحاوي": هل يجوز؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو كانت الذمية حائضًا فانقطع دمها فاغتسلت ثم أسلمت، المذهب أنها لا تصلي بهذا الغسل أيضًا؛ وقال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: لها أن تصلي؛ لأنه صح غسلها في حق الوطء حتى يحل للزوج وطئها، فصح غسلها في حق الصلاة أيضًا، وهذا غلط؛ لأنها
مأمورة بالغسل بحق الزوج، وصح غسلها في حق الوطء لا بحق الله تعالي، وإنما صح لأجل الوطء للضرورة.
فرع آخر
لو أن الذمية اغتسلت ولم تنو أنه للحيض. قال بعض أصحابنا: لا يحل وطئها كالمسلمة إذا لم تنو، فصح غسلها بنيتها لموضع الحاجة [٤٥ ب/ ١] وهذا كما يصح من الذمي العتق عن الكفارة بنية، ولو لم يبق لا يجوز عن الكفارة. قال هذا القائل: ولا يصح ما قال أصحابنا يصح غسلها في حق الآدمي دون حق الله تعالى؛ لأن الآدمي لا حق له في الغسل، بل حقه في الوطء، والوطن من شرط إباحته حصول الغسل بحق الله تعالى. وقال بعض أصحابنا: يجوز وطئها إذا اغتسلت بغير نية للضرورة، كما يقول في المجنونة المسلمة. وهذا أقيس عندي.
فرع آخر
لو أسلمت بعد الغسل هل يجوز وطئها؟ الظاهر أنه لا يحل، لأن الضرورة زالت. وقيل: فيه وجهان. وقيل: هل يجوز لها أن تصلي؟ وجهان بناء على هذين الوجهين.
فرع آخر
لو ارتدت بعد الدخول ثم اغتسلت من الحيض لا يصح غسلها أصلًا؛ لأنه لا يباح وطئها أصلًا، ويحتمل وجهين على ما ذكرنا عن صاحب "الحاوي".
فرع آخر
المجنونة المسلمة إذا اغتسلت من الحيض دل وطئها به للضرورة، ولا يصح غسلها في حق الصلاة. وقيل: هل لها أن تصلي بذلك الغسل؟ وجهان ما قلتا في الذمية إذا أسلمت.
فرع آخر
لو غسل الزوج امرأته المجنونة لا يفتقر الزوج إلى النية، لأن غسلها ني حق نفسه ولو لم يرد إصابتها لها وجب غسلها. ويفارق الميت في أحد الوجهين يفتقر إلى نية
[ ١ / ٧٣ ]
الغاسل؛ لأنه يستحق تعبد الله تعالى. ومن أصحابنا من قال: يغسلها زوجها وينوي استباحة [٤٦ أ/ ١] الاستمتاع. ثم إذا عقلت هل تصلي به؟ وجهان، وفيه نظر.
فرع آخر
المسلمة إذا اغتسلت من الحيض بنية إباحة الاستمتاع، هل يباح وطئها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بخلاف الذمية؛ لأنها تقدر على الغسل للأمرين فلا تحتاج حاجة إلى التبعيض. وعندي انه يحل وطئها ويحل لها أن تصلي به أيضًا تنوي استباحته ما لا يستباح إلا بالغسل، فصارت كالجنب تغتسل بنية الله في المسجد يجوز لها أن تصلي به. ولعل القائل الأول أراد به إذا نوت استباحة الاستمتاع فقط وتفت استباحة غيره.
فإذا تقرر هذا فالكلام في النية في ثلاث فصول: في محلها، وموضعها، وصفتها.
فأما محلها فهو القلب، لقوله تعالى ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص بالقلب، فإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه فهو الكمال. وإن نوفي بقلبه ولم يتلفظ بلسانه جاز. وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجز؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فصار كما لو نوى بقلبه قراءة الفاتحة ونفكرها ولم يتلفظ بها لا يجوز. وإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه غير ما نواه فإنه يجوز ويلغي ما تلفظ به. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: النية هي اعتقاد بالقلب وذكر باللسان ليظهر بلسانه ما اعتقده بقلبه، فيكون على كمال من نبتا وثقة من اعتقاده، فلا يجوز حتى ينوي ويتلفظ.
وأما موضعها: فلها موضعان: استحباب، ووجوب:
[٤٦ ب/ ١] فأما الاستحباب: فهو أن ينوي مع ابتداء طهارته عند غسل اليدين ويستديم ذكرها إلى آخرها حتى تشمل نيته الفرائض والسنن. وقال أبو حامد يستدعها إلى أن يغسل شيئًا من محل الفرض، والأول أصح. وقال القفال: النية أن ينوي مرتين؛ مرة عند غسل البدن، ومرة عند غسل الوجه وهذا أحسن.
وأما الوجوب: فهو أن ينوي مع غسل جزء من محل الفرض وهو الوجه.
فرع
لو نوى في الابتداء واستدام إلى غسل الوجه، فقد أتى بالسنة، ولو عرّبت نيته قبل البدأة بغسل الوجه. فإن عزيت قبل المضمضة والاستنشاق لا يجوز؛ لأن غسل اليدين ليس من أفعال الوضوء الراتبة، وإنما أمر بهما لخوف النجاسة على ما ورد في الخبر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، والأظهر أنه يجوز؛ لأن الصحيح أنه
يحتسب ابتداء الوضوء من غسل اليدين، وهذا غير صحيح عندي. وقال هذا القائل: لو نوى مع الاستنجاء أو السواك ثم غربت نيته قبل غسل اليدين، فيه وجهان بناء على أنه من جملة الوضوء أم لا؟ وهذا ليس بشيء.
[ ١ / ٧٤ ]
فرع آخر
لو كان ناويًا عند المضمضة ثم عزيت نيته، فإن غسل شيئًا من ظاهر الوجه عند المضمضة أجزأه؛ لأن نيته قارنت الواجب. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد غسل الوجه. ويلزمه غسل ذلك القدر مرة أخرى، وهذا ليس بشيء وإن لم يكن غسل الوجه ففيه وجهان [٤٧ أ/ ١] أحدها: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه لم يقارن النية بعد الواجب. والثاني: يجوز لأنها قارنت ما هو من وظائف الوضوء وروايته، وهذا اختيار القفال.
فرع آخر
لو نوى عند غسل الوجه، هل يكون فاعلًا سنة المضمضة والاستنشاق؟ من أصحابنا من قال: لا يكون فاعلًا للسنة ولا يجوز فصلها؛ لأنها غربت عن النية. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني يكون فاعلًا للنية؛ لأنها من جملة طهارته وقد أتى بالنية لها في محلها.
وأما في غسل الجناية إذا نوى في أول جزء منه فغسله يجوز؛ لأن كل ما سرى منه يكون فرضًا.
وأما صفتها: فإن نوى رفع الحدث أو الطهارة من الحدث جاز. ولو نوى استباحة فعل من الأفعال، فالأفعال هي على ثلاثة أضرب: عنها ما تجب له الطهارة. ومنها ما لا تجب له الطهارة ولا تستحب. ومنها ما يستحب له الطهارة ولا يجب.
فما يجب له الطهارة كصلاة الفرض، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر وحمل المصحف. فإذا نوى بها فعل شيء من هذه الأشياء ارتفع حدثه وجاز له إذ جمع الصلوات بها؛ لأنه يتضمن ذلك رفع الحدث.
وأما ما لا يجب له الطهارة ولا يستحب كالأكل والشرب، واللباس والطيب، ولقاء السلطان وزيارة الوالدين. فإذا نوى واحد منها لم يرتفع حدثه.
وأما ما يستحب له الطهارة ولا تجب كقراءة القرآن، والقعود [٤٧ ب/ ١] في المسجد.
وسماع الفقه والحديث، والأذان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة وزيارة قبر رسول الله ﷺ. فإذا نوى واحده منها هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الأكثرين-:لا يرتفع حدثه، لأنه أمر يباح من غير طهارة.
والثاني: يرتفع حدثه؛ لأن الأفضل أن يكون على الطهارة. فإذا قصد فقد نوى رفع الحدث، وهذا اختيار بعض مشايخ خراسان. والأول أصح عندي.
وقول الشافعي: " أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفِ" أراد مماسًا للمصحف، وقيل: أراد حمل المصحف، فعبر عنه بالقراءة؛ لأن أكثر ما يحمل المصحف لقراءته.
[ ١ / ٧٥ ]
وأما الغسل للجنابة فينقسم أيضًا هذه الأقسام الثلاثة، إلا أنه مما يستحب له الوضوء يجب له غسل الجنابة، مثل قراءة القرآن، والليث في المسجد، فإذا نواه بالغسل ضح وجهًا واحدًا، وإن نوى غسل الجنابة أو رفع الحدث عن جميع بدنه أجزأه (٠) ولو نوى في غسله الاحتباس في المسجد، أو نوى به الحدث في الوضوء هل يرتفع حدثه؟ وجهان؛ لأن الغسل والوضوء لهذا هو مستحب غير واجب.
فرع
لو كان جنبًا فاغتسل ينوي بنية الجمعة. قال أكثر أصحابنا: لا يجزيه عن الوضوء؛ لأن قصد التنظف به لا ينافي حصول الطهارة به لصلاة الجمعة؛ لأن من لا يريده [٤٨ أ/ ١] للصلاة فلا يستحب له. وقد قال ﷺ في يوم الجمعة: "من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فدل أن الغسل ينوب مناب الوضوء.
فرع
لو نوى بوضوئه، طهارة مطلقة. قال في "البويطي" يجوز، وهو اختيار القاضي الإمام أبى الحسن صاحب "الحاوي"، لأن الطهارة ترفع الحدث. وقال سائر أصحابنا: لا يجوز، ومعناه نوى طهارة من الحدث، وقصده أن يبين أنه يجزيه وإن لم ينو به فعل الصلاة.
فرع أخر
لو توضأ المحدث ينوي تجديد الطهارة، هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدها: يرتفع لأن نيته تضمنته. والثاني: لا يرتفع، لأنه قصد به التطوع ولا يتضمن رفع الحدث، وهو المذهب.
فرع آخر
لو نسي الجناية فاغتسل بنية رفع الحدث الأصغر أجزأه في أعضاء وضوئه، وهو الوجه، واليدين، والرجلان؛ لأن غسل هذه الأعضاء واجب فيهما. وفيه وجه آخر لا يجزئه أصلًا؛ لأنه لم ينو الجناية.
فرع أخر
لو نسي الجناية فنرى رفع الحدث مطلقًا، فالجواب ما ذكرنا وفيه وجه آخر يجوز غسله تامًا؛ لأن الجناية حدث. وقال في "الحاوي": لو أصابته الجناية وحدها فنوى رفع الحدث ولم يقل الأكبر يجوز؛ لأن نيته تنصرف إلى حدثه الذي هو فيه. ولو كان به حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ونوى ذلك، فلو قلنا: يسقط الأصغر بالأكبر فيجزيه عن حدثه [٤٨ ب/ ١] الأكبر. وإن قلنا: لا يسقط لا يجزيه عن واحد منهما لامتيازها وإن إطلاق النية يقتضي التشريك بينهما. ولو قيل: يجزيه عن الحدث الأصغر لأنه أخفهما كان مذهبًا.
[ ١ / ٧٦ ]
فرع آخر
لو نوى المحدث رفع الحدث الأكبر يجوز؛ لأنه يجوز أن يرتفع الأدنى بالأعلى، وإن كان لا يرفع الأعلى بالأدنى. وكذلك نوى رفع الجنابة وقيل: فيه هنا وجه آخر لا يجوز؛ لأنه نوى غير ما عليه وهو ضعيف.
فرع أخر
لو نوى رفع حدث الغائط فكان حدثه بولًا يجوز. ومن أصحابنا من قال: إن غلط فيه يجوز، وإن تعمد ذلك ففيه وجهان: أحدها: يصح كما لو كان غالطًا. والثاني: لا يصح، لأنه نوى ما لبس عليه وهو غير معذور.
فرع آخر
لو أحدث أحداثًا ونوى رفع واحد منها ولم ينو رفع الباقي، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يرتفع جميعها وهو الأظهر؛ لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحدًا ارتفع الكل.
والثاني: لا يرتفع؛ لأنه لا ينو رفع جميع الأحداث.
والثالث: على وجه آخر، وهو أنه إن نوى آخر الأحداث ارتفع جميعها؛ لأنها تداخلت فيها بعدها. وإن كان أولها لم يرتفع ما بعده وهذا غريب.
[٤٩ أ/ ١] فرع آخر
لو نفي الباقي وقال: لا أرفع الأحداث الباقية يجئ فيه الأوجه الثلاثة، وعندي أنه لا يجوز وضوءه لأنه ناقص في النية، فصار كما لو قال: أرفع الحدث ولا أرفع.
فرع آخر
لو نوى أن يستبح به صلاة الظهر دون غيرها، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو المذهب يصلي ما شاء من الصلوات؛ لأن الصلاة إلى عينها لا يستبحها إلا بعد رفع الحدث، فإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي ما شاء، ولأن هذا إبطال للطهارة بعد صحتها من غير حدث، وهذا لا يجوز.
والثاني: لا يصح وضوءه ونتيه باطلة؛ لأنه إذا لم يرتفع حدثه لغيرها لم يرتفع لها.
والثالث: يرتفع حدثه للظهر وحدها؛ لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة، وهي طهارة المستحاضة. ذكره ابن سريج، وهو أضعف الوجوه.
فرع آخر
قال في "الأم" لو وضأه غيره وهو ناو يجوز؛ لأن الفعل لا يعتبر فيه، ولهذا لو جرى عليه المطر وهو ناوٍ فإنه يجوز. وقال داود: لا يجوز، وهو غلط لما ذكرناه.
[ ١ / ٧٧ ]
فرع آخر
إذا فرق النية على أعضائه، مثل إن نوى رفع الحدث عند يديه ونحو ذلك، فيه وجهان: أحدها: لا يجوز لأنها جنابة واحدة فأشبهت الصلاة. والثاني: يجوز لأن تغيير النية في أثنائها لا يبطل حكم ما فعل منها، ويكون فيه تبعيض النية.
فرع آخر
لو نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها لم ينقطع؛ لأن الحدث قد ارتفع فلا تعود إلا بوجوب سبب [٤٩ أ/ ١] وإن نوى قطعها في أثنائها ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل طهارته كما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها.
والثاني: لا تبطل ما مضى، وهو الأصح.
كما لو نسي النية ونوى التبرد تنقطع النية ولا تبطل ما مضى، وتفارق الصلاة؛ لأنه متى انقطعت نيتها بطلت، فعلى هذا إذا عاد ونوى فإن لم يتطاول الفصل بنى على طهارته وأتمها، وإن تطاول الفصل كان على القولين في الموالاة هل تجب أم لا؟
فرع آخر
لو توضأ رجل من حدث فأغفل مسح رأسه، ثم توضأ ثانيًا وعنده أنه على طهر ونوى به نجز ذلك الوضوء، فلما فرغ منه ذكر أنه نسي من الوضوء الأول مسح الرأس، قال: من اتخذ أولًا يجزيه الوضوء الثاني، وعليه أن يعيد مسح رأسه وغسل رجليه وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري؛ لأن تجديد الوضوء يستحب مع زوال الحدث فهو لا يتضمن رفع الحدث، فإذا نواه لا يرتفع به الحدث، كما لو كان جنبًا فنسى الجنابة واغتسل للجمعة لم يجزه عن الجنابة. ومن أصحابنا من قال: يجزيه مسح الرأس من الوضوء الثاني، ونية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث؛ لأن معنى التجديد أنه مثل الأول، فإذا لم يرفع الحدث لا يكون تجديدًا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا. قال هذا القائل: ولا يشبه هذا إذا نسي سجدة من الصلاة ثم سجد للقرآن لم يجزه عن سجدة [٥٠ أ/ ١] في الصلاة في أصح الوجهين؛ لأنه واقع في موضعه هو التلاوة وبقاء سجود الصلاة لم يمنع من صحته بخلاف هذا.
فرع آخر
لو أن جنبًا اغتسل فأغفل لمعة من جسده، ثم اغتسل بعده للجمعة، ثم تذكر أنه كان نسي لمعة في غسل الجنابة يلزمه إعادتها؛ لأن الغسل للجمعة لا يجوز عن غسل الجنابة.
فرع آخر
لو ترك لمعة من وجهه في المرة الأولى من وضوء المفروض ولم يعلم، ثم غسلها بنية المرة الثانية أو الثالثة. قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النفل لا يغني عن.
الفرض. والثاني: يجوز؛ لأن نيته اشتملت في الابتداء على أن ما يغسله أول
[ ١ / ٧٨ ]
مرة فهو فرض، وما يغسله مرة ثانية فهو سنة، وغسله للموضع المتروك هو أول غسل يجزي عن الفرض بخلاف نية التجديد، فإنه لم يوجد نية الفرض أصلًا وهذا أصح.
فرع آخر
لو شك هل احتلم أم أحدث؟ وكان من قبل على يقين الطهارة، فالأصل الطهارة، إلا أنه يؤمر بالتطهير، احتياطًا، فلو تطهر ثم بان أنه كان محدثًا هل يجزيه أم يجب الإعادة؟ وجهان. ذكره القفال.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو توضأ وترك لمعة بوجهة، ثم نسى أن يكون قد تطهر يتوضأ، وعنده أنه محدث، فصارت تلك اللمعة مغسولة في المرة الثانية صحت صلاته بلا خلاف. وكذلك لو كان هذا في غسل الجنابة؛ لأنه نوى في الوضوء الثاني رفع الحدث، وهذا [٥١ أ/ ١] عندي إذا كان ذاكرًا للنية وقت غسل تلك اللمعة.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو غسل الجنب جميع بدنه بنية رفع الجنابة إلا قدميه، ثم غسل قدميه بنية رفع الحدث يصلح؛ لأن غسل القدمين في الحدث لا يجوز؛ لأن في غسل الحدث مسح، والمسح لا يجوز مع الجنابة.
فرع آخر
لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث والتبرد والتنظف أجزأه، نص عليه في "البويطي". ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه؛ لأنه شرك بين الفرض وغيره، وهذا غلط؛ لأن كل معنى يقتضيه الفعل فنيته فيه لا تضره. كما لو جمع بين الفرض وتحية المسجد لا يضره؛ لأنه يحصل بالفرض تحية المسجد وإن لم ينوها، وبمثله لو نوى في ركعتي الصبح ركعة سنة الصبح لم يجز؛ لأنه لو لم ينو ذلك لم يحصل له، ولذلك لو أدرك الإمام في الركوع فكبر ينوي به الافتتاح وتكبير الركوع لا يجوز.
فرع آخر
قاله الإمام جدي: لو أجنبت امرأة من بنات تسع، فنوت في غسلها رفع حدث الحيض هل يجوز؟ وجهان، والأصح جوازه.
فرع آخر
ذكره والدي الإمام - ﵀ - لو توضأ ونوى أن يؤدي به صلاة لا يدركها بهذا الوضوء أصلًا، مثل إن توضأ في رجب لصلاة العيد هل يجوز أن يؤدي به سائر الصلوات؟ قياس المذهب أنه يجوز؛ [٥١ أ/ ا] لأنه نوى أداء ما لا يستباح إلا بالوضوء.
[ ١ / ٧٩ ]
فرع آخر
لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوء لا يجوز؛ لأن الوضوء يرفع الحدث السابق دون المتأخر. وقال جدي الإمام - ﵀-: يجوز، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: "لو توضأ مع ريح ثم علم أن حدثه بول يجوز وضوءه" وهذا لا يصح عندي؛ لأن في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذاك.
فرع آخر
لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث بل ينوي استباحة الصلاة. وقال ابن سريج: يجوز أن ينوي به رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق هذه الصلاة.
فرع آخر
المستحاضة لا تنوي رفع الحدث في طهارتها، بل تنوي استباحة الصلاة. قال القفال: ويستحب أن تجمع فتنوي استباحة رفع الحدث. وقال الإمام أبو عبد الله الخضري من أصحابنا: يجب أن تجمع بين نية رفع الحدث وبين استباحة الصلاة، فتكون رافعة للحدث السابق ومستبيحة للحدث اللاحق.
فر ع آخر
قال الإصطخري: "لو أجنب الكافر ثم أسلم سقط حكم الجنابة بإسلامه، لأن الإسلام يجب ما قبله". والمرتد لو أجنب ثم أسلم لا يسقط كالصلاة لا تسقط عنه بالردة، ولم يوافقه سائر أصحابنا على هذا.
مسألة: قال: "وَإِنْ نُوَى يَتَوَضَّأَ ثُمْ عَزَبَتْ نِيَتُه"
الفصل
وهذا كما قال: قوله: يتوضأ: أي توضأ بعض الوضوء؛ لأن الغروب بعد الكمال لا يضر، وأراد به أن [٥١ ب/ ١] استصحاب النية إلى آخر الطهارة لا يجب لأن فيه مشتقة، ولكن تجب استدامة حكمها، فلا يجوز له أن يغير نيته إلى شيء آخر، فإن غير نيته إلى التبرد أو التنظف عند غسل الرجلين مثلًا، فإن كان ذاكرًا للنية الأولى يحتسب غسل الرجلين، ويلزمه أن يعيد ذلك بنية رفع الحدث، فإن لم يطل الفصل من علته، وإن طال فيه قولان بناء على تفريق الوضوء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدها: هذا والثاني: لا يضره.
كما لو كان ذاكرًا للنية الأولى؛ لأن النية العازبة كالمذكورة، وهذا لا يصح؛ لأن العقل من الفاعل لا يقع إلا لغرض، فإذا عزبت نيته لا يمكن إضافته إلا إلى الغرض
[ ١ / ٨٠ ]
الأول فجوزنا. وإذا نوى به التبرد واستقل بعرضه فلا يضاف إلى الأول.
فرع
لو كان يتوضأ على طرف نهر فنوى وغسل بعض الأعضاء، ثم زلق رجله ووصل الماء إلى جميع الأعضاء هل يتم وضوءه؟ وجهان كما لو غسل الباقي بنية التبرد دون رفع أصل النية لأن الماء وصل إلى أعضاء الطهارة بعد إيصال النية بأولها ولا يقصد النية.