قال: أخبرنا مالك. . . الخبر.
وهذا كما قال: المستحب [١٥٤ ب/ ٣] أن يروح إلى الجمعة على أكمل ما يقدر عليه من نظافة وزينة وطيب رائحة، لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك ". وهذا أمر تلطف وتطرف
[ ٢ / ٤١٤ ]
ومقصوده الأمر ولكن هذا هو أحسن من قوله: "تطيبوا".
وروي في خبر آخر أن النبي - ﷺ - قال: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس ثيابه ومس طيبًا إن كان عنده وحضر الصلاة ولم يتخط رقاب الناس ولم يؤخر وجلس حتى رجع الإمام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وأراد بالرجوع فراغ الإمام من الصلاة. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة بينها وبين الجمعة"، ثم قال الشافعي ﵀: وأحب أن يتنظف بغسل [١٥٥ أ/ ٣] وأخذ ظفر وشعر وعلاج بما يقطع تغير الرائحة من جميح جسده وسواك يريد به أن النبي - ﷺ - أمر في هذا الخبر بثلاثة أشياء فيقاس عليه ما في معناها:
أولها: الغسل للتنظيف فيقاس عليه أخذ الشعر والظفر.
والثاني: التطيب فيقاس عليه تطيب الثياب التي تلبسها.
والثالث: السواك لإزالة الرائحة الكريهة فيقاس عليه استعمال المرتك وكل ما يزيل ويقطع تغير الفم من جميع جسده.
وجملة ذلك سبعة أشياء: الغسل، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، والسواك، وما يزيل عن نفسه الروائح الكريهة، ولبس أحسن ما يجد من الثياب، والطيب.
وقال في "الأم": واستحب له ذلك في كل عيد وأمره به وأحبه في كل صلاة جماعة، وان كنت له أشد استحبابًا في الأعياد والجمع. فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجال لبس البياض، فإن جاوز البياض فعصب اليمن، وهي البرود المخططة والقطري، وهو نوع من الكتان.
وقال الأزهري ﵀: القطري هي ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، هي منسوبة إلى قطر، وهو موضع بين عمان وسيف البحر وإنما كان كذلك؛ لأنه يصبغ بمنزله ولا يصبغ بعد التسبيح فأما ما يصبغ بعد التسبيح مكروه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يلبسه قط، وكذلك الخلفاء الراشدين.
وأما السواد فلا يستحب لبسه مع وجود البياض لأن النبي - ﷺ - لم يلبس السواد إلا يوم فتح مكة، فإنه دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء ويجوز أن يكون قد تعذر في تلك الحال البياض، وهذا لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أحب الثياب إلى الله تعالى البياض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم". وروى سمرة بن جناب ﵁ أن
[ ٢ / ٤١٥ ]
النبي - ﷺ - قال: "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب" وروي "خير ثيابكم البيض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم".
وقال بعض أصحابنا: يجوز لبس السواد، لأن النبي - ﷺ - "كان يقيم بعمامة سوداء ويرتدي بإزار أسحمي"، وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعارًا لهم، ولأن الراية التي عقدت للعباس ﵁ يوم فتح مكة ويوم حنين كانت سوداء، وكانت راية الأنصار صفراء فينبغي للإمام [١٦٤ أ/ ٣] أن يلبس السواد إذا كان السلطان له مؤثرًا لما في تركه من مخالفته ويعتبر شعاره ذكره في "الحاوي".
وجميع ما ذكرنا للرجال من النظافة فإنه يستحب للنساء إلا الطيب وما يستهدن به من الثياب، قال - ﷺ -: "طيب النسا، ما ظهر لونه وخفيت رائحته، وطيب الرجال ما ظهرت رائحته وخفي لونه". وفي لفظ: "طيب الرجل ما ظهر ريحه وبطن لونه، وطيب النساء المرأة ما ظهر لونه وبطن ريحه"، وقال: "إنهن يحضرن الذكر والصلاة وليحضرن بثلاث غير عطرات". وروي أن امرأة مرت يوم جمعة على أبي هريرة ﵂ فشم منها رائحة المسك، فقال لها: يا أمة الجبار: أين تريدين؟ قالت: الجمعة، فقال: ولها تطيبت؟ قالت: نعم، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أيما امرأة خرجت إلى الصلاة متعطرة لم يقبل الله تعالى صلاتها حتى ترجع وتغتسل اغتسالها من الجنابة"، فرجعت تلك المرأة.
فرع
قال في "الأم": واستحب هذا للعبد والصبيان كما استحب للرجال وهذا لأنهم من جنس الرجال الأحرار.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويستحب للإمام من النظافة والزينة أكثر مما [١٦٤ ب/ ٣] يستحب لسائر الناس؛ لأن الإمام يتقدم على الناس ويقتدي به، قال: وأحب له أن يقيم فإن النبي - ﷺ - كان يقيم ويستحب أن يرتدي فإنه صلى - ﷺ - عليه وسلم كان يرتدي ببرد.
[ ٢ / ٤١٦ ]
فَرْعٌ آخرُ
قال: واستحب كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - في كل حال، وأما في يوم الجمعة وليلتها أشد استحبابًا قال النبي - ﷺ -: "أقربكم مني مجلسًا في الجنة أكثركم صلاة عليّ فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر".
قال الشافعي ﵀: هما ليلة الجمعة ويوم الجمعة. وروي أن النبي - ﷺ - قال: "من صلى عليّ ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضيت له مئة حاجة سبعون من حوائج الآخرة، وثلاثون من حوائج الدنيا"، وروى أوس ﵁ أن النبى - ﷺ - قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضه عليّ" قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك. وقد ارمت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء" وقوله: أرمت أي: بليت وأصله أرممت، أي صرت رميما.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب [١٦٥ أ/ ٣] قراءة سورة الكهف ليلة لجمعة ويومها. روى عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة"، وروي أنه قال: "من قرأ سورة الكهف وقي فتنة الدجال"، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أصابه من النور ما بين الجمعتين"، وهذا كله. لأجل فضل هذا اليوم.
قال سعيد بن المسيب ﵀: ما من يوم أحب أن أموت فيه ضحى إلا يوم الجمعة، وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من ترك الجمعة من غير ضرورة كان منافقًا في كتاب لا يمحى ولا يبدل"، وروي عن أبي جعد الضمري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات متهاونًا بها طبع الله على قلبه". اورده ابو عيسى الترمذي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، وروي عن نافع أن ابن عمر ﵁ "كان إذا صلى
[ ٢ / ٤١٧ ]
الجمعة انصرف يصلي سجدتين في بيته" وقال: كان [١٦٥ ب/ ٣] رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا"، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه "كان يصلي قبل الجمعة أربعًا ويصلي بعدها أربعًا"، وروي عن علي ﵁ أنه "أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعًا" وبقول ابن مسعود قال الثوري وابن المبارك، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين تلفيقًا بين الخبرين عن الرسول - ﷺ - وقد قال عطاء: رأيت ابن عمر ﵁ صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعًا.
فرع
يكره أن يصلي السنة بعد الجمعة من غير أن يفصل بينهما بالرجوع إلى وطنه، أو انتقال إلى مكان آخر أو كلام لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - "كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته" وقال نافع بن جبير: صليت مع معاوية ﵁ في المقصورة فلما سلمت قمت في مقامي فصليت فأرسل إلي [١٦٦ أ/ ٣] معاوية. أما بعد إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله - ﷺ - أمر أن لا تفضل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج".
فرع
قلت: يستحب أن يكثر فيه من الدعاء، لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء فلعله يصادف ذلك، ثم رأيت عن بعض أصحابنا مثله، وقد ذكرنا ما قبل من الأخبار في تلك الساعة. وروى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس". وبهذا يقول أحمد وإسحاق رحمهما الله.
وقال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة أنها بعد العصر وترجى بعد زوال الشمس، وروي عن عبد الرحمن بن عوف المزني أنهم قالوا: يا رسول الله - ﷺ - أية ساعة هي؟ قال: "حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها". وقال عبد الله بن سلام: أنا أعلم تلك الساعة هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، فقيل له: كيف تكون بعد العصر؟ وقد قال - ﷺ -: "لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال [١٦٦ ب/ ٣] عبد الله: أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة " قال: بلى قال: فهو ذاك.
[ ٢ / ٤١٨ ]