اعلم أن الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، يقال: صلى فلان، يعني دعا. قال تعالى: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" [التوبة: ١٠٣]، أي: ادع لهم. وقال تعالى: "وصلاة الرسول" [التوبة: ٩٩]، وأراد دعاء الرسول.
ثم الشرع سمى الدعاء مع ما ضمه إليه من الأفعال والتكبير والقراءة صلاة، فكأنه أقر الدعاء على ما كان، وأضاف إليه غيره من الأركان، فصار عرف الشرع منصرفًا إليها، فمتى ورد في الشرع الأمر بالصلاة مطلقًا، انصرف إلى الصلاة الشرعية دون اللغوية.
والأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى في غير موضع: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"
[البقرة: ٤٣]. وقوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" [البينة: ٥].
وروى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس "، وذكر منها: "وإقام الصلاة". وروي أنه ﷺ قال: "صلوا خمسكم " الخبر. وروي أنه ﷺ قال: "الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد كفر"، ولأنه لا خلاف بين المسلمين في وجوبها، والإجماع حجة، فإذا تقرر هذا: قال الشافعي - رحمة الله تعالى عليه- في استقبال القبلة: سمعت من أثق بخبره وعلمه يقول: أن الله تعالى أنزل فرضًا في الصلاة ثم نسخه بفرضٍ غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، ويعني به قوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا،
[ ١ / ٣٧١ ]
نصفه" [المزمل: ١ - ٣] الآية.
وجملة ذلك، أن فرض الصلاة كان قيام الليل نصفه أو أزيد منه ثلثه [١ أ/٢]، أو أنقص من ثلثيه، وهو المراد بقوله تعالى: "نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه" [المزمل: ٣ - ٤]. وكان رسول الله ﷺ يأتي به وطائفة من الذين آمنوا معه.
قال الله تعالى: "إن ربك يعلم أنك تقوم ادنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك" [المزمل: ٢٠] معك ثم تاب الله تعالى على عباده وخفف عنهم، فنسخه بعد سنة إلى قيام اليسير من الليل، فقال تعالى: "فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" [المزمل: ٢٠]، يعني: فصلوا، فعبر عن الصلاة بالقراءة، لأنها ركن من أركانها، وعبر بالقيام عنها في أول السورة، لأنه ركن منها.
قال ابن عباس ﵁: «كان بين أول السورة وبين آخرها سنة»، ثم نسخ كله بقوله تعالى: "ومن الليل فتهجد به نافلة لك" [الإسراء: ٧٩]. وقيل: نسخه بالصلوات الخمس واستقر الأمر عليها، وكان ذلك ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة، وتوفي رسول الله ﷺ على ذلك، لم يزد عليها، ولم ينقص بدليل ما روي عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات فرضهن الله تعالى في اليوم والليلة، فمن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل ذلك فليس له على الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ".
ثم فرض الصوم بعد الهجرة بثلاث سنين، فكان بين فرض الصلاة والصوم أربع سنين، ثم فرض الحج بعد الهجرة بست سنين، فكان بينه وبين الصوم ثلاث سنين، وفرض الصلاة قبل فرض الصوم، وقيل: بعد فرض الصوم، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الصلوات الخمس مؤقتة، بدليل قوله تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا" [النساء: ١٠٣]، أي مكتوبة موقتًا، ثم ذكر الوقت في آيتين ذكرًا فيه إجمال، فقال في موضع: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون" [الروم: ١٧ - ١٨].
قال ابن عباس ﵄: قوله: "سبحان الله" أي: سبحوا الله، ومعناه: "صلوا". فعبر عن الصلاة بالتسبيح، وأراد بقوله: "حين تمسون" صلاة المغرب
[ ١ / ٣٧٢ ]
والعشاء، وأراد بقوله: "وحين تصبحون" صلاة الصبح، وأراد بقوله: "وعشيًا" صلاة العصر، "وحين تظهرون" صلاة الظهر.
وقال في موضع آخر: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر * إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: ٧٨]. والدلوك: هو الزوال، فتضمن ذلك صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم أفرد صلاة الصبح بالذكر، فقال: "وقرآن الفجر"، يعني: صلاة الفجر.
وقيل: الدلوك: عبارة عن الغروب، فيكون فيه ذكر العشاء من صلاة الفجر. وقوله: "مشهودا"، أي: تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، ثم بين جبريل ﵇ الأوقات للنبي ﷺ بيانا شافيا، ورد فيه الإخبار وأحسنها ما روى نافع وجبير بن مطعم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل ﵇ عند باب البيت مرتين، فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس ". وروى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى بي العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بين الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد في اليوم الثاني، فصلى بي الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله قدر العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار كل شيء مثليه، ثم صلى بي المغرب للقدر الأول لم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر.
وروي: وقد كاد [٢ أ/ ٢] حاجب الشمس يطلع، ثم التفت، فقال: يا محمد هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك.
والوقت فيما بين هذين. وقوله: مثل الشراك ليس على مضي التحديد، ولكن الزوال لا يستبان بأقل ما يرى من الفيء وأثلّه فيما يقدر ما هو مبلغ قدر الشراك، أو نحوه، وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلدان، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلدان التي ينتقل فيها الظل، أي يصير الظل تحت النقل عند الزوال، وإذا كان أطول يوم في السنة، واستوت الشمس فوق الكعبة، لم ير شيء من جوانبها ظل، وكل بلد يكون أقرب إلى وسط الأرض كان الظل فيه أقصر وما كان من البلدان أبعد من واسطة الأرض، وأقرب إلى طرفها، كان الظل فيه أطول.
[ ١ / ٣٧٣ ]
مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه: والوقت للصلاة وقتان.
الفصل وهذا كما قال: اعلم أن وقت القيام هو وقت الصلاة في حال الإقامة، ووقت الرفاهية هو وقت من لا عذر له، كما بينه جبريل ﵇.
والرفاهية هي: الخفض والدعاء. وأما وقت العذر والضرورة، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، لأن العذر ما رخص له فيه من غير أن يدفع الإنسان إليه، والضرورة ما دفع إليه من غير اختياره فوقت العذر، هو وقت المعذور بالسفر والمطر عند الجمع.
وأما وقت الضرورة، فهو وقت الصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق وغير ذلك، فهذا القائل يقول: الوقت ثلاثة: وقت مقام، ورفاهية، ووقت عذر وهو وقت الجمع، ووقت ضرورة.
وقد نص الشافعي على هذه الأوقات الثلاثة فغلط المزني فجعلها اثنين. ومن أصحابنا من قال: أصاب المزني فيما ذكر، وأراد بقوله: [٢ ب/ ٢]، ووقت عذر وضرورة ويسر. وثلاثة أقسام قد تجعل خبرين: يقسم في خبر، ثم قسمان. وإنما صح ذلك له، لأن كل ضرورة عذر، وإن لم يكن كل عذر ضرورة، وهذا غير صحيح، لأنه ذكر في آخر الباب ما يدل على فساده، فقال: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، ثم فسر بطهر الحائض وإفاقة المجنون، فثبت أنه أراد بهما وقتا واحدا.
وقال أبو إسحق: وقت العذر والضرورة واحد، لأن كل ضرورة عذر، وهو وقت الصبي إذا بلغ وغيره، ولم يذكر في جملتهم المسافر والممطور، بل ذكر ذلك في باب الجمع. وهذا أصح، لأن الشافعي قال: الوقت للصلاة وقتان، وفسره بكذا في آخر الباب.
ونسب المزني هذه العبارة إلى الشافعي، وهو صادق في الرواية، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان وقت الصلاة وقد بدأ الشافعي في "القديم" بيان وقت صلاة الصبح أولًا، وعليه كل الفقهاء، وبدأ في "الجديد" ببيان وقت الظهر أولًا، وهذا أولى، لأنه اعتمد في بيان الأوقات على خبرين أشار إليهما في آخر هذا الفصل.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وكانت صلاة الظهر هي المبدأ ببيان وقتها في كل الخبرين، ولهذا سميت الظهر الصلاة الأولى.
ثم اعلم أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وزوالها ميلًا عن وسط الفلك، لأنها تطلع، ولا تزال في الارتفاع حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإذا انتهت إليه انحطت عنه، وهو زوالها. وذلك أن السماء على الدنيا مثل القبة مسبلة الأكتاف عالية الوسط، ألا ترى أن الشمس ترى عظيمة حين تطلع لقربها منك، وإذا علت صغرت في رأي العين لبعد المسافة وبيان فالزوال في الأرض أنها أول ما تطلع يكون الظل في الشمس طويلا مديدًا نحو المغرب، فكلما علت يتقلص الظل حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإن كان [٣ أ/ ٢] الزمان صيفًا، والمكان وسط الدنيا مثل مكة، لم يبق لكل شخص قائم معتدل ظل بحال حتى يأخذ الشمس حواليها كلها من غير ظل، وهذا لا يكون إلا يومًا واحدًا على ما ذكرنا، فمتى سقط الظل وإن قل فقد مالت الشمس، وإن لم يكن الزمان صيفًا، وهو الربيع والخريف والشتاء، أو كان صيفًا، ولكن المكان غير وسط الدنيا، فالفيء لا يتقلص كله حتى لا يبقى للشخص فيء، بل يبقى له ظل يخلف قدره بالزمان والمكان، لأن الشمس تبلغ في الصيف وسط السماء، فتبعد من الأرض وينقص الفيء. وفي الشتاء يصير في عرض السماء، ولا تبلغ الوسط، فتكون أقرب إلى الأرض، فيطول الفيء فمعرفة الزوال في هذه الفصول أو في الصيف في غير وسط الدنيا أن ينظر إلى الظل، وتتفقد تناقصه حتى إذا علمت انتهاء النقصان، فقد عرفت انتهاء ارتفاعها، فإذا ظهر الظل نحو المشرق أدنى شيء، فذلك زوال الشمس، وهذا لأن أول ما تطلع الشمس يقع الظل إلى ناحية المغرب مستطيلًا، ثم لا تزال ترتفع ويتقلص الظل، ثم عند استواء الشمس يأخذ الظل الثاني الذي لا يزال في الزيادة نحو المشرق، فإذا تحقق زوال الشمس، فقد دخل أول وقت الظهر ووجبت الصلاة ويجوز الأذان لها.
قال الله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: ٧٨]، قال الشافعي: أراد به زوال الشمس دون الغروب. وبه قال ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة ﵃، قالوا: دلوك الشمس: ميلها.
وروي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: الدلوك: غروبها، وهذا غلط لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خبر المواقيت، فصلى في الظهر حين دلكت
[ ١ / ٣٧٥ ]
الشمس، فدل أن المراد به الزوال، ولأن اسم الدلوك يقع على الزوال على ما ذكرنا عن الصحابة، وهم أهل اللسان، ويقع على الغروب على ما ذكرنا، [٣ ب/ ٢] وذلك لأن الدلوك: الانتقال والتحول، وهو حاصل فيهما، ولكن حمل الآية على الزوال أولى، لأن ذلك ينتظم جميع الصلوات، ولأنه أسبق، فانصرف إليه الأمر.
وذكر أبو جعفر الراسي في المواقيت، قبل أن ينتهي طول النهار بستة وعشرين يومًا لايكون للشخص في مكة ظل. وكذلك بعدما انتهى بستة وعشرين يومًا، وهذا غريب. وأما قبل الزوال، لا يجوز استفتاح صلاة الظهر بحال. وروي عن ابن عباس ﵄ رواية ضعيفة، أنه يجوز استفتاحها قبل الزوال بقليل، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس".
وقال مالك: يؤخر استفتاحها بعد الزوال حتى يصير الفيء قدر ذراع، وهذا غلط لقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: ٧٨]، فاعتبر الزوال وحده.
وروي أن جبريل ﵊ جاء إلى النبي ﷺ وقت الزوال، وقال: قم يا محمد فصل الظهر، فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يسهل معرفة ذلك إذا كانت الشمس طالعة، والسماء صاحية، فإن كانت السماء مغيمة، قال الشافعي: راعي الشمس فإنه نزوله منها ما يدله وإلا تأخر حتى يرى أنه قد صلاها بعد الوقت، واحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف دخول وقت العصر، وهذا صحيح، فيقول: إذا كانت السماء مغيمة راعى قرص الشمس، فإن بانت له من وراء الغيم تحمل على ما يدله عليه وإن لم يرها تجري في ذلك، واستدل على دخول الوقت بعمل أو قرئ أو قراءة قرآن ونحو ذلك، فإذا غلبه على ظنه دخول الوقت بشيء من ذلك عمل عليه.
وأحب الشافعي أن يؤخرها إلى أن يخاف خروج الوقت، فإذا صلى بذلك نظر فإن لم ينكشف الأمر بذلك، كانت الصلاة مجزية، وإن انكشف الأمر بظهور الشمس، فإن بان أنه فعلها قبل الوقت لم تجزه، وإن بان أنه فعلها في الوقت أجزأته، [٤ أ/ ٢] وإن كان فعلها بعد خروج الوقت أجزأته، هذا يدل على أن نية القضاء لا تجب، لأنه اعتقدها أداء.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال الشافعي: وسواء علم بذلك بنفسه أو أخبره من صدقه، أراد به إذا أخره عن مشاهدة، وإن أخره عن اجتهاب لم يلزمه قبوله، وكذلك إن أخبره من لا يصدقه لم يلزمه قبوله، والاحتياط الإعادة إذا أخبره أنه فعلها قبل الوقت، وإن لم يصدقه.
قال الشافعي في "الأم": وإذا كان أعمى وسعه خبر من يصدقه في الوقت والاقتداء بالمؤذنين. وقال أيضا في استقبال القبلة، وإن كان محبوسًا في ظلمة أو أعمى ليس بقربه أحد لم يسقه أن يصليها وتأخى على إلا عليه عنده من مرور الوقت من نهار وليل، وإن وجد غيره تآخى به. وهذا يدل على أن المحبوس والأعمى يجوز لهما التبيان. ووجه ذلك أن في إمارات الوقت ما يدرك بالبصر مثل قرصة الشمس من وراء الغيم والفيء الخفي. وفيها ما يدرك بالعمل والصفة وغير ذلك، فأشبه الأواني لما كان منها ما يستدل على طهارتها ونجاستها بالبصر.
ومنها: ما يستدل عليه بغير البصر، كان له الاجتهاد والتقليد إن لم يتبين له. ومن أصحابنا من قال: ليس له التقليد فيه لأنه من أهل الاجتهاد فيه فأشبه البصير غير المحبوس ويفارق القبلة لأنه ليس من أهل الاجتهاد فيها. هذا خلاف النص وإن أخبرهما واحد بالوقت عن مشاهدة وكان مصدقًا عندهما لزمهما قبول ذلك والعمل به وأما العمل على أذان المؤذنين، قال أبو حامد: الأعمى والبصير في ذلك سواء، لأن الأذان بمنزلة الإخبار بالوقت، فيجب قبوله وحكي عن ابن شريح أنه قال: الرجوع إلى الأذان جائز للبصير والأعمى بلا خلاف إذا كان المؤذن ثقة، عارفًا بالمواقيت، لأن الناس يحضرون الجمعة من صلاة الغداة وعشيًا غلون بالنوافل، فإذا أذن المؤذن عمل الكل في الأذان، ولا يطالع كل واحد منهم الشمس.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا لا يصح، لأن الشافعي خص الأعلى به، ولأن المؤذن (يحمتل) أن يكون يؤذن عن اجتهاب لا عن مشاهدة، ويسوي البصر في الاجتهاد، والواجب أن يقال: ينظر، فإن كان في الصحو قبل لأنه إذا كان ثقة لا يؤذن إلا بعد العلم بدخول الوقت من طريق المشاهدة، ويكون حرًا، وإذا كان غيمًا لا يجوز للبصير أن يقلده، لأنه يمكنه الاجتهاد، ويجوز للأعلى أن يقلده على ما ذكرنا.
وقال أصحابنا: إلا أن يكون المؤذنون عددًا في جهات شتى، لا يجوز على مثلهم
[ ١ / ٣٧٧ ]
الغلط والتواطئ، فيقع بهم العلم في دخول الوقت، فيجب قبوله. وقيل في الغيم وجهان، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز للبصير تقليد المؤذن، وإن كان صحوًا، لأنه يجوز إن لم يؤذن عن مطالعة، بل أذن عن اجتهاد. والصحيح ما تقدم، ولو صلى المحبوس في ظلمة أو الأعمى من غير تآخ.
قال الشافعي: أعاد الصلاة وإن وافقا الوقت، وأراد إذا صلى من غير خبر، كالخبر عن اجتهاد، ولو خفيت عليه، ولا يلي الوقت ولم يظهر ما يستدل عليه حتى على حسب حاله، وأعاد بكل حال، لأنه صلى بغير اجتهاد.
فرع
قال بعض أصحابنا: إن الاعتماد على أصوات الديكة في القوت ينظر فإن كان وجدها في زمان الصحو تصح عادة بقدر دخول الوقت، فله أن يعتمد على أصواتها وإلا فلا.
فرع آخر
بصير في بيت لا يقدر على الخروج ومطالعة وقت الصلاة، قيل له: أن يجتهد في الوقت، وجهان:
أحدهما: لا يجتهد لأنه قادر على اليقين، كالمكي لا يجتهد في القبلة [٥ أ/٢]. والثاني، يجوز، وهو ظاهر المذهب، لأن اجتهاده من حمل الدليل عليه، ولأن للأعمى أن يجتهد فيه، وإن كان قادرًا على سؤال البصير. وبه فارق القبلة، ولأن الصحابي كان يجتهد ويبني، وإن كان قادرًا على سؤال الرسول ﷺ.
مسألة: قال: " ثم لا يزال وقت الظهر قائمًا حتى يصير ظل كل شيء مثله"، وهذا كما قال.
اختلف العلماء في آخر وقت الظهر فعندنا إذا صار ظل كل شيء مثله فقد خرج الوقت، فإن لم يكن للشمس حين الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من أصل الشخص، وإن كان للشخص من الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من عند الزيادة على الظل الموجود حتى لو كان الشخص سبعة أذرع، وظله وقت الاستواء ذراع، يجب أن يصير الظل ثمانية أذرع.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وقيل: مثل الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، فإذا أردت أن تقدر المثل، فقدر الزيادة من التي بقدمك، وذلك بأن تقف في موضع مستو من الأرض، وتعلم على الموضع الذي انتهى إليه فيه، وتعرف قدر ما زالت عليه الشمس، وتقدر فيه بالأقدام، فيضع قدمه اليمنى بين يدي قدمه اليسرى، فيلصق عقبيه بإبهامه اليسرى، فإذا مسحه بالأقدام أسقط منه القدر الذي زالت عليه الشمس، فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف فقد بلغ المثل، وبهذا قال الأوزاعي والليث والنووي والحسن بن صالح وأحمد وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور.
وروي هذا عن مالك وقال: بعضهم وقت الظهر إذا من حين الزوال إلى غروب الشمس ووقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى الغروب فما بين الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مختص بالظهر، والباقي في الغروب مشترك بين الظهر والعصر. وبه قال عطاء وطاوس [٥ ب/ ٢] وهو رواية ابن وهب عن مالك، وحكى ابن جريج عن عطاء، قال: لا يفرط بتأخيرها حتى تدخل الشمس في الصفرة.
وقيل عن مالك: آخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات، ووقت الاختيار عنده نحو قولنا.
وقال ابن جرير وابن المبارك وإسحق ابن راهويه: إذا صار ظل كل شيء مثله فقد دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر إلى أن يمضي من الوقت بمقدار ما يصلى فيه أربع ركعات، ثم يخرج وقت الظهر، ويكون باقي النهار إلى الغروب من وقت العصر. وحكى ابن جرير هذا عن مالك.
وقيل: إنه اختيار المزني وأبو ثور، واحتجوا بأنه روي: أن جبريل ﵇ "صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول "، وهذا غلط، لأن الوقت الواحد لا يجوز أن يكون مشتركًا بين صلاتين كسائر الأوقات.
وأما الخبر فالمراد بقوله: "صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله "، أي: ابتداؤها. "وفي اليوم الثاني صلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله " أراد فرغ منها لأن الخبر سبق لبيان الأوقات وتحديد أوائلها وأواخرها، بدليل قوله: في آخره "الوقت فيما بين هذين الوقتين "، فلو كان الأمر على ما قالوه لبقي الإشكال في أمر الأوقات، لأن الصلاة تطول في العادة وتقصر، والذي يوجب حمله على هذا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ووقت
[ ١ / ٣٧٩ ]
الظهر ما لم تحضر العصر".
واحتج من نصر رواية ابن وهب عن مالك بما روي أن النبي ﷺ «جمع بين الظهر والعصر في الحضر»، قلنا: محمول على العذر بالمطر، أو جمع بينهما على التعاقب، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها [٦ أ/ ٢].
وقد روى أبو قتادة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة أن يترك صلاة حتى يدخل وقت أخرى». وروي عن أبي حنيفة ثلاث روايات:
إحداها: مثل قولنا. رواها الحسن بن زياد عنه.
والثانية: أخر وقتها إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه. رواها أبو يوسف عنه، وهو المشهور.
والثالثة: رواها أبو يوسف أيضًا، آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، ولم يجد ذلك المقدار.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال في هذا الموضع: لم يرض صاحبنا بأن خالف النبي ﷺ حتى خالف جبريل ﵇!.
مسألةٌ: قال: «فإذا جاز ذلك بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر»، وهذا كما قال عندنا أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة، وبهذه الزيادة يتبين خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، وهي من وقت العصر، ولا فصل بين الوقتين.
وقال في «الأم»: وقتاهما يتجاوران. ومن أصحابنا من قال: وقت الزيادة فصل بين الوقتين، وهو خلاف النص. وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وزاد عليه أقل زيادة، فقد دخل وقت العصر، واحتج بقوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار" [هود: ١١٤]، فلو كان وقتها ما ذكرتم كان وسط النهار، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث جبريل ﵇، ولا حجة في الآية، لأن الطرف ما تراخى عن الوسط، وهذا موجود فيما ذكرناه.
[ ١ / ٣٨٠ ]
مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العصر قائمًا، حتى يصير ظل كل شيء مثليه».
وهذا كما قال: آخر وقت العصر من طريق الاختيار أن يصير ظل كل شيء مثليه، وما بعد هذا وقت الجواز من غير كراهية إلى أن تصفر الشمس وما بعدها [٦ ب/٢] وقت الجواز مع الكراهة إلى أن تغرب الشمس، فإن صلى قبل غروب الشمس لا يكون عاصيًا ولا قاضيًا، وحصل للعصر أربعة أوقات: وقت الاستحباب، وهو أول الوقت، ثم وقت الاختيار إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ثم وقت الجواز من غير كراهة إلى أن تصفر الشمس، ثم وقت الجواز مع الكراهة حالة اصفرار الشمس إلى الغروب.
وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا زاد الظل على مثليه، فقد فات وقت العصر، ويصير عاصيًا قاضيًا بعده إذا كان بغير عذرٍ، وهذا اختاره وليس بمذهب. واحتج بإمامة جبريل ﵇ أنه صلى العصر في الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه. وقال: «الوقت فيما بين هذين»، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح».
وأما خبر جبريل ﵇ فمحمول على بيان وقت الاختيار، وحكي عن سفيان وأحمد أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وعن الأوزاعي نحو من ذلك، وقيل عنهم: ما لم تتغير الشمس.
مسألةٌ: قال: «فإذا غربت الشمس، فهو وقت المغرب والأذان».
الفصل
وهذا كما قال وقت صلاة المغرب، يدخل بغروب الشمس إجماعًا. وقيل: هو أن يسقط قرص الشمس بكماله حتى لا يبقى شعاع الشمس على الأبنية العالية ورؤوس الجبال. واختلفوا في آخر وقتها، فقال الشافعي في «القديم» و«الجديد»: لها وقت
[ ١ / ٣٨١ ]
واحد، ولهذا لم يقل: فإذا غربت [٧ أ/ ٢] الشمس، فهو أول وقت المغرب كما قال في الظهر والعصر، لأن مذهبه أن وقتها غير ممتد.
وبه قال مالك والأوزاعي، وحكي عن مالك أنه قال: يمتد وقتها إلى قبل طلوع الفجر كما قال في الظهر، وحكى أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، أولهما هذا، وآخرهما إلى دخول وقت العشاء. وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وابن المنذر والزبيري من أصحابنا، وهذا أصح القولين عندي للأخبار الثابتة فيها، وذلك ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق»، أورده أبو داود في «سننه».
قال أبو سليمان الخطابي: هذا القول أصح لهذا الخبر، فور الشفق: بقية حمرة الشمس في الأفق، وسمي (فورًا) لفورانه وسطوعه. وروي: ثور الشفق، وهو ثوران حمرته. وروي أن النبي ﷺ قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، أورده مسلم بن الحجاج في «الصحيح». وروى جابر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة، فقال: «صل معنا»، فذكر الحديث وفيه: «ثم صلى المغرب في اليوم الثاني قبل غيبة الشفق».
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد: أن لها وقتًا واحدًا، ولا تصح رواية أبي ثور عنه، ووجه هذا أن جبريل ﵇ صلاها في اليومين لوقت واحد. وروى العباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم». والفطرة: الدين.
وروي عن أبي عمران: أن عقبة بن عامر «صلى بهم المغرب، فأخرها» ونحن بالقسطنطينية، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أبو أيوب لعقبة: لم تؤخر صلاة المغرب وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ [٧ ب/ ٢] فيراك من لم يصحبه، فيظن أنه وقتها؟ فقلنا لأبي أيوب: فمتى وقتها؟ فقال: كنا نصليها حين تجب الشمس نبادر بها طلوع النجم. وروي عن عمر ﵁ أنه أخر صلاة المغرب لشغل اشتغل به
[ ١ / ٣٨٢ ]
غير ناسٍ حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين، وقال عمر ﵁: «ما صلاة أخوف فواتًا عندي من المغرب» فإذا قلنا بهذا القول، فلا وقت استدامةٍ، فوقت الافتتاح من حين تغرب الشمس، ويمضي قدر ما يتطهر للصلاة، ويلبس ويؤذّن، ولا يجوز تأخير الافتتاح عن هذا الزمان.
وقال أبو حامد: وإن أخر افتتاحها عن هذا الوقت عصى وأثم، وفي هذا نظر، لأن المنصوص أن من أدرك ركعة من الوقت لا يكون عاصيًا. وأما مقدار وقته، فما ذكرنا وقد فعل ثلاث ركعات لا طويلة ولا قصيرة على حسب العرف فيها، فإن لم يفعل وأخرها عن هذا الوقت صار مفرطًا عاصيًا، وللصلاة قاضيًا، ولا يعتبر صلاة كل أحد طهارته في نفسه، لأن العادات مختلفة، فمن الناس من يستغرق بطهارته زمانًا مديدًا لثقل حركته، لأن لك الصلاة، وإنما يعتبر الوسط من الدرجتين لا في غاية الخفة، ولا في غاية الإبطاء، والمرجع فيه إلى العادة. وهذا في الحقيقة تقدير وقتها بالزمان لا بالفعل.
وقال بعض أصحابنا: جميع وقت المغرب بمنزلة أول وقت كل صلاة، فيجوز أن يتراخى عن غروب الشمس كما أن من أخر الصلاة في غيرها قليلًا، ثم صلى يكون مصليًا في أوله، وهذا معنى وقت واحد ولسائر الصلوات وقتان يريد أن لها وقتًا أولًا، ووقتًا آخرًا، فينبغي أن يكون وقت (المغرب) بقدر وقت الأول من سائر الصلوات، وذلك منها ما لا يبلغ إلى نصف وقتها.
وقال صاحب «الحاوي»: «هل يتقدر وقتها بالفعل أو بالعرف؟ وجهان:
أحدهما: بالفعل [٨ أ/ ٢]، وهو بما ذكرناه.
والثاني: بالعرف، وهو أن يكون إذا أتى الصلاة فيه لم ينسب في العرف إلى تأخيرها عن أول الوقت، لأن الفعل يختلف بالعجلة والإبطاء، ولأن الصلاة ذات الوقتين يتقدر أول وقتها بالعرف لا بالفعل، ومنزلة المغرب في تفردها بوقت واحد منزلة الوقت الأول من الوقتين».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: بتقدر بالفعل ويعتبر أداء خمس ركعات وسط، وهذا خلاف ظاهر المذهب. وقيل: يعتبر أن يكون الستر والطهارة قبل الغروب ثم ما بين ذلك إلى غروب الشفق خاليًا عن الصلاة في وقت الرفاهية، ولا يقطع أنه خالي عن الصلاة على الإطلاق، لأنه وقت لها عند الجمع. وأما وقت الاستدامة، قال أبو
[ ١ / ٣٨٣ ]
إسحق: فيه ثلاثة أوجه، المذهب أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق للأخبار الواردة في هذا الباب، وقد ذكرناها.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للصلاة أولًا وآخرًا وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وآخر وقتها حين يغيب الأفق». وروي عن مروان بن الحكم أنه قال: قال لي زيد بن ثابت ﵁: تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطول الطوليين يريد أطول السورتين، ويقال: إنه أراد سورة الأعراف.
والوجه الثاني، لا يستديمها أكثر من وقتها الذي ذكرنا.
والثالث: يستديمها قدر ما ذكرنا من العرف في أول وقت سائر الصلوات. واعلم
أن العرب يسمُّون صلاة المغرب العشاء، وقد روى البخاري في «صحيحه» عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تغلبنكم (الأعراب) على اسم صلاتكم، إنها المغرب، والمغرب يسمونها العشاء»، فَكَرِه ذلك [٨ ب/ ٢].
مسألةٌ: قال: «فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة، فهو أول وقت عشاء الآخرة
والأذان».
وهذا كما قال: لا خلاف أن وقت العشاء إذا غاب الشفق، ولكن اختلف العلماء
في الشفق فعندنا أنه الحمرة، فإذا غابت الحمرة، فقد دخل وقتها.
وبه قال ابن عمر وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ومكحول وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري وطاوس ومالك والثوري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وأبو يوسف ومحمد ﵃.
وحكى عنه أنه قال: وقتها في البلدان والأبنية عند غيبوبة البياض، وفي الصحارى عند غيبوبة الحمرة، وإنما اعتبر هذا لأن البنيان في ستر منه، فاحتاط أن يؤخرها إلى غيبوبة البياض في البنيان بخلاف الصحارى.
وفي الحقيقة عنده الشفق: الحمرة. وقال أبو حنيفة: الشفق: البياض. وبه قال زفر والأوزاعي والمزني، وروى ذلك عن أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز ﵃،
[ ١ / ٣٨٤ ]
وحكى عن الفراء أنه قال: الشفق: الحمرة. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: الشفق: البياض. وقال بعض أهل اللغة: الشفق: اسم للحمرة والبياض معًا، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة لا باليقين.
الاسم كالقرء الذي يقع على اسمه على الطهر والحيض معًا، والدليل على صحة ما ذكرنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة». وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق، فهو لليلتين»، فدل على أن الشفق: الحمرة.
فرع
قال بعض أصحابنا في بلاد المشرق [٩ أ/ ٢] بنواح تقصر الليالي، فلا يغيب الشفق عندنا فأول وقت العشاء في حقهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر مغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم.
مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العشاء قائمًا حتى يذهب ثلث الليل». وهذا كما قال، اختلف قول الشافعي رحمة الله عليه في آخر وقت العشاء المختار، فقال في «الجديد»: وقتها إلى ثلث الليل. وبه قال عمر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز ﵃ ومالك وأحمد في رواية. وقال في «القديم» و«الإملاء»: وقتها إلى نصف الليل. وبه قال ابن المبارك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد في الرواية الثانية، وهذا اختيار أبي إسحق. وبه أقول لأن الزيادة في الخبر أولى، واحتجوا بما روى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ، قال: «ووقت العشاء إلى نصف الليل».
وظاهر المذهب الأول لما روي من حديث جبريل ﵇، ولأن الثلث، ثبث بجميع الروايات، وتعارضت الأخبار في الزيادة، فسقطت الزيادة.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وقال ابن سريج: ليست المسألة على قولين، فيقول رواية من روى إلى ثلث الليل محمولة على أنه آخر وقت الابتداء بها. ورواية من روى إلى نصف الليل محمولة على أنه آخر وقت الانتهاء بها، حتى لا تتعارض الاخبار، ولا يختلف فيه قول الشافعي ﵁.
وقال النخعي: وقتها إلى ربع الليل، وروي عن ابن عباس ﵄: وقتها المختار يبقى إلى طلوع الفجر، وبه قال عطاء وطاووس وعكرمة. وأما وقت الجواز، (فباقٍ) إلى طلوع الفجر الثاني. وحكى الشيح أبو حامد: أن الشافعي قال في «الأم»: وقتها بانقضاء ثلث الليل، ولفظه: وآخر وقتها إلى أن [٩ ب/ ٢] يمضي ثلث الليل، فإذا مضى ثلث الليل، فلا أراها إذا فاتته فحصل قولان، والأصح الأول، لما روى أبو موسى الأشعري ﵁، قال: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ابهارَّ الليل، وروي أنه ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة».
وقال الاصطخري: إذا فات وقتها المختار، فقد فات وقت الجواز أيضًا كما قال في صلاة العصر، وقال: لو أدرك قبل طلوع الفجر الثاني يكون مدركًا لها، وهذا مناقضة منه.
فرعٌ:
قال في «الأم»: واجب أن لا يسمي صلاة العشاء بالعتمة، لأن النبي ﷺ قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاة هي العشاء إلا أنهم يعتمون بحلاب الإبل». أي: يؤخرون الحلب إلى أن يعتم الإبل ويسمون الحلبة العتمة، وقيل: العتمة، الظلمة، فإذا قال: صليت العتمة معناه: صليت الظلمة. وروي عن ابن عمر ﵁ أنه إذا سمع رجلًا يقول: العتمة صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء، ويكره أن يقول ذلك، وهذه كراهية تنزيه.
قال الشافعي: وأحب أن يلقن الرجل أهله وولده ذلك ليعتادوه، وإن احتاج إلى أن يخاطبه بهذا الاسم من لا يعرف الصلاة إلا به ومنه ذلك. وقيل: للصلاة ثلاثة أوقات:
[ ١ / ٣٨٦ ]
أولها، من حيث يغيب الشفق، وآخرها: إلى ثلث الليل أو نصفه من غير كراهية، والثالث: وقت الجواز مع الكراهة بعد ذلك إلى طلوع الفجر.
مسألة: قال: "ولا أذان إلا بعد دخول وقت الصلاة خلا الصبح».
الفصل
وهذا كما قال نص الشافعي: أن وقت أداء صلاة الصبح، وأنه مخالف لأذان سائر الصلوات، ثم عاد إلى بيان وقت صلاة الصبح، فأولًا، [١٠ أ/٢] يذكر وقت صلاة الصبح، ثم يذكر وقت أذانها، فأول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني لخبر جبريل ﵇، «والفجر فجران»:
فالأول، هو المستطيل المستدق في الجو، ولا ينتشر في الأفق وتسميه العرب الفجر الكاذب، لأنه يضيء ثم يسود، وتصير الدنيا أظلم مما كانت ويسمى الخيط الأسود ويشبه بذنب السرحان، وهو (الذئب)، وإنما يشبه بذلك لأنه مستدق صامد في غير إعراضٍ.
والفجر الثاني، هو المستنير المستدير المنتشر بالمعترض في الأفق، ويسمى الفجر الصادق، لأنه صدقك عن الصبح، وثبت ذلك، ويقال لهذا الثاني: صبح، ولا يقال للأول: صبح، وإن كان يقال: فجر، لأن الصبح ما جمع بياضًا وحمرة، ولهذا يقال للرجل الذي عليه حمرة: أصبح، ويسمى الخيط الأبيض، وإذا طلع هذا يزداد كل ساعة ضياءً ونورًا، فبالأول لا يتعلق التحريم والتحليل، وهو كطلوع نجم من النجوم، وبالثاني: يخرج الليل ويدخل النهار وتجب به الصلاة ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم.
وقال النبي ﷺ: «لا يغرَّنك الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستنير».
ثم اعلم أن صلاة الفجر من صلوات النهار، لأن أول النهار من حين طلوع الفجر الثاني.
وقال حذيفة بن اليمان والشعبي والحسن بن صالح والأعمش: هي من صلاة الليل، وحكي عن الأعمش أنه قال: النهار يدخل بظهور مغرب قرص الشمس، ويخرج
[ ١ / ٣٨٧ ]
بغروب نصف قرصها حتى يجوز للصائم الأكل والشرب ما لم يطلع نصف القرص. وروي مثل هذا عن حذيفة، وهذا يفيد مع ظهور تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر في كل عصر، وظاهر قوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض" [البقرة: ١٨٧] الآية.
وروي في حديث جبريل ﵇ أنه قال: «وصلى بي الفجر في اليوم الأول حين حرم الطعام والشراب [١٠ ب/ ٢] على الصائم»، ولا يصح الصوم بالليل بالإجماع، واحتجوا بقوله تعالى: "فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة" [الإسراء: ١٢]، وآية النهار الشمس، فينبغي أن يكون النهار من طلوعها، ولأنه يجهر فيها بالقراءة، والنبي ﷺ قال: «صلاة النهار عجماء».
قلنا عن الأول: الشمس آية النهار وهذا لا يدل على أنه لا آية له غيرها، ولأنه يقال للفجر: حاجب الشمس. وقال الخليل بن أحمد: النهار هو الضياء الذي من طلوع الفجر وغروب الشمس. وأما الخبر قال الدارقطني: هذا لم يرو عن رسول الله ﷺ، وإنما هو من قول الفقهاء، ثم المراد به معظم صلوات النهار، ألا ترى أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، وهي من صلاة النهار، وقيل: المعنى فيه أن الكفار كانوا إذا سمعوا النبي ﷺ يصلي ويقرأ يسبون القرآن ومن أنزله، فأنزل الله تعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" [الإسراء:١١٠]، فأمر بالمخافتة فيما يحضره الكفار من الصلوات وكانوا وقت العشاء والصبح نيامًا، ووقت المغرب مشتغلين بالأكل فلا يحضرون، فيجهر النبي ﷺ في قراءتها لهذا المعنى.
وحكي أن أبا حنيفة خرج إلى الأعمش زائرًا وجعل يعتذر ويقول: لولا مخافة الثقل لزرناك كثيرًا، فقال له: أنت ثقيل في بيتك، فكيف إذا جئتنا؟ فقام أبو حنيفة ﵀ مغضبًا، وقال: ماذا أقول لرجل لم يصم لله تعالى قط، ولم يغتسل من الجنابة قط؟ وعنى به هذه المسألة التي ذكرناها عنه. وقوله: الماء من الماء، فإنه يذهب إلى أنه لا يجب الغسل بالتقاء الختانين، فإذا تقرر هذا فوقت الاختيار يبقى إلى أن يسفر النهار، وهو آخر وقت الاختيار ثم بعد الإسفار يبقى وقت الجواز، والأداء إلى أن تطلع الشمس، ولكن يكره له تأخيرها إليه، فحصل للصبح ثلاثة أوقات [١١ أ/ ٢]، كما ذكرنا في العشاء.
وقال الإصطخري: يخرج الوقت بالإسفار كما قال في العصر والعشاء، وهذا غلط
[ ١ / ٣٨٨ ]
لما روي في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس». وقال بعض العلماء: صلاة الصبح من صلاة اليوم ليست من صلاة النهار ولا من صلاة الليل لقوله تعالى: "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" [الحج: ٦١]، فاقتضى أن يكون زمان ولوج الليل في النهار ليس من الليل، ولا من النهار، فيكون الليل الذي لم يلج فيه شيئًا من النهار ليلًا، ويكون النهار الذي لم يلج فيه شيء من الليل نهارًا، وهو بعد طلوع الشمس. وقد بينا صحة ما ذكرنا وبطلان غيره. فإذا تقرر هذا، فإن فرغ منها قبل طلوع الشمس، فلا كلام، وإن صلى منها ركعة في الوقت ثم طلعت الشمس فيصلي باقيها بعد طلوعها. نص في «القديم» و«الجديد» أن الكل أداء. وبه قال أحمد وإسحق وهو اختيار ابن سريج، وعلى هذا لا يصير عاصيًا إذا لم يكن بعذر، وقال أبو إسحق: ما فعله في الوقت يكون أداء، وما فعله خارج الوقت يصير قضاء، ويكون بهذا التأخير عاصيًا، إذا لم يكن معذورًا، ونص الشافعي على هذا في غير موضع وأراد بما ذكرتم في حق أهل الأعذار، فإنه لا حرج عليهم، ويكونون مؤدين لحقها.
قال أبو حامد: وهذا قول عامة أصحابنا، وهذا غلط للخبر المشهور عن رسول الله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» الخبر، ولأنه لا خلاف أن من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركًا لها، فدلَّ على ما قلنا. وقال القاضي الطبري: هذا مذهب الشافعي الذي لا يحتمل غيره.
وقد نقل المزني صريحًا، فقال: فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة [١١ ب/٢]، فقد خرج وقتها فجعلها فائتة بطلوع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة، والذي ذكره أبو إسحق ما وجد للشافعي في شيء من كتبه. وقال ابن المنذر، هو قول أبي ثور. وقال بعض أصحابنا: المقصود من الأوقات أن يكون الافتتاح فيها، فإن شرع فيها ومدها إلى خارج الوقت لم يكره لما روي أن أبا بكر الصديق ﵁: «قرأ سورة البقرة في صلاة الصبح»، فلما سلم قال له عمر ﵁: كدت لا تسلم حتى تطلع الشمس، فقال: «لو طلعت لم تجدنا غافلين».
واحتجَّ أبو إسحق بقوله ﷺ: «وقت الصبح ما لم تطلع الشمس»، وهذا عندنا على أنه أراد وقت افتتاحها بدليل ما ذكرناه وهكذا الحديث فمن صلى ركعة من العصر قبل غروب الشمس وأتمها بعد غروبها، وإن صلى دون الركعة قبل طلوع الشمس أو قبل
[ ١ / ٣٨٩ ]
الغروب لا يكون مؤديًا لها بلا (خلاف) ويصير عاصيًا إذا لم يكن معذورًا.
وقال أبو حنيفة: إذا طلعت الشمس قبل الفراغ منها بطلت ووافقنا في صلاة العصر أنها لا تبطل بغروب الشمس فيها، فقيس عليه. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في «الأم»: وأحب أن تسمى هذه الصلاة بصلاة الفجر كما سماه الله تعالى: "وقرآن الفجر" [الإسراء: ٧٨] أو الصبح كما سماه رسول الله ﷺ، ولا يستحب أن يقول: صلاة الغداة، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم أذانها، فيجوز الأذان لها قبل طلوع الفجر ولا يجوز الأذان لسائر الصلوات قبل دخول أوقاتها.
وقال الشافعي رحمة الله عليه: السنة أن يكون لها مؤذنان: أحدهما، يؤذن قبل الوقت، والآخر، بعده كما كان بلال وابن أم مكتوم في عهد رسول الله ﷺ، فإن كان المؤذن واحدًا، فالسنة أن يؤذن لها قبل الفجر، ويعيد بعد الفجر ليكون لها أذانان، فإن لم يفعل واقتصر على الأذان الأول جاز وإذا أراد الاقتصار على واحد، فالمستحب أن يؤذن بعد الفجر، وبقولنا [١٢ أ/ ٢]، قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وأبو يوسف وأهل الحجاز وأهل الشام.
وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري: لا يجوز أن يؤذن الأولى بعد دخول وقتها، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن لليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». واحتجوا بما روي عن ابن عمر ﵁: أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره رسول الله ﷺ أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد قد نام. قلنا: هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد أنه غفل عن الوقت كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها.
والثاني: معناه أنه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم، ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، ثم نسخ ذلك بما روينا من خبر بلال.
ومن أصحابنا من قال: هذا يجوز إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله ﷺ، فأما إذا لم يكن إلا مؤذن واحد، فلا يجوز له أن يؤذن إلا بعد دخول الوقت فيحمل
[ ١ / ٣٩٠ ]
خبر النهي على الوقت الذي كان المؤذن واحدًا، ويحمل خبر الجواز على الوقت الذي كان المؤذن اثنين، فإذا تقرر هذا، فكم يجوز التقديم؟ فيه أوجه:
أحدها: وهو الأصح أول وقت أذانها إذا انتصف الليل ولم يذكر أهل العراق غير هذا القول، لأنه لو أذن قبله لشبه بأذان العشاء، ولا يحتاج أيضًا في النصف الأول إلى سبب من أسباب صلاة الفجر بحال.
والثاني: يجوز أذانها بعد ثلث الليل فإنه أخر وقت العشاء اختيارًا.
والثالث: يجوز في جميع الليل إلا أن المستحب أن يؤخره عن وقت الاختيار للعشاء حتى لا يخلط بأذان العشاء فيقع الغلط.
والرابع: يجوز ما لم يتباعد عن الصبح وقدروا ذلك بوقت السحر، وتارة بالثلث الآخر من الليل [١٢ ب/ ٢] ووقت السحر المسنون إذا بقي من الليل سدسه.
وقال صاحب «التقريب»: المستحب تقديم الأذان على وقتها، وإن كان مرة، لأن الشافعي قال في موضع: «فإن أذن قبل الفجر، ولم يعد بعده، فلا بأس» لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله ﷺ، فقوله: (لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله ﷺ) دليل على أن التقديم أحب وعلى هذا يدل كلام القاضي الطبري في «الخلافيات». وما تقدم أصح.
وأما الإقامة، فلا يجوز تقديمها على الوقت بحال.
والفرق بينها وبين الأذان للصبح أن الإقامة تراد لاستفتاح الصلاة، ولا يجوز قبل وقت الافتتاح والأذان يراد للإعلام، ويدخل في وقت الصبح، والناس نيام، منهم الجنب المحدث فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهبوا للصلاة بخلاف أذان سائر الصلوات.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵀: «وليس ذلك بقياس»، قيل: معناه ليس بقياس على سائر الصلوات، ولم يرد به أن القياس يخالفه، ولا يساعده لما ذكرنا من المعنى.
وقيل: أراد ليس بقياس جلي، ولكنه قياس شبه. وقيل: أراد تركت القياس فيه للخبر بخلاف ما قال أبو حنيفة، فإنه قال بالقياس وترك الخبر ثم قال: واعتمد في ذلك على إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ولما روي عن النبي ﷺ في ذلك قري، واعتمد بنصب الدال وقري واعتمد بالرفع فالنصب. ذكره على وجه الخبر، يعني: قال
[ ١ / ٣٩١ ]
المزني. واعتمد الشافعي فيه على ذلك وبالرفع ذكره على وجه الحكاية يعني: قال الشافعي: اعتمد في ذلك على إمامة جبريل ﵇ ويريد به ما ذكرنا فيما تقدم. وأراد بالخبر الآخر ما روي عن النبي ﷺ في إمامته بالقوم، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن أوقات الصلوات، فقال له: «أقم عندنا»، فصلى به ﷺ [١٣ أ/ ٢] في يومين مثل ما صلى جبريل ﵇ في تعليمه للأوقات، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ فقال الرجل: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال له: «ما بين هذين وقت».
مسألة: قال: «والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، فإذا أغمي غلى رجل فأفاق».
الفصل
وهذا كما قال أهل العذر والضرورة أربعة: الصبي إذا بلغ، والمغلوب على عقله بالجنون أو الإغماء إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم. وذكر الشافعي في جملتهم: وإن لم يكن له عذر ويلزمه الصلاة في حال كفره، لأنه مخاطب بالشرائع ويعاقب على تركها، لأنه يجري مجراهم في سقوط القضاء عنه إذا أسلم بعد فوات الوقت.
وقيل: أنه فسَّر وقت الضرورة ولم يفسِّر وقت العذر، لأن كل ضرورة عذر ونحن نذكر الآن وقت العذر من غير الضرورة، فوقت عذر العصر هو جميع وقت الظهر إلا قدر أربع ركعات من أوله، لأن من جمع وقت الظهر لم يجز له إلا تقديم الظهر على العصر. وأما وقت عذر الظهر، فهو جميع وقت العصر أو يستثني من آخره أربع ركعات وجهان، وأصل الوجهين أن من جمع وقت العصر هل له تقديم فعل العصر على الظهر؟ وجهان، وهكذا في المغرب والعشاء، فإن وقت عذر العشاء جميع وقت المغرب إن جعلنا للمغرب وقتين إلا قدر ثلاث ركعات من أوله ووقت عذر المغرب جميع وقت العشاء في وجه ويستثنى قدر أربع ركعات من آخره في وجه آخر هكذا ذكره القفال.
وقال بعض أصحابنا: الأحسن أن يستثنى قدر ركعتين من أول وقت الظهر أو من
[ ١ / ٣٩٢ ]
آخر وقت العصر لأنها تقضى كما تجمع، وكذلك في العشاء، وأما وقت الضرورة فما ذكره، فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن هؤلاء لو أدركوا [١٣ ب/ ٢] من وقت العصر ركعة قبل الغروب أو من وقت العشاء ركعة قبل طلوع الفجر أو من وقت الصبح ركعة قبل طلوع الشمس يلزم هؤلاء فرض الصلاة، فإن أدركوا أقل من ركعة فيه قولان:
أحدهما: تجب الصلاة بمقدار تكبيرة الافتتاح، نص عليه في كتاب استقبال القبلة في باب التلبية على الفعل في «الجديد». وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو حامد: هذا أشهر القولين، وهو اختيار أبي حامد ووجه أنه أدرك جزءًا من الوقت بعد زوال عذره فأشبه إذا أدرك مقدار ركعة ويؤكده أنه يعتبر فيه إدراك الحرمة دون الفعل، لأنه لو أدرك الوقت، ولم يفعلها يلزمه ذلك، فاستوى فيه القليل والكثير كإدراك حرمة الجماعة.
والقول الثاني: لا يلزمه الصلاة بإدراك دون ركعة ثانية، نص عليه في «القديم». وذكر المزني أنه سمعه منه لفظًا، وهو اختيار المزني. وبه قال مالك، وقال أبو إسحق: هذا أشهر القولين، وهكذا ذكره القاضي الطبري ووجهه ما احتج به المزني، وهو قوله ﷺ: «من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»، فعلق الإدراك بركعة، وأيضًا الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فكيف يكون مدركًا للعصر معًا بتحريمه؟.
والجواب عن هذا أن نقول: أما الخبر فوارد في إدراك الفعل، أو أراد به من أدرك شيئًا في الجملة. وهذا احتجاج من المزني لمفهومه لا لمنطوقه، فلا حجة فيه ظاهرًا. وأما المعنى قلنا: ذلك إدراك إسقاط، فإنه يسقط عن نفسه ركعتين بذلك، فلا بدَّ من إدراك الركوع كما لا يسقط القيام والقراءة عن المأموم إلا بإدراك الركوع وهذا إدراك إلزام، فيحصل بأدنى شيء. لمسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أدنى شيء يلزمه صلاة [١٤ أ/ ٢] المقيم. فإذا تقرر هذا نقل المزني أن هؤلاء إذا تغيرت حالهم قبل مغيب الشمس بركعة أعادوا الظهر والعصر، ونقل بعده إن أدرك الإحرام صلاهما فاستعمل لفظ الإعادة عند إدراك ركعة. ولفظ الصلاة عند إدراك تحريمة، وأوهم مع هذين قولين في «الجديد». وهما غلطان اثنان:
[ ١ / ٣٩٣ ]
أحدهما: أن الشافعي وضع لفظ الإعادة حيث وضع المزني لفظ الصلاة، فقال في كتاب استقبال القبلة: ولو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بتحريمة أعاد الظهر والعصر ووضع لفظ الصلاة حيث وضع المزني لفظ الإعادة، فقال: لو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بركعة صلى العصر ولفظ الإعادة أليق بمن أدرك تحريمة، ولفظ الصلاة والأداء أليق بمن أدرك قدر ركعة.
والثاني: أن القول في «الجديد» غير مختلف في وجوب الضدين بإدراك ركعة أو تحريمة. واختار المزني القول القديم وعنده أنه يختار الجديد، فإذا تقرَّر هذا ففي دليله لفظ مثيل، وهو أنه قال. معنى قوله: عنده إن لم يفته، أي: عند الشافعي، وهذا التفسير مفتقر إلى تفسير وربما يقرأ إن لم تفته بالكسر وربما يقرأ أن لم تفته بالفتح فمعنى الكسر إن لم تفت الجمعة الرجل بأن أدرك منها ركعة صلاها جمعة، وإن فاتته بأن أدرك أقل من ركعة صلاها ظهرًا وبالفتح تقدير اللفظ أن يقال: معنى هذا الخبر عند الشافعي: أن الجمعة لم تفته إذا أدرك ركعة وفاتته إن أدرك أقل من ركعة. ولو قال: ومعنى قوله عنده أنها لم تفته أو ارتفع الإشكال.
وهكذا سماع بعض المشايخ، ولكن أكثر النسخ على ما قدمنا واعتصد بجمع ذلك أحد، فإذا تقرر هذا، فهذا الذي ذكرنا إذا امتدت به حال السلامة قدر ما يتم فيه الصلاة، فأما إذا حدث عقيب خروج الوقت عذر آخر لا يلزمه الصلاة [١٤ ب/٢] إذا لم يكن أدرك من الوقت قدر أربع ركعات إذ الإمكان شرط ويتصور ذلك بأن (يبلغ) ثم بعد قليل يجن أو تحيض أو تطهر ثم يجن، فأما الصلاة التي قبلها هل تلزمهم؟ ينظر فإن كانت صلاة لا تضم إلى هذه كالصبح مع الظهر لا تلزمهم، وكذلك بإدراك المغرب لا تلزم العصر ولا تلزم بإدراك الصبح العشاء، وإن كانت صلاة تضم إليها عند العذر كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء يلزمهم.
وقال أبو حنيفة: لا تلزم الظهر بإدراك العصر ولا المغرب بإدراك العشاء. وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس ﵃ أنهما أوجبا على الحائض التطهر قبل طلوع الفجر بركعة المغرب والعشاء، ولا مخالف لهما.
واحتج الشافعي بأن النبي ﷺ جمع بينهما في وقت واحد، فدلَّ أن وقتهما
[ ١ / ٣٩٤ ]
للضرورات واحد، فإذا تقرر هذا لم يشترط أن يدرك حتى يلزمه الظهر مع العصر. قال في «الجديد»: تجب الظهر بما تجب به العصر لأن وقتهما واحدٌ عند العذر، وكذلك تجب العشاء بما تجب به المغرب. وقال في «القديم»: فيه قولان:
أحدهما: بمقدار ركعة وطهارة تجب الصلاتان لأن الاعتبار بإدراك ركعة فاعتبر إدراك ركعة كاملة بالطهارة.
والثاني: بمقدار خمس ركعات لأنه يعتبر وقت يمكن الشروع فيهما. ومن أصحابنا من قال: يخرج على قوله «القديم» أربع ركعات وتكبيرة. قال أبو إسحق: وهذا محتمل لأن الشافعي اعتبر في إدراك العصر قدر تكبيرة، واعتبر في «القديم» لإدراك الظهر أربع ركعات فجمع أحد القولين إلى الآخر، فاعتبر كليهما أربع ركعات وتكبيرة، وهذا أضعف الأقوال، فحصل فيما يدرك به الظهر والعصر خمسة أقوال:
أحدها: يدركهما بمقدار تكبيرة.
والثاني: بمقدار ركعة.
والثالث: بمقدار ركعة وطهارة [١٥ أ/ ٢].
والرابع: بمقدار أربع ركعات وتكبيرة.
والخامس: بمقدار خمس ركعات.
والصحيح قوله «الجديد»: وما عداه من الأقاويل باطلة. وقال القفال: حصل في الجملة ثمانية أقوال، خمسة ذكرناها.
والسادس: تحريمة وطهارة.
والسابع: خمس ركعات وطهارة.
والثامن: أربع ركعات وتحريمة مع الطهارة، فإذا قلنا بخمس ركعات، وهو قول مالك، فالمنصوص في «القديم» أنه يكون مدركًا للعصر بركعة وللظهر بأربع ركعات. وقال أبو إسحق: يكون مدركًا للعصر بأربع ركعات وللظهر بركعة، وهذا غلط، لأنه جعل إدراك العصر بأربع ركعات، فخالف نص السنَّة وترك المذهب. وفائدة هذا تتبين في المغرب والعشاء، فإن قلنا: أربع للعصر وركعة للظهر ففي الآخر وقت العشاء لا بدَّ من إدراك خمس ركعات أيضًا، وإن قلنا: أربع للظهر وركعة للعصر ههنا يكفي أربع ركعات: ثلاث للمغرب وركعة للعشاء، ويأتي في وجوبهما على ما ذكر القفال ثمانية أقوال، ويزيد أربعة أقوال:
أحدها: أربع ركعات.
[ ١ / ٣٩٥ ]
والثاني: ثلث ركعات وتحريمة.
والثالث: أربع ركعات وطهارة.
والرابع: أربع ركعات وتحريمة وطهارة. والمذهب أنه لا فرق بين ما ذكرنا وبين ما يدرك به المغرب والعشاء إلا في فصل، وهو أنا إذا اعتبرنا هناك خمس ركعات فيعتبر ههنا أربع ركعات، لأن عدد المغرب ثلاث ركعات، وهذا كله في زوال العذر الموجود في آخر الوقت، فأما الكلام في حدوث العذر في أول الوقت، وهو زوال العقل بجنون أو إغماء، أو زوال طهر بحيض أو نفاس. فأما العذر للصغر فلا (يحدث) والكفر يحدث، ولكن ليس بعذر لأن المرتد يلزمه قضاء الصلاة، فإذا زالت الشمس ثم زال عقله أو حاضت أو نفست المرأة نظر، فإن كان الذي مضى من الوقت لا يتسع [١٥ ب/ ٢] لأربع ركعات لم يستقر الفرض، ولا يجب القضاء عليه نص عليه في «الإملاء».
وبه قال عامة أصحابنا. وقال أبو يحيى البلخي: يلزمه ويستقر عليه، وعليه القضاء، لأنه أدرك جزءًا من الوقت، فأشبه إذا أدرك من آخره، وهذا ليس بشيء لأنه في آخره، يمكنه التلبس بها والبناء عليها، وههنا لا يمكنه البناء بحال، وإن مضى من الوقت ما يتسع لصلاة الظهر أخف صلاة استقرت، فلا تسقط بعد ذلك.
وقال ابن سريج والاصطخري: لا تستقر إلا بمضي كل الوقت. وبه قال مالك، لأنه لو سافر في آخر وقت الصلاة قصر إذا بقي من الوقت ما يمكنه أداء الصلاة، وهذا غلط لأن اعتبار عددها بحال الأداء، فأما الاستقرار بإمكان الأداء في الوقت وقد وجد ذلك. وهذا الكلام في الظهر، فأما العصر فلا يكون مدركًا لها بإدراك وقت الظهر فلو زال عقله مع آخر وقت الظهر، لا يلزمه العصر.
وقال أبو يحيى البلخي: تجب العصر بإدراك وقت الظهر إذا أدرك ثمان ركعات، لأنه وقت لهما، كما إذا أدرك وقت العصر لزمته كلتا الصلاتين، وهذا ليس بشيء، لأن وقت العصر وقت للظهر وقتًا متبوعًا بدليل أن له تقديم الظهر على العصر ووقت الظهر وقت العصر تبعًا للظهر لا وقتًا لها بدليل أنه لا يقدم العصر عليها في وقت الظهر، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن فيما هو عذر، وفيما ليس بعذر وجملته أنه متى زال عقله بوجه هو معذور فيه حتى فاتته الصلاة لا قضاء عليه كالإغماء والجنون. ولا فرق بين الإغماء الكثير والقليل وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء دون يوم وليلة لا يسقط قضاء الصلوات، وإن كان
[ ١ / ٣٩٦ ]
أكثر تسقط وفي يوم وليلة اختلفوا على قولين وسلموا في الجنون أنه [١٦ أ/ ٢]، يسوّى بين قليله وكثيره في هذا المعنى، فنقيس عليه. وقال أحمد: يجب عليه القضاء بكل حال، واحتجّ بما روي عن عمار بن ياسر ﵁ أنه أغمي عليه يومًا وليلة فقضى الصلوات، وهذا غلط لما روت عائشة ﵂، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه فينزل الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق وقتها فيصليها»، ويحمل ما روي عن عمار على الاستحباب.
وقد روى نافع عن ابن عمر ﵁ أنه أغمي عليه ثلاثة أيام، فلم يعد الصلاة. وعن أنس نحو ذلك، وإن زال عقله بسبب هو غير معذور فيه حتى فاتت الصلاة، فعليه قضاء كلها، كالسكر وإذا شرب دواءً مجننًا ونحو ذلك.
وقد قال في «الأم»: إذا سكر بشرب الخمر أو النبيذ كان مخاطبًا مكلفًا بالعبادات إلا أنه لا يفتتح الصلاة، وهو سكران حتى يفيق، لأن الله تعالى قال: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" [النساء: ٤٣]، فإن افتتحها وهو سكران أو افتتحها مفيقًا فسكر بالصلاة بطلت صلاته، وعليه الإعادة وأقل السكر (أن) أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب عليه قبل الشرب.
فرعٌ
قال في «الأم»: «ولو شرب المسكر قليلًا وصلى لم (تجب) الإعادة، وأحب لو أعاد». وهذا إذا غسل فمه، فإن لم يغسل لا تجوز صلاته.
فرعٌ آخر
لو تناول دواء فيه بعض السموم. وقال الشافعي في «استقبال القبلة»: "إن كان الأغلب منه السلامة يحل تناوله، وإذا تناوله فزال عقله ونزل الصلاة لم يلزمه قضاؤها.
فرع آخر
قال في كتاب الأطعمة: «وإذا جعل في الدواء سم، فالغالب منه السلامة حل تناوله، وقيل: لا يحل تناوله لأن السم يقتل [١٦ ب/ ٢] قليله وكثيره، فخرج فيه قولين.
[ ١ / ٣٩٧ ]
والأصح الأول، لأن الاعتبار بغالب السلامة، فإذا قلنا: يحل فزال عقله لا إعادة وإلا فيلزم الإعادة».
فرعٌ آخر
قال في «الأم»: ولو أكل أو شرب هلالًا، فخبل عقله أو وثب وثبة، فانقلب دماغه، وزال عقله أو تنكس فذهب عقله لم يكن عليه إعادة صلاة صلاها، هو لا يعقل أو تركها لذهاب العقل، وإن وثب لغير منفعة، أو تنكس لذهاب عقله، فذهب كان عاصيًا، وعليه القضاء.
قال الشافعي: «وأقل ذهاب العقل الذي يوجب عليه إعادة الصلاة أن يكون مختلطًا يغرب عنه عقله في شيء وإن قلّ وثوب».
فرعٌ آخر
قال: «ولو شرب قليلًا مما يزيل العقل لا لحاجة ظنًا منه أنه لا يزيلُ العقل لقلته، فزال عقله يلزمه إعادة الصلاة، ولو لم يعلم أن ذلك يزيل العقل فأزال لا إعادة».
فرعٌ آخر
لو سكر ثم جن كم يعيد من الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: قدر ما يدوم السكر.
والثاني: يلزمه قضاء الكل كما لو اتصل الجنون بالارتداد وعندي هذا إذا تولد الجنون من السكر فإن كان بعلة أخرى، فلا يلزمه سوى مدة السكر.
فرعٌ آخر
قد ذكرنا مواقيت وجوب الصلاة في حق المعذور، فأما في حق غير المعذور، فإنها تجب بأول الوقت وتستقر بإمكان الأداء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب بآخر الوقت إلا أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، يقولون: تجب إذا بقي من الوقت بمقدار تكبيرة. وقال زفر: تجب إذا بقي من الوقت قدر الصلاة. وقال الكرخي: إنما يعتبر عندهم قدر التكبيرة في حق المعذورين، فأما في حق غير المعذورين تجب بقدر الصلاة كقول زفر.
[ ١ / ٣٩٨ ]
واختلفوا إذا صلى في أول الوقت، فمنهم من قال: تقع فرضًا. وقال الكرخي: تقع نفلًا ويمنع ذلك من وجوب الفرض في آخر الوقت [١٧ أ/٢] ومنهم من قال: تقع مراعىً فإن أدرك آخر وقتها، وهو ممن تلزمه الصلاة وقعت فرضًا وإلا وقعت نفلًا، وهذا غلط، لأنه وقت لأداء صلاة لو أظهر في حق الكافة فكان وقتًا للوجوب كآخر الوقت. وقال بعض أصحابنا: كل حظ من الوقت له حظ في الوجوب، ولا نقول: وجبت الصلاة بأول الوقت حتى لو أدرك جميع الوقت نقول: وجبت بجميع الوقت، وهذا كالقيام يجب بقدر الفاتحة، فلو طال القيام بقراءة السورة، فالكل واجب وهذا خلاف المذهب.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجوب في أول الوقت، فلم يصل مع الإمكان حتى مات. وقال القفال: هل يحكم بأنه عاصٍ، وجهان:
أحدهما: يكون عاصيًا كما في الحجِّ على أحد الوجهين.
والثاني: لا يكون عاصيًا، والفرق بينه وبين الحج أن آخر وقت الصلاة معلوم بخلاف آخر وقت الحج، وهذا هو الأصح وذاك غلط.
فرع آخر
وقت وجوب الطهارة متى يكون، فيه وجهان:
أحدهما: تجب كلما انتقض طهره.
والثاني: وهو ظاهر المذهب تجب بدخول وقت الصلاة على من كان محدثًا عند دخول وقتها، ويجوز فعلها قبل وقتها.
فرع آخر
إذا أفاق المجنون وقد بقي من وقت العصر مقدار ركعة يلزمه الظهر والعصر، ثم جن بعد أن مضى من الوقت مقدار أربع ركعات ولم يصلّ وبقي على جنونه مدةً طويلة، ثم أفاق هل يلزمه إعادة الظهر أو العصر أو هما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه إعادة الظهر وحدها، لأن الإمكان وجد في صلاة واحدة، ولا يمكن إيجاب الظهر وحدها، لأن الإفاقة كانت في وقت العصر.
والثاني: يلزمه الظهر والعصر جميعًا، لأن وجوب العصر يستدعي وجوب الظهر، وهذا أصح لأن وقتيهما واحد عند العذر [١٧ ب/ ٢]. هكذا قال والدي الإمام رحمه
[ ١ / ٣٩٩ ]
الله وهذا لا يصح عندي، لأن الإمكان شرط، وإن كان وقتهما واحدًا، ولا يتسع هذا القدر من الوقت لأداء الصلاتين فصار كما لو تمكن من أداء ركعتين من العصر لا يلزمه تمام العصر.