مسألة: قال: ويصلى على الجنازة في كل وقت.
وهذا كما قال. لا يكره الصلاة على الجنازة في وقت، ويجوز في جمع الأوقات. وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: يكره في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها وعند اصفرارها حتى تغرب، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي: يكره فعلها في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها. وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وابن المبارك وقال أبو سليمان: هذا أول الخبر وأنه قول الأكثرين واحتجوا بما روي عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، وقوله: تتضيف أي: تميل وقوله: نقبر فيهن موتانا: أراد الصلاة على الجنازة. وهذا غلط، لما روي
[ ٢ / ٥٧٨ ]
أن عقيل بن أبي طالب صلى عليه علي ﵁ حين اصفرت الشمس. وقالت عائشة: قال رسول الله - ﷺ -: [٣٣٢ ب/٣] صل على الجنازة أي ساعة كانت. وروي أن أبا هريرة صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدر؛ لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عنه، كالعصر عند اصفرار الشمس، وأما فنحمله على التحري، وعندنا لا ينبغي أن يتحرى بها الأوقات المنهية، ولكن إذا اتفق حضورها في الوقت المنهي جاز فعلها فيه. وعن ابن عمر ﵁ أنه نهى عن تحري هذه الأوقات لصلاة الجنازة وغيرها.
مسألة: قال: وإذا اجتمعت جنائز الرجال.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اجتمعت جنائز الرجال والصبيان والنساء فإن لم يكن هناك عجلة فالسنة أن يصلى على كل ميت على الانفراد، وإن كانت هناك عجلة ومبادرة فإنه يصلى عليهم دفعة واحدة، وتقدم المرأة إلى القبلة ثم الصبي ثم الرجل. فإن كان هناك خنثى فالخنثى يجعل بين المرأة والصبي، فالذي يلي الإمام هو الرجل، ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة كما في صلاة الجماعة، وإنما قدم الصبي على الخنثى لجواز أن تكون امرأة، وقدم الخنثى على المرأة لجواز أن يكون رجلًا. وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب. يقدم [٣٣٣ أ/٣] الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة تلي الإمام كما لو أرادوا الدفن في مكان واحد فإنه يقدم الرجل إلى القبلة. وهذا غلط لما روى عمار بن ياسر قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وفي الجنازة الحسن والحسين وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وثمانون رجلًا من الصحابة فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة وراءه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذه السنة. وروي عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. وأما الدفن قلنا: الفرق هو أن الرجال يلون الإمام في الصلاة، وقرب الإمام أفضل فجعلنا الرجل أقرب إليه والمرأة أبعد منه، وعند الدفن لا يوجد هذا المعنى. وإنما الفضيلة هناك هي في القرب من القبلة، فقدمنا الرجل إلى القبلة. وقال المزني هاهنا: والخناثى في معناه يعني في قياس قول الشافعي، ولا معنى لهذا، لأنه نص عليه في "الأم".
فرع
قال القفال: إذا كان هناك جنائز الرجال والنساء والخناثى، يوضع بعضها خلف بعض، فيلي الإمام الرجال واحدًا واحدًا، ثم الناس واحدة واحدة، وتجعل [٣٣٣ ب/٣]
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الخناثى صفًا واحدًا لا يوضع بعضهم خلف بعض، لاحتمال أن يكون المتقدم امرأة والمتأخر رجلًا. وقال أبو حنيفة: تجعل جنائز الرجال صفًا واحدًا، ويقف الإمام عند أخرها لتكون الجنائز عن يمينه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان كذلك وقال: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تشاح ولاة الجنائز صلى ولي الجنازة التي سبقت. قال في "الأم" والقديم: ثم إن شاء ولاه ما سواها أن يستغنوا بتلك الصلاة فعلوا. وإن شاء كل واحد أن يعيد الصلاة على ميته فعل. قال أصحابنا: هذا هو الدليل على تكرير صلاة الجنازة أنه يجور.
وقال بعض أصحابنا: معنى هذا أنه لم يكن ولي المسبوق صلى مع ولي السابق، فإن كان قد صلى لا يجوز له أن يعيد الصلاة: لأن صلاة الجنازة لا يجوز أن يكررها الواحد. ولعل القائل الأول أراد بما ذكر هذا فإنه محتمل، ولا يحصل الخلاف. فإن لم يكن أحدهما سابقًا قال أصحابنا: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فحكمه حكم من تقام بالسبق، وإن تشاحوا في المكان فقال كل واحد منهم: جنازتي تلي الإمام، فإن كانوا رجالًا فالسابق أولى، فإن استووا في [٣٣٤ أ/٣] السبق قال الشافعي: قدم أفضلهم إلى الإمام، وإن كانوا رجالًا ونساء فالرجال يلون الإمام سواء سبق النساء أو تأخرن لأن هذا ترتيب الصلاة. ولو كانوا رجالًا وصبيانًا فالسابق أولى. فإن اختار ولي الرجل أن تكون جنازته خلف الصبي وإلا ذهب به إلى موضع غيره. فإن قيل: سويتم بين الرجل والصبي هاهنا وقلتم: الصبي والرجل إذا استويا في السبق فإنه يقدم الرجل من غير قرعة، وفي المرأة قدمتم عليها الرجل في كلتا الحالين فما الفرق؟، قلنا: الفرق أن الصبي قد يكون مساويًا للرجل، فيقف مع الرجل في الصف الواحد، فإذا سبق وليه ووضعه بين يدي الإمام لا يجوز تنحيته وإزالته بخلاف المرأة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين، ثم وافت جنازة أخرى فوضعت فرغ من الصلاة على الأولى، ثم استأنف هو أو غيره الصلاة على الثانية، لأنه ما نوى الصلاة على الثانية. ولو نوى في أثنائها بطلت صلاته، لأن نيته تعينت في الأولى.
فرع
قال والدي ﵀: لو يمم الميت عند عدم الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء قبل الدفن، يلزمه غسله به. وهل تلزم إعادة الصلاة؟ وجهان. وعندي أنه لا يلزم [٣٣٤ ب/٣] غسله كما لا يلزم الصلاة عليه ثانيًا في وجه.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
فرع
قال والدي ﵀: إذا صلي على ميت وحي دفعة واحدة، فإن كان عارفًا بالحال لا تصح صلاته على الميت. وإن كان عنده أنهما ميتان جازت صلاته على الميت والنية في الحي ملغاة، كما لو صلى العصر قبل وقته وهو عالم بالحال لم تصح، وإن كان عنده أن الوقت داخل صح عن النفل، ويجئ أن يقال: تصح الصلاة في حق الميت عند العلم أيضًا ويفارق مسألة العصر، لأن نية الفرض مضادة لنية النفل، فإذا نواها فيما يعلم أنه نفل كان قاطعًا لاستدامة نية الصلاة التي هو فيها متعمدًا، فبطلت عليه كما لو صرف نيته إلى الفرض في صلاة النفل يبطل عن النفل أيضًا، وهاهنا نية الصلاة على الميت فتلغيها وتجوز الصلاة على الميت.
فَرْعٌ آخرُ
وقال أيضًا: إذا صلى على ميتين ثم نوى في أثناء صلاته قطع صلاته على أحدهما دون الآخر، بطلت هذه الصلاة في حق أحدهما، وفي الآخر وجهان: أحدهما: يبطل أيضًا لأنها إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي، كما لو نوى في صلاته إبطال [٣٣٥ أ/٣] إحدى الركعات تبطل كلها. والثاني: لا تبطل لأنه كان يجوز له في الابتداء أن يصلي على أحدهما دون الآخر، فإذا نوى قطع الصلاة على أحدهما صار كأنه أحرم بالصلاة على أحدهما في الابتداء ويفارق ما ذكر. ولأنه لا يجوز له في الابتداء أن يحرم بالظهر بنية ثلاثة ركعات، فإذا نوى إبطال ركعة بطل الكل والأول أظهر. وهذا الفرق يبطل بمن افتتح النافلة ركعتين ثم نوى إبطال إحدى الرطعتين مطلقًا، وإن كان يجوز في الابتداء إفراد إحداهما عن الأخرى.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضًا: إذا صلى على أموات كثيرين دفعة واحدة ولا يعلم عددهم، ولكنه يشاهد لهم صح، لأن المشاهدة هي مغنية عن معرفة العدد، ولو صلى عليهم وعنده أنهم عشرة فإذا هم أحد عشر أعاد الصلاة على جميعهم؛ لأن فيهم من لم يصل عليه بالنية، ويحتمل أن يقال: إنه يعيد على الحادي عشر عينه، وينوي الصلاة على من لم يصل عليه أولًا. وأصل هذا أنه إذا كان بين يديه أموات فصلى على البعض منهم بغير نية هل تصح أم لا؟ يحتمل وجهين، وإن كان عنده أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم كانوا عشرة يحتمل وجهين. أحدهما: لا تصح لأنه نوى فعل [٣٣٥ ب/٣] هذه الصلاة على ميت لم يحضر، ولا نعرفه بوجه أو على معدوم، والنية إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي. والثاني: تصح وهو الأظهر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو دخل في صلاة الجنازة وفي الثاني والمصلون عليها كثرة ليس له الخروج قبل إتمامها، لأنها تلزم جميع الناس في الابتداء ما لم يقع الفراغ من بعضهم. فإذا
[ ٢ / ٥٨١ ]
شرع فيها لم يجز الخروج من جهة أن تركها في الابتداء لا يسوغ له على كل وجه، لأنه لو لم يحضره غيره يلزمه الحضور وأداء الصلاة، فهو كالجمعة في حق العبد.
فَرْعٌ آخرُ
وقال: لو شرع في صلاة الجنازة بعدما صلى عليها من نية الكفاية، هل له الخروج؟ يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك. ولهذا أصل وهو أن هذه الصلاة تقع فرضًا أم لا؟ وفيه جوابان، والقياس عندي أنها لا تقع فرضًا، لأن الفرض ما لايجوز تركه على الإطلاق.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى رجل على جنازة وعنده أن الميت الفلاني عليها، ونوى الصلاة عليه ثم ظهر أن الميت الذي هو صلى عليه مات في بلد آخر ودفن فيه أو ذلك هل تصح الصلاة على ذلك أم لا؟ لاعتقاده أن الميت الذي يصلي على هذه الجنازة يحتمل أن [٣٣٦ أ/٣] يقال: يجوز لأن اعتبار عين الميت أولى من اعتبار المكان، لأن العين لا تتبدل والمكان يتبدل كما لو قال: زوجتك ابنتي الصغيرة فاطمة وسامها عائشة وفاطمة اسم الكبيرة، يصح النكاح على الصغيرة؛ لأن الاسم يتبدل بخلاف الصغير.
فرع
إذا صلى على جنازة الرجل وقف الإمام عند صدره، وإذا صلى على جنازة المرأة وقف الإمام عند عجيزتها، وبه قال أحمد وهو اختيار أصحابنا بالبصرة وصاحب "الإفصاح" ولا نص فيه للشافعي. وقال البغداديون من أصحابنا: يقف عند رأس الرجل وعند عجز المرأة وهو وسطها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهذا أولى عندي. وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبها، لأن الوقوف في أعالي المرأة أمثل وأسلم، وروي عن ابن مسعود في الرجل ما قال مالك، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي - ﷺ - "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها"، وروى أبو غالب عن نافع قال: "صليت خلف أنس بن مالك ﵁ على جنازة عبد الله بن عمير، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم [٣٣٦ ب/٣] صلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقيل له: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم". وهذا خبر صحيح أورده أبو داود وغيره. ولأن المرأة تخالف الرجل في موضعها مع الإمام في الصلاة فجاز أن يختلفا هاهنا.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلي على الميت بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو غيرها، فلو صلى أهل العراق على ميت بمكة، أو صلوا على ميت بخراسان جاز، ويكون الاعتماد على النية وصفة الصلاة كأن الجنازة موضوعة بين يديه. وقال الساجي: سمعت الربيع يقول: مات رجل بالصعيد، فخرج بنا أبو يعقوب البويطي وصلينا عليه فعاب علينا أصحاب مالك فقلنا: السنة معنا. ولا فرق بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة، تقصر فيها الصلاة أم لا، وقال مالك وأبو جنيفة: لا يجوز ذلك بحال وهذا غلط، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات"، فإن قيل: كان رسول الله - ﷺ - مخصوصًا به، فإنه كان في حكم المشاهدة للنجاشي [٣٣٧ أ/٣] وقد روي أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى أبصر مكانه، قلنا: هذا تأويل باطل، لأن النبي - ﷺ - إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة فإنه يلزمنا متابعة والاقتداء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، وكيف يقال هذا وقد خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم وصلوا معه وهم لم يشاهدوه بحال، فإن قيل: النجاشي كان رجلًا مسلمًا آمن بنبوة رسول الله - ﷺ - إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، وكان هو بين ظهراني الكفار ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله - ﷺ - أن يصلي عليه إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، قلنا: أبو جنيفة لا يقول بهذا؛ لأنه قال: لو غرق واحد في البحر لا يصلى عليه أصلًا، ولأن النجاشي كان ملك الحبشة ويستحيل أن يسلم هو ولا يوافقه أحد على دينه يصلى عليه إذا مات، وذهب أبو سليمان الخطابي ﵀ إلى هذا التأويل وقال: إذا مات الآن مسلم ببلد، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق، فالسنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، وإن علم أنه قد صلى عليه لم يصل عليه من كان غائبا عنه وهذا عندي حسن [٣٣٧ ب/٣].
فرع
لو كان الميت في طرف البلد لم تجز الصلاة عليه حتى يحضره، وكذلمك إن كان في أحد جانبي البلد لم تجز حتى يحضره، لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهما كالقولين في حواز تقديم المأموم على الإمام قالوا: وهكذا لو كانت الجنازة موضوعة فصلى أمامها وهي خلفه، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غير مشهور.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى على أموات غائبين عن بلده وكان أقرباؤه غابوا عن البلد وماتوا ولا يعرف عددهم، فصلى عليهم دفعة واحدة جاز؛ لأنهم صاروا كالمتعينين بسمة القرابة، وهكذا لو
[ ٢ / ٥٨٣ ]
صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في بلده كذا دفعة واحدة ولا نعرف عددهم جاز أيضًا، لأنهم صاروا كالمعنيين بالإضافة إلى ذلك البلد، ذكره والدي ﵀.
فَرْعٌ آخرُ
هل تصج الصلاة على الجنازة في حال حملها قبل أن توضع؟ فيه وجهان، ولو افتتح وهي موضوعة بين يديه فرجعت هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا تبطل لأن حكم الاستدامة أضعف، والثاني: تبطل لأنه لا يجوز الافتتاح في هذه الحالة.