قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد. . . الخبر.
وهذا كما قال: الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وذلك مستقيم متواتر يعلمه كل أحد، وكانت العرب قبل الإسلام تسميه العروبة، ثم سميت يوم الجمعة. قال الشاعر:
نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أورادًا بأوراد
وصلاة الجمعة فرض على الأعيان، وغلط بعض أصحابنا فقال فيه: قول آخر إنها من فرائض الكفايات؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: [٨٢ أ/ ٣] ومن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين، وصلاة العيد هي من فرائض الكفايات.
وقد قال في "القديم": إذا صلى الظهر يوم الجمعة بعد الزوال قبل الإمام فقد أساء، ولا إعادة عليه وهذا لا يجوز اعتقاده ولا حكايته عن الشافعي، وأراد بما قال في العيد: من وجب عليه الجمعة حتمًا وجب عليه العيد اختيارًا. وقد قال أصحابنا: من نسب هذا إلى الشافعي عذر، وذكر الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀ في "معالم السنن": أن الشافعي علق القول فيه، وقال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفاية وهذا غريب، والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
قيل: أراد بالذكر الصلاة، وقيل: أراد الخطبة وفيه ثلاثة أدلة:
أحدها: أنه إذا أمر بالسعي والأمر على الوجوب ولا يجب السعي إلا لما هو واجب.
والثاني: أنه نهى عن البيع فيه والنهي يقتضي التحريم ولا ينهى عن المباح إلا لفعل واجب.
والثالث: [٨٢ ب/٣] أنه وبخ على ترك الجمعة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. ولا يوبخ إلا على ترك الواجب والمراد بالسعي المضي والذهاب لا الإسراع في المشي والفعل يسمى سعيًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ
[ ٢ / ٣٥١ ]
للْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]
وروي عن عمررضي اثه عنه أنه كان يقرأ ﴿فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فدل على ما قلناه.
وأما السنة: فما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة". وروى أبو الزبير عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضًا أو مسافرًا أو امرأة أو صبيًا أو مملوكًا، وروى ابن عمر وابن عباس ﵃ أن النبي - ﷺ - قال: " لينتهي أقوام عن تركهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". وروى طارق بن شهاب أن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة [٨٣ أ/ ٣] أو صبي أو مريض".
وقيل: إن طارق هذا لقي النبي - ﷺ - ولم يسمع منه. وروى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - خطب في جمعة من الجمع فقال: "أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وأصلحوا فيما بينكم وبين ربكم بكثرة الدعاء والصدقة في العلانية والسر، تؤجروا وتنصروا، واعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد وفاتي استخفافًا بها أو جحودًا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا بر له، إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في وجوبها.
وأما في فضل يوم الجمعة، ورد الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣]، وقال النبي - ﷺ -: "الشاهد يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة"، وقيل: يوم القيامة.
وأما السنة فيما روى أبو هريرة رضي الله [٨٣ ب/ ٣] عنه أن النبي - ﷺ - قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تاب الله عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مُسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادقها مسلم، وهو
[ ٢ / ٣٥٢ ]
يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه" وقوله مسيخة أي: مصغية مستمعة، وقيل: إن أصحاب وسول الله - ﷺ - اجتمعوا وتذاكروا هذه الساعة فأجمعوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس. ومعنى يصلي أي: ينتظر الصلاة، فإن المنتظر للصلاة كالمصلي، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: من بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، وقال الحسن: هي عنا زوال الشمس في وقت الصلاة، وقال كعب: لو قسم إنسان جمعة في جمع، أي: على وقت تلك الساعة يريد أنه يدعو في كل جمعة في ساعة ساعة حتى يأتي على جميع اليوم. وروي أن النبي - ﷺ - قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد [٨٤ أ/ ٣] أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي هدانا الله له وضلت عنه اليهود والنصارى فاليوم لنا ولليهود غد وللنصارى بعد".
مسألة: قال: وتجب الجمعة على أهي المصر وإن كثر أهله.
وهذا كما قال: فرض الجمعة يتعلق بثمان شرائط:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والصحة، والاستيطان في بلد مجتمع البناء والمنازل، والعدد، وهو أربعون رجلًا فصاعدًا.
ومن أصحابنا من لم يذكر الإسلامء وهذا الاختلاف في أن الكفار مخاطبون بالشرائع أم لا؟
وثلاث من هذه الشرائط لا تختص بها الجمعة وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام وما عداها فإنها تختص بالجمعة، ثم ثلاث شرائط. منها شرط في الوجوب والجواز، وهي العقل والإسلام والعدد، والباقي شرط في الوجوب دون الجواز.
والناس في الجمعة على أربعة أضرب: من تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وهو من وجد فيه الشرائط السبع، ومن لا تجب عليه الجمعة ولا تنعقد به وهو الصبي والعبد والمرأة والمسافر، ولا يدخل المسافر والمجنون في هذا القسم، لأنه لا يصح [٨٤ ب/ ٣] منهما فعل الصلاة فلا معنى، لأن يقال: لا تجب عليه لا تنعقد به، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض إذا حمل على نفسه وحضر الجامع، أو حضر عنده جماعة فصلوا الجمعة، وهذه الصورة أولى لأنه إذا حضرها تعين عليه الوجوب فكأنها تجب عليه وتنعقد به. ومن اختلف القول فيه في الانعقاد دون الوجوب وهم التجار الذين يقصدون بلدًا يقيمون فيه السنة والسنتين بنية العود إذا فرغوا حاجتهم، وطلبة العلم من الغرباء.
قال ابن أبي هريرة ﵀: يجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم وهو ظاهر قوله في
[ ٢ / ٣٥٣ ]
"الأم ": لأنه تلزمهم الجمعة فتنعقد بهم كالمستوطنين. وقال ابو إسحاق ﵀: لا تنعقد بهم: لأن النبي - ﷺ - حضر بعرفة فوافق الجمعة فلم يجمع لأهل مكة، وكانوا مقيمين غير مستوطنين، فعلى قول أبي إسحاق الناس على أربعة أضرب، وعلى قول ابن أبي هريرة: الناس على ثلاثة أضرب.
وحكي أن الشافعي، ومحمد بن الحسن اجتمعا عند الرشيد ﵏ فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن صلاة رسول الله - ﷺ - بعرفة [٨٥ أ/ ٣] هل كانت جمعة أو ظهرا؟ فقال: جمعة، لأنه خطب قبل الصلاة، ثم سأل الشافعي، فقال: كانت ظهرًا لأنه أسر بالقراءة، فقال الرشيد: صدقت. ويروي هذه الحكاية أيضًا عن مالك وأبي يوسف فإذا ثبت هذا فالناس في وجوب الجمعة على ضربين:
ضرب في البلد والمصر، وهو من أهل الجمعة فتجب عليه الجمعة سواء سمع النداء أو لم يسمع؛ لأنه ما من موضع من البلد إلا وهو محل النداء. وأما علة الشافعي ﵀؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع، يريد به أن الله تعالى وإن علق وجوبها بسماع النداء في الآية فليس السماع في أهل المصر شرطًا في الوجوب، وإنما الخلاف في الخارج من المصر، واستنكر الإمام القفال هذا العطف الذي في المختصر حيث قال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمع أكثرهم النداء؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع وعلى من كان خارجًا من المصر إذا سمع النداء، وقال: كيف يجوز التعليل لوجوب الجمعة على أهل المصر بوجوبها على من كان خارج المصر، والمصر أصل والسواد تبع، والجواب عن هذا [٨٥ ب/ ٣] أن هذا الكلام هو عطف على المسألة الأولى لا على المسألة وتقدير الكلام أن يقال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمح أكثرهم النداء: لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع سمعوا أذانا أو لم يسمعوا، ثم استأنف الكلام، فقال: وعلى من كان خارجًا من المصر، يعني: تجب الجمعة إذا سمع النداء وهذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني للشيخ القفال رحمهما الله فرضيه واستحسنه.
وضرب يستوطن خارج المصر من أهل القرى وهم على ثلاثة أضرب:
ضرب يلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم بأنفسهم، وهو أن يكونوا أربعين رجلًا على الشرائط التي ذكرناها، وهم مستوطنين في قرية مجتمعة البناء والمنازل لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفًا فيقيمون الجمعة في موضعهم سواء كان قريبًا من المصر أو بعيدًا، فإن تركوا إقامتها في موضعهم وحضروا المصر وصلوها فيه فقد أساؤوا وأجزأتهم صلاتهم، وبه قال عمر وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق ﵃.
وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما انه: لا تجوز إقامة الجمعة في القرى أصلا وإنما تقام [٨٦ أ/ ٣] في مصر فيه إمام وقاض وسوق. واحتجوا بما روى علي بن أبي طالب
[ ٢ / ٣٥٤ ]
﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: "إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة في مسجد رسول الله - ﷺ - لجمعة جمعت بقرية يقال لها: جُواثا من قرى عبد القيس ومن قرى البحرين، ولأنه بناء استوطنه أربعون رجلًا من أهل الجمعة فيجب عليهم إقامة الجمعة كالمصر. وأما الخبر الذي ذكره قلنا: رواية الأعمش، عن سعيد المقبري، عن علي، والأعمش لم يكن سعيد وعلي ﵁ لم يرفعه إلى رسول الله - ﷺ - وقد روي عن عمر ﵁ خلافه، وروي أن أبا هريرة ﵁ كتب يسأله عن الجمعة بالبحرين"، وكان عامله عليها فكتب إليها عمر ﵁ أن جمعوا حيث كنتم، ثم نحمله على أنه أراد أنها لا تقام خارج المصر ولكن يقيمها فيه.
والضرب الثاني: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ويلزمهم [٨٦ ب /٣] حضور المصر لأجلها، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر.
والثالث: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ولا يلزمهم حضورها في المصر، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر، وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والليث، إلا أن مالكًا والليث قدرًا ذلك ثلاثة أميال، وقال أحمد: فرسخ وهو لقولهما وعندنا لا تتقرر المسافة.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا تجب الجمعة على من كان خارج المصر بحال، وقال ربيعة: تجب على من كان في أربعة أميال، وقال الزهري: ستة أميال، وقال الأوزاعي: إن كانوا إذا صلوا الجمعة أسكنهم أن يأووا بالليل إلى منازلهم تلزمهم الجمعة وإلا فلا، وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وأنس ﵃ وهو مذهب أبي ثور.
وقال عطاء: تجب على من كان على عشرة أميال وهو قريب من هذا. واحتج أبو حنيفة ﵀ بما روي عن عثمان ﵁ أنه وافق يوم الجمعة يوم العيد، فقال: لأهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف [٨٧ أ/ ٣] فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم. وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على من سمع النداء"، ولأن ما قالوه خلاف إجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على قولين.
فمنهم من اعتبر سماع النداء، ومنهم من اعتبر أن تمكنه البيتوتة عند أهله فلا يجوز إحداث قول ثالث، وأما خبر عثمان لم يذكره أحد من أصحاب الحديث فلا يثبت، ثم نحمله على أنه أراد فلينصرف ويعود. فإذا تقرر هذا فصفة سماع النداء: قال أبو إسحاق ﵀ يعتبر سماع النداء من آخر البلد لا من المسجد، فينادي رجل
[ ٢ / ٣٥٥ ]
على طرف البلد من الجانب الذي يلي هذه القرية، ويكون المنادي صبيًا والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وكان من ليس بأصم مستمعًا، يعني مصغيًا غير لاه ولا ساهٍ ولا يشترط نفس السماع بل إمكان السماع بدليل الأصم، ولا يعتبر أن يكون المؤذن على سور البلد أو على منارة ليعلو على البناء، لأن الارتفاع لا حد له.
وقال القاضي الطبري: وسمعت بعض شيوخنا يقول: إلا بطبرستان فإنها مبنية بين غياض [٨٧ ب/ ٣] وأشجار تمنع من بلوغ الصوت فيعتبر أن يصعد على بناء أو منارة بعلو الأشجار التي حواليه، لأن ذلك عارض بمنع السماع فيعتبر زواله.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يعتبر أن يكون على موضع عال قد جرت العادة بمثله للأذان من المنارة وغيرها ولم يفصلوا هكذا وذلك أصح. وقال أبو يعقوب الأبيوردي: هل يعتبر النداء في وسط البلد أم في طرفه؟ وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يعتبر في الوسط لأن النداء في الغالب يقع في الجامع وهذا خلافه ظاهر المذهبه.
فرع
لو كانت قرية على قمة جبل وأخرى دونها على وجه الأرض والنداء يبلغ القرية إلى أعلى قلة الجبل، ولا يبلغ التي على وجه الأرض لا تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن أهل القرية التي على قمة الجبل إنما يسمع النداء للعارض وهو ارتفاع موضعها، وإنما يعتبر سماع النداء مع زوال العارض ألا ترى أنا نراعي سكون الرياح وهدوء الأصوات، فكذلك نراعي أن لا تكون القرية على قمة الجبل، لأن بلوغ النداء إليها لارتفاعها لا لأجل ما بينهما من القرب، وعلى هذا إذا كانت قريتان إحداهما [٨٨ أ/ ٣] على وجه الأرض يبلغها النداء والأخرى دونها في وهدة لا يبلغها النداء تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن النداء لا يبلغ أهل القرية التي في الوهدة لعارض وهو انخفاض موضعها هكذا ذكره القاضي الطبري، وهو الأشبه بكلام الشافعي ومذهبه.
وقال أبو حامد: بالعكس من هذا فقال: لا جمعة على أهل الوهدة، لأن النادر يلحق بالغالب السائر ممن لا يسمع لبعده، ويجب على من كان على قمة الجبل؛ لأنه وإن كان نادرًا في السماع يلحق بالغالب ممن يسمع لقربه من البلد وسمعت بعض أصحابنا قال: فيه وجهان.
فرع
قال الشافعي ﵀: فإن لم تكن بيوتها مجتمعة فليسيروا أهل قرية لا يجمعون بل يتمون، ولو كانت قرية كما وصفنا فتهدمت منازلها أو بعضها وبقي في الباقي أربعون رجلًا وأهلها لازمون لها ليصلحوها جمَّعوا، سواء كانوا في مطال أو غير مطال، ولو كانت بيوتها مجتمعة ولكنهم أهل خيام فليسوا من أهل الجمعة، لأن بيتهم يتنقل معهم كالمتاع والوطن لا يكون إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الأبنية ثابتة ويكون البناء من آجر [٨٨ ب / ٣] وجص أو حجر أو طين أو خشبة أو جريد ونحو ذلك.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الثاني: أن تكون البيوت مجتمعة على صفة متى انفصل أحد من أهلها مسافرًا كان له القصر إذا فارق البناء، وقال في البويطي: لو كانت بيوتهم خيامًا يستوطنونها ولا يرتحلون عنها شتاءًا، ولا صيفًا بحال فهي كالبناء سواء وعليهم الجمعة فحصل قولان:
أحدهما: لا تجب لعدم البناء.
والثاني: يجب للمقام والاستيطان.
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الصلوات إلا أن فيها خطبة، فمتى كان إمام وخطيب أقيمت الجمعة، وروي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجتمعون فلا يعيب عليهم. واحتج أبو ثور ﵀ أن عمر ﵁ كتبه إلى أبي هريرة أن جمعوا حيث كنتم، وهذا غلط؛ لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم ينقل أن النبي - ﷺ - أمرهم بإقامة الجمعة ولا أقاموها، ولو كان ذلك لنقل، ولأنه لم يجمع بعرفة وقد وقف بها يوم الجمعة، ولهذا قال عمر ﵁: إن قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] نزل في يوم عرفة وكان يوم الجمعة، وأما خبر [٨٩ أ/ ٣] عمر ﵁ محمول على البلد أو دار الإقامة. فإذا ثبت أنه لا يجب عليهم إقامة الجمعة بأنفسهم فإن كانوا يسمعون النداء من بلد أو قرية لزمهم أن يأتوها فيصلون معهم وإلا فلا.
فَرْعٌ آخرُ
الشرط في الجمعة في القرية أن تكون مجمعة الدور، فإذا تفرقت منازلهم، فإن كانت متقاربة فإنه يجب عليهم الجمعة، وحد القريب: هو أن يكون بين منزل ومنزل دون ثلاثمائة ذراع، وقيل: يعتبر بتجويز القصر عند إرادة السفر، فإن كان البعد بين المنزلين قدر إذا خرج هن منزله بقصد السفر يشترط أن يتجاوزه في استباحة القصر فهو في حد القرب، وإن كان لا يشترط أن يتجاوزه فهو خارج عن حد القرب.
فرع
لو خرج أهل المصر من المصر لا تجوز للإمام أن يصلي بهم الجمعة هناك. نص عليه في "الأم ". وقال أبو حنيفة ﵀: تجوز إذا كان قريبًا منه نحو الموضع الذي حصل وصلى لصلاة العيد. وهذا غلط؛ لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه، فلم يجز لهم إقامة الجمعة [٨٩ ب / ٣] فيه كالبعيد.
فَرْعٌ آخرُ
لو خرج قوم من البلد فنزلوا بقعة استوطنوها لإنشاء قرية في بقعة يسكنوها لم يكن المكان وطنًا حتى يحدثوا في البقعة بناء.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فرع
لو كانت قرية بقرب بلد يسمع النداء من البلد وكانوا أربعين، وقد قل أهل البلل ونقصوا عن أربعين فعليهم الجمعة بأهل القرية فيلزمهم الخروج إلى القرية لإقامة الجمعة بها.
فرع
لو كان أهل البلد أقل من أربعين من أهل الجمعة، ثم أتموا أربعين أهل الجمعة، مثل أن ينزل بهم مسافرون فتموا أربعين لم يجز لهم إقامتها، وكذلك لو انجلى أهله ونزل فيهم مسافرون فكذلك لا يقيمون الجمعة بل يصلونها ظهرا أربعًا، ثم اعلم أن المزني ﵀ نقل فقال: احتج الشافعي في اشتراط عدد الأربعين بما لا يثبته أهل الحديث أن النبي - ﷺ - "حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلًا"، وهذا ليس مما اعتمد الشافعي رحمة الله عليه في هذه المسألة كما أوهم المزني، ولكن في المسألة آثار سوى ذلك، وهو ما روي عن ابن عباس ﵁ في خبر جوابًا، قيل له: كم كنتم؟ [٩٠ أ/ ٣] قال: كنا أربعين رجلًا، واستأنس بما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو من فقهاء التابعين أنه قال: كل قرية فيها أربعون رجلًا فعليهم الجمعة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كتب إلى أهل المياه بمثل ذلك، وقيل: هذا الخبر لا يثبته أهل الحديث، ولكن ثبت عند الشافعي ﵀، وقيل: غلط المزني على الشافعي هاهنا وغلط أصحابنا على المزني، فأما غلط المزني قوله: واحتج الشافعي بما لا يثبته أهل الحديث، وهذا حديث ضعيف ذكره الشافعي في "الأم". ولكنه لم يحتج به، وإنما احتج بحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: "كنت قائد أبي بعد ذهاب بصره، فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة قال: رحم االله أبا أمامة أسعد بن زرارة فقلت: يا أبت إنك تترحم على أبي أمامة إذا سمعت النداء، فقال: نعم، لأنه أول من صلى بنا الجمعة في حرم البيت من جرة بني بياضة في نقيع، فقال له: نقيع الخصمات، فقلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا أربعين رجلًا. [٩٠ ب /٣] والنقيع: هو بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء أنبت الكلأ وفيه حديث عمر ﵁ أنه حمى النقيع بالنون، وقد تصحف بعض أصحاب الحديث فيروونه البقيع بالباء. والبقيع هو موضع القبور، وجرة بني بياضة هي على ميل من المدينة، ووجه دليل الشافعي رحمة الله عليه أنهم أخروا إقامة الجمعة إلى أن بلغوا أربعين، فإن مصعب بن عمير ﵁ كان ورد المدينة بمدة طويلة، وكان في المسلمين قلة قبل أسعد بن زرارة، ولأن هذه الجمعة كانت أول جمعة ما تنزع من الجمعات، فكان جميع أوصافها معتبرًا فيها؛ لأن ذلك بيان لمجمل
[ ٢ / ٣٥٨ ]
واجب وبيان المجمل الواجب واجب.
وأما غلط أصحابنا على المزني أنهم ظنوا أنه أراد بالحديث الضعيف حديث محمد بن إسحاق؛ لأن محمدًا كان ضعيفًا طعن فيه مالك فقالوا: الحديث صحيح، وإن كان محمد بن إسحاق ضعيفًا؛ لأن أبا داود وأحمد بن حنبل أثبتاه ونقلاه، وقد روي هذا الخبر من جهة عبد الرزاق فلم يكن ضعف محمد بن إسحاق قادمًا في تضعيف صحته. وهذا غلط على المزني، فإن المزني، لم يقل ذلك هكذا [٩١ أ/ ٣].
فإذا تقرر فعندنا الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين على الشرائط التي ذكرناها، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومالك وأحمد وإسحاق إلا أن عمر بن عبد العزيز اشترط أن يكون فيها والٍ، وعندنا لا يشترط ذلك والمنصوص أن الإمام أحدهم. ومن أصحابنا من قال: يعتبر أربعون سوى الإمام، وبه قال ابن أبي هريرة، وقد قال جابر ﵁: قضت السنة أن في كل ثلاثة إمامًا وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا.
وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة أحدهم: الإمام لأن هذا عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، وبه قال الثوري، ومحمد، وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام وذكر ابن أبي أحمد في "المصباح ": أنه قول الشافعي في "القديم" ولم ينقله غيره. وحكي عن الأوزاعي أنها تنعقد بثلاث إذا كان فيهم الوالي، وقال أبو ثور تنعقد باثنين؛ لأنه تنعقد بهما الجماعة، وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلًا واحتج بما روي أن النبي - ﷺ - كتب إلى مصعب بن عمير [٩١ ب/ ٣] قبل الهجرة وكان مصعب بالمدينة فأمره "أن يصلي الجمعة بعد الزوال ركعتين وأن يخطب قبلهما" فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثنتي عثر رجلا، وهذا غلط لما ذكرناه. وأما خبرهم فقد قال أبو إسحاق في الشرح: إنهم كانوا أربعين فتعارضت الروايات، أو يجوز أنه كان بغير علم النبي - ﷺ -. قول أبي حنيفة ﵀ أنه يزيد على أقل الجمع المطلق لا معنى له، لأن الثلاثة والأربعة وما دونها في الجماعة سوا، لأن الاثنين يكونان، صفًا خلف الإمام كالثلاثة، وأما قول أبي ثور ﵀ خطأ، لأن الجماعة هي شرط الجمعة، وهي مردودة من أربع إلى ركعتين بشرائطها فلا يعتبر بغيرها والله أعلم.
مسألة: قال: فإن خطب بهم وهم أربعون ثم انفضوا عنه.
الفصل
وهذا كما قال لا يجوز أن يخطب للجمعة إلا بحضرة من تنعقد بهم الجمعة، وهم أربعون رجلًا على ما بيناه والخطيب أحدهم.
وقال أبو حنيفة ﵀ في إحدى الروايتين: يجوز أن يخطب وحده قياسًا على الأذان وهذا غلط؛ لأنه ذكر هو شرط في صحة [٩٢ أ/ ٣] الجمعة فكان
[ ٢ / ٣٥٩ ]
من شرطه حصول العدد كتكبيرة الافتتاح. وأما الأذان فإنه يراد للإعلام والإعلام للغائبين، والخطبة من الخطاب وذلك لا يكون إلا للحاضرين، وإنما يجب أن يحضروا في الواجب منها فإذا تقرر هذا، فلو ابتدأ الخطبة بحضرة الأربعين، ثم انفضوا حتى لم يبق عنده إلا أقل من أربعين، فإن كان قبل الفراغ من الخطبة نظر، فإن أمسك عن الخطبة حتى رجعوا وكان قريبًا بنى على ما مضى من الخطبة، والفصل اليسير لا يقطر الخطبة، وإن تباعد ذلك لا يجوز أن يبني على ما مضى من الخطبة، لأنها بمنزلة الصلاة الواحدةء ويلزمه أن يستأنف الخطبة ويصلي بهم الجمعة، وإن أكمل الخطبة في حال غيبتهم، أو أتى ببعض واجباتها لم يحتسب به، والمرجع في التباعد والتقارب إلى العرف والعادة كما قلنا فيمن سلم ناسيًا في أثناء الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تطاول الفصل هل له البناء على الخطبة؟ قولان وهذا ضعيف، وإن كان ذلك بعد الفراغ من الخطبة، فإن رجعوا قريبًا صلى بهم الجمعة ولا يضر ما وقع بينهما [٩٢ ب / ٣] من الفصل اليسير، وإن تباعا رجوعهم نقل المزني ﵀ هاهنا أن الشافعي رحمه انه قال: أحببت أن يبتدئ بهم الخطبة، فإن لم يفعل صلى بهم ظهرًا أربعًا.
واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: قال ابن سريج ﵀: هذا غلط وقع في النقل وإنما هو أوجب أن يبتدئ الخطبةء لأن الخطبة الأولى قد بطلت، لأن من شرط الخطبة أن تقع الجمعة عقيبها وقوله: فإن لم يفعل صلى بهم ظهرًا أربعًا معناه فإن لم يبتدئ، الخطبة حتى فات وقت الجمعة ملى بهم الظهر، وهذا اختيار القفال ﵀، وهذا لأن الوقت إذا كان يتسع للخطبة والصلاة وهو ممن يجب عليهم الجمعة والخطبة الأولى بطلت بتطاول الفصل، يجب إقامتها واستئنافها وقيل النقل صحيح. والمراد بقوله: أحببت أي أوجبت، ويعبر عن الوجوب بالاستحباب كما يعبر عن المحرم بالمكروه؛ لأن كل واجب مستحب وكل محرم مكروه. وقال صاحب "الإفصاح ": لا يجب إعادة الخطبة؛ لأن فرضها قد أقامه فلا يجوز أن يوجب مرة أخرى، لأنا لا نأمن أن يقع في القضاء مثل ما وقع في الأداء من [٩٣ أ/ ٣] الانفضاض، ولا يجوز أن يقال يصلي الجمعة بالخطبة الأولى مع تباعد الفصل بينهما فقلنا: المستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي الجمعة، وإن لم يفعل ذلك لم يجب عليه وصلى بهم الظهر، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا.
وفي "الأم": وقال أبو إسحاق ﵀: فساد الخطبة بتطاول الفصل ليس بالبين فالمستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي بهم الجمعة فرضًا، فإن لم يبتدئ الخطبة، وصلى الجمعة بالخطبة الأولى أجزأتهم. وقال: وإن لم يصل الجمعة وصلى بهم الظهر
[ ٢ / ٣٦٠ ]
أجزأتهم أيضًا، لأن مذهب الشافعي أن جميعهم إذا صلوا الظهر وتركوا فرض الجمعة أجزأتهم وان أساؤوا، وإنما لا يصح الظهر لمن تخلف عن جمعة قد كملت بأوصافها وهذا هو اختيار أبي حامد رحمه الل.
وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه لا فرق بين أن ينفضوا في أثنا، الخطبة أو بعد الفراغ منها قبل الإحرام بالصلاة في هذه الطرق، وليس كذلك بل بينهما فصل؟ لأن الخطبة هي كالصلاة الواحدة فلا يحتمل الفصل الطويل قولًا واحدًا والخطبة مع الصلاة كالصلاتين [٩٣ ب/ ٣] والعبادتين فيحتمل الفصل الطويل على وجه.
مسألة: قال: وإن انفضوا بعد إحرامه بهم ففيها قولان.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام بأربعين رجلًا فصاعدًا، ثم انفضوا حتى بقي معه أقل من أربعين نص الشافعي في "الأم" على قولين:
أحدهما: لا تجزيهم الجمعة بحال، وهو الأظهر وبه قال زفر، وأحمد رحمهما الله؛ لأن العدد شرط يختص بالجمعة فإذا كان شرطًا في الابتداء وجب أن يكون شرطًا في الاستدامة.
والثاني: إن بقي معه اثنان حتى تكون صلاته صلاة جماعة تامة أجزأته، وهو قول أبي يوسف، لأنه أول الجمع المطلق وزاد في "الكبير"، فقال: لو كان أحد الاثنين عبدًا أو مسافرًا لم تجز جمعته. وقال في "القديم": إن بقي معه واحد جازت جمعته وبه قال الحسن البصري لأن الناس لما اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة لم يحكم بانعقادها إلا بالعدد المتفق وهو الأربعون، ثم إذا حكمنا بانعقادها لم يجز الحكم ببطلانها حتى يبقى ما لا تنعقد به الجمعة بالاتفاق، وهو أن يبقى فحصل ثلاثة أقوال. وحكى المزني ﵀ [٩٤ أ/ ٣) قولين آخرين في "الجامع الكبير".
أحدهما: قال سألت الشافعي عن إمام أحدث بعد أن أحرم يوم الجمعة فقال يبنون على صلاتهم ركعتين فرادى، لأنهم دخلوا منه في صلاته، قال المزني ﵀: فكذلك إذا انفضوا عنه وبقي وحده فإنه يجوز له أن يصلي الجمعة؛ لأنه دخل معهم في الصلاة، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من خطأ المزني قال: وإنما قال الشافعي ﵀ ذلك في "القديم " حيث لا نقول بجواز الاستخلاف فلما منع المأمومين من نصب الإمام لأنفسهم بقاءهم على حكم الجماعة وجعل لهم أن يتموا فرادى وليس كذلك الإمام إذا انفضوا عنه فليس بتابع للمأمومين، فلم يجز أن يبقيه على حكم الجماعة بعد انفضاضهم، ومن أصحابنا من صوبه فيه. وحكي هذا عن أبي يوسف ومحمد، ووجهه أن الشيء قد يكون شرطًا في الابتداء دون الاستدامة كالنية في الصلاة والشهود في النكاح.
[ ٢ / ٣٦١ ]
والقول الثاني: الذي خرجه المزني فقال: إن كان صلى بهم ركعة، ثم انفضوا صلى أخرى منفردًا، وإن لم يصل ركعة صلى أربعًا، واختار [٩٤ ب/ ٣] لنفسه هذا، وبه قال مالك ﵀. وقال أبو حنيفة ﵀ مثله إلا أنه قال: يكفي أن يقيدها بسجدة واحدة، واحتجوا بقوله - ﷺ -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى"، وأيضًا في المسبوق يفرق بين أن يكون قد أدرك ركعة أو لا كذلك هاهنا. واحتج المزني بأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو صلى بهم ركعة ثم سبقه الحدث فانصرف ولم يستخلف من يصلي بهم أتموا لأنفسهم جمعة، فإذا جاز أن ينفردوا عن إمامهم بإتمامها إذا انصرف عنهم، جاز أن ينفرد هو بإتمامها إذا انصرفوا عنه. وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما بنيا على أصلهما أن المسبوق إذا أدرك جزءًا من الجمعة أتمها جمعة كذلك الإمام، وأجاب أصحابنا فقالوا: أما الخبر فنحمله على المسبوق، والفرق بين المسبوق وغيره هو أن المسبوق قد أدرك ركعة من جمعة قد صحت، وتمت شرائطها فجاز أن يبني عليها، وهذه الصلاة لم تتم بشرائطها فلم يبن عليها. وأما ما ذكر المزني قلنا: إن الشافعي لم يعتبر في هذه المسألة الركعة بل جوز البناء، وان بقي وحده، وهذا هو قوله [٩٥ أ/ ٣] "القديم" ثم المأموم تبع الإمام فجاز إذا أدى معه ركعة أن يؤدي الأخرى على متابعته، والإمام لا يتبع القوم، فإذا انفض العدد قبل الفراغ لم يجز، لأنه ليس في عدد كامل ولا تبع لعدد كامل. وأما ما ذكر أبو يوسف ﵀: لا نسلم فحصل من هذا طريقان: إحداهما: في المسألة ثلاثة أقوال، والثانية: فيها خمسة أقاويل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الترتيب أن يقال بقاء الأربعين هل هو شرط؟ قولان: فإن قلنا: شرط فما تلك الجماعة ثلاثة وهي الجماعة المطلقة أو اثنان وهو أقل الجمع قولان.
فرع
لو افتتح الصلاة بأربعين سمعوا الخطبة فجاء آخرون، واقتدوا به، ثم انفض الأولون فصلاتهم جمعة جائزة، لأنهم لما اقتدوا بالإمام التحقوا بمن سمع الخطبة، فصار كما لو كانوا ثمانين فانفض أربعون.
فرع
لو انفض الذين سمعوا الخطبة قبل افتتاح الصلاة، وجاء أربعون آخرون فافتتح بهم لا تجوز الجمعة، وكذلك لو ذهب واحد من الأربعين الذين سمعوا الخطبة، وجاء عشرون مكانه فإن قيل: لو افتتح بالسامعين، ثم انفضوا ثم جاء آخرون، يعني: قدر الأربعين واقتدوا به [٩٥ ب/ ٣] هل يجوز أم لا؟ قلنا: لا يجوز، فإن قيل: قد قال الشافعي ﵀ في صلاة الخوف بخطبة: ويصلي بطائفة ركعة من الجمعة، ثم يتمون لأنفسهم، ثم يأتي بالطائفة الثانية فيتم. قلنا: صورة ذلك أنه خطب بهم كلهم أو صورته أنهم جاؤوا،
[ ٢ / ٣٦٢ ]
واقتدوا به، ثم أتم الأولون وانصرفوا إلى وجاه العدو. ذكره القفال.
مسألة الزحام: قال: ولو ركع مع الإمام ثم زحم فلم يقدر على السجود حتى قضى الإمام سجوده.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام فقرأ وركع ورفع، فلما سجد الإمام في هذه الركعة زحم المأموم عن السجود فلم يمكنه السجود على الأرض، وأمكنه السجود على ظهر إنسان لم يجز له تركه إلا لعذر نص عليه في "الأم". وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
ومن أصحابنا من قال فيه قول أخر: قاله في "القديم" هو بالخيار إن شاء سجد على ظهره، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام، ثم يسجد على الأرض، لأنه قد تقابلت هاهنا فضيلتان فضيلة التابعة إذا سجد في الحال على ظهر إنسان، وفضيلة السجود على الأرض كاملًا فيتخير [٩٦ أ/ ٣] بين الفضيلتين، وهذا قول الحسن ﵀، وقال مالك ﵀: لا يجوز أن يسجد إلا على الأرض ويؤخره حتى يقدر عليه، وبه قال عطا، والزهري رحمهما الله لقوله - ﷺ -: "تمكن جبهتك من الأرض" وهذا غلط، لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه "، ولا يعرف له مخالف. وروي عن زياد بن جابر أن رجلًا أتى عمر ﵁ فقال: "إنا نروح يوم الجمعة، فلا يدري أحدنا أين يضع جبهته؟ قال: ضع جبهتك حيث أدركت، وعلى ظهر أخيك، فإن أخاك ليس بنجس"، ولأن المريض إذا عجز عن السجود على الأرض يسجد على حسب حاله ولا يؤخر، وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض كذلك هاهنا وخبرهم محمول على حالة القدرة؛ ولأن أكثر ما فيه أن موضع سجوده هو أولى من موضع وقوفه، وهذا لا يضر كما لو كان في موضع منهبط من الأرض وسجد على دكة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان ظهره منخفضا بحيث يكون سجوده أخفض من ركوع القاعد حتى يشبه هذا الساجد [٩٦ ب/ ٣] الساجدين، فأما إذا كان الظهر مرتفعًا حتى يخرج هذا الساجد عن صورة الساجدين لا يجوز وهذا غير صحيح: لأنه لا يعتبر ذلك لأجل الضرورة وعليه يدل كلام الشافعي ﵀، فإذا تقرر هذا فإن ترك السجود على الظهر ونوى الخروج من الصلاة هل تبطل صلاته على ما سنبين، وإن لم ينو مفارقة الإمام والخروج من صلاته بطلت صلاته قولا واحدًا، وإن لم يقدر على السجود بحالٍ حتى سجد الإمام وقام في الركعة الثانية ثم زالت الزحمة، فإن أدرك الإمام قائمًا فإنه يشتغل بقضاء ما قاته من السجود قولًا واحدًا ويجوز، لأن النبي - ﷺ -
[ ٢ / ٣٦٣ ]
أجاز هذا في صلاة الخوف بعسفان لتسجد الطائفة الأولى معه فإذا فرغوا من السجدتين سجد الطائفة الثانية منفردين للعذر وها هنا العذر موجود، وهذا لأن المخالفة في الركن الواحد لا يعتبر كالمسبوق إذا أدرك من صلاة الإمام ركعتين وهما الركوع والسجود وفاته ركن واحد، وهو القراءة كان مدركًا للركعة وكان ما فاته من الركن الواحد لا اعتبار به فكذلك ها هنا، وعلى هذا [٩٧ أ/ ٣] يستحب للإمام إذا علم أن خلفه من فاته السجود أن يطول القراءة حتى يقضي المأموم ما عليه لأن النبي - ﷺ - هكذا فعل في صلاة الخوف بعسفان. قال في "الأم": وكذلك من فاته السجود مع إمامه لعذر أو مرض أو سها عنه إن قدر عليه قبل أن يركع إمامه في الركعة الثانية فله أن يسجد ويلحق بإمامه، لأنه يجوز أن يكون بينهما اختلاف في ركن واحد فإذا فرغ من قضاء السجود الذي قد فاته وقام، فإن قلنا إن المأموم لا يقرأ خلف الإمام في صلاة الجهر فإنه يتبع الإمام فيما هو فيه سواء كان الإمام قائمًا أو راكعًا وإن قلنا: يلزمه أن يقرأ خلف الإمام بكل حال فيلزمه ها هنا أن يقرأ، ثم يركع معه فصار مدركًا للركعتين، وان لم يدرك مقدار ما يقرأ فيه.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يتبع الإمام في الركوع كما لو أحرم الإمام، وقد قرأ بعض الفاتحة فقبل أن يتمها ركع الإمام فإنه يتبعه في الركوع، ويتحمل عنه الإمام القراءة فكذلك هاهنا.
ومنهم من قال: لا تسقط القراءة عنه هاهنا لأنه قد مر عليه وقت القراءة ويفارق [٩٧ ب/ ٣] المسبوق؛ لأنه لم يمر عليه وقت القراءة، فعلى هذا تتم القراءة وتلحق الإمام أينما وجده، وهذا اختيار القفال والأول أصح وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: يتبع الإمام إذا قام فأمره بمتابعة الإمام إذا قضى السجود، ولأنه لم يدرك من القيام ما أمكنه أن يقرأ فيه تمام القراءة فأشبه المسبوق، فإذا ثبت إنه يتبع الإمام في الركوع فتبعه ثم سلم الإمام وسلم هو معه صار مدركا للجمعة.
وقال ابن سريج ﵀: وعلى هذا كل من أحرم خلف الإمام وأخذ في القراءة، فخاف إن كملها رفع الإمام وكان بطيء القراءة خلف إمامه فركع إمامه قبل أن يكمل هو القراءة وخاف أن يرفع قبل أن يركع معه هل يقطع القراءة ويتبعه؟ وجهان: وإن زال الزحام بعد أن ركع الإمام في الركعة الثانية، وفرغ من الركوع ورفع فإنه يتبعه في السجود قولًا واحدًا؛ لأن عليه السجود فكان متابعة الإمام فيه أولى من انفراده عنه به، ولا فرق بين أن يكون قائمًا بعد الركوع في الاعتدال أو ساجدًا.
وقال أبو حنيفة: لا يتبعه ويشتغل بقضاء ما عليه [٩٨ أ/ ٣] فإذا تبعه في السجودين حصلت له مع الإمام ركعة بسجدتيها إلا أنها ملفقة من ركعتين هل يكون مدركًا للجمعة فيه وجهان:
[ ٢ / ٣٦٤ ]
أحدهما: أنه يكون مدركًا وهو الصحيح، وبه قال أبو إسحاق لقوله - ﷺ -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى".
والثاني: أنه لا يكون مدركا للجمعة وبه قال ابن أبي هريرة، لأنها مبنية على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة، والملفقة ليست بكاملة فيصلي الظهر، وهذا لا يصح على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة لأن المسبوق يصلي من الأولى مع الإمام، والإمام يصلي الثانية ولا يمنع ذلك من الاحتساب، فكذلك هاهنا اتبعه في السجود، وان اختلفا في الاحتساب، فإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة: هل يجوز أن يبني عليها صلاة الظهر أم يستأنفها، اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن أبي هريرة: فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، وفيه قولان فإذا قلنا: هناك يجوز فهاهنا يبني على هذه الركعة ثلاث ركعات أخر، وان قلنا: بقوله إن من إن من صلى الظهر [٩٨ ب /٣] قبل فراغ الإمام من الجمعة لا يجوز فهذه الركعة باطلة فعليه أن يستأنف الظهر أربع ركعات.
ومن أصحابنا من قال: له أن يبني عليها قولًا واحدًا، لأنه معذور، والمعذور إذا صلى الظهر قبل الإمام يجوز قولًا واحدًا ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفردًا وهذا دخل مع الإمام في الجمعة فلا يلزمه إعادة ما فعل معه، وأصل هذا أن الزحام هل يجعل عذرًا؟ منهم من قال: هو بعذر كالمزمن فيبني قولا واحدًا، ومنهم من قال: ليس بعذر، لأن أعذار الجمعة أغراض مانعة، والزحام ليس منها، وإن زال الزحام بعد أن سلم الإمام.
قال في "الأم": سجد وصلى الظهر أربعًا، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، والجمعة لا تدرك إلا بكمال ركعتين بسجدتين، وقيل: هذا يبني أم يستأنف ظهرا؟ على طريقين، والمذهب أنه يبني عليها، وقد نص هاهنا صريحا فلا معنى للطريقة الأخرى، وإن زال الزحام وقد ركع الإمام في الركعة الثانية ولم يفرغ بعد هل يشتغل بعض ما عليه من السجود أم يركع؟. قال في "الأم": ركع مع الإمام ولم يكن له أن يشتغل [٩٩ أ/ ٣] بالسجود إلا أن يخرج من إمامة الإمام.
وقال في "الإملاء": فيه قولان: أحدهما: أنه لا يتبعه ولو ركع حتى يفرغ مما يقضي عليه. والثاني: إن قضى ما فاته لم يعتد به ويتبعه مما سواه فحصل فيه قولان، وجه الأول وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة: قوله - ﷺ -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" والائتمام به أن يصنع كصنعه، ولأنه زحم عن السجود فإذا قدر عليه يلزمه الاشتغال بقضاء ما عليه من السجود، كما لو زال الزحام قبل الركوع، ووجه القول الثاني، وهو قول مالك ﵀ قوله - ﷺ -: "لا تختلفوا على أئمتكم" ولأنه قال: "فإذا ركع فاركعوا" وهذا ركع ولأنه أدرك الإمام راكعا فيلزمه متابعته في الركوع، كما دخل في
[ ٢ / ٣٦٥ ]
الصلاة والإمام راكع، فإذا قلنا: يتبع فركع مع إمامه، فقد صار مواليا بين الركوعين فهل يحتسب بالركوع الأول أم بالركوع التاني؟ قال أبو إسحاق ﵀ فيه قولان: أحدهما: يحتسب له بالركوع الثاني: لأن الركوع الأول لم يعقبه السجود، وإنما السجود يعقب الركوع الثاني فكان أولى بالاحتساب به، ولأنا أمرناه [٩٩ ب / ٣] بهذا الركوع مع علمنا بالركوع الذي قبله فوجب أن يكون محسوبًا له. والثاني: يحتسب له بالركوع الأول وهذا أقيس القولين وأصحهما، لأن الأول قد صح فلا يلغو بترك ما بعده، كما لو ركع ونسي السجود وقام وقرأ وركع ثم سجد كان السجود مضافًا إلى الركوع الأول كذلك هاهنا.
وأما قول الشافعي ﵀: فيركع معه في الثانية، وسيقط الأخرى يحتمل أنه أراد وتسقط الأولى، لأنه إذا كان في ذكر الثانية فالأخرى أولى، ويحتمل أنه أراد وتسقط الثانية لأنها هي الأخرى في الحقيقة. فإذا قلنا: يحتسب بالركوع الثاني فإنه يحصل له الركعة الثانية ويلغي الركعة الأولى ويكون مدركًا للجمعة قولًا واحدًا، فإذا سلم أتى بركعة ويتشهد ويسلم. وإذا قلنا: يحتسب بالركوع الأول فقد حصلت له ركعة ملفقة، لأن القيام والقراءة والركوع يحصل من الركعة الأولى ويحصل السجود من الركعة الثانية، فهل يكون مدركا للجمعة على ما ذكرنا، فإذا تقرر هذا فإن قلنا: يركع مع الإمام ويتابعه فخالف واشتغل بالسجود فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ فإن كان جاهلًا به لا تبطل صلاته بما فعله. فإذا [١٠٠ أ/ ٣] فرغ من السجود، فإن أدرك الإمام راكعا بعد فإن كان قد طوله فإنه يركع معه، وهل يحتسب بالركوع الأول أم الثاني؟ قولان على ما بيناه، ويكون الحكم فيه كما لو تابع، ولم يخالف حرفا بحرف ويلغي ما فعله بالجهل، وإن أدركه ساجدًا يتبعه في السجود ويكون السجود المعتد به هو الباقي الذي عمله مع الإمام دون ما انفرد به، وتحصل له ملفقة، وهل يكون مدركًا للجمعة بها على ما بيناه، وإن أدركه جالسًا في التشتهد فإنه يتبعه فيه ولا يكون مدكًا للجمعة، لأنه أدرك معه أقل من ركعة، وهل يبني الظهر عليها أم يستأنف؟ على ما ذكرنا، وإن كان علم أن عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ونوى مفارقة الإمام وهو الحالة الثانية هل تبطل صلاته؟ يبنى على القولين فيمن أخرج نفسه من صلاة الإمام من غير عذر، فإن قلنا: تبطل صلاته فهاهنا تبطل أيضًا، وإن قلنا: لا تبطل فهاهنا هل تبطل؟ وجهان مبنيان على قولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة.
قال أبو إسحاق ﵀: ومن أصحابنا من قال هاهنا لا تبطل قولًا واحدًا، لأنه لما قصد بإخراج نفسه من صلاته قضى ما عليه [١٠٠ ب / ٣] من السجود، وتكميله صار في معنى المعذور، وصار بمنزلة المكبر بالظهر وهو مريض قبل صلاة الإمام، ثم صح من مرضه في صلاته فلا يفسد عليه، وإن كان مصليا في حال يصلي الإمام الجمعة. وهذا غلط؛ لأن هذا التخريج إنما يصح إذا كان جاهلًا وهو القسم الأول، وكلامنا إذا تعمد إخراج نفسه من صلاته، وهو يعلم أن عليه إتباعه فلا يشبه هذا ما أورده من
[ ٢ / ٣٦٦ ]
النظير. فإذا قلنا: إنه يجوز من الظهر، ظاهر المذهب أنه يحتاج إلى تحديا النية للظهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى تجديد النية للظهر أم يكفي الثبات على النية الأولى؟ وجهان: وهذا بناء على أن الجمعة ظهر مقصور أو فرض مبدأ وإن علم عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ولم ينو به مفارقة الإمام، وهو الحالة الثالثة تبطل صلاته قولًا واحدًا، لأنه خالفه مع اقتدائه، ومنزلته منزلة رجل أدرك الركعة الثانية مع الإمام فنسي الإمام التشهد، فقام يقعد هو يتشهد لنفسه من غير نية الخروج من صلاته، أو كمن قدم السجود على الركوع فإنه تبطل صلاته كذلك هاهنا، هذا كله إذا قلنا عليه متابعة الإمام في الركوع. فأما إذا قلنا: عليه الاشتغال بقضاء السود [١٠١ أ/ ٣] فإذا فسجد فإذا فرغ من السجود فإن أدركه راكعًا ركع معه وتبعه فيما سواه فإذا سلم الإمام سلم معه، وقد أدرك الجمعة وإن أدرك الإمام ساجدا سجد معه ولا يحتسب به، وقد حصلت له الركعة الأولى، وهل يدرك بها الجمعة؟ وجهان:
أحدهما: يدرك وهو اختيار أبي إسحاق، لأن ما يأتي به من السجود والإمام في الصلاة فكأنه أتى به مع الإمام.
والثاني: لا يكون مدركا لها، وهو قول ابن أبي هريرة، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة فعلا لأنه يسجد بعد الركوع في الركعة الأولى منفردًا بفعله غير متابع فيه لإمامه، ولكن حصلت المتابعة والإدراك حكمًا فهي ركعة ناقصة، فيكون حكمها حكم الركعة الملفقة على ما ذكرنا. هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال غيره: إذا أدركه ساجدًا هاهنا هل يتبعه أم يقضي ما عليه؟ وجهان:
أحدهما: يقضي ما عليه لأن هذا التفريع على قول القضاء، وهو الصحيح يتابعه، لأنه لم يدرك سببًا من هذه الركعة، فيتابع الإمام فيما وجده بخلاف ما إذا زحم عن السجود، في الركعة الأولى يقضي هناك السجود، لأنه أدرك شيئًا من تلك الركعة فجاز [١٠١ ب/١٠١ ب/] أن يقضي السجود ليتمها بخلاف هذا، فإذا قلنا: إنه لا يقضي فيتابع فالحكم ما ذكرنا، وإن أدركه في التشهد فالحكم فيه كما لو أدركه ساجدا على ما بيناه، وإن كان قد سلم الإمام قبل أن يكمل هو السجدتين فلا يختلف أصحابنا أنه لا يكون مدركًا للجمعة. ونص عليه في "الأم "، ويكون فرضه الظهر وهل يبني أم يستأنف؟ على ما ذكرنا من الطريقين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه يصير مدركًا للجمعة قولًا واحدًا، وهذا غلط ظاهر هذا إذا قضى ولم يخالف، فأما إذا خالف وتابع إمامه في الركوع ولم يشتغل بقضاء ما عليه، فإن كان عالما بأن فرضه السجود فتركه تبطل صلاته قولًا واحدا كمن والى بين ركوعين عامدًا تبطل صلاته، فيستأنف الإحرام ويدخل معه في الركوع حتى يدرك الجمعة وإلا فلا يكون مدركًا، وإن كان جاهلًا بذلك فظن أن عليه إتباع الإمام فركع معه لا تبطل صلاته قولًا واحدًا، ويكون الركوع الثاني مع الإمام لغوا لا يعتد به، فإذا سجد مع الإمام سجدتين انضافت السجدتان إلى الركوع وتمت له ركعة بسجدتيها
[ ٢ / ٣٦٧ ]
إلا أنها ركعة ملفقة [١٠٢ أ/ ٣] فيكون الحكم على ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا اختار المزني أحد هذين القولين فقال: الأول أشبه بقوله قياسًا على أن السجود إنما يجب له إذا جاء والإمام يصلي بإدراك الركوع، ويسقط بسقوط إدراك الركوع فاختلف أصحابنا فيما اختاره المزني من هذين القولين فمنهم من قال: أراد بالأول ما حكاه أولًا قبل حكاية "الإملاء"، وهو أنه يركع مع الإمام في الثانية، ويدع ما زحم عنه، ويدل عليه ما حكاه بعد ذلك عن الشافعي ﵀ من مسألة السهو: وهي أنه لو سها عن الركعة الأولى بعد الركوع مع الإمام، ثم ظهر له عند ركوع الإمام في الركعة الثانية، قال في "الأم": ركعها معه وقضى التي سها، وهذا لا يختلف القول فيه ويفارق هذا الزحام؛ لأن السهو أتى من جهته فكان منسوبًا إلى التفريط فيه فلم يجز له أن ينفرد عن الإمام لقضاء ما عليه.
وقال القاضي أبو حامد ﵀: يجب أن تكون مسألة السهو على قولين أيضًا كالزحام وليس كذلك، والفرق ظاهر. وعلى هذا معنى قوله قياسًا على أن السجود إنما يحسب له بإدراك الركوع [١٠٢ ب / ٣]، أي: إن هذا المزحوم قد أدرك الركوع في الثانية فوجب أن يركع معه ليحسب له السجود، ومنهم من قال: بل أراد المزني أول القولين في "الإملاء" وهو أنه لا يتبع بل يقضي بدليل قوله: قياسًا. على السجود يحسب له بإدراك الركوع، يعني هذا المزحوم قد أدرك مع الإمام الركوع من الركعة الأولى فعلى هذا معنى مسألة السهو أي: أن هذا لم يسنه عن الركعة الأولى حتى يؤمر بمتابعة الإمام فيما بقي بل كان معذورًا فيما زحم عنه عالمًا به غير ساه، فليس له تركه إذا أمكنه والله أعلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد بمسألة السجود إذا لم يكن قد ركع في الركعة الأولى، وهذا غلط لأنه نص فيما لو ركع على ما ذكرنا.
فرع
لو زحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى حتى قضى الإمام سجوده، وقام الإمام فزال الزحام فسجد فلحق الإمام في القيام، فلما ركع الإمام في الثانية، ركع معه، فلما سجد الإمام زحم المأموم عن السجود حتى قضى الإمام سجوده وتشهد، فزال الزحام، وسجد سجدتين قبل أن يسلم الإمام، فإن [أل/ ١٠٣ - ٣] هذا قد حصلت له ركعتان، وهل يدرك بهما الجمعة؟ قال أبو إسحاق: يدرك بهما الجمعة، وهو اختيار أبي حامد؛ لأن المأموم إذا تأخر سجوده عن الإمام بالعذر كان كما لو سجد معه.
وقال القاضي الطبري فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يدرك بهما الجمعة لأنه لم يأت بركعة بسجدتيها مع الإمام، وإنما أتى بالسجود في الركعتين جميعا منفردًا به، وقال أبو حامد: وكذلك لو تأخر أخر سجوده عن الإمام حتى سلم الإمام فإنه إذا
[ ٢ / ٣٦٨ ]
كان بعذر كان كما لو سجد معه وهذا صحيح.
فرع
لو زحم المأموم عن الركوع في الركعة الأولى فلم يقدر على الركوع حتى ركع الإمام ثم زال الزحام والإمام في الركوع الثاني، فإنه يتبعه في الركوع قولا واحدًا، لأن الركوع فرضه فكان متابعته به أولى، فإذا ركع معه وسجد تشهد معه، فإذا سلم الإمام قضى ركعة أخرى وبني عليها ويكون مدركًا للجمعة قولًا واحدًا، لأنه أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها.
وقال القاضي الطبري ﵀: هي ملفقة فهل تحصل له الجمعة؟ [١٠٣ ب/٣] على الوجهين، والأول أصح وهو اختيار أبي حامد.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل رجل والإمام في الركوع من الركعة الثانية، فدخل معه فلما سجد الإمام زحم عن السجود، ثم زال الزحام فسجد، ثم تبع الإمام في التشهد فهل يكون مدركًا للجمعة بهذه الركعة؟ على الوجهين، ولو لم يزل الزحام حتى سلم الإمام لم يكن ماركا للجمعة وجهًا واحدًا، وغلط بعض أصحابنا بخراسان وذكر فيه وجهًا آخر وليس بشيء.
مسألة: قال: ولو أحدث في صلاة الجمعة فتقام رجل بأمره أو بغير أمره، وقد كان دخل مع الإمام قبل حدثه فإنه يصلي بهم ركعتين.
وهذا كما قال: إذا أحدث الإمام في الصلاة، فهل يجوز له أن يستخلفه؟ قولان:
أحدها: لا يجوز نص عليه في "القديم" و"الإملاء" لأنه يؤدي إلى تناقض الأحكام، ولأن النبي - ﷺ - أحرم بأصحابه وهو جنب ثم تذكر، فقال لأصحابه: "كما أنتم " ومضى ورجع ورأسه تقطر ماء ولم يستخلف، فدل أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز نص عليه في "الأم ": وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق [١٠٤ أ/ ٣]، والدليل عليه ما روي أن النبي - ﷺ -: "استخلف أبا بكر الصديق ﵁ في الصلاة، ثم وجد خفة فخرج يهادي بين اثنين فدخل المسجد، وأبو بكر يصلي بالناس، فتقدم وصلى بهم وتأخر أبو بكر"، فصار النبي - ﷺ - إماما بعد أن لم يكن إمامًا لهم. وما ذكروه لا صحة فيه، لأن الاستخلاف جائز ويجوز أن لا يستخلف ويعود سريعا فيصلي بهم، وعندنا لا فرق بين أن يكون عند سبق الحدث أو حدث العمد.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز إلا عند سبق الحدث، ولو أحدث عمدًا تبطل صلاة المأمومين، وعندنا لا فرق بين أن يستخلف هو أو يستخلف واحد من المأمومين من غير أمره، أو يقدم واحد من غير استخلاف واحد. وعند أبي حنيفة ﵀ إذا
[ ٢ / ٣٦٩ ]
سبقه الحدث ولم يستخلف هو بطلت صلاتهم، ولو خطب واحد وصلى آخر صلاة الجمعة هل يجوز؟ قولان مبنيان على هذين القولين:
أحدهما: لا يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: وهو الأصح يجوز، فإذا قلنا: لا يجوز فإن كان حدثه قبل افتتاح الصلاة لم يجز أن يقدم [١٠٤ ب/٣] واحد، فإن كان رجوعه قريبًا أشار إليهم أن امكثوا وخرج هو وتطهر ورجع وينو عليه وإن كان يطول، فقد حكي المزني ﵀ عن الشافعي رحمة الله عليه في "الجامع الكبير": أن الإمام إذا أحدث في صلاة الجمعة فإنهم يصلون فرادى ركعتين. قال أبو إسحاق ﵀: يشتبه أن يكون هذا علي هذا القول فبقاءهم على حكم الجمعة حيث منعهم من أن ينصبوا إمامًا غير الأول إتباعًا له.
وحكى المزني ﵀ في "جامعه الصغير" أنه إن كان هذا بعد أن صلى بهم ركعة أتموها جمعة، وإن كان قبل ذلك أتموها ظهرًا، أو ينقضوها ويستأنفون الجمعة، بأن يأمروا واحدًا يخطب بهم ويصلي الجمعة، وهذا أصوب قياسًا على المسبوق وإن كان هذا في سائر الصلوات أتموا لأنفسهم بكل حال. وإذا قلنا: إنه يجوز الاستخلاف فإن كانت جمعة، فإن استخلف في أثناء الخطبة فغيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: لا يجوز لأنها ذكر للصلاة قبلها فلا يجوز أن يستخلف فيه، كالأذان، وان كان الاستخلاف [١٠٥ أ/ ٣] بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الإحرام بالجمعة، فإن استخلف من حضر الخطبة جاز، لأنه من أهل الجمعة وأصل فيها ألا ترى أنه لو خطب بهم وهم أربعون فقبل أن يحرم بهم أحرم بهم غير الإمام الخطيب صح، ولو استخلف من لم يحضر الخطبة لا يجوز، لأنه ليس من أهلها، بدليل أنه لو خطب بأربعين فحضر أربعون بعد الخطبة فعقدوا الجمعة بنا، على خطبة هذا الإمام لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في هذا قولان: وفيه نظر وإن كان الاستخلاف بعد افتتاح الصلاة فإن لم يكن أحرم معه بها قبل حدثه لا يجوز سواء حضر الخطبة أو لم يحضرها. نص عليه في "الأم"؛ لأنا نراعي قبل الإحرام بالصلاة من حضر الخطبة وبعد الإحرام بها من دخل معه في الصلاة.
وقال صاحب "الإفصاح": ويحتمل عندي أن يجوز قيامه على ما قال الشافعي في جواز صلاة الجمعة خلف الصبي في أحد القولين؛ لأن صلاة الصبي نافلة، وإذا جاز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي نافلة، جاز أن يصلي خلف من يصلي [١٠٥ ب/ ٣] الظهر، وهذا هو خلاف النص وإن استخلف من كان قد أحرم بالصلاة قبل حدثه، فإن كان في الركعة الأولى كان تقديمه سواء كان قد أحرم قبل الركوع أو بعده وسواء كان قد حضر الخطبة أو لم يحضر، نص عليه في "الأم"؛ لأنه إذا حضر الخطبة كمل
[ ٢ / ٣٧٠ ]
بنفسه وصلى وهو ممن تنعقد به الجمعة، وإذا لم يحضر الخطبة فإنه علق صلاتة على صلاة الإمام قبل حدثه، فصار كاملًا بإمامته على طريق التبع له، وصار من أهل الجمعة بإحرامه قبل حدثه فجاز تقديمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال في البويطي: إذا سبقه الحدث في الصلاة لا يستخلف إلا من سمع الخطبة ففي المسألة قولانء وإن كان في الركعة الثانية، فإن كان بعد الركوع فاستخلف من أدركه.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فرضه الظهر، لأنه أدرك من الجمعة أقل من ركعة، ولا يجوز أداء الجمعة خلف من يصلي الظهر، وخرج صاحب "الإفصاح" وجهًا آخر أنه يجوز تقديمه فيكون له الظهر ويكون للمأمومين الجمعة، وإن كان قد أدركه هذا الخليفة قبل أن يفوته الركوع في الركعة الثانية، أما قبل الركوع [١٠٦ أ/ ٣] أو في حال الركوع فإنه يجوز تقديمه، لأنه صار كاملا بإمامه من أهل الجمعة بإحرامه خلف الإمام الخطيب قبل حدثه، فجاز أن يكون إمامًاأ لهم في فعل الجمعة. وذكر الشافعي رحمة الله عليه.
مسألة: في الإمام وصورتها: إذا خطب الإمام يوم الجمعة، ثم أحرم بالصلاة وأحرم الناس خلفه، ثم أحدث فقدم رجلًا لم يدرك الخطبة إلا أنه كبر خلفه قبل الركوع في الركعة الأولى وقبل حدثه فصلى الثاني بالناس تمام الركعة، ثم أحدث فقدم رجلا أدرك معه الركعة الأولى فصلى هذا الإمام الثالث ركعة أخرى وسلم ويسلم الناس خلفه، وتكون جمعة له ولهم ولمن أدرك الركعة الأخيرة من صلاته، وإن كان هذا الثالث لم يدرك الركعة الأولى وإنما أدرك الركعة الأخيرة.
قال الشافعي ﵀: يصلي بهم ركعة أخرى، ثم تقدم من يسلم بهم من أدرك من أول الصلاة ويضيف هو إلى الركعة التي صلاها ثلاث ركعات تكون له ظهرًا، قال القاضي الطبري: هذا يخالف أصله، لأنه يدل على جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر [١٠٦ ب/ ٣] ومذهب الشافعي أنه لا يجوز ويدل أيضا على أن المأموم إذا أدرك الركعة الثانية من الجمعة ثم أحدث الإمام فاستخلفه لم تجز جمعته؛ لأنه لم يدرك الركعة الأولى وإذا لم تجز جمعته يجب أن لا يجوز تقديمه لما ذكرنا أن الجمعة خلف الظهر لا يجوز فتخرج في المسألتين قولا آخر لأجل هذه المسألة ويمكن أن يقال في هذه المسألة الأخيرة انعقدت صلاته جمعة فجاز تقديمه ولم تجز جمعته، لأنه لم يكمل بنفسه إذا لم يدرك الركعة الأولى، ولم يكمل بإمامه؛ لأن إمامه لم يحضر الخطبة وإنما هو تابع للإمام الأول.
وقال الشيخ أبو حامد ﵀: مذهب الشافعي أنه جائز ويكون له ظهرًا ولهم جمعة لهذه المسألة، قال القفال ﵀: وأعجب منه أن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو أدرك مسبوق هذا الخليفة في الركعة الثانية التي استخلف فيها صحت جمعته، فجوز جمعة المسبوق ولم يجوز به جمعة الخليفة، فإن قيل: قد أدرك هذا المستخلف ركعة من الجمعة فكيف يكون فرضه الظهر؛ ولو أدرك المأموم ركعة [١٠٧ أ/ ٣] ابتداء
[ ٢ / ٣٧١ ]
كان له الجمعة؛ قلنا: الفرق ما ذكره الشيخ أبو حامد ﵀ قال: إذا أدرك معه ركعة وسلم إمامه فقد أقيمت الجمعة فصح أن يضيف إليها أخرى، وليس كذلك المستخلف؛ لأنه فارق القوم قبل أن أقيمت الجمعة فكان فرضه الظهر، فخرج من هذا أنه إن استخلف من أدرك معه الركعة الثانية يجوز قولًا واحدًا. ذكره أبو حامد، وعلى قول بعض أصحابنا قولان: لأنه يصلي ظهرًا على قول، وفي الجمعة خلف الظهر قولان. وهل يصلي هو جمعة أو ظهرًا؟ قولان: وإن لم يكن أدرك معه ركوع الثانية هل يجوز استخلافه قولان.
وقال ابن سريج ﵀ في جواز ظهره: يحتمل أن يقال قولان، لأنه ظهر مع القدرة على الجمعة إذ يمكنه أن لا يتقدم حتى يتقدم من أدرك الركعة الأولى، ويحتمل أن يقال: يجوز قولًا واحدًا لأنه معذور في التقدم هذا كله في صلاة الجمعة، فأما في سائر الصلوات على القول الذي يجوز الاستخلاف لا يخلو حدثه من أحد أمرين، فإن كان قبل الركوع يجوز له أن يقدم غيره سواء كان قد أحرم [١٠٧ ب/ ٣] قبل حدثه خلفه أو لم يحرم ويخالف الجمعة، لأنه لا يجوز أن يكون خليفته في صلاة الجمعة من ليس في صلاة الجمعة؛ لأنه إذا لم يعلق صلاته على صلاة الإمام قبل حدثه يلزمه أن يصلي الظهر فلم يجز تقديمه في صلاة الجمعة بخلاف سائر الصلوات، لأنه ليس من شرطها الدخول في صلاة الإمام فيمن لم يحرم خلفه يصلي تلك الصلاة، كمن أحرم خلفه فاستوي من أحرم خلفه ومن لم يحرم، وإن كان ذلك بعد الركوع في الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن قدم من أحرم بالصلاة قبل حدثه جاز، لأنه لما أحرم مع إمامه لزمه ترتيب الإمام، فإن لم يكن أحرم معه فإن كان إذا أحرم معه كان على ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثالثة من الظهر صح، وإن كان يخالف ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثانية أو الرابعة أو الثالثة من المغرب لا يجوز لأنه يخالف ترتيب الإمام، وهو لم يعلق صلاة نفسه على صلاته في حال إمامته حتى يجوز له ترك ترتيب صلاة نفسه وحين جوزنا الاستخلاف إذا [١٠٨ أ/ ٣] كان قبل حدثه فعل معه في الركعة الثانية مثلًا فترك ترتيب نفسه، ويراعي ترتيب الإمام، لأنه في حكمه هذا إذا استخلف من خرج من الصلاة قبل الفراغ، فأما بعد الفراغ إذا أراد أن يستخلف المسبوق فقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع
قال الشافعي ﵀ في "الأم ": لو صلى الإمام بأربعين رجلًا فصاعدًا الجمعة، ثم ذكر بعد الفراغ منها أنه كان جنبا أو محدثًا، فإن صلاة المأمومين صحيحة؛ لأن المأموم إذا صلى خلف إمام جنب، ولم يعلم بجنابته فإنه تجوز صلاته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وذكر ابن أبي أحمد فيه قولا مخرجًا أنه لا تجوز جمعتهم، لأن الإمام فيها شرط ولم يحصل، وهذا غلط لأن الجماعة شرط، وقد حصلت كما أن للإمام شرط في الجماعة في غير الجمعة، بفساد صلاته لا تفسد جماعتهم.
وأما الإمام فصلاته باطلة وعليه أن يتطهر ويعيد الظهر، فإن أعاد الخطبة بطائفة منهم الجمعة لا يجوز، لأن المأمومين أدوا الجمعة مرة فلا يجوز لهم فعلها مرة أخرى، ولهذا لا يجوز أن يصلي الجمعة بطائفة أخرى لم [١٠٨ ب/ ٣] تصل الجمعة، لأن فرض الجمعة قد أدي مرة.
قال الشافعي ﵀: فإن لم يعلم وأعاد الخطبة وملى بطائفة منهم الجمعة، ثم علم أن فرضه الظهر فإنه يستحب أن يستأنف، ولو بنى عليها أجزأه، لأن نية الجمعة تجوز أن يؤدي بها صلاة الظهر، ويخالف هذا المسافر إذا نوى القصر ثم نوى الإتمام، فإنه لا يستحب له أن يستأنفها والفرق من وجهين:
أحدها: أن في الابتداء يتخير بين القصر والإتمام وهاهنا لا يتخير.
والثاني: أن المسافر نوى الظهر التي هي فرضه بعينها وهذا قد نوى الجمعة ولم ينو الظهر فافترقا، وإن كانوا مع الإمام أربعين رجلًا لا تنعقد الجمعة وصلاتهم باطلة، وعليه أن يتطهر ويعيد الخطبة والصلاة بهم.
فَرْعٌ آخرُ
لو علم الإمام أن الأربعين كلهم محدثون أعادوا الظهر دون الإمام، ولو كانوا عبيدًا يعيدون بأجمعهم.
فرع
إذا جوزنا الاستخلاف فهل يجوز من غير عذر؟ قال القاضي أبو حامد: فيه قولان.
مسألة: قال: ولا جمعة على مسافر ولا عبد.
الفصل
وهذا كما قال: إذا دخل المسافر بلدًا في يوم الجمعة وهو [١٠٩ أ/ ٣] مجتاز لا ينزل فيه أو نزل ليرحل دون أربعة أيام لا تجب عليه حضور الجمعة للخبر الذي ذكرنا. وروى رجاء بن مرجى الحافظ في سننه عن تميم الداري ﵁: عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة، أو صبي، أو عبد، أو مريض، أو مسافر"، ولأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه صلى الجمعة في أسفاره، وقال الزهري والنخعي رحمهما الله: إذا سمع النداء وجبت عليهم الجمعة لقوله - ﷺ -: "الجمعة على من سمع النداء"، وهذا مخصوص بما ذكرناه، ولو حضر الجمعة كان أولى ولا
[ ٢ / ٣٧٣ ]
تنعقد به الجمعة. وقال أبو حنيفة ﵀: تنعقا به الجمعة حتى قال: لو اجتمع المسافرون وأقاموا الجمعة، ولم يختلط بهم غيرهم جاز وهكذا قال في العبيد. وهذا غلط لأنه غير مستوطن أو لا يجب عليه الجمعة. فأشبه النساء، وأما العبد فلا يجب عليه الجمعة.
قال الشافعي: وأحب للعبد إذا أذن له السيد أن يحضر، وهذا لأن الجمعة مي مبنية على الكمال وهذا ليس بكامل، ولأنه مملوك المنفعة محبوس على السيد فأشبه المحبوس على الدين [١٠٩ ب/ ٣]، وقال الحسن وقتادة رحمهما الله: يجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، وبه قال الأوزاعي. ويحكى عن داود مطلقًا أنه قال: يجب عليه الجمعة، وعن أحمد ﵀ روايتان.
فرع
المدبر والمأذون والمكاتب كالعبد، وأما المعتق نصفه، فإن كان بينه وبين سيده مهايأة فوافق الجمعة يوم العيد يستحب له حضور الجمعة؛ لأنه لا حق عليه لمولاه في ذلك اليوم، وإن لم يحضر لهم يأثم به، لأنه ليس من أهل فرض الجمعة ما دام فيه جزء من الرق. وقد قال في "الأم": لا أرخص له في تركها ولا تبين لي أنه يخرج كما يخرج الحر فجعلها في حقه آكد من العبد لأنها تجب عليه، وإن وافقت يوم سيده فهو فيها كالعبد القن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه في يومه؟ قولان: أحدهما: يلزمه لأنه حر في هذا اليوم، وهذا غلط ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى العبد الظهر، ثم أعتق لم تلزمه صلاة الجمعة لأنه أدى صلاة الوقت وكذلك المسافر إذا أقام والصبي إذا بلغ، وأما المرأة فلا جمعة عليها، فإن كانت عجوزًا فالأفضل لها عند إذن الزوج حضورها نص عليه في "الأم " وهذا فيمن لا يستهين [١١٠ أ/ ٣]. وإن كانت شابة فالأفضل لها أن لا تحضر.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: ولا تحضر غير الجمعة أيضًا من الصلوات إلا صلاة العيدين، وهذا الاستثناء غريب لم يقله غيره، وروي عن أبي عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله بن مسعود ﵁ يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول: "اخرجن إلى بيوتكن فهي خير لكن ".
وأما المريض: فلا جمعة عليه والمريض الذي يجوز ترك الجمعة به هو أن لا يمكنه حضورها إلا بمشقة تلحقه غير محتملة من زيادة مرضه ونحو ذلك، ولو حضر المريض الجامع تعين عليه أداؤها؛ لأن عذر المريض زال بحضور الجامع بخلاف المرأة،
[ ٢ / ٣٧٤ ]
والمسافر والعبد إذا حضر ولا يلزمهم ذلك، ولو اجتمع أربعون مريضًا فصلوا الجمعة انعقدت بهم الجمعة لهذه العلة، ثم قال: ولا من له عذر، وقد ذكرنا الاعتذار في باب الجماعة.
قال أصحابنا: كل ما كان عذرًا في ترك الجماعة فهو عذر في ترك الجمعة. وإن كانت الجماعة غير واجبة فيكون تركها من غير عذر فما سقطت معه الكراهية في الجماعة كان عذرًا إذا وجد في وقت الجمعة.
وقد روى ابن [١١٠ ب/ ٣] عباس رضي انه عنه أن النبي - ﷺ - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: خوف أو مرض ".
فرع
قال في "الأم ": ولا جمعة على غير البالغين، وأحب لهم حضورها ليتعودوا فعلها ويتمرنوا عليها.
فَرْعٌ آخرُ
الأعمى إن كان له قائد يلزم حضورها، ويلزمه أن يستأجر القائد إن كان لم يجد متبرعًا، وكذا من لم يقدر لكبر سن أو زمانه يلزمه أن يكتري من يحمله، وإن لم يكن له قائد لم يلزمه حضورها، لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا يخاف مع القائد.
فَرْعٌ آخرُ
إذا اجتمع العيد والجمعة فحضور العيد لا يسقط فرض الجمعة عن أهل البلد. وروي عن ابن الزبير وابن عباس ﵃ أنهما قالا: تسقط الجمعة عن الكل في هذا اليوم إذا صلوا العيد، ويحكى عن أحمد ﵀ هذا.
وقال عطاء ﵀: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعًا وصلاهما بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. رواه أبو داود، وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -[١١١ أ/ ٣] قال: "إذا اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ﴾ [الجمعة: ٩] ولم يفصل ولأن الجمعة من فرائض الأعيان فلا تسقط بصلاة العيد التي هي نفل على قول البعض، وفرض على الكفاية على قول البعض، وأما خبرهم قلنا: قال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀ في إسناده مقال، ولو صح أجزأه من الجمعة، أي: عند حضور الجمعة، ولا يسقط عنه الظهر بحال وهذا عندنا في أهل
[ ٢ / ٣٧٥ ]
العوالي. وأما فعل ابن الزبير فلا يجوز إلا أن يحمل على مذهب من نوى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵄، وروي عن ابن عباس ﵁ أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنة، وقال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى والأضحى والفطر وقال أحمد: حين سئل: الجمعة قبل الزوال أو بعده؟ إن صليت قبل الزوال فلا أعيب. وكذا قال إسحاق، فعلى هذا يشبه أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل [١١١ ب / ٣] العيد في معنى التبع لها والله أعلم.
مسألة: قال: ولا أحب لمن ترك الجمعة بالعذر أن يصلي حتى يتأخر انصراف الإمام ثم يصلي جماعة.
وهذا كما قال كل من أخبرنا له ترك الجمعة من أهل الأعذار يستحب له أن يؤخر صلاة الظهر حتى يفرغ الإمام من الصلاةء أو يتحقق أنه لو قصدها الآن لا يدركها ولا ركعة منها، وإنما استحببنا له هذا رجاء أن يقدر على إتيانها، فيكون إتيانها خيرًا له فيصلوا الجمعة الكاملة، ولأن الجمعة هي فرض عام، والظهر فرض خاص فاستحب تأخير الخاص عن العام، فإن صلى قبل صلاة الإمام يجوز لأنها فرضه، ثم إن حضر الجامع بعد ذلك وصلى الجمعة لا تبطل ظهره، والأولى فرضه والثانية نفل. وقال في "القديم": يحتسب الله تعالى له بأيتهما شاء، فإذا فعلها لم تتعين واحدة منهما، وهذا هو الأصح؛ لأنه لما فعل الظهر سقط عنه فرضه بذلك، ولم يجب عليه غيره فإذا فعل الجمعة كان متطوعًا بها. وأما ما ذكروه، قلنا: هذا التخيير إنما كان قبل الفعل فأما إذا فعل فقد تعين ما فعل أولا [١١٢ أ/ ٣] كالمكفر إذا كفر بأحد الأنواع تعين القبض وما يفعل بعد ذلك كان تطوعًا.
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا سعى إليها يبطل ظهره بمجرد السعي، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يبطل ظهره إذا أحرم بالجمعة، وهذا غلط لأن الصلاة الصحيحة لا تبطل بالسعي إلى غيرها، والإحرام بها كسائر الصلوات.
ومن أصحابنا من قال: العذر ضربان ضرب يرجى زواله، وضرب لا يرجى زواله، فما لا يرجى زواله مثل الأنوثة والمرض الشديد، فالمستحب تقديم الظهر في أول وقتها لصاحب هذا العذر؛ لأنه لا يرجى زوال الأنوثة والمرض الشديد في ساعة وساعتين، وضرب يرجى زواله وهو على ما ذكرنا، وهذا خلاف نص الشافعي لأنه يملك بما ذكرنا. وصرح في "الأم" فقال: ولا أحب لأحد ممن له ترك الجمعة بالأعذار من الأحرار ولا من النساء والعبيد أن يصلي يوم الجمعة حتى ينصرف الإمام أو يتأخر انصرافه لما ذكرنا من العلة. فإذا تقرر هذا، فهؤلاء المعذورون لو أرادوا أن يصلوا جماعة في مسجدهم أو بيتهم لا يكره بل يستحب ذلك. وقال أبو حنيفة
[ ٢ / ٣٧٦ ]
[١١٢ ب /٣] ومالك رحمهما الله: يكره لهم ذلك، لأن زمان رسول الله - ﷺ - لم يخل من المعذورين ولم ينقل أنهم كانوا يصلون جماعة، ولو استحب ذلك أمرهم النبي - ﷺ - وهذا غلط للأخبار الواردة في فضل صلاة الجماعة، ولأن كل من كان من أهل صلاة الفرض استحب له فعلها جماعة كما في غير يوم الجمعة، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه يحتمل أنهم كانوا يصلون الجمعة لقرب المسجد من دورهم وحرصهم على الصلاة خلف رسول الله - ﷺ - فإذا تقرر هذا فقد قال في "الأم": وأحب لهم إخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام.
قال أصحابنا: هذا فيمن كان عذره خفيًا فأما إذا كان عذره ظاهرًا جليًا لا يستحب له الإخفاء، لأنه لا يتهم هكذا وهو عذر السفر والرق وهذا غلط بخلاف النص، لأن الشافعي ﵀ استحب هذا للعبيد وأهل السجن ولو زالت أعذارهم قبل أن يصلي الإمام الجمعة أو في أثناء ظهرهم لا يؤثر في صلاتهم. وحكي عن ابن سريج ﵀ أنه قال: إن زال عذره في أثناء صلاته والجمعة [١١٣ أ/ ٣] معرضة للإدراك تبطل صلاته، كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته تبطل عنده.
فرع
لو كان قوم من أهل الجمعة فأتتهم الجمعة ملوا الظهر قضاء، ويستحب لهم الجماعة نص عليه في "الأم "، وعند أبي حنيفة يكره ذلك، وأما إذا صلى من لا عذر له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام.
قال في "الجديد": عليه أن يعيدها إذا فرغ الإمام من الجمعة وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وزفر ﵏.
وقال في "القديم" أساء وأجزأه، ويجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضرها دارأها فعند الله سعة أن يكتب له أجر أحدهما إذا كملهما. ففي المسألة قولان: وأصل هذين القولين القولان في فرض الوقت، قال في "الجديد": فرضه الجمعة يوم الجمعة لا الظهر وهو الأصح لقوله - ﷺ -: "فعليه الجمعة يوم الجمعة" على ما ذكرناه ولأنه يأثم بتركها فكانت هي الواجبة في نفسها كسائر الصلوات. وقال في "الجديد": فرضه الظهر ويجوز إسقاطه بالجمعة، لأن الجمعة لو كانت في الأصل ما قضى الظهر عنا فواتها بل يقضي الجمعة، وبه قال أبو حنيفة ومن أصحابنا من [١١٣ ب/ ٣] قال: القولان إذا صلى الظهر في وقت لو سعى إلى الجمعة أدركها فأما إذا صلى في وقت أو أراد السعي إليها لم يدركها لبعد الطريق تجوز صلاته قولًا واحدًا والصحيح خلاف هذا، لأن الشافعي نص وقال: لا تجوز إلا بعد فراغ الإمام ولم يفصل هذا التفصيل، وقال أبو حنيفة: يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة فإذا سعى إليها بطل بالأخذ في السعي، وعند أبي يوسف ومحمد بالإحرام بها. وروي عن محمد أنه قال: إن الواجب إحدى
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة لا يعينها فأيتها فعل شاء أنها الواجبة.
فَرْعٌ آخرُ
قال أبو إسحاق ﵀: لو اتفق أهل بلد على فعل الظهر أتموا بترك الجمعة إلا أنه يجزيهم؛ لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، والصحيح أنه لا تجزيهم على قوله الجديد، لأنهم صلوا الظهر وفرض الجمعة متوجبة عليهم.
فَرْعٌ آخرُ
العبد والمرأة إذا أحرما بالجمعة، ثم أراد العدول بها إلى الظهر فيه وجهان بخلافه المريض والمسافر.
مسألة: قال: ومن مرض له ولد أو والد فرآه منزولًا به.
الفصل
وهذا [١١٤ أ/ ٣] كما قال: قد ذكرنا أنه يجوز بترك الجمعة بالعذر، والأعذار ثلاثة في الجملة عذر في نفسه، وعذر في أهله، وعذر في ماله، فإن كان مريضًا على ما ذكرنا، أو خاف أن يحبسه سلطان، أو من لا يقدر على الامتناع منه بالغلبة، أو أصابه غرق أو حور أو سرق، يرجو في تخلفه عن الجمعة مع ذلك أو تدارك شيء فات منه، أو ضل له ولد أو مال أو رقيق أو حيوان يرجو تداركه ووجوده يجوز له ترك الجمعة نص عليه في "الأم".
قال: فإن خاف أن يحبسه السلطان بحق المسلم في دم أو حد لم يسعه التخلف عن الجمعة ولا الهرب في غير الجمعة عن صاحبه إلا أن يرجو أن يدفعوا الحد بعفو، أو صلح وهو القصاص. أو حد القذف فأرجو أن يسع ذلك بأنها الحد للزنا أو نحوه الذي لا يرجو سقوطه فلا يجوز له تركها، وان كان يخاف غريمًا، فإن كان معسرا وسعه التخلف وإلا فلا. وجملة ذلك أن العذر الذي يجوز له ترك الجماعة اختيارًا يجوز له ترك الجمعة الواجبة له على ما ذكرنا، وإن كان له مريض من يوم الجمعة بينه وبينه [١١٤ ب/ ٣] نسب أو سبب أو صداقة فإن كان منزولًا به وخاف إن حضر الجمعة أن تفوته نفسه فله أن يتأخر عن الجمعة سواء كان له قيم يقوم بأمره أو لا، وكذلك إن مات يتركها لتجهيزه والصلاة عليه، لأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه في مرض، أو أخذ مال.
وروي أن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يستجمر للجمعة، فاستصرخ على سعيد بن زيد بن نفيل فترك الجمعة ومضى إليه بالعقيق، فإنه كان ابن عمه، لأن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب بن نفيل ﵃ أبناء عم لحًّا، وان لم يكن منزولًا به ولكنه شديد المرض. قال أبو إسحاق: لا يجوز له ترك الجمعة إذا كان له
[ ٢ / ٣٧٨ ]
قيم سواه وبه قال أبو حامد.
وقال ابن أبي هريرة: يجوز له ترك الجمعة، لأن قلبه يتعلق بمفارقته وان لم يكن له قيم سواه، فلا شك أنه يجوز له تركها، لأن حفظ المسلم أولى من صلاة الجمعة، وإن كان الرجل أجنبيًا منه فلا يجوز له ترك الجمعة إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون منزولًا به. والثاني: أن يكون ضائعًا لا قيم [١١٥ أ/ ٣] له غيره بخلاف القريب، لأن شغل القلب هناك خلافه هنا، وإن كان له قيم إلا أنه مشغول عنه في وقت الجمعة يكون ذلك بمنزلة من لا قيم له.
مسألة: قال: ومن طلع عليه الفجر فلا يسافر حتى يصليها.
وهذا كما قال: السفر ليلة الجمعة جائز ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر. فالمستحب أن لا ينشأ السفر، لأن الشافعي ﵀ قال في "الأم": لا أحب في الاختيار أن يسافر بعد طلوع الفجر وإن استحب الترك. وقال: بعده لم يكن له أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة. وظاهره أنه لا يجوز ذلك، وقال في "القديم": له أن يسافر لأن الفرض يلزم بدخول الوقت، وهذا نصر في حرملة فحصل قولان:
أحدهما: يجوز ما لم تنزل الشمس. قال أبو إسحاق ﵀: وهذا أوضح وبه قال عمر والزبير وأبو عبيدة بن الجراح والحسن وابن سيرين وأبو حنيفة ومالك ﵁، واحتجوا بما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - وجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن وواحة في جيش مؤتة، فتخلف [١١٥ ب/٣] عبد الله بن رواحة فرآه النبي - ﷺ - فقال: ما خلفك؟ فقال: الجمعة، فقال: "لروحة في سبيل الله أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها". قال: فراح منطلقًا. وروي أنه قال له: "لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت غزوتهم" وروي عن عمر ﵁ قال: إن الجمعة لا تحبس مسافرًا.
والقول الثاني: وهو اختيار أبي حامد، وهو ظاهر المذهب أنه لا يجوز له ذلك، وبه قالت عائشة وابن عمر ﵁ وأحمد ﵀: إلا أن يكون السفر إلى الجهاد، وهذا لأن الجمعة واجبة والتسبب إليها واجب، فإذا لم يجز السفر بعد وجوبها لا يجوز بعد وجوب السبب إليها؛ ولأنه وقت الرواح إلى الجمعة وقد يجب ذلك على من بعدت داره: وأما الخبر الذي ذكر وقلنا: إنه يحتمل أنه كان بعثه قبل يوم الجمعة فتأخر لأجل الجمعة. وأما خبر عمر ﵁ قلنا: قاله للمسافرين ونحن نقول: لا تجب الجمعة عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز ذلك إذا كان سفره في طاعة قولًا واحدًا كما لو كان جهادًا، وهذا لا يصح [١١٦ أ/ ٣] لأن الطاعة التي لا
[ ٢ / ٣٧٩ ]
تجب لا تفوت بتأخيرها.
وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك قولًا واحدا بكل حال، والقول الآخر استحباب. وقال أصحابنا: أجمع القولان إذا لم يكن مضطرًا إليه، فإن اضطر إليه مثل النافلة ترحل من البلد يوم الجمعة، ولو تخلف عنها فاتته يجوز له السفر قولًا واحدًا. وأما إذا زالت الشمس لا يجوز قولًا واحدًا إلا أن يخاف ما ذكرنا، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله إلا في الجهاد، وقال محمد: يجوز له أن سيافر بعد الزوال أيضا، ويروى هذا عن أبي حنيفة وهذا غلط: لأن الجمعة قد وجبت عليه فلا يجوز له تركها مع القدرة، كما لو سافر مع العلم بفوات الصلاة لضيق الوقت، وعلى ما ذكرنا لو زالت الشمس بعد خروجه من منزله قبل خروجه من عمارة البلد، ولا يخاف فوت السفر لو رجع لا يجوز له الخروج، لأنه ما لم يخرج من العمارة فهو مقسم.