فصل
الأصل في وجوب الصيام الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] معناه فرض عليكم وإنما قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تسلية للقلوب وتهوينا للخطب ولم يعين الصوم [٢٥٥ أ/٤] في هذه الآية ثم عين في آية أخرى فقال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وأما السنة: فما روي ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس" (١)، الخبر إلى أن قال: "وإيتاء الزكاة وصوم رمضان"، وروي طلحة بن عبيد الله ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ لصوته دوي لا يفقه ما يقول فدنا منه فإذا هو يسال عن الإسلام فذكر له إلى أن ذكر له صوم شهر رمضان فقال: هل عليَّ غيره قال: "لا إلا أن تطوع" (٢)، وروي أنه ﷺ قال: "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم" (٣). وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا فاعلم أن معنى الصوم والصيام واحد وهما في حقيقة اللغة الكف عن الشيء والإمساك، ولهذا سمي الساكت صائمًا قال الله تعالى: ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتًا ويقال: صام النهار إذا استوت الشمس للزوال لأن لها وقفًا عن السير ويقال: خيل صائمة إذا وقفت عن [٢٥٥ ب/٤] السير، ومنه قول النابغة (٤):
خيلٌ صيامٌ وخيلُ غيرُ صائمةٍ تحت العجاجِ وأُخْرىَ تَعْلِكُ اللُّجَما
ومعناه في الشرع الإمساك عن أشياء مخصوصة مثل الطعام والشراب، والجماع واستنزال المني فكأنه نقل من اللغة على الشريعة وهو أخصر من اللغوي ولكنه ضمت إليه النية، ثم اعلم أن عند الشافعي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] شهر رمضان وصوم رمضان هو أول ما فرض وليس هو بمنسوخ بل بين بقوله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١/ ٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (٨/ ١١).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٥، ٢٦٢).
(٤) البيت من البسيط، وهو للنابغة في ملحق ديوانه (ص ٢٤٠)، ولسان العرب (١٠/ ٤٧٠. علك، ١٢/ ٣٥١. صوم)، وتهذيب اللغة (١/ ٣١٣. ١٢/ ٢٥٩)، وجمهرة اللغة (ص ٨٩٩)، وكتاب العين (١/ ٢٠٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ٣٢٣)، ومجمل اللغة (٣/ ٢٥١)، والمخصص (١٣/ ٩٠)، والمعاني الكبير (ص ٩١٥)، والكامل (ص ٩٩٢)، وتاج العروس (علك. صوم).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذه الآية الثانية بيان لا ناسخة، وقيل: أول ما فرض صوم يوم عاشوراء، وروي عن معاذ ﵁ أنه قال: فرض الله تعالى أولًا صوم يوم عاشوراء ثم نسخه بشهر رمضان (١) وقيل: أول ما فرض صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم نسخ بشهر رمضان وقيل: أول ما فرض صيام أيام البيض وفي وجهان: أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه والثاني: أنه الثالث عشر وما يليه وهو الأصح ثم نسخ [٢٥٦ أ/٤] بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم شهر رمضان إلا أن اليهود تركوه إلى يوم واحد من السنة، والنصارى نقلوه إلى وقت وزادوا عشرة أيام ثم مرض ملكهم فزادوا عند شفائه عشرة أيام شكرًا لله تعالى فيصومون الآن خمسين يومًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. يعني هداكم لهذا الشهر وضل عنه من كان قبلكم.
واعلم أن صفة الصوم في ابتداء الإسلام هو أن يمسك من حين يصلي العشاء الآخرة أو ينام إلى أن تغيب الشمس فإذا غربت الشمس حل الطعام والشراب إلى أن يصلي العشاء أو ينام والأصل في ذلك ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثله. وإن صرمة بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا فقال: عندك شيء فقالت لا ولكني أذهب فأطلب لك فذهبت وغلبت عينه فنام فجاءت فقالت: خيبة لك وصام من الغد فلما انتصف النهار غشي عليه وكان يعمل في أرض فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [٢٥٦ ب/٤] إلى قوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية (٢)، وروى ابن عباس ﵁ أن رجلًا اختان نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] تفتعلون من الخيانة (٣). وقال أبو هريرة ﵁: أصاب عمر بن الخطاب أهله بعد العشاء الآخرة ونام حمزة ﵁ قبل أن يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء فأكل وشرب ثم أتيا النبي ﷺ وأخبراه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكأن ذلك عفوًا من الله تعالى ورحمته. واختلفوا لما سمي رمضان فقال ابن عمر: سمي بذلك لأن وجوبه وافق رمضان الحر فسمي رمضان من قولهم رمضت الفصال ورمضت الأرض إذا حميت، وقيل وهو الأولى: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها، قاله أنس ﵁. ثم اعلم أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء [٢٥٧ أ/٤] على التخيير بين الصوم والإفطار بالفدية فقال
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٧٨٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٩١٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٠٠).
(٣) أخرجه البيهقي في "ألكبرى" (٧٩٠١).
[ ٣ / ٢٣٠ ]
تعالى: ﴿وَعَلَى اّلَّذِينَ يُطِيقُونِهُ فِدّيَةُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، هكذا قاله ابن عباس وسلمه بن لأكوع ﵄.
وقيل: إن هذا للشيخ الهرم يتخير بين الفطر والفدية، وبين تكلف الصوم ولم يكن القادر مخيرًا قط والأول أصح، واعلم أنه نزل فرض صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا منه وفي هذا الشهر فرض استقبال الكعبة واختلف السلف في الأفضل فقال بعضهم: الصلاة هي أفضل من الصيام لتقدم فرضها ومقارنتها للإيمان، وقال آخرون: الصيام أفضل لقوله ﷺ حكاية عن الله: "كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى عليه" (١)، وقال آخرون: الصلاة بمكة أفضل من الصيام والصيام بالمدينة أفضل من الصلاة مراعاة لموضع نزول فرضهما فإذا تقرر هذا فقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا [٢٥٧ ب/٤] رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان" (٢)، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣)، وذكر أنه ﷺ قال: "جاء رمضان شهر مبارك" (٤)، قال أصحابنا وجه الجمع بينهما أنه يلفظ بذكر رمضان ولم يعرف به ما يدل على أن المراد به الشهر يكره ذلك، وإذا قرن به ما يدل على أن المراد به الشهر لا يكره ذلك.
مسألة: قال (٥): وَلاَ يُجوزُ لِأَحَدٍ صيامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضان.
الفصل
وهذا كما قال: نية الصوم شرط في صحته ولا يصح شئ من الصيام من غير نية سواء صام في الحضر أو في السفر وسواء كان صحيحًا أو مريضًا وسواء كان فرضًا أو تطوعًا، وقال زفر: صوم رمضان لا يفتقر إلى النية أصلًا إذا كان متعينًا فإن لم يكن متعينًا مثل أن يكون مريضًا أو مسافرًا يفتقر إلى النية [٢٥٨ أ/٤] وكذلك غير صوم عطاء ومجاهد واحتجوا بأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى النية أصلًا كرد المغضوب وهذا غلط، لقوله ﷺ: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١٦١/ ١١٥١)، وأحمد (٢/ ٢٢٨)، والنسائي (٤/ ١٦٤).
(٢) أخرجه البيهقي (٧٩٠٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٨٧)، وابن أبى حاتم في "العلل" (٨٣٤)، وابن عدى في "الكامل" (٧/ ٢٥١٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (١٧٥/ ٧٦٠)، والنسائي (٤/ ١٥٦)، وابن ماجه (١٦٤١) وأحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٤١).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٠، ٤٢٥)، وأورده في إتحاف السادة المتقين (٤/ ١٩٢).
(٥) انظر الأم (٢/ ٢).
(٦) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦) وابن ماجه =.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وروى "لمن لم ينو" وروي "لمن لم يعزم"، وروي "لمن لم يفرض"، وروي "لمن لم يجمع"، وروي "لمن لم يبيت"، وروي "لمن لم يورض"" أورده الدار قطنى ﵀، والتوريض هو التمهيد، وروي "لا صيام لمن يورضه قبل الفجر" أي: لم يهيئه، يقال أرضت المكان إذا سويته وهيأته، وروت ميمونة بنت سعد أن النبي ﷺ قال: "من أجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم" (١) ولأنه عبادة لا تصح بعض أنواعه بغير نية فلا يصح شئ منه بغير نية كالصلاة والزكاة، وأما رد المغصوب فمن باب المعاملات لأن باب العبادات بخلاف هذا فافترقا فإذا تقرر هذا فالكلام في وقت النية فالفرض لا يصح إلا بالنية من الليل سواء كان صوم [٢٥٨ ب/٤] رمضان أو قضاء غير رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة، ويه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: صوم رمضان يجوز بالنية قبل الزوال واحتج بأن هذا يدل عن صوم عاشوراء وصوم عاشوراء جاز بالنية قبل الزوال لأن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالى يوم عاشوراء، وقال: "من أكل منكم فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم" (٢)، وهذا غلط لما ذكرنا من الأخبار، ولا نسلم أنه بدل عن صوم عاشوراء ولم يكن صوم عاشوراء واجبًا قط في قول بعض أصحابنا بدليل أنه قال: "من أكل فليمسك" ولم يأمر بالقضاء ومن أصحابنا من قال: كان واجبًا ولكنه وجب في بعض النهار فوجبت النية من ذلك الوقت بخلاف صوم رمضان فإذا تقرر هذا تجب النية لكل يوم ولا تجزيه أن ينوى في أول ليلة رمضان لجميع صوم رمضان، وقال مالك: يجوز ذلك، وروى ذلك عن أحمد واحتجا بأن صوم كل شهر رمضان هو كعبادة واحدة لأن له حرمة واحدة كل يوم هو ركن منها [٢٥٩ أ/٤] وهذا غلط، لأنه صوم يوم مفروض فيفتقر إلى النية من ليلته كاليوم الأول وقولهم إنه كعبادة واحدة غلط، لأن إفساد بعضه لا يفسد الباقي وقد يلزم بعضه دون بعض إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان وبلغ الصبي، وأما كيفية النية عندنا صوم الفرض يفتقر إلى تعيين النية ويه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يفتقر صوم رمضان إلى التعيين ولو نوى صومًا مطلقًا يجوز عن صوم رمضان ولو نوى صوم التطوع يقع عن رمضان، وإن نوى صوم القضاء أو صوم ألمذر أو صوم الكفارة وقع ما نوى ويلزمه قضاء رمضان وقال أبو يوسف ومحمد: حكم المسافر حكم المقين ولو نوى النفل في السفر فعن أبى حنيفة روايتان فإذا تقرر هذا فكيفية التعيين قال أبو إسحاق: ينوى أن يصوم غدًا عن رمضان صوم الفرض وقيل: هل يلوم أن يقول لله تعالى وجهان، وقال ابن أبى هريرة: لا يحتاج إلى نية الفرض وهذا هو المذهب، لأن صوم رمضان ممن عليه الفرض لا يكون إلا فرضًا [٢٥٩ ب/٤]
_________________
(١) = (١٧٠٠)، والدارقطني (٢/ ١٧٢). () أخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٠٧)، ومسلم (١٣٦/ ١١٣٦).
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وهو كالاختلاف في كيفية تعيين نية الصلاة ثم إذا نوى من الليل صحت نيته سواء نوى في أول الليل أ، في أخره، أو فيما بينهما وسواء أكل بعد النية أو جامع أو نام وانتبه بعد ذلك وإذا بقى عليه من الليل قدر النية تعينت عليه كما إذا بقى من وقت الصلاة يتعين فعلها وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح النية في النصف الأول من الليل وتصح في النصف الثاني لأن النصف الأول هو تابع لليوم الماضي لا للمستقبل، وحكي عن أبى إسحاق أنه إن نوى ثم أكل بعده أو جامع فسدت نيته وعليه أن يستأنف النية، وحكي عن الاصطخرى أنه لما بلغه عنه هذا قال: استثنيت من قال هذا فإن تاب وإلا قتلته لأنه خلاف الإجماع وهو خلاف نص الشافعي أيضًا لأنه قال: طلع الفجر وفي فيه طعام لفظه فإن ازدراده أفسد صومه، وإن كان مجامعًا أخرجه مكانه ونيته تكون قبل ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، [٢٦٠ أ/٤] فأباح الأكل إلى أخر الليل، فلو اشترطت النية بعد الطعام لبقى جزء من أجزاء الليل يجب فيه الإمساك والصحيح أن هذا حكي عنه حكايته ولا يوجد ذلك في كتبه وليس بمذهب له وقيل: رجع عنه عام حجته وأشهد على نفسه.
فرع
لو نوى فكان انتهاء النية مع انتهاء الليل أجزأته وإن كان انتهاء الليل قبل انتهائها مثل إن كان بعضها بعد الفجر وبعضها قبله لم يجزئه، ولو وافقت مع الطلوع حتى وقعت النية والطلوع معًا ولم يفت من النهار جزء لا يجوز لأنه يمضى جزء من النهار عند الطلوع فيكون بغير كمال النية وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز لأنه استغرق النهار بالنية والنية والنية تجرى مع أول العبادة وإنما رخص في تقديمها للمشقة، قال القفال: وهذا أقيس.
فرع آخر
لو قالت الحائض: نويت ان أصوم غدًا إن انقطع حيضي فاتفق انقطاعها قبل الفجر فإن لم يكن انضم إلى نيتها ما يدل على انقطاعها لا يجوز، وإن انضم دليل إلى [٢٦٠ ب/٤] نيتها فإن كانت مبتدئة يتم لها خمسة عشر في تلك المدة يصح، وإن كانت معتادةً وهى أخر عادتها فيه وجهان: أحدهما: يجوز لان العادة دلالة، والثاني لا يجوز لأن العادة قد تتغير والأصل بقاء الحيض.
فرع آخر
لو قام في أخر الليل وقال: أتسحر لأقوى على الصوم فهذا لا يكفي في النية بلا خلاف.
فرع آخر
إذا كان رمضان في سنة سبعين فقدر أنها سنة تسع وستين أو إحدى وسبعين فنوى
[ ٣ / ٢٣٣ ]
في صومه ذلك لا يصح لأنه (١) من السنة التي قبلها ولم ينو الصوم الواجب ولو نوى ليلة الثلاثاء أن يصوم غدًا واعتقد أنه يوم الاثنين أو يوم الأربعاء فنوى صوم ذلك اليوم قال الثاضى الطبري: الصحيح عندي أنه يصح صومه ولأنه عين صوم الغد وخطأه في اعتقاده أنه يوم أخر لا يضره كما لو نوى أن يصوم غدًا من هذه السنة التي هو فيها واعتقد أنها سنة سبعين فكانت سنة إحدى تصح نيته وصومه لأنه عين نيته أن يصوم غدًا سنته فكان اعتقاده لغوًا كذلك هاهنا وليس كذلك في المسألة المتقدمة، لأنه نوى أ، يصوم غدًا [٢٦١ أ/٤] عن نية ماضية أو مستقبلة ولم ينو عن السنة التي هو فيها فلم يجز، وقال والدي رحمة الله: فيه وجهان، وقال في "الشامل": عندي أنه يجوز هذا أيضًا لأن تعينه الغد هو بمنزلة تعيين هذه السنة.
فرع آخر
لو كان عليه قضاء أ، ل يوم من رمضان فقال: أصوم قضاء عن اليوم الثاني لا يجوز ذكره القاضي، وأبو حامد من غير خلاف ووجهه أنه نوى غير ما عليه كما لو كانت عليه كفارة اليمين فأعتق عن الظهار ويحتمل وجهًا أخر يجوز لأن تعيين الصوم غير واجب، وقال أبو حنيفة: إن كان عليه قضاء أ، ل يوم نوى قضاء الثاني منه جاز، وإن كان عليه قضاء اليوم الثاني فنوى قضاء اليوم الأول لا يجوز.
فرع
لو نوى أن يصوم غدًا وقال بلسانه إن شاء الله لا يضره لقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤،٢٣]، وإن نوى ذلك بقلبه لا يضره ذلك أيضا، لأن معناه في نيته أنه يقف فعله على مشيئته وتمكينه وتوفيقه فإن ذكره على وجه الاستثناء والشك فلا يجوز صومه حينئذ، وقال في "الحاوي" (٢): إن قال: إن [٢٦١ ب/٤] شاء زيد لم يجز، ولو قال: إن شاء الله فالصحيح أ، هـ لا يجوز، لأ، هـ استثناء يرفع حكم مانيط عليه، ومن أصحابنا من قال: يجوز لان قوله: إن شاء الله قول باللسان فلا يؤثر في اعتقاد القلب وهذا باطل بمشيئة زيد. وربما يقولون: إن الله تعالى شاء صومه لأنه خير وهذا يبطل بما لو قال: أ، ت حر إن شاء الله لا يقع والتحرير خير.
فرع
لو اعتقد ترك صومه هل يبطل صومه؟ وجهان: احدهما: يبطل صومه وهذا أصح، لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقى بغير نية فبطل لأنه لا يتبعض، والثاني: لا يبطل ويه قال أبو حنيفة: لأ، هـ عبادة تلزم الكفارة بإفسادها فلم تبطل بنية الخروج كالحج وهذا لا يصح لأنه لا يخرج من الحج بالفساد بخلاف الصوم.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أنظر الحاوي للماوردى (٣/ ٤٠٤).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
فرع آخر
إذا قلنا: يبطل صومه ففي زمان فطره وجهان أحدهما: في الحال، والثاني: إذا مضى من الزمان قدر الأكل أ، الجماع إن نوى تركه بالجماع يفطر وقبله لا يفطر.
فرع آخر
لو نوى أن يفطر بعد ساعة لم [٢٦٢ أ/٤] يكن مفطرًا وكان على صومه وقيل: فيه وجها أخر: ولو نوى أن يكون غير مصلٍ بعد ساعة يحتمل وجهين.
فرع آخر
لو نوى في صوم النذر نقله إلى صوم الكفارة لا ينتقل إلى الكفارة وهل يبطل أصلًا أو يبقى نافلة؟ فيه قولان ذكره أصحابنا بخراسان.
مسألة: قال (١): فَأَمَّا التطَوع فَعلاَ بأسَ إِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُطْعَمْ شَيْئًَا أَنْ يَنْوى الصَّوْم قَبْلَ الزًوَالِ.
وهذا كما قال: صوم التطوع يجوز بالنية من النهار ويه قال أحمد وجماعة العلماء، وروى ذلك عن أبى طلحة والأصل أن ينويه من الليل، وقال مالك والمزني وداود: لا يجوز إلا بالنية من الليل، وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وجابر بن زيد أبى الشعثاء ﵄ قال القفال: وهذا أقيس، ولكنا جوزنا للخبر واحتجوا بأن ما بقى من النهار كيف يصير عبادة بنية متأخرة، ولأن محل نية النفل ونية الفرض سواء كما في الصلاة ولأنه أحد طرفي النهار فلا يجوز فيه نية الصوم كما بعد الزوال وهذا غلط لما روى عن عائشة [٢٦٢ ب/٤] ﵂ أنها قالت: دخل علىَّ رسول الله ﷺ فقال: "هل من غداء" فقلت: لا، فقال: "إني إذا صائم" (٢)، وروى أنه كان يدخل على أزواجه ويقول ذلك الخبر ولا يجوز أن يقال هذا محمول على أنه أصبح صائمًا ثم أفطر إذا وجد طعامًا لأن المداومة على هذا لا تستحب، وفي الخبر كان إخبارًا عن المداومة ولأنه لو كان على هذا الوجه لقال: إني إذا لا أفطر إذا تمم الصوم، وروى إني إذا صائم، فلا يحتمل ما قلتم، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" (٣)، ولأنه لا بد من أن يدخل الرخصة في النقل كما في صلاة النفل فإن قيل: قد دخلت الرخصة على أن الكفارة لا تجب بالفطر فيه قلنا: هذا موجود في أكثر الصيام المفروضة من القضاء وصوم النذر والكفارة ولا يختص به التطوع.
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٠/ ١١٥٤)، وأبو داود (٢٤٥٥)، وأبن حبان (٣٦٢٠)، والدارقطني (٢/ ١٧٦)، والبيهقى (٧٩١٣، ٧٩١٤).
(٣) انظر تذكرة الموضوعات للقيس (١٠٨٤).
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وأما دليلهم الأول قلنا: اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إذا نوى في النهار يجعل صائما من أ، ل الليل ويثاب على صوم جميع النهار لأنه [٢٦٣ أ/٤] لا يتبعض كمن أدرك الإمام يكون له ثواب كل الركعة وهذا هو المذهب الصحيح.
وقال بعضهم: يجعل صائما من وقت النية ويثاب من هذا الوقت وهو اختيار القفال، وقال: هذا هو المذهب، لأن الإمساك عن الطعام لا يصير قربة إلا بالنية، ولا ترجع النية قهقرى ولو أكل في أول النهار ثم نوى الصوم في بقية النهار لا يصح الصوم نص عليه في "الأم"، وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه خرج فيه وجهًا أخر: أنه يجوز ويه قال ابن جرير وابن سريج وأبو زيد المروزى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو القياس لأنا نجعله صائمًا من وقت النية فلا اعتبار بما قبله وهذا غلط، لأن من الشروط أن يكون غير أكل في أ، ل النهار لتتميز العادة عن العبادة، فإن عادة أكثر الناس الغداء والعشاء فترك الأكل شرط وليس ذلك بصوم، وإنما الصوم هو من وقت ما نوى على ما ذكر القفال ويجوز أن يشترط تقدم شرط على وقت العبادة كما لو أدرك [٢٦٣ ب/٤] الجمعة فصلاته من وقت الشروع في الصلاة ويشترط تقدم الخطبة على ذلك الوقت كذلك هاهنا، وأما الصلاة فتؤدى بأفعال فما خلا عن النية لا يكون عمل الصلاة وما ليس بعمل الصلاة هو يفسدها بخلاف الصوم، وألا بعد الزوال قال في حرملة: في أي وقت من النهار نوى الصوم جاز، وقال في القديم والجديد: لا يجوز بالنية بعد الزوال، فالمسألة على قولين والصحيح أنه لا يجوز، ويه قال أبو حنيفة ومحمد لأنه لم يستغرق معظم النهار بالنية بخلاف ماذا نوى قبل الزوال وهذا كما لو أدرك الإمام راكعًا فإنه يصير مدركا للركعة ولو أدرك ساجدًا لا يصير مدركًا لفوات المعظم.
فرع
إذا دخل في الصوم تطوعًا ثم أفطر هل يثاب على ما مضى؟ المذهب أنه لا يثاب لأنه لم يتم العبادة، وحكي عن الشافعي أنه قال: يثاب عليه (١) له أجر ما أحتسب.
فرع آخر
لو نسى النية في صوم رمضان حتى طلع الفجر عليه إمساك بقية نهاره [٢٦٤ أ/٤] وهل يكون صومًا شرعيًا؟ قال أبو إسحاق: يكون صوما شرعيا والمذهب أنه لا يكون صومًا شرعيًا لا يحتسب به.
فرع آخر
لو كان كافرًا في أول النهار ثم أسلم فنوى الصوم فإن قلنا بالإفساد: لا يجوز، وإن
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
قلنا: الصوم من وقت النية فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لم يوجد عند الشروع في العبادة ولا بعدها ما يضادها، والثاني: لا يجوز لأنه يشترط خلو أول النهار عما بضاده.
مسألة: قال (١): وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ رمضانَ حَتّى يَسْتَيْقِنَ أَنّ الهلالَ قَدْ كَانَ.
الفصل
وهذا هو كما قال: صوم شهر رمضان لا يجب عندنا إلا بأحد شرطين: إما برؤية الهلال، وإما يعد شعبان ثلاثين يومًا، وقيل: إن المزني أخذ ينقله عبارة الاستيقان والشافعي لم يقل ذلك بل قال: حتى يعلك وهذه العبارة هي أصح لأن اليقين هو عبارة عن القطع والتحقيق، وذلك ليس يشرط فيه وجوب الصوم إذ لا يحصل ذلك إلا برؤية كل أحد والعلم يقع ظاهرًا وإن لم يكن مقطوعا به ويجب به الصوم [٢٦٤ ب/٤] ويمكن أن تؤول هذه الكلمة بأنه أراد به يقين الشاهد الذي يخبر عنه ولم يُرد في حق كل أحد، وقال بعض العلماء: يجب بهذين الشرطين ويجب بشرط أخر وهو أن يكون عارفا بالنجوم أ، يشهد شاهدان من أهل المعرفة بالنجوم أن الشهر قد دخل، وعندنا أنه لا يقبل قول المنجمين في ذلك بحال، وإن أكثروا والدليل عليه ما احتج الشافعي فقال: قال ﷺ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٢): "لا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"، وروى أن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقته فيما يقول فقد كفر بما انزل على محمد" (٣)، فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] قلنا: أراد بالاهتداء بالنجم معرفة الطرق والمسالك والبلدان لا ما قلتم وحكي عن بعض الشيعة أنه قال: يعتبر العدد في شهر رمضان ولا يعتبر الهلال وهو غلط ظاهر.
مسألة: قال (٤): وَقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَقَدَّمُ الصيامَ [٢٦٥ أ/٤] بيوم.
الفصل
وهذا كما قال: صوم يوم الشك مكروه سواء صامه عن رمضان أو عن غيره من فرض أو تطوع إلا أن يوافق يومًا جرت العادة منه بصومه فلا يكره ويه قال عمر وعلى وعمارة بن ياسر ﵃، والعبى والنخع ومالك والأوزاعى، وروى عن ابن عائشة وأسماء ﵁ أنه إذا كان صحوًا يكره، وان كان غيمًا لا يكره عن رمضان، ويه قال أحمد وقال الحسن وابن سيرين: الناس في صومهم تبع لإمامهم فإن صامه الإمام
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٢١٢٦)، والبيهقى في "الكبرى" (٧٩٥١).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٦٨)، والحاكم (١/ ٨)، والبيهقى في (١٦٥١٠)
(٤) أنظر الأم (٢/ ٣).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
صاموا، وإن أفطر أفطروا، وروى هذا عن أحمد وعنه رواية ثالثة مثل قولنا. واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك، وقال أبو حنيفة: إن نوى التطوع فيه لا يكره، وإن نوى عن رمضان يكره، ويه قال مالك في رواية وهذا كله غلط، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ: " نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم [٢٦٥ ب/٤] الذي تشك فيه من رمضان" (١)، وروى ربعى بن حراش ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ثم ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا" (٢)، وروى عن صلة بن زفر أنه قال كنا عند عمار بن ياسر ﵁ في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة مصيله فتنحى بعض القوم وقال: أنى صائم، فقال عمارك من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم (٣)، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا هلال رمضان بيوم ولا يومين إلا ان يوافق صوما كان يصومه أحدكم" (٤)، وقال سماك: دخلت على عكرمة في يوم وقد أشكل على أمن رمضان هو أم من شعبان فأصبحت صائمًا فقلت: إن كان من رمضان لم يسبقني، وان كان من شعبان كان تطوعًا فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزًا وبقلًا ولبنًا فقال: هلم إلى الغداء فقلت: إني صائم، فقال أحلفت بالله لتفطرنه قلت: سبحان الله قال: أحلف بالله لتفطرنه [٢٦٦ أ/٤] قال: فلما رأيته لا يستثنى أفطرت قم قلت: هات فقال: ابن عباس يقول قال رسول الله ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت بينكم وبينه كآبة أ، غيمة فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" (٥).
قال أصحابنا: فإن وافق يوم عادة صومه فصامه عن فرض عليه لا يكره لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعًا له سبب فلئن يجوز الفرض فيه أولى كما في الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا جاز أن يصلى تطوعًا له سبب يجوز الفرض، وقال القاضي الطبارى: يكره ذلك عن فرضه، وقال أيضًا: لو كان عليه يوم من رمضان فقد ضاق وقت القضاء في هذا اليوم فيكره له أن يصوم فيه لأن الفرض به القربة ولا قربة في ذلك، وقال غيره: يجوز هاهنا أن يصومه، وإن لم يكن يوم عادته لأنه ضاق وقت القضاء، وهذا
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٧)، والبيهقى في "الكبرى" (٤/ ٢٠٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٢١٢٦)، وابن حبان (٥/ ١٩٠) والبيهقى في "الكبرى" (٧٩٥٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن حبان (٥/ ٢٣٩)، والحاكم (١/ ٤٢٤)، والدارقطني (٢/ ١٥٧)، والبيهقى في "الكبرى" (٧٩٥٢)، وفى "الصغرى" (١٣٠٥).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٥١٣)، والدارمى (٢/ ٤)، والدارقطني (٢/ ١٦٠).
(٥) أخرجه النسائي (٢١٨٩)، وابن خزيمة (٣/ ٢٠٤)، وابن حبان (٥/ ٢٣٩)، والحاكم (١/ ٤٢٤، ٤٢٥).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
أصح عندي، وأما قول الشافعي: كان ابن عمرو ﵁ يتقدم الصيام بيوم قال القفال: لم يُرد به الأخبار عن عادته لأنه نهى عنه [٢٦٦ ب/٤] كما ورد (١) يخالفه ولكنه روى أنه لما كبر وضعف بصره يبعث من ينظر له الهلال من علمائه وأمنائه إلى الصحراء حتى ينظروا إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن رأوه كان يصوم وإن لم يروه، وكانت السماء مصحية أصبح مفطرًا وان كانت السماء متغيمة أصبح متلومًا أي: ممسكًا عن المفطرات منتظرًا ثبوت رؤية الهلال لئلا يكون اكلأ في شهر رمضان، وان لم يجز صومه والدليل عليه ما روى عن ابن عمر ﵁ أنه قال: لو صمت الدهر لأفطرت يوم الشك (٢)، وأيضًا فإنه كان يفطر على هذا الحساب في أخر الشهر إذا تم ثلاثون بل كان يصوم يومًا أخر سوى اليوم الأول وعلى هذا ما رواه الشافعي بعد هذا عن على ﵁ قال: لئن أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أفطر يومًا من رمضان (٣) أي: لئن أمسك في يوم من شعبان فلا أطعم فيه أحب الى من ذاك واحتج بما روى في خبر ابن عمر ﵁، وإن كانت السماء متغيمة أصبح صائمًا، قلنا: أراد ممسكا أو يحتمل أنه كان ذلك اليوم يوم عادته في الصوم وشاهد [٢٦٧ أ/٤] للراوي يفعل ذلك مرتين على الموافقة فحكي فعله بلفظ كان.
فرع
لو شرع في صوم يوم الشك هلي ينعقد وجهان والمذهب أنه لا ينعقد.
مسألة: قال (٤): وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الهلالَ رُئيَ قَبْلَ الزَوُالِ أَوْ بَعْدَهُ فهو لِلَّيْلَّةِ المُسْتَقْبِلةِ وَوَجَبَ الصيامُ.
يعنى: من الغد وهذا كما قال: إذا أهل الهلال في يوم الشك فهو لليلة المستقبلة دون الماضية سواء كان قبل الزوال أو بعده، وسواء كان في أول رمضان أو في أخره فإن كان في أوله فإنه يصوم من الغد، وإن كان في أخره فالعيد من الغد ويه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد، وقال ابن أبى ليلى وسفيان وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة السالفة، وإن كان في أخره ففيه روايتان إحداهما: الليلة الماضية (٥) الثانية للمستقبلة احتياطيًا للصوم، وتعلقوا بقوله ﷺ: "صوموا لرؤيته" فيجب الصوم عليهم برؤيته، وان ما قبل الزوال هو أقرب الى الماضية وهذا غلط لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر ﵁ ونحن [٢٦٧ ب/٤] بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس ويه قال على بن أبى طالب وابن مسعود ﵄
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (٧٩٥٨)
(٣) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (٧٩٨١)، وفى "الصغرى" (٨١٣٠٨).
(٤) انظر الأم (٢/ ٣) ز
(٥) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
ولا مخالف لهم وخبرهم يقتضى وجوب الصوم بعد الرؤية وعندهم أنه يصوم جميع اليوم، وأما القرب قلنا: هو في أ، ل النهار أقرب إلى الليلة المستقبلة منه إلى وقت طلوعه من أول الليلة الماضية وما ذكره أحمد من الاحتياط في وجه له لأن هذا ان كان لليلة الماضية ثبت فيها، وان كان للمستقبلة في دليل فيه فلا يحتاط مع عدم الدليل على أنه يبطل به إذا اشتبه الفجر فإنه لا يجب الإمساك احتياطا.
مسألة: قال (١): وَإِنْ شَهِدَ عَلى رؤيتِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ رَأَيْتُ أن أَقْبَلْهُ لِلأَثَرِ فيهِ والاحتياطِ. ٍ
وهذا كما قال: إذا رأى الهلال وحده فإنه يلزمه الصوم لأنه علم قطعا ويقينًا وإذا شهد شاهد واحد قال في "الأم": رأيت أن [٢٦٨ أ/٤] أقبل عدلًا واحدًا للأثر والاحتياط وأراد بالأثر خبرًا، روى عن النبي ﷺ وهو ما روى ابن عباس ﵁ أن أعرابيًا جاء إليه من الحرة فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله قال نعم [٢٦٨ ب/٤] (٢) [٢٦٩ أ/٤] ثم قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدًا" (٣)، وقال ابن عمر ﵁: "ترى أي الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ من أنى رأيته فصام وأمر الناس بالصيام" (٤)، وروى عن عمر ﵁ أنه قبل شهادة الواحد، قال: يكفي المسلمين أحدهم (٥)، ويه قال على بن أبى طالب ﵁ قالت فاطمة بنت الحسين بن على ﵁: أن رجلًا شهد عند على ﵁ على هلال رمضان وأراد بالاحتياط قاله على ﵁، ويه قال ابن المبارك وأحمد وهو الصحيح، وقال في "الويطى": ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حرين مسلمين عدلين فحصل قولان وبهذا قال مالك والأوزاعى والليث وإسحاق واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: صحبنا أصحاب رسول الله ﷺ وتعلمنا منهم وأنهم حدثونا أن رسول الله ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا" (٦) قلنا هذا احتجاج بدليل الخطاب والنطق [٢٦٩ ب/٤] أولى منه فإن قاسوا على هلال الفطر قلنا: قال أبو ثور: يقبل فيه قول الواحد أيضا لأن هذا خبر يستوي فيه المخبر والمخبر فأشبه أخبار الديانات وقيل: هذا قول مخرج ولا يصح وهذا لما روى طاوس قال: شهدت المدينة
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ٣).
(٢) هكذا يوجد صفحتان بيضاوان بالمخطوط.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١٢)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والحاكم (١/ ٤٢٤)، وابن حبان (٥/ ١٨٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٤٢)، والدارقطني (٢/ ١٥٦)، والحاكم (١/ ٤٢٣)، وابن حبان (٣٤٣٨)، والبيهقى في "الكبرى" (٧٩٧٨).
(٥) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (٧٩٧٩).
(٦) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١)، وأبو داود (٢٣٣٨)، والنسائي (٢١١٦).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على هلال رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته [فأمره] أن يجيزه وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلا رمضان، قالا: وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين (١)، فنقول: السنة فرقت بينهما ولأن الاحتياط للصوم في كل واحد من الموضعين يفرق بينهما. وقال أبو حنيفة: بين أول الشهر وآخره، فإن كانت السماء متغيمة فإنه يقبل فيه شهادة واحد، وإن كانت السماء مصحية فلابد من الاستعاضة وقد يحصل ذلك بالخمسين في البلد الكبير مثل مصر وبغداد. واحتج بأنه يجوز أن ينظر الجمع الكثير والجمع الغفير إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد ولا يراه الباقون.
قلنا [٢٧٠ أ/٤] يجوز هذا مع لطافة المرئي وبعده ويحتمل أن يختلف موضع قصدهم ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد جاز ولو حكم على ما قلتم لما صح فيه حكم الحاكم فإذا قلنا: بالمذهب اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لو شهد عبد أو امرأة فإنه يقبل لأن طريقه طريق الخبر دون الشهادة بدليل سقوط العدد فيه وبه قال أبو حنيفة، وقال سائر أصحابنا، لا يقبل وهو المذهب ونص عليه في "الأم". ونص أيضًا على أنه يعتبر أن يقيد لفظه بلفظ الشهادة حتى يقبل منه، ولو جرى مجرى الخبر للزم فيه قبول قول واحد عن الواحد فيقول أخبرني فلان عن فلان. وقيل: لا يعتبر فيه لفظ الشهادة من وجه ولا شك أنه يعتبر فيه العدالة.
وقال بعض أهل خراسان: لا تعتبر العدالة الباطنة فيه. وهو غلط، وإذا قلنا بالقول الثاني وهو القياس كما قال، والقياس أن لا يقبل على مغيب أي على أمر خفي إلا شاهدان، وأراد به القياس على هلال شوال لا يقبل إلا ذكرين حرين بالغين عاقلين مسلمين بلا إشكال، فإن قيل: كيف قال الشافعي: "يصوم بشهادة الواحد للاحتياط" [٢٧٠ ب/٤] وليس من الاحتياط يجري يوم الشك للصوم، قلنا: هذا سؤال من لا يعرف صوم يوم الشك وذلك أن الشاهد الواحد متى شهد فقد خرج اليوم عن حد الشك إلى حد الاحتياط أو حد الوجوب، وكذلك إذا كانت السماء كلها متغيمة فاليوم ليس بيوم الشك، فأما إذا كانت السماء قطع سحاب متفرّع بحيث يحتمل الرؤية في مكان وإن تعذرت في مكان، ولم يشهد على رؤية الهلال شاهد فمن أصبح في هذا اليوم كرهنا له الصوم لأنه صبيحة يوم الشك، وقال القفال: صورة يوم الشك أن يقول بعض الناس رئي الهلال ولا يقول عدل منهم: أنا رأيت وسواء ذكر الفساق ذلك أو الصبيان أو الكفار فإن قيل: ظاهر ما حكي عن علي ﵁ يوهم أنه كان يستحب صوم يوم الشك، قلنا: ليس كذلك بل الظن بعلي ﵁ أنه لا يخالف السنة، وقد قال عمران بن الحصين ﵁ يوم الشك: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٨٠).
[ ٣ / ٢٤١ ]
القاسم" والمراد بما ذكرنا ما قدمنا إذا شهد واحد وإذا شهد واحد خرج اليوم عن الشك ولو أراد المزني [٢٧١ أ/٤] قطع هذا الإشكال في اختصاره لأمكنه ذلك بحذف الواو من قوله: وقال علي، ورواه عن علي لئن أصوم يومًا من شعبان فيكون معناه، ورواه الشافعي كما روينا ثم نختصر من تلك القصة قول علي فلما أدخل الواو أوهم أن قول علي منفصل عن رواية الشافعي وروايته منفصلة عن قوله فيفهم.
فرع
قال في "الأم" (١): لو غُمَّ الشهران معًا فصاموا ثلاثين ثم جاءتهم البينة بأن شعبان قبل صومهم بيوم قضوا يومًا لأنهم قد أفطروا أول يوم من رمضان، وإن جاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أية ساعة منه وصلوا العيد.
فرع آخر
الشاهد الواحد إذا شهد بإسلام ذمي لا يقبل في الإرث وهل يقبل في حكم الصلاة عليه وجهان بناء على هلال رمضان ووجه المقاربة أنها شهادة تقتضي إيجاب عبادة.
فرع آخر
لو صاموا بشاهدين فعدوا ثلاثين ولم يروا الهلال وكانت السماء مصحية كان لهم الفطر نص عليه في "الأم"، و"أمالي حرملة"، وقال ابن الحداد في تفريعه: لا يجوز لهم الفطر لأن عدم الهلال [٢٧١ ب/٤] يقين والحكم بشهادة شاهدين مظنون واليقين مقدم على المظنون وهذا خطأ في المذهب وقوله: أنه من تفريعه خطأ أيضًا لأن الشافعي نص عليه وما قاله مذهب مالك والدليل عليه أنه لو شهد الآية برؤيته جاز الفطر فجاز الفطر أيضًا بناء على شهادتهما وإذا جاز أن يراه الواحد والاثنان دون غيرهما جاز أن لا يراه الجماعة فلا يتحقق كذلك الشاهدين.
فرع آخر
لو صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا وكانت السماء متغيمة فلم يروا الهلال نص في "الأم" (٢): أنهم يفطرون وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من قال: وبه قال محمد يصومون يومًا آخر لأنهم لو أفطروا كان إفطارًا بشهادة واحد وهو غلط، لأن الإفطار يثبت على طريق التبع كشهادة النساء تثبت الولادة ثم يثبت الميراث والنسب تبعًا.
فرع آخر
إذا رأى الهلال أهلّ بلد دون أهل بلد آخر نظرت فإن كان البلدان بينهما مسافة قريبة لا يختلف المطلع لأجلها كبغداد والبصرة تجب على أهل البلد الآخر برؤيتهم الصوم، وإن كان البلدان [٢٧٢ أ/٤] متباينين كالعراق والحجاز أو الشام وخراسان قال أبو حامد: لا يلزم أهل أحدهما رؤية أهل الآخر لأن الهلال يجوز أن يهل في إقليمه ولا
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٨٢).
(٢) انظر الأم (٢/ ٨٢).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
يهل في إقليم آخر واختاره القاضي أبو حامد والدليل عليه ما روي عن كريب مولى ابن عباس ﵁ قال: بعثني أم الفضل بنت الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية ﵁ فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة وصاموا وصمت فرجعت إلى المدينة فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال: أما نحن فقد رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو ستكمل العدة ثلاثين فقلت: أما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ، قال أصحابنا: يحتمل أنه كان عنده نص في ذلك ويحتمل أنه أراد به قوله ﷺ: "صوموا لرؤيته" وبهذا قال أبو حنيفة.
قال أبو حامد: وحكي لي ثقة أن من البلاد ما لا يزيد الليل فيه عن النهار ومنها ما تكون الشمس طالعة فيه ولا تكون في غيره فإذا كان [٢٧٢ ب/٤] كذلك كان لكل بلد طلوع نفسه وغروب نفسه ورؤية نفسه، وقال القاضي الطبري وجماعة: هذا غلط، وإذا رآه في بلد وجب على أهل سائر البلاد الصوم وحكي هذا عن أحمد لأن الأرض مسطحة مبسوطة فإذا رُئي في بلد عرفنا أن المانع في بلد آخر عارض يمنع الرؤية لأن الهلال لم يستهل والأول أظهر عندي فإذا قلنا بهذا فلو رأى الهلال ليلة السبت فحكمه حكم البلد الذي انتقل إليه وليس له أن يفطر قبلهم لما روي في حديث ابن عباس ﵁ أنه أمر كريبًا أن لا يفطر وأن يقتدي بأهل المدينة ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل فيه وجهان، والأصح أنه لا يفطر لئلا يخالف أهل تلك البلدة وذكروا أيضًا أنه يعتبر القرب والبعد بمسافة القصر في هذا الحكم وهو غلط، بل الاعتبار في أحد الوجهين بالإقليمين.
فرع آخر
لو أن واحدًا من أهل البلد الذي لم يرقبه الهلال سافر إلى البلدة التي رأوا فيها الهلال ثم هم أفطروا في آخر الشهر فإن أفطروا برؤية الهلال أفطر معهم [٢٧٣ أ/٤] وإن أفطروا بكمال العدد ثلاثين يومًا فإن قلنا: حكمهم يلزمهم أهل البلاد يفطر معهم لا يلزم فيه وجهان على عكس المسألة الأولى، فإن قلنا: هناك لا يفطر تبعًا لأهل البلدة التي هو فيها فهاهنا يفطر، وإن قلنا: هناك يفطر لاعتبار حكم البلدة التي سافر عنها فهاهنا لا يباح له الفطر حتى يرى الهلال أو يكمل العدد.
مسألة: قَالَ (١): وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا من جِمَاعٍ أَوِ احْتِلاَمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا جامع بالليل وأصبح وهو جنب لم يضر صومه، وكذلك إذا احتلم في النهار اغتسل وأتمّ صومه، وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤).
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وعائشة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر ﵁ لقوله ﷺ: "ثلاثة لا يفطرون الصائم الحجامة والقيء والاحتلام" (١) وكذلك الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى أصبحت صح صومها وليس من شرط الصوم الطهارة لا من الحدث ولا من الجنابة ولا من الحيض وحكي عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله والحسن بن صالح بن حي يبطل صومه إذا أصبح جنبًا من جماع وبه قال [٢٧٣ ب/٤] الشيعة، وقال طاوس وعروة: إن كان علم بجنابته ففرط في الاغتسال حتى أصبح لم يصح صومه، وإن لم يعلم حتى أصبح لم يجب قضاؤه وقال النخعي يجزيه في التطوع ويقضي في الفريضة، واجتجوا بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" (٢) وهذا غلط لما روي خبر عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله صلى الله يصبح جنبًا من جماع (٣)، ثم يصوم" أي: كان لا يحتلم فإن الأنبياء لا يحتلمون.
وأما خبر أبي هريرة قلنا: روي أن عائشة لما روت هذا الخبر رجع أبو هريرة وقال: أخبرني به الفضل بن عباس وروي أن عيسى بن أبان طعن فيه وقال: روى أبو هريرة خبرًا عن رسول الله ﷺ فلما روجع فيه أحال به على ميت يعني على الفضل، فإنه كان يومئذٍ ميتًا وهذا الطعن فيه أحق لأنه ثبت كثير من أحكام الشرع برواية أبي هريرة ولم يقل هو سمعت النبي ﷺ حتى يكون بقوله سمعت الفضل مناقضًا للأول بل قال: من أصبح جنبًا أفطر قاله محمد ورب الكعبة [٢٧٤ أ/٤] وهذا يحتمل أنه ذكر ذلك برواية الفضل، وروي عن جابر ﵁ قال: ليس كل ما يروى سمعناه من رسول الله ﷺ ولكن سمع بعضنا بعضًا ونحن لا نكذب وروي أن مروان بعث إلى أبى هريرة أن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم فقال: "أهما قالتاه، قال: نعم، قال: فهما أعلم" (٤) ويحتمل أنه منسوخ فإن الخبرين إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ ورأينا الصحابة تلقوا أحدهما بالقبول وعملوا به دل على أنه ناسخ للحديث الآخر الذي تركوه أو يكون تأويله من أصبح مجامعًا أفطر وقد يسمى الشيء باسم ما هو سبب فسمى الجماع جنابة وهذا بعيد.
مسألة: قال (٥): وَإنْ كَانَ يَرَى الفَجْرَ لَمْ يَجِبْ وَقَدْ وَجَبَ أَوْ يَرَى أنَّ اللَّيْلَ قَدْ وَجَبَ وَلَمْ يَجِبْ أعاد.
وهذا كما قال: إذا أكل ظانًا أن الشمس قد غربت ولم تكن قد غربت يلزمه القضاء بلا خلاف على المذهب، وبه قال عامة الفقهاء، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٧١٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٠٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (٧٥/ ١١٠٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢٦)، ومسلم (٧٨/ ١١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (٧٥/ ١١٠٩).
(٥) انظر الأم (٢/ ٤).
[ ٣ / ٢٤٤ ]
عليه ويمسكوا بقية [٢٧٤ ب/٤] النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعطاء وعروة واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنا فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة فعجل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم (١)، ولأنه بمنزلة الناسي لأنه أكل وعنده أنه غير صائم وهذا غلط، لما روي أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء قال: وبد من ذلك أورده أبو داود في سننه وروي أصحابنا فأمر رسول الله ﷺ بالقضاء وأما خبر عمر قلنا: روى حنظلة قال كنا بالمدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر [٢٧٥ أ/٤] الناس فأمر عمر ﵁ من كان قد أفطر أن يصوم يومًا مكانه، وروي مالك في الموطأ أنه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك: أراد به حقه وجوب القضاء، وروي أصحابنا أنه قال: الخطب يسير يقضي يومًا مكانه، وأما الناسي فلا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيًا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس فالنسيان خطأ في الفعل، وهذا خطأ في الوقت، والتحرز منه ممكن، وقال القفال: أما في آخر النهار فيلزمه القضاء بلا خلاف، وأما في أول النهار فقد نقل المزني أنه يقضي، وما نقله ليس هو من لفظ الشافعي بل لفظه واجب تأخير السحور فإذا صار إلى وقت يخشي طلوع الفجر أمسك وأحب تعجيل الفطر فإن خاف أن يكون النهار باقيًا أمسك فإن أفطر فبان أن النهار كان باقيًا فعليه القضاء ثم ذكر حديث عمر ﵁، فمن أصحابنا من صوّب المزني في هذا التخريج وسوى بين أول النهار وآخره، وقال: لعل المزني سمعه منه، ومن أصحابنا من غلط المزني وقال: في أول النهار [٢٧٥ ب/٤] لا يبطل صومه وبه قال مجاهد وهو اختيار المزني لأن الأصل بقاء الليل فهو معذور وفي آخر النهار الأصل بقاء النهار فعليه أن يحتاط ويؤخر فإذا لم يفعل أفطر ولم يساعده على هذا أحد من أهل العراق.
مسألة: قَالَ (٢): وَإِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَفِيْ فِيهِ طَعَام لَفَظَهُ فإنْ ازدَرَدَهُ أَفْسَدَ صَوْمَهُ.
وهذا كما قال: العرب تسمي فجر الصبح خيطًا كما قال الله ﷿ فاعلم أنه يدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس لما روى عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٠١٢)، وفي "معرفة السنن" (٢٤٧٣).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
من هاهنا فقد أفطر الصائم" (١) ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وإذا طلع الفجر وفي فيه طعام أخرجه كما طلع الفجر فإن ازدرده أي: ابتلعه بعد طلوع الفجر أفسد صومه إذا كان ذاكرًا للصوم، وحكي عن ابن سريج وأبي إسحاق أنهما قالا: هذه [٢٧٦ أ/٤] المسألة لا تتصور إلا في رجل كان على سطح أو ربوة من الأرض يراقب الفجر فانشق عموده وفي فيه بقايا طعامه لفظها وصح صومه، وأما إن كان مطلع الفجر متواريًا عن بصره يستره حائل يأكل حتى يخبر بطلوع الفجر فعليه قضاء اليوم لا ينفعه أن يلفظ ما في فيه عند اتصال الخبر به لأن الطعام لا محالة قد وصل إلى جوفه بطلوع أوائل الفجر إلى أن يسمع الخبر اللهم إلا أن يتصور إمساك لقمة في الفم قبل طلوع الفجر واتصال الخبر به قبل ازدراد شيء مها فيلفظها بجملتها بعد طلوع الفجر إن تصور ذلك.
فرع
لو طلع الفجر وفي فيه طعام فسبقه الطعام ودخل جوفه من غير اختيار لازدراده وهو ذاكر لصومه هل يفطر؟ وجهان مخرجان من المضمضة إذا شق منها الماء وأصحهما أن عليه القضاء.
مسألة: قال (٢): وَإِنْ كَانَ مُجَامِعًَا أخْرَجَهُ مَكَانَهُ.
وهذا كما قال: إذا أولج قبل طلوع الفجر فوافاه الفجر مجامعًا نظر فإن وقع النزع والطلوع معًا بأن كان الفجر يطلع وهو شرع لم يقدح ذلك في صومه وإنما يتصور ذلك على [٢٧٦ ب/٤] ما صوره أبو إسحاق وابن سريج قال ابن سريج: وسواء أنزل في حال الإخراج أو لم ينزل لم يفسد صومه لأنه متولد من مباح، وقال مالك وأحمد وزفر والمزني: يفسد صومه، وعن أحمد أنه يلزمه الكفارة أيضًا، واحتجوا بأن النزع هو جماع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فيفسده وهذا غلط، لأن النزع ترك الجماع وترك الفعل ليس بفعل، ألا ترى أنه لو حلف أنه لا يلبس ثوبًا وهو لابسه فنزع في الحال لا يحنث، وأما الالتذاذ فلا يتعلق به الفساد بل يتعلق بالوطئ وهذا ليس بوطء ولهذا لا يتعلق بالمباشرة دون الفرج إذا لم ينزل وإن التذ.
مسألة: قال (٣): فَإِنْ مَكَثَ شَيْئًَا أَوْ تَحَرَكَ لِغَيْرِ إِخْرَاجِه أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَقَضَى وكفَّرَ.
وهذا كما قال: إذا مكث على الجماع كما ذكرنا مع العلم والقدرة على إخراجه أو تحرك لغير إخراجه فسد صومه وعليه القضاء والكفارة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يجب القضاء ولا كفارة وذكره والدي ﵀ عن بعض أصحابنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ٤٦)، ومسلم (٨٦٢)، والترمذي (٦٩٨)، وأحمد (١/ ٣٥)، والدرامي (٢/ ٧)، والحميدي (٢٠).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥).
(٣) انظر الأم (٢/ ٥).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وهذا غلط لأنه مع الانعقاد بالجماع فصار كما لو أفسد بالجماع [٢٧٧ أ/٤] ولو كان جاهلًا بطلوع الفجر فلا كفارة وعليه القضاء وإن مكث بعد ذلك متعمدًا وليس على قولنا جماع يمنع صحة الصوم ولا كفارة إلا هذا واختلف أصحابنا إذا مكث متعمدًا فمنهم من قال: لم ينعقد صومه أصلًا والكفارة تجب بمنع الانعقاد بالجماع ومنهم من قال: انعقد صومه ثم فسد إذا أحرم مجامعًا انعقد ثم فسد والأول أولى عندي وقال الإمام أبو محمد الجويني: لو اشتغل عند الطلوع بالإخراج ولكن قصد بالحركة للإخراج طلب اللذة صار كالمكث على الجماع لأن اللذة تلتمس بالإيلاج مرة وبالإخراج أخرى فليكن قصده ترك الجماع لا يشوبه ابتغاء اللذة حتى لا يبطل صومه.
فرع
لو طلع الفجر وهو مجامع وظن أن صومه قد بطل وإن أقلع فمكث ممسكًا عن خراجه يلزمه القضاء ولا كفارة لأنه غير قاصد لهتك الحرمة ذكره في "الحاوي" (١)، فإن قيل: أليس إذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا فوطئها طلقت ثلاثًا وإن مكث مع القدرة عن النزول عنها لا يجب الحد ولا المهر فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا فيه فقال صاحب "الإفصاح" [٢٧٧ أ/٤] لا نص فيه للشافعي والذي يقتضيه نصه في كتاب الصوم أنه يلزمه الحد إذا كان عالمًا بتحريمها فإن لم يكن عالمًا فلا حد ويلزمه مهر مثلها فلا سؤال ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الحد ولا المهر لأن الشافعي قال في كتاب الإيلاء: ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثًا فإذا غابت الحشفة طلقت ثلاثًا فإن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها فاشترط أن يخرج ثم يدخل فدل على أنه إذا مكث أو تحرك لغير إخراجه لا شيء عليه والفرق أن في الصوم لم يتعلق بابتداء الوطئ غرم لأنه كان قبل طلوع الفجر فجاز أن يتعلق باستدامته بعده غرم وفي الإيلاء يتعلق بابتدائه غرم وهو البينونة واستقرار المهر المسمى فلم يتعلق باستدامته بعده بشيء.
مسألة: قال (٢): وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أسْنَانِهِ مَا يَجْرِيْ بِهِ الرَّيقُ. وَلاَ يُمْكِن الاحترازُ مِنْهُ لا يفطر، وإن كانت جسمًا يقدر على لفظه من فيه وإلقائه عنه فازدرده أفطره. وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال فيما يجري به الريق نقل الربيع أنه يفطر ففيه قولان وهذا لا يصح [٢٧٨ أ/٤] وقد بينه الشافعي في "الأم" على ما ذكرنا فالنصان على حالين ولا معنى لتخريج القولين فيه.
وقال القفال: أراد إذا جرى به الريق من غير قصد فإن قصد ابتلاعه وأمكنه دفعه عن أن يجري به الريق فلم يفعل بطل صومه وصغره لا يكون عذرًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إن كان قدر سمسمة فابتلعه عمدًا لا يفطره لأن الاحتراز عنه مثله لا يمكن وهذا لا يصح، لأنه إذا لم يمكنه الاحتراز يكون معذورًا عندنا أيضًا وكلامنا إذا أمكن ذلك وفسّره الربيع على هذا الوجه الذي حكاه القفال ولو صح فقال: إن تعمد ازدراده فطر.
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤١٧).
(٢) انظر الأم (٢/ ٥).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
فرع آخر
في الريق والنخامة إذا بلع الريق الذي يجتمع في فيه على العادة لا يفطره لأنه يمكنه الاحتراز منه فإن الريق لو انقطع جف حلقه وفسد وإن بزق في كمه ثم أخذه وبلعه فطره، وهكذا إذا أخذه بإصبعه ثم رده إلى فمه وبلعه فطره وهكذا لو رمى به فتدلى من فيه ثم رده وبلعه فطره ولو جمع الريق في فمه حتى كثر ثم بلغ فيه، وجهان:
أحدهما: يفطره لأنه خرج عن العادة ويمكنه الاحتراز منه [٢٧٨ ب/٤].
والثاني: لا يفطره وهو الأصح لأنه لم يفارق محله ولم يوجد منه غير الجمع ومجرده لا يوجب الفطر ولو أخرج لسانه وعلى رأسه ريق ثم رده إلى فمه لا يفطره لأنه لم يفارق محله ولو مص ريق غيره وبلعه فطره فإن قيل: "روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها" (١) قلنا: يحتمل أن يكون مص اللسان في غير الصوم ويحتمل أنه لم يبتلغ فإن مجرد المص لا يفطره قد جرت عادة الخياطين أنهم يبلون الخيط بالريق ثم يردون الخيط إلى الفم ويفتلون فإن لم يكن على الخيط من الرطوبة ما ينفصل عنه لا يبطل صومه بلا خلاف، فإن كانت تنفصل عنه فابتلعها عالمًا أنه يبطل الصوم بطل صومه وإن كان جاهلًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه لأن مثل هذا يخفي ويشتبه على العوام.
والثاني: يبطل صومه لأنه علم أن الواصل إلى الجوف مبطل للصوم وإذا علم ذلك كان من سبيله أن يحترز عن كل واصل إلى الجوف فإذا لم يحترز بطل صومه ولو أخرج البلغم من صدره إلى فيه ثم بلعه فطره قاله صاحب [٢٧٩ أ/٤] "الإفصاح" وغيره لأنه كالقيء وعلى هذا لو جذبه من رأسه فدخل في فيه ثم بلعه يجب أن يفطره قولًا واحدًا ذكره القاضي الطبري، وقال في "الحاوي" (٢):فيه وجهان والصحيح أنه إذا أخرجه من حلقه أو دماغه لم يفطره كالريق ولو لم يحصل في فيه ولكن وصل إلى حلقه ومن هناك نزل إلى جوفه لا يفطره عندي لأنه نزل من الجوف إلى الجوف.
مسألة: قال (٣): وَإِنْ تَقَيَأَ عَامِدًا أَفْطَر، وَإِنْ ذَرَعَهُ القَيءُ لَمْ يُفْطِرْ.
وهذا كما قال: إذا تقيأ عامدًا أفطر وعليه القضاء ولا كفارة كما لو أكل عامدًا، وإن غلبه القيء لم يفطره كما لو كان ناسيًا وقال ابن عباس وابن مسعود ﵄: القيء لا يفطر بحال، وقال عطاء وأبو ثور: إن تعمد يلزمه القضاء والكفارة وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، وروي ذلك عن علي وابن عمر ﵄ والدليل عليه ما روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض" (٤). واحتجوا بقوله ﷺ: "لا يُفطر من
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٦).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤١٩).
(٣) انظر الأم (٢/ ٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي (٣١٣٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وابن حبان =
[ ٣ / ٢٤٨ ]
قاء [٢٧٠ ب/٤] أو احتجم أو احتلم" (١). قلنا: أراد به إذا ذرعه القيء بدليل خبرنا وحكي عن الحسن البصري أنه قال في رواية يفطره، وإن غلبه وهو خطأ لما ذكرنا.
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قاء رسول الله ﷺ فأفطر فقال ثوبان: صدق أنا صببت له الوضوء (٢). وذكر المزني واحتج في ذلك بابن عمر وفي بعض نسخ المزني وقد رويناه عن رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك مرفوعًا من رواية أبى هريرة على ما ذكرنا واختلف أصحابنا إذا تعمد القيء كيف يفطر فمنهم من قال: إنما يفطر لأنه لا يقيء أحد إلا ويترادّ منه شيء إلى جوفه ولولا ذلك لم يفطره لأن ابن عباس ﵁ قال: الصوم مما دخل والوضوء مما خرج ومنهم من لا يعتبر ذلك لأنه لو قاء منكسًا رأسه بحيث يعلم أنه لم يرجع إلى جوفه شيء يفطره وهذا أصح فإذا تقرر هذا قال المزني بعد هذا أقرب ما يحضر لي للشافعي فيما يجري به الريق أنه لا يفطره ما غلب الناس من الغبار في الطريق وغربلة الدقيق وهدم الرجل الدار وفي نسخة الجدار وما يتطاير من ذلك وفي نسخة وما يتكاثر من ذلك أي: يغلب بالكثرة [٢٨٠ أ/٤] في العيون والأنوف والأفواه فيصل إلى الحلق حتى يتنخمه فيدخل في فيه أي: فيجد لونه في نخامته التي يخرجها من فيه فيشبه ما قال الشافعي في قلة ما يجري به الريق، والأمر على ما ذكر وهذه الجملة هي تشتمل على خمس مسائل إحداها: أن الرجل إذا مشى في طريق وهو صائم فيصعد غبار الطريق إلى جوف رأسه أو ينزل إلى أقصى حلقه لم يبطل صومه لأنه مغلوب به، والثانية: لو غربل دقيقًا كان كالغبار ولو غربل الدقيق وفتح فاه عمدًا حتى وصل إلى جوفه فيه وجهان كمن تعمد جمع الريق وبلعه، والثالثة: لو لم يلتئم عند الهدم حتى وصل التراب إلى الجوف لم يضره، والرابعة: أن العين والأنف والفم في هذه المسائل فلا يفسد صومه ما يصل من هذه السبل إلى الجوف، والخامسة: أن الصائم إذا تنخم فانقلعت النخامة وخرجت إلى فيه وهو غير قاصد لم يفسد صومه، وإن كان قاصدًا قلعها عن حد الباطن بالتنخم اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يفسد صومه وهو ظاهر كلام المزني واختياره، ومنهم من قال: يفسد صومه كما لو قصد الاستقاءة ولا فرق إذ لا فرق في الاستقاءة بين قلع الشيء من المعدة وبين قلعه من الصدر فإن كل ذلك جوف وإن كانت [٢٨٠ ب/٤] به سلعة فانقلعت النخامة من غير قصده فهو كمن ذرعه القيء وهذا هو القياس الواضح ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: جملة هذا هو أن الفم يقع الفطر بالواصل إلى الجوف منه
_________________
(١) = (٣٥٠٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٤)، والحاكم (١/ ٤٢٧). () أخرجه أبو داود (٢٣٧٦)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٧٥٣٨، ٧٥٣٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٠٣٣)، وفي معرفة السنن" (٢٤٧٦).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٥)، وأبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٧٩٣)، والنسائي (٣١٢٣)، والدارقطني (٢/ ١٨١)، والحاكم (١/ ٤٢٦).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
والخارج إليه، وكذلك القبل من الرجل والمرأة يقع الفطر بالداخل فيه والخارج منه، وأما الدبر فإنه يقع الفطر بالداخل فيه دون الخارج منه، وكذلك الأنف والأذن، وأما العين فلا يقع الفطر بالداخل فيها ولا الخارج منها، وقال أبو حامد: أخطأ المزني في "المختصر" حيث عد العين من جملة منافذ البدن وشبهها بالأفواه والأنوف وعلى هذا لو تثاءب إنسان إلى فوق فقطرت في حلقه قطرة ماء المطر لا يفطره كالذباب سواء ولو صب في حلقه ماء وهو نائم أو حبر مكرهًا أو وطئت نائمة مكرهة لا يفطره، وقال أبو حنيفة: يفطره كلها وهذا غلط، لأنه مغلوب عليه فأشبه ما ذكرنا ولو أكره وخوف بالسيف حتى شرب أو أكل بنفسه فيه قولان أحدهما: لا يفطره وهو المذهب الصحيح لأن هذا أشد من عذر النسيان، والثاني: يفطر لأن التناول حصل بفعله.
فرع
لو أعمي عليه فعولج بدواء يصل إلى جوفه قال القفال: فيه وجهان [٢٨١،٤] أحدهما: لا يفطره كما لو أولج لغير علة، والثاني: يفطره لأنه فعل لمصلحته فصار ما لو باشر باختياره وهكذا المحرم إذا أغمي عليه فعولج بدواء فيه طيب هل يلزم الفدية على المداوي فيه وجهان.
مسألة: قال (١): وَإِنْ أَصْبَحَ لاَ يُرَى أَنَّ يَوْمهُ مِنُ رَمَضَانَ وَلَمْ يُطُعَمْ ثُمَّ اسَتَبانَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أصبح يوم الثلاثين من شعبان وهو يراه من شعبان ولم ينو الصوم من الليل ثم بان في أثناء النهار أنه من رمضان فإن قامت البينة فلزمه إمساك لحرمة الوقت كما لو نوى الصوم ثم أفسده بالجماع أو بالأكل فإنه يلزمه إمساك البقية ويفارق هذا الحائض إذا طهرت في بعض النهار لا يلزمها إمساك بقية النهار، لأنا أبحنا لها أن تأكل مع علمها بأنه يوم من رمضان فجازت لها الاستدامة على الأكل وهاهنا لا يجوز به أن يأكل الطعام مع العلم بالحال، وإنما أبحنا على أنه ليس من رمضان فإذا بان ذلك حرمنا عليه الأكل ومن أصحابنا من قال: هل يلزم الإمساك في المسألة الأولى [٢٨١ ب/٤] قولان أحدهما: لا يلزمه الإمساك لأنه قال في البويطي: أحببت له أن يمسك لأنه أبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك بعده ولا فرق بين أن يكون أكل أو لم يأكل وإنما صور الشافعي المسألة فيمن لم يطعم لقصد الخلاف مع أبي حنيفة، فإنه يقول: إذا لم يطعم ونوى الصوم قبل الزوال يجوز صومه لا لأن وجوب الإمساك يختلف بذلك عندنا، وإذا أمسك على ما ذكرنا يلزمه القضاء لأنه لم ينعقد الصوم وهل يثاب عليه فيه وجهان: أحدهما: لا يثاب عليه لأنه لا يعتد به كما لو أكل متعمدًا ثم أمسك في الباقي.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٦).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
والثاني: يثاب عليه وهو الصحيح لأنه لو تركه استحق العقاب وهو مطيع بإتيانه فإذا أتى به يثاب عليه، وإن لم يكن ثواب الصوم وقال أبو حامد: قال أبو إسحاق: يكون صائمًا صومًا شرعيًا لأنه لا يجوز في شهر رمضان أن يصوم غير رمضان وهذا أصح، ولأنه لا يجوز أن يقع نقلًا في رمضان ونحن نوجبه عليه فهذه العبارة خطأ فينبغي أن يعتبر بما ذكرنا.
مسألة: قال: (١): وَإِنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ الشهرِ فَهْوَ فَرْضٌ وَإِلاَّ فَهْوَ تَطَوُّعٌ.
الفصل [٢٨٢ أ/٤]
وهذا كما قال: إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان ولم يثبت رؤية هلال رمضان فنوى أن يصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع فكان من رمضان لا يجوز لأن الأصل بقاء شعبان ودخول رمضان مشكوك فيه فلا يصح الدخول في العبادة بالشك، وإن كان ذلك في آخر رمضان فإنه يجزيه أن يقول أصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان فإن لم يكن من رمضان فأفطر لأن الأصل بقاء رمضان ودخول شوال مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك.
وقال أبو حنيفة والمزني: يجوز في المسألة الأولى أيضًا قياسًا على المسألة الثانية، وعند أبي حنيفة يجوز صوم رمضان بمطلق النية ولو نوى أن يصوم غدًا من رمضان أو نافلة لم يجز سواء كان في أول رمضان أو في آخره لأنه لم يقطع النية بأحدهما، وإنما يترك بين النفل والفرض فلم يجز.
وقال بعض أصحابنا: نظير هذه المسألة في صلاة الجمعة إذا قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة أو نافلة لم يجز، وإن بان بقاء الوقت لأنه شرك بين جمعة ونافلة، ولو قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة [٢٨٢ ب/٤] وإن كان خارجًا فهي نافلة فبان أنه لم يكن خرج الوقت كانت جمعة لأنه بني على أصل ولم يشرك وفي هذا نظر لأن من شك في وقت الجمعة هل خرج أم لا لا يجوز له أن يحرم بالجمعة على الصحيح من المذهب لأنه لم يتيقن وجود شرط جواز الجمعة ولابد من اليقين في ذلك.
فرع
لو نوى في غير رمضان فقال: أصوم غدًا عن قضاء رمضان أو نافلة فإنها تنعقد نافلة وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: تنعقد قضاء لأن التطوع لا يفتقر إلى التعيين فكأن نوى القضاء وصومًا مطلقًا وهذا غلط، لأن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالشك بقيت نية الصوم فوقع تطوعًا، وما قاله لا يصح لأن التطوع ينافي الفرض ونية الصوم لا تنافي الفرض، فإذا نواه نافي به الفرض في يوم شك.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٦).
[ ٣ / ٢٥١ ]
مسألة: قال (١): وَلَوْ عَقَدَ رَجُلٌ على أنَّ غدًا عَندَهُ من رَمَضانَ في يَومِ شَكِّ ثُمَّ بان له أنه كان من رمضان أجزأه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا عقد الرجل على أن غدًا عنده من رمضان عقدًا صحيحًا غير ممرض، إما بشهادة شاهد واحد يشهد عنده على رؤية الهلال أو بإخبار من يثق بخبره من امرأة أو عبد يغلب على ظنه صدقه أجزأته نيته وصح صومه لأن غلبة [٢٨٣ أ/٤] الظن في جواز الدخول في العبادة تجري مجرى اليقين، ألا ترى أنه إذا سمع أذان المؤذن فغلب على ظنه دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلي، وكذلك إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة بورده أو عمله يجوز له أن يصلي، وكذلك لو كان يعرف منازل القمر وتقدير سيره فعلم أن الهلال قد أهل هل يجوز له أن يصوم به؟ قال ابن سريج: يجوز، واختاره القاضي الطبري لأن علمه الحاصل من جهة الحساب هو آكد من غلبة الظن بخبر غيره فجاز أن يصوم به وهو اختيار القفال أيضًا، ومن أصحابنا من قال: لا تصح نيته به لأن الحساب ليس بطريق شرعي ولا يتعلق به وجوبه، وإنما الطريق الرؤية أو العدد، وهكذا الوجهان فيمن لا يعرف الحساب لكنه أخبره به من يثق هو بخبره فصام على ذلك، ولو عرف ذلك بالنجوم ففيه طريقان: أحدهما: قول واحد لا تجوز نيته به، والثاني: فيه وجهان أيضًا لأنه استند إلى دلالة علم والصحيح الأول لأن النجوم لا مدخل لها في أحكام الشرع.
فرع
هل يلزمه الصوم به إما بالحساب أو النجوم فلا خلاف أنه لا يلزمه به لأنه يكفي في الجواز ما لا يكفي في الجوب [٢٨٣ ب/٤] كما قلنا في وقت الصلاة: يجوز أن يدخل فيها بغلبة الظن، ولكن لا يجب وقيل: إذا كانت السماء متغيمة فقال أهل العلم بالحساب: لو لم يكن غيم أمكنت رؤية الهلال من طريق الحساب سير القمر فمن لا يعرف الحساب لا يعتمد ذلك ومن عرفه هل يلزمه أن يصوم وجهان والصحيح أنه لا يلزمه حتى يثبت عند الحاكم.
فرع
لو أخبره صبي عاقل برؤيته فغلب على ظنه صدقه، قال أبو حامد: يجوز أن ينعقد الصوم به وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك لأنه لا حكم لقوله.
فرع
لو عقد من غير دليل وقال: غلب على ظني أنه من رمضان لا يجوز له أن يصوم ولو
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٧).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
صام لا يجوز، وإن أصاب ولو قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فأخبرني أنه من رمضان وقال لي: صم لا يجوز العمل عليه فإن النبي ﷺ قد حكم أنه لا يجب إلا برؤية الهلال أو استكمال العدة ذكره القاضي الحسين ﵀ ثم أعلم أنه في لفظ "المختصر" أو في إشكال، وذلك أنه قال: لو عقد رجل ولم يبن سبب العقد [٢٨٤ أ/٤] وأطلق قوله ثم بان ومعناه بان للناس لا لهذا الرجل لأن هذا الرجل بان له بالأمس ما بان للناس اليوم.
مسألة: قال (١): وَإِنْ أَكَلَ شَاكًَّا فِْي الفّجْرِ فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ.
وهذا كما قال: وقت الصوم هو ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس كما أن وقت تركه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني وليس للفجر الأول تعلق بعبادة بحال فما لم يطلع الفجر الثاني فله الأكل فإن كان شك في طلوعه فالمستحب أن لا يأكل فإن أكل ولم يتبين له طلوع الفجر وبقي على الشك فلا شيء عليه وصومه صحيح، وقال مالك: فسد صومه وعليه القضاء ولا يذكر أصحابه هذا وهذا غلط، لأن الليل يقين وطلوع الفجر شك فلا يزال حكم اليقين بالشك ومتى تحقق الليل أفطر ويستحب له تعجيل الفطر، وإن لم يتحقق وغلب على ظنه دخوله نظر فإن كان غير دليل فالمستحب أن لا يأكل حتى يغرر بالصوم فإن أكل ونفي الأمر على ذلك فلا قضاء عليه، وإن غلب على ظنه بغير دليل فأكل وبقي على الشك يلزمه القضاء لأنه لا يجوز له الأكل مع هذا الشك إذ الأصل تحريم الطعام وهو شاك في إباحته [٢٨٤ ب/٤] فلا يجوز استباحته بالشك فإذا أكل يجب القضاء، وإن بان أن الشمس كانت قد غربت فلا قضاء عليه، فإن قيل: قال الشافعي نصًا: إذا شك الناس عند افتتاح الجمعة أن الوقت باقٍ أو لا، لا تجوز جمعتهم والأصل بقاء الوقت فخالف هذا الأصل الذي ذكرتم قلنا: لم يخالف وذلك أن الشك وقع هاهنا حين لم يبق من الوقت إلا قليل وذلك القدر لا يمتد حتى يصلى فيه جميع الصلاة بل يتيقن خروج الوقت قبل فراغه منها فلهذا لم (٢) أن تبتدئ الجمعة حتى (٣) عرض الشك في خلال الصلاة نص الشافعي أنهم يتمونها جمعة إذ يمكن الفراغ قبل خروج الوقت والأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة ذكره القفال.
مسألة: قال (٤): وَإِنْ وطِئَ امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا
الفصل
وهذا كما قال: الجماع محرم على الصائم فإذا جامع في الفرج عامدًا في صوم رمضان أفسد صومه وعليه القضاء بكل حال، وحكي أن الشافعي قال في "الأم": إذا كفر الواطئ يحتمل أن لا يكون عليه القضاء، وإن القضاء هو داخل في الكفارة ويحتمل
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٧).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) موضع النقط بياض بالأصل.
(٤) انظر الأم (٢/ ٧).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
أن يكون عليه القضاء ولكل وجه وأن يصوم أحب إلّي فأومأ إلى قولين، أحدهما: لا قضاء [٢٨٥ أ/٤] وهو بعيد ولا فرق بين أنواع الكفارة ففيه وجهان أن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة ولم يأمره بالقضاء، والثاني: يلزمه القضاء وقد روي أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للأعرابي: "وصم يومًا مكانه" والصحيح أن المسألة على قول واحد يلزمه القضاء، وقال بعض أصحابنا: إن كفَّر بالعتق والإطعام يلزمه وإن كفَّر بالصيام فقولان ووجه أن قضاء اليوم دخل في صوم شهرين. وهذا غلط لأن هذا من مذهب الأوزاعي ولا يصح، لأن الصوم نوع من أنواع الكفارة فوجب معه القضاء كالعتق، ولأن هذا الصوم وقع عن الكفارة فيستحل أن يدخل فيه قضاء رمضان وتجب الكفارة وهي عتق رقبة، ولا فرق بين الزنا وغيره.
وقال سعيد بن جبير، وقتاده، والشعبي، والنخعي: لا تلزم الكفارة كما في الأكل، وحكي عن سعيد بن جبير أنه إذا زنى لا كفارة وإذا (١) ورد من وطئ الزوجة، وهذا غلط لخبر الأعرابي المذكور في المختصر وتمامه وروى أن النبي ﷺ كان جالسًا [٢٨٥ ب/٤] في المسجد يومًا بين أصحابه إذ أقبل أعرابي ينتف شعره ويضرب صدره ويقول: ألا هلك الأبعد ألا هلك الأبعد يريد نفسه حتى دخل المسجد فدنا من رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "ما لك يا أعرابي"، فقال: هلكت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت" فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فضرب يده على رقبته وقال: والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، فقال: "صم شهرين متتابعين" فقال: وهل أتيت إلا من الصوم أي: هل وقع إلا من قلة الصبر من الصوم، فقال له ﵊: "أطعم ستين مسكينًا". فقال: لا أجد، فقال له: "اجلس" فجلس فأتى بعرق فيه تمر فقال: "خذها فتصدق بها" فقال: أعلى أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فوالله ما بين لابتيها - أي جبلي المدينة - أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فتبسم النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال له: "كل وأطعم عيالك" فحمل الأعرابي المكتل على كاهله ورجع إلى قومه وقال لهم: خوفتموني من محمد فقد ذهبت وأعطاني هذا التمر (٢). فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في قدر الكفارة وفيمن تجب [٢٨٦ أ/٤] عليه فأما قدر الكفارة قال في "القديم": كفارة واحدة وهو الصحيح لأنه ﷺ أوجب كفارة واحدة، وبه قال أحمد وقال في الإملاء: يجب كفارتان كفارة عليه وكفارة عليها، وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا أنه قال: قال الشافعي: هذا في مناظرة جرت بينه وبين مالك وليس بمشهور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور واختاره ابن المنذر وروي هذا عن أحمد، وإذا قلنا: تجب كفارتان فعلى كل واحد منهما أن يكفر عن نفسه على حسب حاله من عتق أو صيام أو إطعام وإذا قلنا: كفارة واحدة ففي كيفية
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٨٧، ٦٠٨٩)، ومسلم (٨١/ ١١١١)، وأحمد (٦/ ٢٧٦).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
الوجوب قولان أحدهما: تكون الرقبة عليهما وعلى الزوج تحملها عنها في ماله لأنهما اشتركا في هتك حرمة الصوم فاشتركا في وجوب الكفارة وهو ظاهر قول الشافعي عنه وعنها، والثاني: يكون عن الزوج خاصة ولا مدخل لها في وجوب هذه الكفارة كما لا مدخل لها في وجوب المهر وهو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: إنما لا تجب الكفارة عليها بالجماع لن فطرها سبق جماعها وهذا لا يصح لأنه يتصور فطرها بالجماع من ثلاثة [٢٨٦ ب/٤] أوجه:
أحدها: أن تكون نائمة فتنبهت بعد الإيلاج ومكثت على الجماع.
والثاني: أن تكون ناسية للصوم فتتذكر في أثناء الجماع وتمكث عليه.
والثالث: أن يكرهها في الابتداء ثم ترضى، فأول الإيلاج ما حصل به الفطر وإنما حصل بدوامه وقول الشافعي عنه وعنها أراد يجري عن فعله فعلها فلا يجب شيء آخر، وقيل: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: كفارتان، والثاني: كفارة عنهما، والثالث: كفارة عليه خاصة وقال والدي ﵀ قول التحمل باطل لأنه لو صح لوجبت كفارتان تامتان، ألا ترى أنه لما تحمل زكاة الفطر عنها يجب صاعان صاع عن نفسه وصاع عنها ويستحيل إيجاب نصف رقبة ثم تحمله وهو على ما ذكر، وقال القفال في كيفية التحمل: وجهان:
أحدهما: أنه يجب نصف الكفارة عليها ويتحمل الباقي.
والثاني: على كل واحد منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان وهذا ضعيف لأن التداخل لا يجري في الكفارة عندنا، وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه يجب على كل واحد منهما كل الكفارة ولكن إذا أخرجها الزوج [٢٨٧ أ/٤] سقطت عنها كما لو كان عليها دين هو ألف وضمنه الزوج عنها فالدين متعلق بكل واحدة من الذمتين فإذا أدى ذلك برئت الذمتان، كذلك هاهنا فإذا قلنا: لا يجب عليها أصلًا تعتبر حالة فيها فإن كان واجدًا للرقبة أعتقها، وإن لم يكن واجدًا لها صام شهرين متتابعين، وقال ابن أبي ليلى: يجوز متفرقًا فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا وهذه الكفارة هي على الترتيب عندنا، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يتخير بين أن يعتق أو ينحر بدنة لما روى ابن المسيب مرسلًا "أن النبي ﷺ قال للأعرابي بعد الرقبة هل تستطيع أن تهدي بدنة فقال: لا" وهذا غير مشهور فلا يعتمد عليه، وقال مالك: على التخيير بين هذه الثلاثة واحتج بما روي في خبر الأعرابي أن النبي ﷺ قال له: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينًا" ولأنها كفارة تجب بالمخالفة في موجب عقد فكانت على التخيير ككفارة اليمين وهذا غلط للخبر الذي روينا وروايته اختصار من خبرنا بعينه ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة [٢٨٧ ب/٤] ككفارة القتل، وليست كاليمين ولأنها خفف الأمر فيها بقلة المقدار وغيرها فخفف بالتخيير أيضًا وإذا قلنا بقول التحمل فلا يخلو حالهما من أحد أمرين: إما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا نظر فإن كان من أهل العتق أعتق الزوج رقبة واحدة تجزي عنهما ويقع حكمنا
[ ٣ / ٢٥٥ ]
عن كل واحد منهما، فإن كانا من أهل الصيام صام كل واحد منهما شهرين متتابعين، لأنه لا يدخل التحمل في الصيام ولا يتبعض، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ستين مسكينًا يقع عن كل واحد منهما كالعتق سواء، وإن اختلف الحالان فلا يخلو الزوج عن أحد أمرين: إما أن يكون أعلا أو أدنى فإن كان أعلا نظر فإن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أعتق وأجزأهما وسقط عنها الصيام، لأن معنى التحمل أن ينقلها إلى مثل حاله ويكفر عنه وعنها هذا إذا كان العتق عنها فإن كانت فيمن لا تكفر بالعتق وهي الأمة أعتق عنه نفسه وصامت عن نفسها لأنه لا يقدر أن ينقلها إلى منزلته في العتق، وقيل: إذا قلنا: يملك بالتمليك يجزي العتق وحكمها حكم الحرة المعسرة، وإن كان من أهل [٢٨٨ أ/٤] الصيام وهي من أهل الإطعام صام عن نفسه وأطعم عنها فإن تكلف العتق نقلها إلى مثل حاله وأعتق وسقطت الكفارة عنها فإن لم يفعل ذلك ولكنه اختار الصيام وصام عن نفسه ولا يصح فيه التحمل ويطعم عنها على ما ذكرنا إن قدر وإلا فلا يلزمه، وإن كان الزوج من أهل العتق وهي من أهل الإطعام أعتق وسقط عنها الإطعام لأنه نقلها إلى مثل حاله فصارت كأنها من أهل العتق، وإن كانت هي أعلا من الزوج فإن كانت من أهل العتق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وكان العتق في ذمته يعتق عنها متى قدر لأن من هو من أهل العتق لا يكفر بالصيام، وإن كانت من أهل الصيام وهو من أهل الإطعام أطعم عن نفسه وصامت عن نفسها لأن من كان من أهل الصيام لا يكفر بالإطعام ولا يدخل التحمل في الصيام، وإن كان من أهل الصيام وهي من أهل العتق أطعم عن نفسه وكان العتق عنها في ذمته حتى يقدر فيعتق عنها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اختلف الحالان على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: عليها [٢٨٨ ب/٤] كفارتان لأن الكفارتين إذا كانتا من جنسين لم يتداخلا، والثاني: يتداخلان وهو الأصح وفي هذا نظر.
فرع
لو قدم من سفر وقد طهرت زوجته من حيض فجامعها لا كفارة على واحد منهما، وإن كانت صائمة دونه نظر فإن أكرهها فعلى الوجهين لا كفارة لأن الإكراه اسقط الكفارة في حقها وهو مفطر فلا كفارة عليهما، وإن طاوعته لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تغره أو لا تغره فإن لم تغره ولكنها طاوعته مع العلم بذلك فعلى الوجهين، فإن قلنا: إن الكفارة عليه وحده لا كفارة هاهنا لأنه مفطر، وإن قلنا: عليهما فعليهما الكفارة ويتحملها عنها فيعتبر حالها فإن كانت من أهل العتق أعتق عنها، وكذلك إن كانت من أهل الإطعام أطعم عنها، وإن كانت من أهل الصيام صامت عن نفسها لأنه لا يحمل في الصيام.
ولو غرته مثل أن قالت: أنا مفطرة ثم بانت صائمة فإن قلنا: الكفارة عليه وحده فلا كفارة، وإن قلنا: بالقول الآخر قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين: أحدهما: الكفارة عليها لأنها غرته فلا يلزمه أن يتحمل عنها [٢٨٩ أ/٤] والثاني: لا كفارة على أحد
[ ٣ / ٢٥٦ ]
منهما لأن الزوج معذور في قبول قولها والمرأة لا يلزمها إخراج هذه الكفارة إذا كانت (١) والأول اختيار أبي حامد (٢) لم يذكر غيره وإن هددها فطاوعته لا تجب الكفارة وفي إفطارها قولان.
فرع آخر
لو كان الرجل نائمًا فجاءت امرأته فاستدخلت ذكره لا يفطر قولًا واحدًا، وأما المرأة فإن قلنا: إن الكفارة عليهما تجب الكفارة في مالها، وإن قلنا: عليه واحده لا شيء عليهما ولو كانت هي نائمة لا يلزمها القضاء ويلزمه القضاء والكفارة، وقال مالك: عليها القضاء والكفارة، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء دون الكفارة وهذا غلط، لأن هذا أكثر من النسيان فلا يفطرها.
فرع آخر
لو كان الزوج مجنونًا والمرأة عاقلة فمكنته من نفسها فإن قلنا: لا كفارة على المرأة لا شيء هاهنا، وإن قلنا: على المرأة الكفارة هل يتحمل فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يتحمل لأنها وجبت بوطئه والوطء يجري مجرى الجناية وما يجب بجناية المجنون يجب في ماله، وقال ابن سريج: لا يتحمل عنها ويلزم في مالها لأنه لا قصد له ولا حكم [٢٨٩ ب/٤] لفعله ولأنه معذور دونها وهذا أظهر عندي وقيل: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أحرم بالحج ثم جن فجامع هل تلزمه الكفارة قولان، ولو أكرهها المجنون فلا كفارة قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو أصبح صائمًا مقيمًا ثم جن فجامع وقلنا: لا يبطل صومه بالجنون قال ابن سريج: لا كفارة، وقال أبو إسحاق: عليه الكفارة ذكره بعض أصحابنا بخراسان وفيه نظر.
فرع آخر
لو أكره زوجته على الوطئ فإن لم يوجد منها تمكين فإن شدها ووطئها لا تفطر قولًا واحدًا تلزمه والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة وإن هددت بالضرب أو الطلاق حتى مكنته من نفسها هل تفطر، قولان:
أحدهما: لا تفطر والحكم على ما ذكرنا.
والثاني: تفطر ولا كفارة عليها قولًا واحدًا، لأنها معذورة في هذا الفطر غير عاصية به والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة، ولو أكره الرجل على الوطء بأن شدت يداه وأدخل ذكره في فرجها فإن لم ينزل فهو على صومه، وإن أنزل فيه وجهان: أحدهما: يفطر لأن الإنزال لا يحدث إلا عن قصد، والثاني: لا يفطر لأنه مكره فإذا قلنا: [٢٩٠ أ/٤] بالأول هل تلزمه الكفارة وجهان أحدهما: لا كفارة للشبهة، والثاني: تلزمه
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
الكفارة ذكره في "الحاوي" (١)، وعند أحمد تلزمه الكفارة لأن الانتشار بالاختيار.
فرع
لو زنا رجل بامرأة فإن قلنا: تلزمه الكفارة وحده تجب على الزاني وحده ولا شيء عليها سوى القضاء، وإن قلنا: إن الكفارة عليهما وتتداخل أو لا تتداخل ولكنه يتحمل عنها وجب على كل واحد منهما أن يعتق رقبة لأن التحمل إنما يجب على الزوج دون الزاني، وقال القاضي أبو حامد: لا خلاف في هذا لأن الخبر لم يرد فيه ولا الزاني في معناه.
فرع (٢)
لو وطئ أربع زوجت له في يوم واحد فإن قلنا: الكفارة عليه فتكفيه كفارة واحدة، وإن قلنا: عليهما يلزمه أربع كفارات، ولو كانت له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم واحد فإن وطئ الذمية أولًا ثم المسلمة فعليه كفارتان في أحد الوجهين، وإن وطئ المسلمة أولًا ثم الذمية فليس عليه إلا كفارة واحدة.
فرع
لو وطئ زوجته هل يجب عليه ثمن الماء لغسلها من هذا الجماع، قال القاضي الطبري: لا أعرف هذه المسألة لأصحابنا والذي عندي أنه بمنزلة النفقة لقضاء [٢٩٠ ب/٤] الحج إذا وطئها الزوج فأفسده عليها وقد قال الشافعي على الزوج إن حج بها من قابل والظاهر من المذهب أنها في ماله، ومن أصحابنا من قال: تجب في مالها وقول الشافعي: عليه أن يحج بها من قابل أراد عليه أن يأذن لها في الحج ولا يمنعها من الخروج فيكون ثمن الماء بمنزلة نفقة الحج الذي أفسده عليها.
واعلم أن الشافعي ذكر خبر الأعرابي وتكلم عليه فقال: قوله خذ هذا فتصدق به يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يملكه إياه وإنما تطوع بالتكفير عنه من ماله فلما أخبره بحاجته صرف إليه، والثاني: أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بحاجته أذن له في أكله قال: وفي قوله أطعمه عيالك ثلاثة تأويلات:
أحدها: أمره بأن يطعم عياله ويكون الفرض في ذمته باقيًا وهذا أحب إليَّ وأقرب إلى الاحتياط، وإن لم يكن مذكورًا في الخبر، والثالث أمره أن يطعم عياله ويسقط الفرض عنه بعجزه فهي خمس تأويلات ولكل واحد منها فائدة، فأما الأول يدل على أن من وجبت عليه كفارة يجوز لغيره أن يكفر عنه من ماله بإذنه لأنه دفع إليه الرسول ﷺ [٢٩١ ب/٤] ولم يملكه إياه ولكنه أمره بالتصدق به ليسقط الفرض عنه.
والتأويل الثاني: يدل على أن الكفارة لا تلزم إلا في الفاضل عن الكفاية لأنه لما أخبره بالاحتياج أجاز له أكله ولم يأمره بالتكفير.
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤٢٩).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤٢٩).
[ ٣ / ٢٥٨ ]
وأما الثالث: ففائدته أن من تطوع بالتفكير عن غيره يجوز له أن يدفع الكفارة إلى عيال المفكر عنه إذا كانوا محتاجين.
وأما التأويل الرابع: فائدته أن من وجبت عليه كفارة فعجز عنها فإنه يسقط فرضها عنه. فحصل من التأويل الرابع والخامس قولان وهما: أن من عجز عن الكفارة هل تسقط عنه؟ قولان قال أصحابنا: حقوق الله تعالى المتعلقة بالمال هي على ثلاثة أضرب: حق يجب لا بسبب من جهته ولا هو على جهة البذل مثل زكاة الفطر فلا خلاف أنها تجب في حال الوجوب عند القدرة ولا تجب عند العجز ويسقط رأسًا، وحق يجب بسبب من جهته على جهة البذل كجزاء الصيد فلا خلاف أنه يجب إخراجه عند القدرة ويثبت في الدية عند الإعسار إلى أن يجد، وحق يجب بسبب من جهته لا على وجه البذل ككفارة الجماع [٢٩١ ب/٤] والقتل واليمين والظهار فإن كان قادرًا في الحال يلزمه إخراجه، وإن كان عاجزًا هل يسقط؟ قولان: أحدهما: يسقط كزكاة الفطر، والثاني: وهو الصحيح أنه لا يسقط كجزاء الصيد ولا تجب الكفارة إذا وطاء في قضاء رمضان، وقال قتادة وأبو ثور: تجب الكفارة وهذا غلط، لأنه ليس لزمان القضاء حرمة رمضان فلا كفارة.
مسألة: قَالَ (١): وَإنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ في أَكْلِ النَّاسي.
وهذا كما قال: إذا أكل ناسيًا لم يفطر ولا قضاء عليه وليس في الصيام ما يقضي إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا إلا في الناسي لطلوع الفجر وإن جامع ناسيًا فقد نقل المزني أنه لا كفارة قياسًا على أكل الناسي للخبر في ذلك وهو قوله ﷺ: "من أكل أو شرب في الصوم فليتم صومه فالله أطعمه وسقاه" (٢). وروي عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الذي صام ثم جامع أشياء مثل الذي يأكل ناسيًا وبقولنا قال على وابن عمر وأبو هريرة ﵃ والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة [٢٩٢ أ/٤] ومن أصحابنا من غلط المزني فيه وقال: لا نص فيه الشافعي فيحتمل أن يخرج على قولين كما نقول في جماع الناسي في الحج قولان ذكره أهل خراسان وحدهم أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأنها تسقط.
والثاني: تلزمه الكفارة لأن الأعرابي جاهل بحكم الفطر والرسول ﷺ أوجب الكفارة عليه والناسي هو مثل الجاهل وهذا أصح، ومن قال بالأول فرق بين الحج وهذا بأن المحظورات هناك تنقسم إلى ما هو استمتاع كاللباس وإلى ما هو إتلاف كالحلق ويستوي في هذا حكم العامد والناسي دون ذاك فجاز أن يلحق الجماع بما يستوي فيه السهو والعمد ومحظورات الصوم كلها على قسم واحد لا تختلف وكلها
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١٧١/ ١١٥٥).
[ ٣ / ٢٥٩ ]
تفترق بالسهو والعمد فيختلف هذا أيضًا، وقال مالك وربيعة: عليه القضاء في الأكل والجماع ولا تلزم الكفارة، وقال أحمد: تجب بالجماع الكفارة والقضاء ولا تجب بالأكل شيئًا، وقال في "الحاوي" (١): عن أحمد إذا أكل ناسيًا فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون أكل ولا كفارة فيهما [٢٩٢ ب/٤] واحتج مالك بأنه قاس على ترك النية وهذا غلط والفرق أن النية مأمور بها والأكل منهي عنه فيختلفان كما في الصلاة لو تكلم ناسيًا لا تبطل، ولو ترك الركوع ناسيًا بطلت واحتج أحمد بأن النبي ﷺ لم يسأل المجامع في رمضان هل كان عامدًا أو ناسيًا وهذا غلط، لأنه روي أنه قال: "هلكت وأهلكت" وروي أنه قال "احترقت" فدل أنه كان عامدًا.
فرع
لو أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر ثم جامع عامدًا أو أكل عامدًا حكي القاضي أبو علي البندنيجي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا يبطل صومه كمن سلم من اثنتين من الظهر فتكلم فاعتقد أنه خرج من الصلاة لم تبطل صلاته، ونص الشافعي في "الأم" (٢): أنه لا كفارة ولم يتعرض للقضاء، وكذلك لو احتجم أو اغتاب أو قبل ولم يُنزل واعتقد أنه يفطره أو اعتقد أنه نسي النية من الليل فوطئ ثم تذكر النية الباب كله واحد، وقال سائر اصحابنا: يلزمه القضاء ولا كفارة لأن الكفارة تسقط بالشبهة دون القضاء، ولم يذكر صاحب "الحاوي" (٣) [٢٩٣ أ/٤] غيره والمسألة معروفة بالوجهين والأقيس الأول، وقال القاضي الطبري: يحتمل عندي أنه يلزمه الكفارة، لأن الذي ظنه لا يبيح له الوطء بخلاف ما لو جامع طانًا أن الشمس غربت لأن ظنه هاهنا يبيح الوطء، ولو علم أنه على صومه فجامع فإنه تلزمه الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة وجعل المتقدم شبهةً وهذا غلط، لأن كل وطء يوجب الكفارة إذا لم يتقدمه بعفو عنه يوجب الكفارة، وإن تقدمه معفو عنه كالوطئ في الحج.
فرع آخر
لو استكثر الأكل ناسيًا قيل: فيه وجهان لأنه نادر.
فرع آخر
لو تقيأ عامدًا وهو جاهل ببطلان الصوم قال القاضي الحسين ﵀: يبطل صومه إلا أن يكون حديث العهد بالإسلام وهكذا المحرم إذا تطيب جاهلًا تلزمه الفدية إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام قلت: ويحتمل أن يقال لا يفطره لأن هذا مما يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضًا.
_________________
(١) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤٣٢).
(٢) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ٤٣١).
(٣) انظر الأم (٢/ ٨٥).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
مسألة: قال (١): وَالكَفَّارةُ عِتْقُ رَقَبَة.
وهذا كما قال: أراد سليمة مؤمنة خلاف قول أبي حنيفة لأنه أجاز الكفارة وهي على الترتيب [٢٩٣ ب/٤] عندنا على ما ذكرنا وحكي عن الحسن أنه قال: يتخير بين عتق رقبة وبين أن ينحر بدنة واحتج بما روى ابن المسيب في حديث الأعرابي أن النبي ﷺ قال له: "هل تستطيع أن تُهدي بدنة" وروي عطاء بن أبي رباح عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أفطر يومًا من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا" (٢)، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر المشهور وخبر الجماعة أولى من خبر عطاء الخراساني، وحديث جابر رواية الحارث بن عبيدة هو ضعيف، ثم قال: فإن لم يجد أي: فإن لم يجد الرقبة ولا ثمنها فصيام شهرين متتابعين لايفطر في شيء منها نهارًا من غير عذر ذكر بعد هذا أن لكل مسكين مدًا بمد رسول الله ﷺ وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لكل مسكين مدان من الحنطة ومن الشعير والتمر صاع وقد وجد في خبر الأعرابي أنه أتى بعرق قال سفيان: والعرق هو المكتل [٢٩٤ أ/٤].
قال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًا، وروي هذا في الخبر فدل على صحة قولنا، ثم قال: وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة فله أن يتم صومه وقصد به خلاف قول أبي حنيفة والمزني: يلزمه العود إلى الرقبة ويستحب أن يعتق نص عليه وفي التيمم إذا رأى الماء هل يستحب له الخروج من الصلاة وجهان والأصح أنه يستحب والفرق على الوجه الآخر أنه يخير المسافر في الصوم بعد الشروع بخلاف الصلاة، وإن وجد الرقبة قبل الشروع في الصوم فيه قولان بناء على أن الاعتبار بحال الوجوب أو بحال الأداء والأظهر أنّ الاعتبار بحال الأداء.
مسالة: قال (٣): وَنْ أَكَلَ عَامِدًا فِيْ صَوْمِ رَمَضَانَ فَعَليْهِ الْقَضَاءُ وَالعُقُوبَةُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أفطر بالأكل أو الشرب أو بما دون الجماع لا يلزم الكفارة ويلزمه القضاء والعقوبة يعني التعزيز ولا تلزم الكفارة العظمي عندنا إلا بجماع تام دون غيره ولو وطئ دون الفرج فلا كفارة أنزل أو لم ينزل وبه [٢٩٤ ب/٤] قال سعيد بن جبير والنخغي ومحمد بن سيرين وحماد وأحمد وداود وقال الأوزاعي والثوري والحسن والزهري وإسحاق وعطاء وأبو حنيفة: إنه تلزم الكفارة في صوم رمضان بالجماع التام والأكل التام وتفسيره عند أبي حنيفة أن يكون الفطر بمتبوع الجنس وهو الجماع التام أو ما يقصد به التغذي أو التداوي.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٧).
(٢) أخرجه ابن عساكر (تهذيب تاريخ دمشق) (٧/ ٥)، وانظر تنزيه الشريعة لابن عراق (٢/ ١٤٧).
(٣) انظر الأم (٢/ ٩).
[ ٣ / ٢٦١ ]
فأما إذا ابتلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة فلا كفارة، وقال: ولو ابتلع لوزة رطبة بقشرها يلزمه الكفارة لأنها تؤكل بقشرها، ولو ابتلع جوزة رطبة بقشرها فلا كفارة لأنها لا تؤكل بقشرها في العادة، وقال مالك: كل من أفطر بمعصية تلزمه الكفارة فدخل في هذا الفطر بالجماع دون الفرج إذا أنزل والقبلة إذا كان معها إنزال والنظر بالشهوة عمدًا حتى ينزل وابتلاع الحصاة والقيء عمدًا، وبه قال أبو ثور وناقض فقال: لو ارتد لا تلزم الكفارة، وقالت طائفة: أنه يغلّط فيه بالقضاء دون الكفارة ثم اختلفوا في قدر التغليظ فقال ربيعة: يصوم اثنى عشر يومًا مكان يوم وقال ابن [٢٩٥ أ/٤] المسيب: يصوم شهرًا مكان يوم، وقال النخعي: يصوم ألف يوم عن كل يوم، وروي عنه ثلاثة آلاف يوم وهو الصحيح عنه، وقال علي وابن مسعود ﵄: لو صام الدهر لم يقض حرمة ذلك اليوم.
واحتج ربيعة بأن السنة اثنا عشر شهرًا، وصوم رمضان يجزي عنها وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ في قصة الأعرابي: "وصم يومًا مكانه" وروى أبو داود: وصم يومًا واستغفر الله ولأن قضاء العبادة لا يختلف بالترك بعذر وغير عذر كقضاء سائر العبادات، وحكي عن مالك أنه قال: لو تقيأ عمدًا لا كفارة واعتذر أصحابه بأن في الاستقاءة مشقة وأذى فلا يفعله لغرض صحيح وضرر كبير حتى لو أن ماجنًا استقاء من غير حاجة (١) فإذا تقرر هذا فظاهر المذهب أنه لا فدية عليه أيضًا، وقال ابن أبي هريرة تلزمه الفدية فقال بعضهم: مد من طعام عن كل يوم، وقال بعضهم: يلزمه أن يطعم فوق فدية الحامل دون كفارة المجامع [٢٩٥ ب/٤] لأن هذا غير معذور والحامل معذور، وحكي هذا عن أبي هريرة وهذه آراء لا ترجع إلى خبر ولا قياس فإذا تقرر هذا فكل وطء أوجبنا فيه الكفارة نظر فإن تكرر منه في يوم واحد فعليه بالأول ولا كفارة عليه بالثاني، وقال أحمد: إن كفَّر عن الأول وجبت بالثاني كفارة، وإن لم يكفر لم يجب ويوقف في اليومين إذا لم يكفر عن الأول واختلف أصحابه فيه واحتج بأنه وطء محرَّم كالأول وقاس على الحج إذا وطئ فيه مرتين، وقال: يلزمه الإمساك كما يلزمه قبل الجماع وهذا غلط، لأن الوطء الثاني لم يصادف الصوم فأشبه إذا كان ليلًا، وأما الأول فقد خالف الصوم وأفسده فلا يصح القياس عليه، وأما الحج فالوطء لا يرفع لإحرامه ولا يخرج عنه بالفساد بخلاف هذا، وأما الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة، ألا ترى أنه لو لم ينو من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليل [٢٩٦ أ/٤] يلزمه الإمساك ولا صوم وإن تكرر ذلك في كل يوم فعليه بكل وطء كفَّارة حتى قال في البويطي: لو جامع ثلاثين يومًا فإنه يلزمه ثلاثون كفارة سواء كفَّر عن الوطء الأول أو لم يكفر، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: إن لم يكفر عن الأول فلا كفارة للثاني، وإن كفر عن الأول ففيه روايتان، قال: ولو
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
كان في رمضانين ففيه روايتان والأشهر أنها تتكرر وهذا غلط لأن كل يوم (١)
مسألة: قال (٢): وَإِنْ تَلَذَّذَ بامرأتهِ حَتى يَنْزلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ.
وفي ذكرنا الخلاف فيه مع مالك، وقال أحمد: تجب الكفارة بالوطء دون الفرج وفي القبلة واللمس إذا أنزل روايتان وهذا غلط، لأنه وطء غير تام كما لو قبّل.
فرع
لو حك ذكره لعارض فأنزل هل يلزمه القضاء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه لم يتعمد، والثاني يلزمه لأنه اختار سببه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ لو لمس شعرها فأنزل هل يبطل [٢٩٦ ب/٤] صومه وجهان: أحدهما: يبطل لأنه جزء من بدنها، والثاني: لا يبطل لأن لمس شعرها كالنظر، ولهذا فإنه لا ينتقض الوضوء ولو لمس أذنها الملصقة بالدم فأنزل فإنه يحتمل وجهين، ولو أنزل عن لمس العضو المنفصل عنها لم يبطل الصوم بلا خلاف.
مسألة: قال (٣): وَإِنْ أَدْخَلَ فِيْ دُبُرِهَا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا لاط بغلام أو أتى امرأة في الموضع المكروه فإنه يفسد صومه ويلزمه القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: في أشهر الروايتين لا تلزمه الكفارة وذكر شيخنا الإمام ناصر ﵀ قولًا مخرجًا: أنه يعزر به ولا يحد وفي وجوب الكفارة على هذا القول وجهان وهذا غير صحيح، وأما إذا أتى بهيمة فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما في اللواط أحدهما: يلزمه القتل بكل حال، والثاني: أنه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصنًا ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوالٍ [٢٩٧ أ/٤] (٤) والثالث: يجب به التعزيز فإذا أوجبنا الحد أوجبنا الكفارة، وإذا أوجبنا التعزيز هل تلزم به الكفارة؟ وجهان أحدهما: لا يجب لأنه جماع لا يوجب الحد كالجماع دون الفرج، والثاني: يجب لأنه فرج يلزم بالإيلاج فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر بالحد كما في وطء زوجته في رمضان تلزم الكفارة ولا يتصور به وجوب الحد، وقال أبو حنيفة: تلزم الكفارة به وربما يقولون: لا يلزم به الغسل إذا لم ينزل.
مسألة: قال (٥): وَالحَامِلَ والمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَليْهِمَا القَضَاءُ.
وهذا كما قال: الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم فإن كان خوفهما على أنفسهما يلزمهما القضاء ولا فدية عليهما كالمريض والمسافر، وإن كان خوفهما على
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الأم (٢/ ٩).
(٣) انظر الأم (٢/ ٩.
(٤) موضع النقط بياض بالأصل.
(٥) انظر الأم (٢/ ٩).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
ولدهما قال الشافعي: أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم مدّ من حنطة، وأراد إذا كان قوت مثلهما الحنطة وإلا فمن قوتهما إلا أن يتطوعا بالحنطة وصامتا إذا أمنتا على [٢٩٧ ب/٤] ولديهما وبه قال مجاهد وأحمد، إلا أن أحمد يقول: مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير وهذا هو الصحيح.
وقال في البويطي: يجب على المرضع القضاء والفدية ويجب على الحامل القضاء دون الفدية والفرق أن حملها متصل بها فصارت كأن العذر في نفسها كالمريضة بخلاف المرضع، وبه قال مالك في أصح الروايتين والليث بن سعد، وقال صاحب "الإصلاح": قال الشافعي في موضع الكفارة عليهما استحباب وبه قال الحسن وعطاء والزهري وربيعة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد وداود وهو اختيار المزني وابن المنذر وهو قول أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵄ أنهما قالا: عليهما الفدية ولا قضاء وهو الأصح، لأن القضاء لزم المريض بالنص ففيه تنبيه على وجوبه على الحامل وقد روي أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم نصف صاع".
وقال [٢٩٨ أ/٤] القفال قول واحد في المرضع: يلزمها الفدية والقولان في الحامل والفرق ما ذكرنا وأيضًا الضرر الذي تخاف الحامل لو لحق ربما يتصل بالأم فإن الحمل هو جزء منها والأصل الضرر من ولد المرضع إلى بدنها، فليس فيها معنى المرض بل هي رخصة مخصوصة بشرط الفدية، واحتج المزني فقال: كيف يكفَّر من أبيح له الأكل والإفطار ولا يكفر من لم يبح له الأكل فأكل وأفطر؟ قلنا: من أصحابنا من لم يسلم ذلك الأكل عمدًا على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من سلم وهو المذهب والفرق أن االمستمتع بالفطر شخص واحد فلم يلزم بذلك الفطر إلا بدل واحد وهو القضاء وهاهنا المستمتع بالفطر شخصان الأم والولد، فجاز أن يتعلق بهذا الفطر بدلان القضاء والفدية كما لو جامع؛ ولأن مدار الكفارة ليس على الإثم لأن المحتقن والمستعط وتارك النية عامدًا من الليل هو مأثوم ولا كفارة عليه، ثم قال المزني: وفي القياس أن الحامل كالمريض والمرضع كالمسافر، وكل مباح له [٢٩٨ ب/٤] الفطر وأراد به أن المريض إنما يفطر لضعف في نفسه لا لعجز عن أمر كان يباشره، كذلك الحامل، وأما المسافر فإنما يفطر لا لضعف في نفسه ولكن لعجز عن أمر يباشره وهو قطع المسافة، وكذلك المرضع إنما تفطر للعجز عن الإرضاع فهو في القياس سواء والجواب ما ذكرنا من الفرق ثم احتج أيضًا بما حكاه عن الشافعي فقال: واحتج بالخبر من استقاء عامدًا هل عليه القضاء؟، قال عليه القضاء قال المزني: ولم يجعل عليه أي: على المستقيء عامدًا هل أحد من العلماء علمته فيه كفارة وقد أفطر عامدًا، وكذلك قالوا: في الحصاة يبتلعها الصائم والجواب من وجهين: أحدهما: أنهم إنما لم يوجبوا هناك الكفارة العظمى، فأما الفدية فغير مسلمة، والثاني: مثل ما قلنا إن المستمتع بالفطر هناك شخص واحد وهاهنا بخلافه.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
فرع
إذا كانت ترضع ولد الغير بالأجرة لها أن تفطر وتفتدي كما في السفر إذا كان قبيحًا له أن يفطر.
فرع آخر
إذا أفطر ليخلص الغريق فيه [٢٢٩ أ/٤] وجهان، والظاهر أنه لتزمه الفدية لأن العذر في غيره.
فرع آخر
لو كانت حبلى بولدين هل يلزم فديتان؟ وجهان: أحدهما: تلزم فديتان لارتفاق شخصين عاجزين عن الصوم، والثاني: وهو الأظهر يلزم فدية واحدة لأنه تحصل المزية بها على فطر المريض.
مسألة: قال (١): وَمَنْ حَرَّكَتِ القُبلةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا لَهُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الصائم شابًا لا يأمن من القبلة الإنزال فإنه تكره القبلة ولا تباح وهل تطلق أنها حرام فيه وجهان: أحدهما: أنها حرام لأنه يخاف الفطر كالخلوة بالأجنبية هي حرام، والثاني: أنها إن أفضت إلى إنزال الماء كانت حرامًا وإلا فلا يكون حرامًا، وهذا أصح لقوله ﷺ لعمر ﵁ حين سأله عن القبلة: "أرأيت لو تمضمضت" فإن قبَّل ولم ينزل لم يفسد صومه، وإن كان شيخًا يأمن الإنزال لم يكره له ذلك والأفضل له تركها، قال الشافعي في "الأم" ومالك يكره في الحالين جميعًا عنها أفضل لأنه مع شهوة يرجى من [٢٩٩ ب/٤] الله تعالى ثوابها وفيما نقل المزني خلل لأنه قال: كرهتها له فإن فعل لم ينتقض صومه وتركها أفضل، لأن من تحرك القبلة شهوته لا يقال تركها أفضل لأن فعلها مكروه وسقط عن المزني نقل الشافعي ومن لم تحرك القبلة شهوته فلا بأس وترك هذا أفضل على ما ذكرناه من لفظه، وقال القاضي الطبري: هذه الكراهة في الحالة الأولى هي كراهة تحريم لأنه إذا كان يخاف منها إنزال الماء يخاف إفساد الصوم فلا يجوز له أن يعرض الصوم للإفساد في الغالب من حاله.
وقال محمد ابن الحنفية وابن شبرمة: القبلة تفطر الصائم بكل حال، وقال مالك: القبلة مكروهة للصائم بكل حال، وعند أحمد روايتان، وروي عن عمر وابن مسعود ﵄ أنه لا تكره القبلة للصائم سواء كانت تحرك الشهوة أو لا، وهذا كله غلط، لما روي "أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فسأله عن قبلة الصائم فنهاه ثم أتاه آخر فسأله فأباحها له" قال أبو هريرة ﵁ فنظرنا فإذا الأول [٣٠٠ أ/٤] شاب والآخر شيخ (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقبل وهو صائم" وبينت عائشة رضي الله
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، وأخرجه ابن ماجه (١٦٥٨) من حديث ابن عباس.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
عنها أن ذلك إنما كان منه لأنه لا يخاف على نفسه فقالت بعد رواية الخبر:- وكان تعني النبي ﷺ - أملككم لإربه بأبي هو وأمي، أي: أنه كان يملك حاجته ولا تغلبه نفسه وشهوته فقيل لها نظن أنك هي فضحكت (١) فعلموا أنها إنما تعني نفسها، ويقال: أرب مفتوحة الألف والراء وإرب مكسورة الألف ساكنة الراء معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها والإرب الوضوء أيضًا، وروي "أن النبي ﷺ كان يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم"، وقالت عائشة ﵂: "تناول رسول الله ﷺ مني قبلة وأنا صائمة فقلت: إني صائمة فقال: ناوليني قرصًا فناولته كسرة فوضع على فيه ثم قال: ترى هذا فطرني".
وقالت أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة"، وروي أن النبي ﷺ سئل عن الصائم يقبل قال: "ذاك ريحانة [٣٠٠ ب/٤] تشمها ولا بأس بذلك" وروي أنه قال: "لا بأس إنما هي ريحانة تشمها" (٢)، وروي عن جابر ﵁ أن عمر ﵁ قال: "هششت يومًا فقبلت وأنا صائم قال: فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم قال: أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم، وروي أنه قال لو تمضمضت أيضرك؟ قال لا قال ففيم إذًا" (٣) يعني: أن القبلة الخالية من الإنزال كمضمضة خلت عن سبق الماء إلى الجوف وهذا دليل على أن القياس حجة وروي أن امرأة أتت أم سلمة ﵂ فقالت: بعثني زوجي لأسأل رسول الله ﷺ عن قبلة الصائم، فقالت أم سلمة: إنه كان يقبل إحدانا وهو صائم فرجعت إلى زوجها فلم تزده إلا شرًا وقال: إنه ليس مثلنا إنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فرجعت إلى رسول الله ﷺ في بيت أم سلمة فأخبرته به أم سلمة فقال: [٣٠١ أ/٤] ألم تخبريها أني أفعل ذلك وأنا صائم قالت: نعم رجعت إلى زوجها فما زاد إلا شرًا وقال: كذا وكذا فغضب رسول الله ﷺ وقال: "إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (٤). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ في المنام فأعرض عني فقلت له ما لي فقال: إنك تقبل وأنت صائم". وروي عن أبي هريرة وعائشة مثل قولنا وبه قال عطاء والشعبي والحسن. وروي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ كرهاها للشاب ولم يكرهاها للشيخ وهذا لأنه يخاف لتحرك الشهوة في الشباب دون الشيخ في الغالب وروي عن ابن مسعود - ﵁: من فعل ذلك يصوم يومًا مكانه (٥). أورده الإمام البيهقي وهذا أصح مما تقدم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٢٨)، ومسلم (١١٠٦).
(٢) اخرجه الخطيب في "تاريخه" (١٤/ ١١٣).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢١، ٥١). وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٥٣٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٦١)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٠١٨).
(٤) أخرجه مسلم (٧٤/ ١١٠٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٨١٠٥).
(٥) أخرجه البيقهي في "الكبرى" (٨١٠٦).
[ ٣ / ٢٦٦ ]
عن ابن عمر وابن مسعود وتلك الرواية رواها أهل العراق وحكم الملامسة حكم القبلة.
فرع
لو قبل فوق خمار فأنزل لا يفطره.
فرع آخر
لو قبل امرأته وفارقها ساعة أو ساعتين، ثم أنزل فيه وجهان، والأصح أنه يفطره إن [٣٠١ ب/٤] كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتمًا أنزل. ولو قليل، أو يمسح فأمذى لم يفطر خلافًا لأحمد، لأنه خارج لا يوجب الغسل كالبول، ويفارق المني لأنه يلنذ بخروجه ويوجب الغسل.
مسألة: قال (١): "وإِنْ وَطاءَ دُونَ الفَرْج فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ وَلَم يُكَفَّر".
الفصل
وهذا كما قال، قد مضت هذه المسألة، وهل أراد بقوله ولم يكفر الكفارة العظمى أو الكل من العظمى والصغرى؟ فيه خلاف بين أصحابنا، ثم قال: "وإِنْ تَلَذَّذ بِالنَّظَر [فَأَنْزَل] لَمْ يُفْطِر" وقصد به الرد على مالك حيث قال: إن أنزل في أول النظر قضي ولم يفكر، وإن كرر النظر حتى أنزل قضى وكفر.
واختلف أصحاب مالك فيمن أنزل بالفكر وهل يفطر أم لا؟ وأكثرهم يسلمون ذلك وعندنا لا يفطر بحال، لأنه حديث النفس من غير مباشرة كالاحتلام.
وأما الإثم فإنه جاءه نظر فأنزل لم يأثم، وإن كرر النظر أثم ولو استنزل الماء بكفه أفطر وعليه القضاء دون الكفارة خلافًا لمالك، والأصل ما ذكرنا أنه لا كفارة في غير الجماع.
وقد روي عن عمر - ﵁ -[٣٠٢ أ/٤] أنه أتي بسكران في رمضان فعاقبه وقال للمنخرين والفم أو لليدين والفم ولو أننا صيام وأنت مفطر ولم يأمره بكفارة ولا أحد من الصحابة أمره بها.
مسألة: قال (٢) الشافعي: وَإِذا أُغْمٍىَ عَلَى رَجُلٍ فَمَضَى لَهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ مِنْ شَهْرِ رمضانَ وَلَم يَكُنْ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ فعليه القضاءُ. إِلى آخر كلام المزني.
وهذا كما قال: أراد به إذا أغمي على صائم لا أن الرجل يختص به وجملته أنه إذا أغمي على إنسان في رمضان في الليل ولم يفق إلا في النهار لم يصح صومه من الغد لأنه لم ينو من الليل وإن أغمي عليه بالنهار وكان قد نوى من الليل فإن استغرق النهار كله لم يصح صومه قولًا واحدًا. وقال أبو حنيفة والمزني يصح صومه كما لو نام في كل النهار وهذا غلط لأن النية قد انفردت عن الإمساك فلم يجز كما لو انفرد الإمساك
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١١).
(٢) انظر الأم (٢/ ١١).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
عن النية وأما النائم فقال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح صومه إذا نام في كله. وقال عامة أصحابنا يصح صومه والفرق أن النوم جبلة وعادة لا يزيل العقل لأنه متى نبه تنبه ويلزم [٣٠٢ ب/٤] قضاء الصلوات بخلاف الإغماء وإن لم يستغرق جميع النهار. قال في كتاب الصوم إذا أفاق في بعض النهار أجزأه، وقال في كتاب الظهار إن كان في أول النهار مفيقًا صح صومه وإن لم يكن مفيقًا في أوله لم يصح صومه.
وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إن أغمى عليها وهي صائمة أو حاضت فإنه يبطل صومها فجعل الإغماء منافيًا للصوم كالحيض واختلف أصحابنا فيه على طرق فقال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يحتاج أن يكون مفيقًا في أوله وبه قال مالك لأن الصوم يفتقر على الإفاقة كما يفتقر إلى النية ثم محل النية ابتداء الصوم كذلك الإفاقة.
والثاني: إذا كان مفيقًا في جزء من الصوم أجزأه لتحصل النية مع الإفاقة في جزء منه كما لو أفاق في أوله.
والثالث: أنه إذا أغمي عليه في جزء من الصوم بطل صومه لأنه معنى يُزيل العقل، ويفسده إذا وجد في جميعه فكذلك في بعضه كالجنون. والطريق الثاني: قال ابن سريج المسألة على قول واحد يحتاج [٣٠٣ أ/٤] أن يكون مفيقًا في أوله على ما ذكر في الظهار وما قال في الصيام أجمل ولم يفصل وبينه في الظهار وأما ما قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى فله تأويلان، أحدهما: أنه ذكر الحيض والإغماء وأجاب عن الحيض. والثاني: أنه أراد بالإغماء الجنون. ثم خرج ابن سريج قولًا آخر أنه إذا اعتبرت في أوله اعتبرت في آخره لأنه أحد الطرفين كنية الصلاة تعتبر في طرفها أولها وآخرها. والطريق الثالث: المسألة على قول واحد تعتبر الإفاقة في جزء منه حتى يحصل القصد إلى الإمساك إلا أنه ذكر في الظهار أول النهار لأنه جزء منه ولم يرد أن الأول بخلاف الاثنان والذي ذكر قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى تأويله ما ذكرنا وبه قال أحمد. والطريق الرابع: فيه أربعة أقوال ثلاثة منصوصة وواحد مخرج وهو ما خرجه ابن سريج. والطريق الخامس: فيه خمسة أقوال ثلاثة منصوصة وقولان مخرجان أحدهما ما ذكره المزني والثاني ما ذكره ابن سريج وهذا والذي قبله ضعيف.
فرع
لو شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره يلزمه القضاء [٣٠٣ ب/٤] فإن صحا في بعض النهار فهو كالإغماء، وكذلك لو شرب دواءً سفاهة فزال عقله فهو كالسكران.
فرع
لو جن في أثناء الصوم فيه قولان، قال في الجديد: يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فابطل الصوم كالحيض وهو الصحيح. وقال في القديم لا يبطله كالإغماء لأن كليهما يزيل العقل والولاية وهذا لا يصح لأن حكم الجنون أغلظ، فعلى قوله
[ ٣ / ٢٦٨ ]
القديم فيه طرق كما ذكرنا في الإغماء. وذكر القاضي أبو علي البندنيجي أن المذهب هو قوله القديم ذكره في البويطي أيضًا. وقيل في المسألة وجهان وكلاهما غلط ولو امتد الإغماء إلى الليلة القابلة واليوم بعد (١) وإن أفاق في بعضه لفقد النية من الليل، وعند أبي حنيفة لو كان قبل الزوال فنوى فإنه يصح صومه.
مسألة: قال (٢): وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فَلا صَوْمَ عَلَيْها فإذَا طَهُرَتْ قَضِيت الصَّومَ.
وهذا كما قال لا يصح الصوم من الحائض ولكن يلزمها في ذمتها، ومعنى قوله فلا صوم عليها أي: لا يصح منها مباشرة الصوم [٣٠٤ أ/٤] في الحيض ولو قصدت الصوم تأثم ثم إذا طهرت قضت الصوم ولا تقض الصلاة إلا ما أدركت في وقت العذر والضرورة وهذا إجماع. وروت معاذة العدوية عن عائشة ﵂ قالت: "كان يصيبنا الحيض في عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وإنما افترق حكم الصوم والصلاة في ذلك لأن الصوم لا يشق قضاؤه لأنه في السنة مرة واحدة والصلاة تكثر ويشق قضاؤها فافترقا.
مسألة: قال (٣): وأحبُّ تَعْجِيلَ الفِطْرِ وَتَاخِيرَ السّحورِ.
وهذا كما قال: يستحب ذلك إذا تحقق الأمر وهو بقاء الليل أو دخوله لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" (٤) وروي أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" (٥)، وروي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "كنت أتسحر مع رسول الله ﷺ [٣٠٤ ب/٤] ثم أقوم إلى الصلاة فقيل له كم كان بينهما قال قدر قراءة خمسين آية" (٦). وروي أنس ﵁ أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت ﵁ تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فقيل لأنس كم كان بينهما فقال: "قدر ما بينهما قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" (٧) وفي تأخير السحور تقوية على الصوم ولهذا سماه رسول الله ﷺ الغداء فقال لبعض أصحابه - وهو العرباض بن سارية-: "هلم إلى الغداء المبارك" (٨). وفي تعجيل الفطر مخالفة اليهود والنصارى لأنهم يؤخرون الإفطار.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الأم (٢/ ١٢).
(٣) انظر الأم (٢/ ١٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (٤٨/ ١٠٩٨).
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، لكن قال ابن حجر في "التلخيص" تعليقًا على الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ: "إنَّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر. . . " فذكره. انظر تلخيص الحبير (٣٣١).
(٦) أخرجه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (٤٧/ ١٠٩٧).
(٧) أخرجه البخاري (٥٧٦).
(٨) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٢٢٤٤)، والنسائي (٤/ ١٤٦، ١٨١)، والطبراني في "الكبير" =
[ ٣ / ٢٦٩ ]
واعلم أنا نريد بتعجيل الإفطار الأكل والشرب لأن الإفطار يحصل بغروب الشمس من طريق الحكم لقوله ﷺ "إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم"، وأمر الرسول ﷺ أن يحقق الفطر بفعله حتى يوافق فعله الحكم ويحصل به الشارع إلى قبول الرخصة وإظهار الفرق بين الوقتين وقت الإمساك ووقت الفطر، فلو أخر قال في "الأم" (١): إذا تعمد [٣٠٥ أ/٤] ذلك ورأى الفضل في تأخيره كرهت ذلك وإن لم ير ذلك فلا بأس لأنه لا يصير صائمًا بالليل وإن نواه ولو شك في طلوع الفجر الثاني، قال في "الأم" (٢): أستحب له قطعه والامتناع منه، قال أصحابنا: ويكره له الأكل ولكنه يجوز لأن الأصل بقاء الليل. وأعلم أن السحور سنة لما روي أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" (٣). وروي ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "استعينوا بقايلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار" (٤).
فرع
قال في "سنن حرملة" أحب أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء والأصل فيه لما روي سلمان بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور" (٥)، وروي أنس قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من الماء" (٦). وروي أن النبي ﷺ قال: "من أفطر [٣٠٥ ب/٤] على تمر زيد في صلاته أربع مائة صلاة" (٧).
فرع آخر
يستحب في زماننا هذا أن يفطر بكف من الماء يأخذه بيده من نهر ليكون أبعد من الشبهة فإن الشبهات كثرت فيما في أيدي الناس قاله القاضي الحسين.
_________________
(١) = (٧/ ١٨٠٣٧٣/٢٥٢)، وعبد الرزاق (٧٦٠٠)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٠٨١). () انظر الأم (٢/ ٨٣).
(٢) انظر الأم (٢/ ٨٣).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (٤٥/ ١٠٩٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٦٩٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٢٥).
(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٧)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، وابن ماجه (١٦٩٩)، والدرامي (٢/ ٢٧)، وعبد الرزاق (٧٥٨٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٨١٣٦، ٨١٣٧)، وفي "معرفة السنن" (٢٥٠٧).
(٦) أخرجه أحمد (٣ م ١٤٦)، وأبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٩٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٨١٣٠).
(٧) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٩٤)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٥٠)، والقيس في "تذكرة الموضوعات" (٧٤٦).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
فرع آخر
قال في "سن حرملة": وأحب للصائم أن يدعو عند إفطاره فإن له دعوة مستجابة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" (١)، وكان يقول في رواية ابن عمر إذا افطر: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (٢)، وروى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول إذا أفطر: "يا واسع المغفرة أغفر لي" (٣)، وري أن النبي ﷺ قال: "إذا قدم أحدكم عشاه فليذكر أسم الله تعالى وليقل اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
فرع آخر
قال أصحابنا: يستحب أن يفطر الصائم لما زيد بن خالد الجهيني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من فطر صائمًا فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم [٣٠٦ أ/٤] شيء" (٤).وروى أن النبي ﷺ قال في خطبته: "من فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره" (٥) هذا إن قدر عليه فإن لم يقدر يفطره على تمرة أو شربة من الماء أو اللبن، لما روى أن واحدًا من الصحابة قال: "يا رسول الله ليس كلنا نجد نفطر به الصائم فقال: يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن" (٦).
فرع آخر
جرت عادة بعض الناس بترك الكلام في شهر رمضان وليس له أصل في الشرع، والرسول ﷺ والصحابة لم يفعلوا إلا أن له أصلًا في شرع من قبلنا، قال الله تعالى لزكريا ﵇ ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم: ١٠]، وقالت مريم ﵍ ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا﴾ [مريم: ٢٦]، وقد قال بعض أصحابنا إن شرع من قبلنا يلزمنا فيكون هذا قربة تستحب. ومن قال: إنه لا يلزمنا شرع من قبلنا قال: هذا لا يستحب.
مسألة: قال (٧): وإذا سافر الرجل بالمرأة [٣٠٦ ب/٤] سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي كان لهما أن يفطرا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٥٨) من حديث معاذ بن زهرة، وهو مرسل.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي (٣٢٢٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٥)، والحاكم (١/ ٤٢٢)
(٣) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٤٤).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١١٤، ١١٥، ١١٦)، والترمذي (٨٠٧)، وابن ماجة (١٧٤٦)، وابن حبان (٧٩٥).
(٥) أنظر كشف الخفا للعجلوني (٢/ ٣٧٠)
(٦) أوده السيوطي في " الدار المنثور" (١/ ١٨٤)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٩٥، ١٤٥).
(٧) انظر الأم (٢/ ١٣).
[ ٣ / ٢٧١ ]
الفصل
وهذا كما قال قد ذكرنا حد السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر فإذا خرج إلى مثل هذا السفر له أن يفطر فيأكل أو يجامع وهذا لقوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وروى أن النبي ﷺ قال: "غن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (١). وقال أحمد: لا يجوز الإفطار بالجماع وإن جامع وجبت عليه الكفارة لأنه أبيح له الأكل والشرب للحاجة إليه ولا حاجة به إلى الجمال وهذا غلط لأنه لو كان لا يحتاج إلى الأكل فأجل فجاز له صوم يجوز أن يفطر فيه بالأكل يجوز أن يفطر فيه بالجماع كصوم التطوع، وإن صام في سفره أجزاه. وروى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إن صام في السفر قضى في حضر وبه قال داود وقال يحرم عليه الصوم. واحتجوا بقوله ﷺ "ليس البر الصيام في السفر (٢) كالمفطر في الحضر"، وهذا غلط لما روت عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الإسلامي قال للنبي ﷺ [٣٠٧ أ/٤]: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال: "صم إن شئت وأطر إن شئت" (٣). وروى عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". وعن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في طريق مكة فر رمضان فلما انصرفنا قال لي:"ماذا فعلت قلت: صمت وما أفطرت وأتممت وما قصرت فقال: أحسنت" (٤) ولأن من لا يترك الصلاة لا يكون فطره عزيمة كالمريض. وأما الخبر الأول قلنا روى ابن المنذر بإسناده عن جابر أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاما على رجل قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم فقال: هذا وعندنا إذا أضعفه الصوم لا يكون له الصوم برآ. وأما الخبر الأخر أراد من لم ير الفطر رخصة في السفر كمن لم ير الصوم في الحضر، وروى؟ أنهم كانوا في الحرب فأمرهم بالفطار ليتقووا على عدوهم في الحرب فصام قوم منهم فقال: هذا وقال أيضًا: أولئك العصاة وأما الأفضل فإنه إن كان يلحقه [٣٠٧ ب/٤] مشقة شديدة في الصوم فالأفضل له الفطر، وإن كان لا يلحقه ذلك فالأفضل له الصوم. وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو ثور وروى ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص.
وروى عن ابن عباس وابن عمر المسيب ﵃ وأنهم قالوا: الفطر أفضل بكل حال، وبه قال الاوزعي والشعبي وأحمد وإسحاق كالقصر أفضل من الإتمام، وروى هذا عن مالك أيضًا وهذا غلط لما روى يلمه بن المحبّق رضي الله
_________________
(١) أخرجه احمد (٥/ ٢٩)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٢٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (٩٢/ ١١١٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٤٢، ١٩٤٣)، ومسلم (١٠٣، ١١٢١).
(٤) أخرجه النسائي (١٤٥٦)، والدارقطني (٢/ ١٨٨).
[ ٣ / ٢٧٢ ]
عنه أن النبي ﷺ قال "من كانت له حمولة تتساوى غلى شبع فليصم حيث أدركه " (١)، ورزة أنس أن رسول الله ﷺ قال: " أفطرت فرخصة الله، وإن صمت فهو أفضل"، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الصوم في السفر أفضل" ولأن من خير بين الصوم والإفطار كان الصوم له الأفضل كالمتطوع". وأما القصر فيه قولان، أحدهما: الإتمام أفضل وإن سلمنا وهو الصحيح فإنه لا يلزم القضاء الركعتين المتروكتين يلزم القضاء ها هنا في الذمة في الذمة فافترقا.
فرع
قال بعض أصحابنا [٣٠٨ أ/٤] بخراسان: لو أفطر المسافر بالجماع غير مترخص به فيه وجهان: أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأن هذا الصوم غير لازم فهو كالمترخص.
والثاني: تلزمه الكفارة وبه قال أحمد لأنه إذا لم يترخص صار كمقيم جامع فأفسد صومه فهو كما لو نوى القصر مترخصًا جاز ولو بدا له أن يتم في خلال الصلاة فقام بنية الإتمام جاز، ولو قام متعمدًا لا بنية الإتمام بطلت صلاته، والأول أظهر وأصح.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ أن الحامل إذا كانت سافرة فأفطرت نظر فإن كان للترخص برخصة السفر لا يلزمها الفدية، وإن كان للولد يحتمل وجهين، أحدهما: لا يلزمها أيضًا لأن الفطر جائز لها لا لأجل الولد. والثاني: يلزم كالشيخ الهرم إذا أفطر في السفر، والأول أصح.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ أيضًا إذا وطئ امرأته الحامل وهي ممن يباح لها الفطر للولد فلا كفارة عليها وإن قلنا تلزم الكفارة على المرأة لأن الفطر مباح لها في الجملة كالمسافرة فإن قيل هل يباح لها الفطر على هذا الوجه قلنا الأوضح أنه مباح كحالة السفر ولا يصح أن يقال الفطر] ٣٠٨ ب/٤] إنما أبيح للولد فلا يباح إلا بما يعود نفعه إلى الولد وليس في الجماع نفعه لأن الفطر إذا أبيح بجهة فلا تخصيص، كما في المسافر أبيح له الفطر ليقوى على السفر ثم له أن يجامع. وإن لم يكن فيه هذا المعنى قلت: ويحتمل وجهًا آخر قياسًا على ما تقدم من الوجه في المسافر إذا جامع غير مترخص به.
فرع آخر
ذكره والدي أيضًا إذا شرع السافر في صوم رمضان ثم نذر الإتمام، قال: عندي لا يلزمه الإتمام لأن الإيجاب شرعًا هو أقوى من الإيجاب نذرًا وذلك لا يوجب الإتمام
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٦)، وأبو داود (٢٤١٠)، والعقلي (٣/ ٨٣)، وابن الجوزي في "العلل" (٢/ ٤٨).
[ ٣ / ٢٧٣ ]
ولهذا أنه لو نذر المسافر أن يقصر الصلاة أو يتمها لم يتغير الحكم بهذا النذر لأن الإيجاب الشرعي إذا لم يوجب أحد هذين على التعيين لم يصح التعيين فيه بجهة النذر. وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي ﵀ ويحتمل عندي (١) أدخل المسافر في الصوم أن يفطر بعده لأنه دخل في فرض المقيم كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد القصر لا يجوز ولم يقله غيره.
مسألة: قال (٢) وليس لأحد أن يصوم في شهر رمضان نذرًا
الفضل
وهذا كما قال [٣٠٩ أ/٤] وفي نسخة دينا أراد بقوله دينًا صومًا كان عليه دينًا عن كفارة أو نذرًا وغيرهما ثم قال ولا قضاء لغيره وأراد قضاء رمضان غيره.
وجملته: أن عندنا لا يجوز للمسافر أن يصوم عن غير رمضان بحال لأن زمان رمضان هو مستحق لصوم رمضان وحده فلو نوى المسافر صومًا آخر لا ينعقد له ذلك الصوم ولا صوم رمضان. وقال أبو حنيفة: له أن يصوم عن النذر والقضاء والكفارة وعن التطوع روايتان، وخالفه أبو يوسف ومحمد وقالا ت يقع عن رمضان وهذا غلط لأنه يجوز له الإفطار للعذر فلا يجوز له أن يصوم عن غيره كالمريض والشيخ الهرم.
مسألة: قال (٣): وإن قدم رجل من سفره نهارًا مفطرًا كان له أن يأكل حيث لا يراه أحد.
وهذا كما قال الأصل في هذا الباب هو أن كل من لم يلزمه صوم أول النهار ظاهرًا وباطنًا لا يلزمه إمساك باقي النهار، فإذا قدم المسافر في نهار رمضان بلده أو بلدًا يريد المقام فيه غير بلده فإن كان مفطرًا أو تاركًا للنية يستحب له أن يمسك باقي النهار ولا يلزمه ذلك وهكذا المريض [٣٠٩ ب/٤] إذا بدأ في أثناء النهار والحائض والنفساء إذا طهرتا في أثنائه، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والكافر يسلم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح في الحائض أنه لا يلزمها التشبه لأن عذرها أعظم. ونص في "حرملة" أن الكافر إذا أسلم كان الكفر بمنزلة الأعذار. وهذا لقوله ﷺ "يجب ما قبله". وبه قال مالك وأبو ثور وداود وأحمد في إحدى الروايتين، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز لهم أن يأكلوا في بقية النهار وهذا غلط لأنه أبيح له الإفطار ظاهرًا وباطنًا فإذا أفطر كانت له استدامته إلى آخر النهار كما لو داوم عذره. ومن أصحابنا من قال: يجب الإمساك على الصبي والمجنون إذا بلغ وأفاق وكذلك على الكافر إذا أسلم لأنه لا يجب القضاء عليهم، ولأن الكافر كان مخاطبًا بالصيام مفرطًا بتركه. وقال القفال: هل يلزم قضاء ذلك اليوم على هؤلاء وجهان:
فإن قلنا يلزمهم القضاء لا يلزمهم التشبه.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) أنظر الأم (٢/ ١٣).
(٣) انظر الأم (٢/ ١٤).
[ ٣ / ٢٧٤ ]
وإن قلنا لا يلزمهم القضاء فيلزمهم التشبه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه أربعة أوجه، [٣١٠ أ/٤] اثنان: وهو ما ذكرنا، والثالث: يلزم الكافر التشبه وحده دون الصبي والمجنون لأنه غير معذور. والرابع: يلزم الكافر والصبي ذلك دون المجنون لأنه يصح منهما الصوم إذا أتيا بالشرائط، بأن ينوي الصبي ويسلم الكافر وينوي، والمجنون لا يمكنه ذلك فكان معذورًا.
ومن أصحابنا من فال في المريض: إذا صح أنه يلزمه الإمساك، بخلاف المسافر لأنه أبيح له الفطر لعجزه عن الصوم. فإذا زال العجز ارتفع معنى الإباحة فيلزم الإمساك والمسافر يفطر وإن أطاق الصوم وهذا هو اختيار البصريين من أصحابنا وقالوا: هذا أشبه ذكره في "لحاوي" (١) ونص في "البويطي" في المغمى عليه يفيق ليس عليه الإمساك فلا يصح هذا التخريج على المذهب. وحصل خمسة أوجه في الجملة والمنصوص ما تقدم.
وقال الشافعي: وإن كانت امرأته حائضًا فطهرت أي امرأة هذا القادم قد طهرت في هذا اليوم كان له أن يجامعها ولو ترك ذلك كان أحب إلىَّ أيْ: للاحتياط أو الخروج من الخلاف ثم اعلم أن الشافعي قال: له أن يأكل حيث لا يراه أحد لا لأنه لا يجوز له الأكل حيث يراه الناس ولكن [٣١٠ ب/٤] لئلا يتهم بأنه ترك فرض الله تعالى إذ ليس كل أحد يعلم إباحة الأكل له.
فرع
قال بعض أصحابنا؛ إذا تبين يوم الشك أنه من رمضان ولم يكن أكل فحكي البويطي عن الشافعي أنه قال: أحببت له الإمساك لأنه أصبح ولم يكن الفطر محرمًا عليه ولو كان أكل، فإن قلنا هناك لا يحرم الأكل فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك يحرم الأكل فهل يحرم هاهنا؟ وجهان، والصحيح أنه يحرم لأنه بان أنه لم يكن الأصل مباحًا وعلى هذا فإذا قلنا أنه يلزمه الشبه يلزمه القضاء على الفور، لأن قلنا لا يلزمه التشبه فالقضاء على التراخي.
فرع
لو دخل المسافر أو المريض في الصوم ثم زال العذر في أثناء النهار فظاهر ما ذكره في المختصر أنه يلزمه الإتمام ولا يجوز له أن يفطر لأنه قال. لأن قدم من سفره نهارًا مفطرًا فشرط أن يقدم مفطرًا، وبه قال أبو إسحاق وهذا لأن عذره زال قبل الترخص فهو كالمسافر إذا أقام قبل أن يقصر الصلاة لم يجز له القصر، وهذا هو الصحيح.
وقال القفال: لا خلاف فيه، وقال ابن أبي هريرة: يجوز له الإفطار وهو القياس. [٣١١ أ/٤] وقيل نص عليه في البويطي لأنه لما أبيح له الإفطار في أول النهار مع علمه
_________________
(١) أنظر الحاوي للمارودي (٣/ ٤٤٨).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
بالحال بقيت الرخصة إلى آخر النهار كما لو أفطر ثم أقام فحصل قولان وقيل وجهان، وهو غلط. وقال يعض أصحابنا بخراسان: إن أصبحا تاركين للنية لم يكونا أكلا فزال العذر هل يلزم التشبه لأنه لم يلحقه الرخصة في السفر. لأن أكلا لم يلزم التشبه، وإن صاما فلا يجوز الفطر وهذا لا يصح لأنه إذا لم ينو من الليل كان مفطرًا، ولو شرع الصبي في المحرم ثم بلغ لا يلزمه الإتمام قولًا واحدًا. وفي هذا نظر لأنه ليس من أهل اللزوم وقت الشروع وذكر في "الشامل" في المريض إذا صام ثم زال المرض لا يجوز أن يفطر قولًا واحدًا ولا وجه للفرق بينه وبين المسافر عندي.
فرع آخر
هل يثابون على الإمساك في بقية النهار فيه ثلاثة أوجه: احدها: لا يثابون لأنه لا يعتد به، والثاني: وهو الأصح يثابون عليه لأنهم يستحقون العقاب بتركه، والثالث: أنهم لم يكونوا مفرطين بالفطر، فإنهم يثابون عليه وإلا فلا عقوبة على تعديه [٣١١ ب/٤].
مسالة: قال (١): ولو أن مقيمًا نوى الصوم قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرًا لم يفطر يومه.
وهذا كما قال إذا أصح في رمضان وهو مقيم صائم ثم سافر ذلك اليوم لا يجوز له أن يفطر في بقية اليوم بخلاف ما إذا مرض لأن المرض ضرورة والسفر اختيار، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والنخعي ومكحول والزهري وأبو ثور، وقال إسحاق وداود والمزني وابن المنذر وهو رواية عن أحمد: يجوز له الفطر وهذا غلط لأنه عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا أنشأه في الحضر ثم سافر فوجب أن يغلب حكم الحضر كالصلاة.
واحتج المزني بما روي "أن النبي ﷺ صام في مخرجه إلى مكة في رمضان حتى بلع كراع الغميم وصام الناس معه ثم أفطر وأمر من صام معه بالإفطار" (٢)، فلو كان لا يجوز له الفطر ما فعل رسول الله ﷺ أي ما أفطر. قلنا ظن المزني أن كراع الغميم قريب من المدينة وأن النبي ﷺ أصبح في المدينة ثم خرج إلى كراع الغميم فأفطر وليس كما توهم بل بين المدينة وبين كراع الغميم ثمانية أيام فصام رسول الله [٣١٢ أ/٤] ﷺ في السفر مع الناس ثم أفطر في هذا اليوم حين رأى رجلًا يظلل عليه وينفح بالماء فقال: ما ذاك؟ فقيل: صائم جهده الصوم فأفطر وأمر الناس بالإفطار، وقيل: لما احتج المزني بهذا الخبر قيل: له هذا فقال: خطوا عليه وفي بعض النسخ خط عليه وفي بعضها لم يخط وأمر بالخط على هذا الاحتجاج لا على مذهبه، وقيل خط على مذهبه في المنثور ووافق الشافعي، فإذا تقرر ما ذكرنا فلو خالف فأفطر فإن أفطر بالأكل فلا كفارة ووجب القضاء لأن أفطر بالجماع يلزمه القضاء والكفارة. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية أنه لا كفارة وكذلك عبد الملك إذا أنشأ الصوم في الفر ثم أفطر ففي
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٩٠/ ١١١٤).
[ ٣ / ٢٧٦ ]
الكفارة روايتان وهذا غلط لأن الفر الذي لا يبيح الفطر لا يسقط الكفارة كالسفر القصير.
فرع
لو شك هل سافر قبل طلوع الفجر أم بعده؟ ليس له أن يفطر لأنه في شك من تقدم السفر وبالشك لا تباح الرخص.
فرع آخر
لو قدم من سفره مفطر فجامع امرأته وهي صائمة فإنه يلزمه الكفارة عنها فلو حاضت في آخر النهار فإنه تسقط الكفارة عنه في الصحيح من المذهب.
وقال في اختلاف العراقيين:] ٢١٣ ب/٤] قد قيل عليه عتق رقبة، وقيل لا شيء عليه فحمل قولان: لا يسقط، وبه قال مالك وابن أبى ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود قياسًا على ما لو جاع ثم سافر سفرًا يبيح له الفطر.
والثاني: يسقط، وبه قال أبو حنيفة والثوري لأنه خرج هذا اليوم من أن يكون صومه مستحقًا فلا كفارة وهكذا الخلاف إذا وطئ في أول النهار وطئًا يوجب الكفارة ثم جن في آخر النهار أو مات أو مرضًا يبيح له الفطر وقيل في الجنون والحيض الصحيح إنما تسقط؛ لأن الجنون ينافي الصوم فقد بان أنه لو لم يفطر ما كان يحصل له الصوم بخلاف المرض وقوله إنه غير مستحق لا نسلم بل كان الصوم مستحقًا قبل وجود هذا القدر.
وقال زفر: الحيض والجنون يسقطانها والمرض لا بمثلها لأن المرض لا يبطل الصوم بخلاف الحيض والجنون وهذا غلط لأن هذا السفر الطارئ لا يبيح له الفطر وهو إلى اختياره بخلاف ذلك.
مسألة: قال (١): ومن رأى الهلال وحده وجب عليه الصيام.
وهذا هو كما قال: إذا رأى هلال رمضان وحده يلزمه أن يصوم [٣١٣ أ/٤] سواء شهد عند الحاكم فرد شهادته أو لم يشهد بلا خلاف. وقال عطاء والحسن وشريك وإسحاق لا يلزم الصوم حتى يحكم الحاكم برؤية الهلال وهذا غلط لقوله ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يعتبر حكم الحاكم ولأنه إذا رأى الهلال بنفسه فقد تعين دخول رمضان وإذا شهد الشهود عرف ذلك بغلبة الظن،. فإذا لزم هناك فهاهنا أولى فإذا تقرر هذا فلو فطر في هذا اليوم بالجماع فإنه يلزمه الكفارة. وقال أبو حنيفة: لا كفارة لأنها تسقط بالشبهة وهذا غلط لأن هذا اليوم قد لزمه صومه من رمضان فتلزمه الكفارة بالجماع فيه كما لو قبلت شهادته.
مسألة: قال (٢): فلا رأى هِلاَلَ شَوَّالَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأكُلَ حَيْثُ لا يراه أحد.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٥).
(٢) انظر الأم (٢/ ١٥).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
وهذا كما قال: إذا رأى هلال شوال وحده ورد الحاكم شهادته حل له أن يأكل حيث لا يراه أحد وهذا لئلا يلحقه إنكار من السلطان وممن لا يعرف حاله، وقال أبو حنيفة: لا يحل له أن يفطر بل عليه أن يصوم مع الناس فلو أفطر فلا كفارة. وقال مالك وأحمد لا يحل له [٣١٣ ب/ ٤] الفطر ويخالف الابتداء للاحتياط وهذا غلط لأنه تبقيه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت البينة. وأما الاحتياط الذي ذكره فإنه ينتقض به إذا شك في الفجر يجوز له الأكل بالجماع والاحتياط بالإمساك.
فرع
لو رئي هذا الرجل يأكل فقال: كنت رأيت الهلال فإنه لا يعذر بل يعزر ولا يبلغ بالتعزيز الحد إلا أن يكون فطره بشرب الخمر فيحد ويندرج التعزيز تحته وإن أراد أن يشهد الآن لا تقبل شهادته لأنه منهم في دفع التعزيز عن نفسه ولا تقبل شهادة الظنين وهو المتهم والأصل في مثل هذا ما روي "أن أبا موسى الأشعري ﵁ استأذن على عمر ﵁ فلم يجبه أحد فأعاد الاستئذان مرة ثانية وثالثة فلم يجبه أحد وكان عمر في بيته مشتغلًا ببعض أشغاله ويسمع صوته فانصرف أبو موسى فبعث عمر في أثره وقال: ما دعاك إلى الانصراف فقال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا (١)، فقال ائتني بمن يشهد لك وإلا [٣١٤ أ/٤] أذيتك فانصرف أو موسى إلى الأنصار وقال: من يشهد لي فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا فقام أبو سعيد الخدري ﵁ فشهد بذلك عند عمر ﵁ لأبي موسى فقال: عمر لأبي موسى: أما أني لا أتهمك ولكن خشيت أن لا أراجع أحدًا في أمر إلا ويروي لي خبرًا عن رسول الله ﷺ فلم يقبل رواية أبي موسى لأنه أراد أن يدفع عن نفسه بذلك عتاب عمر ﵁ ذكره القفال.
مسألة: قال (٢): وَلاَ أقْبَلُ علي رُؤيَةِ الهِلاَلَ للفِطْرِ إلاَّ عدلين.
قال المزني: هذا يقضي لأحد قوليه أن لا يقبل في الصوم إلا عدلان وقد ذكرنا هذا فيما تقدم واختيار المزني السوره بين الطرفين في الشهادة والفرق ظاهر وهو أن التهمة متمكنة في الطرف الأخير دون الأول.
مسألة: قال: (٣) وإن صحا قبل الزوال أفطر وصلى بهم.
وهذا كما قال: أراد بقوله: صحا أي: صحت عدالة الشاهدين على رؤية الهلال قبل الزوال من يوم الثلاثين وإذا صح ذلك أفطر، وهذا يقضي صلاة العيد، واحتج بأنه لا يقضي [٣١٤ ب/٤] بعد الزوال ولا يقضي بعد شهر وقد ذكر بعض أصحابنا (٤) وقال القفال: عندي ينبنى القولان في قضاء صلاة العيد على أن صلاة العيد كالجمعة لا تُقضى أو كسائر النوافل هل يقضي وفيه قولان.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤/ ٣١٥٣).
(٢) انظر الأم (٢/ ١٥)
(٣) انظر الأم (٢/ ١٥)
(٤) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
مسألة: قال (١): وَمَنْ كَانَ عَلَيهِ صوم رمضان لسفر أو مرض فلم يقضه يقدر عليه حتى دخل شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر ثم يقضي من بعد الذي عليه ويكفر لكل يوم بعد.
وهذا كما قال: كل من أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر وأوجبنا عليه القضاء فوقت
القضاء ما بين رمضان الذي يقضيه وبين رمضان الذي يليه كان قضاؤه في وقت القضاء فلا شيء عليه وإن أخره عن وقته فإن كان لعذر مثل أن استدام السفر أو اتصل به المرض قضاه ولا شيء عليه وإن كان بغير عذر صام الشهر الذي أدرك عن فرضه ولا يجوز له إيقاع القضاء فيه كما يتذكر الفائتة في وقت لضيق الحاضرة فليس له الاشتغال بالفائتة وقضى الذي أفطر ولا يسقط عنه بتداخل الأحوال وعليه لكل يوم لأجل التأخير مد بمد النبي ﷺ. [٣١٥ أ/٤] يتصدق به على مسكين واحد، ولا يجوز أن بدفع إلى مسكينين ولو دفع مدين ليومين إلى مسكين واحد جاز بخلاف ما لو دفع مدين من كفارة بمد إلى مسكين واحد لم يجز.
والفرق: هو أن كل مد يوم من رمضان كفارة على حدة فكأنه أعطاه من كفارتين بخلاف ذلك وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة والزهري، وقال يحيى بن أكثم القاضي وحدثه عن ستة من الصحابة ولم يذكر أسماءهم.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه وهو اختيار المزني وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أفطر في رمضان لمرض فلم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى ما فاته وأطعم عن كل يوم مسكينًا" (٢)، وقال بعض أصحابنا إنما قيد الشافعي من كان عليه ذلك بسفر أو مرض لأن من أفطر بغير عذر يتضيق عليه القضاء
عند الإمكان ومن أفطر بعذر كان في فسحة من قضائه إلى رمضان آخر لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون علي الصوم من [٣١٥ ب/٤] شهر رمضان فلا أقضيه لمكان رسول الله ﷺ حتى يدخل شعبان" (٣) وهذا خلاف ما عليه أهل العراق.
فرع
لو أخره سنتين أو ثلاث فيه وجهان: أحدهما: يجب لكل سنة مد قياسًا على السنة الأولى، وبه قال عامة أصحابنا واختاره القاضي الطبري وهذا لأن كل واحد من المتأخرين لو انفرد لوجب المد فإذا اجتمعا لم يتداخلا. الثاني: وبه قال ابن سرج يكفيه مد واحد لأن القضاء موقت بما بين رمضانين فإذا آخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجب الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب بالتأخير كفارة، قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب والوجه الآخر ليس بشيء وهذا أظهر عندي.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٦)
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١٥١/ ١١٤٦).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ لو كان عليه قضاء يوم من رمضان فلما طلع الفجر من اليوم الثاني من شوال سافر بعده وامتد السفر إلى رمضان ثان ولم يقض، هل تلزمه الفدية؟ يحتمل أن يقال يجب كفارة التأخير لأن السفر الحادث بعد الفجر لا يمنع وجوب الكفارة بالجماع لأنه لو سافر بعد طلوع [٣١٦ أ/٤] الفجر لا يجوز الفطر ولو جامع فيه يلزمه الكفارة فلا يمنع أيضًا وجوب كفارة التأخير لأن كل واحدة من الكفارتين تسقط عند وجود العذر وتلزم عند فقده ويحتمل أن يقال: لا يلزم الكفارة لأن حكم القضاء أضعف من حكم الأداء، قلت: هذا أصح عندي لأنه لم يحصل إمكان القضاء فلا يلزم الفدية إلا بوجود القضاء.
مسألة: قال (١): فإذا مات أطعم عنه.
وهذا كما قال: إذا أفطر في رمضان لعذر سفر أو مرض فلم يقض حتى مات. قال الشافعي: في كتبه القديمة يصوم عنه وليه، وقال فيه إن صح الخبر قلت به وقد صح الخبر فحصل قولان:
أحدهما: لا يصوم عنه وليه وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري. وقال مالك لا يلزم الولي أن نطعم عنه أيضًا حتى يوصي بذلك. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃ ووجهه ما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين" (٢) ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة.
والثاني: يصوم عنه [٣٦١ ب/ (٤)] وليه.
وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ركبت امرأة البحر فنذرت أن الله تعالى إن نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله تعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى النبي. فذكرت ذلك له فقال لها: "صومي عنها" (٣)، ولأنها عبادة يدخلها الجيران بالمال فجاز أن يدخلها النيابة بعد الوفاة كالحج وهذا غلط لأن في الخبر كلامًا لأن صح يحمله على أنه أراد به أدى عنه وليه ما يقوم مقام الصوم بدليل خبرنا، ولا يجوز قيامه على الحج لأنه يجوز الاستئجار عليه بخلاف هذا وروي عن أحمد وإسحاق، أنه إن كان صوم نذر صام عنه وليه وإن كان صوم رمضان أطعم عنه جمعًا بين الخبرين، وهذا أيضًا غلط لأنه لا فرق في القياس بينهما وعندنا كل صوم وجب عليه ثم مات بعد إمكان الأداء، فحكمه الإطعام عنه. وذكر في " الحاوي" (٤) عن أحمد
_________________
(١) أنظر الأم (٢/ ١٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٧١٨)، وابن ماجة (١٧٥٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١٥٦/ ١١٤٨).
(٤) انظر الحاوي للمارودي (٣/ ٤٥٢)
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وإسحاق وأبي ثور أنه يصوم عنه وليه في صوم رمضان إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه.
ومن أصحابنا من قال: المسالة على قول واحد وأنكر أصحابنا [٣١٧ أ/٤] أن يكون قوله القديم مذهبًا له فإذا قولنا بقوله القديم بعض أصحابنا: يصوم عنه وارثه أي قدر كان.
وقال بعضهم: لو أمر أجنبيًا في أحد فصام عنه بأجره أو بغير أجرة فإنه يجوز كالحج عن الميت يجوز من الأجنبي في أحد الوجهين. وإذا قلنا بالمذهب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يموت قبل فوات وقت القضاء وهو بعد دخول رمضان آخر فإن مات قبل فوات القضاء أطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينا مدًا. وعند أبي حنيفة يطعم صاعًا من تمر أو نصف صاع من برَّ إن أوصى به وهذا غلط لما روينا في الخبر أطعم عنه كل يوم مد وإن مات بعد فوات وقت القضاء فيه وجهان:
أحدهما: انه يطعم عنه وليه عن كل يوم مدين مدًا عن الصوم ومدًا عن التأخير وهو الصحيح من المذهب لأن كل واحد منهما لو انفرد فإنه يوجب مدًا.
والثاني: قاله ابن سريج، وبه قال مالك يجزيه مد واحد لأنه إذا أخرج بدل الصوم فقد زال التفريط بالتأخير فلم يجب لأجله شيء وحكي عن ابن سريج أنه قال يجزيه مد التأخير ويسقط المد الذي [٣١٧ ب/٤] هو بدل عن الصوم وهذا غلط عليه وقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أفطر في رمضان بمرض فلم يصمه حتى مات أطعم عنه كل يوم مدان" (١)، فأراد ما ذكرنا وغن كان هذا الموت قبل أن يتمكن من القضاء بان أفطر في السفر، ثم استدام المرض حتى مات فلان شيء.
وحكي عن طاووس، وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه. وهذا غلط لأن العبادة تجب عند وجود شرط الوجوب، ولكن لا يستقر غلا بإمكان الأداء كالصلاة، وها هنا لا تستقر فتسقط بالعذر، فإن قيل: أليس يلزم الفدية على الشيخ الهم مع العجز؟ قلنا: لا يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت.
فرع
لو كان عليه قضاء عشرة أيام فاخرها حتى بقي بينه وبين رمضان خمسة أيام هل يجب في الحال فدية خمسة أيام قبل دخول رمضان حتى لو مات يقضي من تركه فدية التأخير؟ فيه وجهان:
أحدهما: نحكم بالوجوب لانا غرفنا عجزه عن القضاء قبل رمضان.
والثاني: لا نحكم بوجوب لأنه لم يدخل وقت مثله. [٣١٨ أ/٤] وأصل هذا إذا قال: والله لأشربن هذا الماء غدًا فأنسي اليوم هل يحل حانثا في الحال؟ وجهان.
_________________
(١) أخر البيهقي في (٨٢١٥).
[ ٣ / ٢٨١ ]
فرع
إذا أدرك رمضان آخر وأخر القضاء. فإن قلنا: يصوم عنه وليه يصوم يومًا مكان يوم ويخرج مد التأخير. وإذا قلنا يطعم عنه فقد مُد بدلًا عن الصوم، ومدُ بالتأخير هل يتداخلان؟ وجهان، أحدهما: يتداخلان لأنهما لله تعالى والجنس واحد. والثاني: لا يتداخلان بينهما.
فرع آخر
ذكره والدي﵀- لو كان عليه قضاء يومين فتمكن من قضاء أحد اليومين، وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني، ثم مات وجب الإطعام عنه لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان:
أحدهما: يلزم الإطعام عنه.
والثاني: لا يلزم. وأصل هذا إذا نذر صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم أم لا يلزمه شيء؟ وفيه وجهان وهو في الكافر يسلم في أثناء اليوم.
مسألة: قال (١): "ومن قضى متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب إليَّ".
وهذا كما قال، إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان فالمحتسب أن [٣١٨ ب/٤] يقضيها متتابعًا فإن قضاها متفرقًا أجزاه، وبه قال ابن عباس، ومعاذ وأبو هريرة، وأنس. وقال علي وابن عمر وعائشة ﵃ يجب قضاؤها متتابعا وبه قال النخعي والحسن وداود وروى أصحابنا بخرسان عن أحمد ولا يصح عنه بل مذهبه مثل مذهبنا.
وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء وهذا غلط لأنه إذا تابع يكون فيه مبادرة إلى الطاعة، واحتجوا بما روي "أن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" (٢) وهذا غلط لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان عليه شيء من قضاء رمضان فإن شاء صامه متتابعا وإن شاء صامه متفرقا" (٣)، ولأن صيام شهر رمضان يتابعها من حيث الوقت لا من حيث العبادة بدليل أن فساد بعضها لا يفسد الباقي، فإذا فات الوقت لا معنى لمراعاة التتابع فيه بخلاف صوم الشهرين في الكفارة وهذا بقضاء الصلوات يجوز من غير ترتيب لهذا المعنى.
وأما [٣١٩ أ/٤] خبر عائشة فروي عنها أنها قالت: نزلت ﴿سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] متتابعات ثم سقط متتابعات (٤) وهذا يدل على أنه صار منسوخا وأما الخبر الآخر فنحمله على الاستحباب.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٧).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٢)، والبيهيقي في "الكبرى" (٨٢٤٤).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٣).
(٤) أخرجه البيهيقي في "الكبرى" (٨٢٣٤)، وفي "معرفة السنن) (٣/ ٤٠٧).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
مسألة: قال (١): ولا يصام يوم الفطر.
الفصل
وهذا كما قال: روي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه "نهى عن صيام ستة أيام" على ما ذكرنا فأما العيدان فلا يجوز صيامهما، ولا ينعقد الصوم فيهما وإن نذر صيامهما لا ينعقد النذر خلافا لأبي حنيفة حيث قال: ينعقد ويصوم يوما آخر ولو حلف بالطلاق أن يصوم يوم الفطر، قال بعض أصحابنا: لا يصح فيه الصوم وطلقت امرأته ولزمه الجنث (٢) أمسك وفي زمان (٣) كان احدهما: بمضي اليوم كله، والثاني: يحنث في الحال. وأما أيام المنى وهي أيام التشريق قال في الجديد: لا يجوز صومها بحال فرضًا كان أو تطوعًا. وقال في "القديم": يجوز للمتمتع أن يصوم الثلاثة فيها فإذا قلنا بهذا عل يجوز لغير المتمتع فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وإنما هو رخصة للمتمتع خاصة وبه قال مالك، وروي عن عمر وعائشة ﵄ قالا: "لم يرخص في [٣١٩ ب/٤] صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي"، وقال أبو إسحاق: يجوز فيها كل صوم له سبب من نذر أو كفارة وقضاء او تطوع راتب. فأما الصوم الذي لا سبب له لا يجوز بلا خلاف. وأما صوم يوم الشك فقد ذكرنا.
فرع
قال المزني: في "جامعه"، قال الشافعي: ولا يبين لي أن أنهي عن صيام يوم الجمعة إلا على اختياره لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطرًا فعلها وذهب أبو حامد وجماعة من أصحابنا إلى أنه يكره صومه منفردا لما روي أن أبا هريرة ﵁ سأل عن صيام الجمعة فقال: على الخبير رجعت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن يوم الجمعة يوم عيد وذكر فلا تجعلوا عيدكم يوم صيامكم ولكن اجعلوه يوم ذكر إلا أن تخلطوا بأيام" (٤). وروي عن أبي الأوبر أنه قال: كنت عند أبي هريرة فأتاه رجل فقال: يا أبا هريرة أأنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة قال: لا لعمرو الله ما نهيتهم أن يصوموا يوم الجمعة ولكن ورب هذه الحرمة ثلاث مرات لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصومن أحد منكم يوم الجمعة إلا أياما يصومه [٣٢٠ أ/٤] معها أو يصومها معه" (٥).
وروي عن أبي قتادة العدوي قال: ما يوم أكره إلي أن أصومه من يوم الجمعة (٦) من يوم الجمعة، فقيل وكيف في أيام متتابعة لما أعلم من فضيلته وأكره أن أخصه من بين الأيام. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره فإن وصله بيوم
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٧).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) موضع النقط بياض بالأصل.
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٤٣٧)، وقال: أبو بشر لا أعرفه.
(٥) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١٤٧/ ١١٤٤).
(٦) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يصومن أحدكما يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله او يصوم بعده"، وروي عن جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "صمت أمس قالت: لا قال: وتريدين أن تصومي غدًا قالت: لا قال: فأفطري" (١).
وروي عن محمد بن عباد بن جعفر أن رجلا سأل جابر بن عبد الله وهو يطوف فقال أسمعت رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعن ورب هذا البيت" (٢)، وبهذا القول قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف واختاره ابن المنذر. وقال بعض أصحابنا: هذا خلاف ما حكاه المزني عن الشافعي، وفي التحقيق مذهب الشافعي أن معنى النهي فيه أن يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها فإن كان هكذا فإنه يكره له صومه وإلا فلا بأس، ومن أصحابنا من قال: إنما يكره لأنه يوم عيد كيوم الفطر وهذا [٣٢٠ ب/٤] ليس بشيء ولا يكره إقرار عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كيوم الشعانين وفصح النصارى وفطر اليهود ويم النيروز ويوم المهرجان. مسألة: قال (٣): وإن بلع حصاة أو ما ليس بطعام.
الفصل
وهذا كما قال الصائم إذا أكل أو شرب ما يعتاد أكله أو شربه أفطر بلا خلاف وإن أكل ما لا يؤكل في العادة أو شرب ما لا يشرب في العادة كابتلاع الحصاة أو الزجاجة أو التراب أو التبن، ونحو ذلك أفطر وبه قال العلماء. وروي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يستف البرد في الصوم ويقول: هذا ليس بطعام أو شراب وهذا غلط لقول تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، والصيام هو الإمساك عن كل شيء ولأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما يمكنه الاحتراز عنه فيفطره كالمعتاد.
مسألة: قال (٤): ولو احتقن أو داوى جرحه حتى وصل إلى جوفه.
الفصل
وهذا كما قال: الحقن يفطر الصائم وقال مالك: إن كان كثيرا فطر وإلا فلا، وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر به وإنما يفطر بما يصل إلى جوفه من فمه وهذا غلط لأنه وصل إلى جوفه باختياره مع ذكر الصوم ما يمكن الاحتراز منه فيفطره كما لو وصل من الفم فإن قيل: أليس قلتم: إنه لو حقن الصبي باللبن [٣٢١ أ/٤] لا يثبت الحرمة في أحد القولين، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الرضاع لإنبات اللحم وانتشار العظم وذلك لا يحصل بالحقنة والفطر لوصول الواصل إلى حرف الجوف وقد وصل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٨٧)، ومسلم (١٤٦/ ١١٤٣).
(٣) انظر الأم (٢/ ١٧).
(٤) انظر الأم (٢/ ١٨).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وأما إذا رزق في إحليله شيئا أو دخل فيه ميلًا أو قطعه يفطره قولا واحدًا لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه وهو المني ُّ يتعلق بالواصل إليه كالفم، ولا فرق بين أن يصل إلى مثانته أولًا. ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يفطره، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فصار كما لو أوصل إلى فمه لا يفطره. وقال القفال: لا نص فيه والأظهر هذا واختاره القاضي الحسين، وقال القفال: الوجه الأول خرجه ابن أبي أحمد قال: ويفارق نقض الطهارة بخروج الخارج منه لأن ذلك بخروج الخارج من محل الحدث، والفطر بوصول الواصل إلى الجوف وهذا ليس بجوف. وقال بعض أصحابنا بخراسان إن وصل إلى المثانة فطره، وإن وصل إلى القضيب دون المثانة وجهان/ والمذهب الأول وهو المنصوص عند أهل العراق.
وأما إذا كانت في بطنه جراحة فداوها به واتصل إلى الجوف فطره سواء كان الدواء رطبا أو يابسًا، [٣٢١ ب/٤] وبه قال أحمد وأبو حنيفة. وروى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه كان رطبا فطره وإن كان يابسًا لم يفطره وهذا لأن الغالب من الرطب أنه يصل إلى الجوف ومن اليابس أنه يقف ولا يصل إلى الجوف. وعلى هذا يرتفع الخلاف، وقال مالك: لا بفطره وهذا غلط لما ذكرنا من العلة ولو أسقط الدهن أو غيره حتى وصل إلى جوف رأسه فطره، ويعني به إن تجاوز ذلك خياشيمه لا أن يصل إلى خريطة الدماغ، وهكذا إذا كانت برأسه شجة مأمومة فأوصل دواء ألى باطن الرأس وإن لم يوصل إلى باطن الأمعاء فطره. قال أبو يوسف ومحمد لا يفطره لأنه يستعمله علاجًا لا اعتداء فجرى مجرى الضرورة، وقال الأوزاعي ومالك وداود السعوط لا يفطره إلا أن ينزل إلى حلقه وهذا غلط لقوله ﷺ: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا" فيرفق وهذه الحشية للفطر فأما إذا أوصل إلى ما ليس بجوف وإن كان له حكم الباطن لا يفطره مثل جراحه في فخذه أو يده فأوصل إلى باطنه شيئا وإن أوصل إلى باطن العظم حيث يكون فيه المخ وكذلك لو اقتصد وأوصل المبضع إلى باطن العرق ولو أوصل بالسعوط إلى باطن الأنف ولم يتصعد إلى جوف الرأس لا يفطره بخلاف [٣٢٢ أ/٤] ما لو غيب في إحليل الذكر فإنه يفطره، والفرق أن ذلك جوف بدليل أنه لو جرح جراحة وصلت إلى جوف الذكر كانت جائفة فوجب ثلث الدية ولو أجاف أنف رجل أو جلدة خده حتى وصل إلى فمه يجب الحكومة على الصحيح من المذهب ولو جرح نفسه بالسكين أو جرحه غيره باختياره حتى وصل إلى جوفه فطره، وقال أبو يوسف ومحمد وداود: لا يفطره. وقال أبو حنيفة: إن وصلت الطعنة إلى الجانب الآخر فطره وإلا فلا يفطره وهذا غلط لما ذكرنا. ولو صب في أذنه شيئا فوصل إلى الدماغ بطل صومه لأن الدماغ هو أحد الجوفين على ما ذكرنا/ ولو لم تصل إلى الدماغ بأن أدخل أصبعه أو خشبة للحك لا يبطل صومه، وإن غاب عن رأى العين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يفطره أصلا لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وإنما يصل إليه في المسام كما يصل الكحل من العين إلى الحلق حتى يجد طعمه في حلقه ولا يفطره، وكذلك لو دهن بطنه يتشرب ذبك الدهن ويتحقق أنه وصل إلى الباطن لا يفطره لهذه العلة وهذا غريب بخلاف المذهب المشهور.
فرع
لو ابتلع خطيًا ورأس الخيط بيده لم يبتلعه فطره إذا وصل شيء منه إلى الجوف خلافا [٣٢٢ ب/٤] لأبي حنيفة حتى قال: لو شد خرزة في رأس خيط وابتلعها والخيط بقي خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط بقى خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط وبقي الخرزة داخل الجوف فطره وعلى هذا عندنا لو أدخل في حلقه أصبعًا حتى وصل إلى حد الباطن من حلقومه فطره خلافًا لأبي حنيفة وكذلك الخلاف إذا أدخلت أصبعها في فرجها.
فرع
لو ابتلع خيطا وبقى طرفه خارجا فإن ابتلع الباقي فسد وإن أخرجه كان كالقيء يبطل صومه أيضًا وإن ترك كذلك لا تصح صلاته، فلو جاء رجل وأخرجه قهرًا أو في حال نومه لا يبطل صومه وإذا لم يكن هناك من يخرجه قهرًا يمتنع الصلاة والصوم فإنهما يراعي فيه وجهان: أحدهما: يراعي الصلاة فيخرج لأن حرمة الصلاة أعظم لأن بترك إخراجه تفوت صلوات ثلاث وبإخراجه لا يفوت إلا صوم واحد فكان اعتبار الصلاة أولى. والثاني: يراعي الصوم لأنه شرع فيه دون الصلاة فمراعاة المشروع فيه أولى فيصلى على حاله ويعيد بعد الغروب.
فرع آخر
لو ابتلع ريقا نجسا فإن كانت نجاسته لاختلاط شيء به فطره لان غير الرفق فيه وإن جاوزه نجس ولم يخالطه فابتلع الريق النجس مفردا فيه وجهان، أحدهما: لا يفطره وهو [٣٢٣ أ/٤] اختيار القفال لأنه ليس في الريق غيره وإنما نجاسته من طريق الحكم فلا يضر الصوم وهذا أصح، والثاني: يفطره لأنه مأمور بإلقائه وإبعاده عن فمه فصار كالطعام في فيه، وهكذا لو تناول بالليل نجسا ثم أصبح وابتلع الريق.
مسألة: قال (١): وإن استنشق رفق.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراد الصائم المضمضة والاستنشاق يكره له المبالغة فيهما وهي المراد بقوله: رفق لما رويناه في حديث لقيط بن صبره فإن خالف ففعل فسبق الماء إلى جوفه فإن كان ناسيا للصوم لا يبطل صومه وإن كان ذاكرًا للصوم اختلف أصحابنا فيه على طرق، فمنهم من قال: قولان لأنه منهي عنه مع ذكره للصوم وإن لم يبالغ فقول واحد لا يفطره ذكره القفال، ومنهم من قال: إذا بالغ يفطره قولًا واحدًا وهو الصحيح
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ١٨).
[ ٣ / ٢٨٦ ]
لخبر لقيط بن صبره ولأنه حادث بسبب مكروه فأشبه الإنزال مع القبلة وإن لم يبالغ فيه قولان:
احدهما: يفطره وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني لأن الماء وصل إلى جوفه بفعله مع ذكره للصوم فوجب أن يفطره، كما لو بالغ.
والثاني: لا يفطر وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو اختيار الربيع وهو الصحيح لأنه وصل [٣٢٣ ب/٤] إلى جوفه بغير اختيار فلا يفطر كغبار الطريق وغربلة الدقيق، وقال الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وهو قول ابن عباس ﵃: أنه إن توضأ لمكتوبة لا يفطره وإن كان لنافلة فطره لانه في الفريضة مضطر بخلاف النافلة. ومن أصحابنا من قال: بالغ او لم يبالغ فيهما قولان لأن وصول الماء لا يكون غلا بزيادة على المحدود فيهما وهو مغلوب في كلتا الحالتين ولأن الشافعي لم يفصل بين ان يكون بالغ او لم يبالغ وهذا أضعف الطرق. ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين لا على قولين فالذي قال في "الأم": لا يفطره أراد أنه إذا لم يتعمده والذي قال في راوية المزني والقديم يفطره أراد إذا تعمد وفسر في كتاب ابن أبي ليلى فقال: لا يلزمه حتى يحدث ازدرادًا أي: يقصد ذلك.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين من وجه آخر فإن بالغ فإنه يفطره قولًا واحدًا وإن لم يبالغ لم يفطره قولًا واحدًا واحتج المزني بالغلط في الوقت يفطره. فقال: إذا كان الآكل لا يشك في الليل أي: في بقاء الليل فيوافي الفجر مفطرًا بالإجماع وهو بالناسي أشبه، ووجه الشبه أن كليهما لا يعلم [٣٢٤ أ/٤] أنه صائم وقت أكله وهذا السابق إلى جوفه يعلم أنه صائم فإذا أفطر في الأشبه بالناسي كان الأبعد من الناسي وهو هذا المستنشق بالفطر أولى والجواب عن هذا أن يقول: تشبيهك أولا المخطئ في الوقت بالناسي غير صحيح لأنه لو كان كذلك لكان المخطئ لا يفطر كالناسي، ثم الفرق بين مسألتنا وبين المخطئ في الوقت هو أن الفطر إنما يقع بشيئين الازدراد مع ذكر فالمخطئ في الوقت ذاكر للصوم قاصد إلى الازدراد ففطره وهذا المستنشق ذاكر للصوم ولكته غير ذاكر للصوم فلم يجتمع فيه المعنيان فلم يفطره ثم يبطل ما ذكره بما لو صب الماء في حلقة فإنه ذاكر للصوم ولا يفطره.
فرع
لو غلبه العطش فأدخل الماء في فمه ليسكن عطشه أو أدخل الماء في فمه لا لغرض فسبق إلى جوفه فيه طريقتان، أحدهما: فيه قولان، والثانية: قول واحد يفطره لأنه لا حاجة إليه.
مسألة: قال (١): وإن اشتبهت الشهور على أسير.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢٠).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
الفصل
وهذا كما قال: هذا الحكم لا يختص بالأسير بل الأسير وغيره سواء، ولكن الشافعي فرض المسألة في أسير من المسلمين في مطورة المشركين لأن الغالب أن الشهر إنما يشتبه على مثل هذا [٣٢٤ ب/٤] والمذهب فيه أنه إذا غلب على ظنه دخول رمضان يلزمه أن يصوم فإن وافق شهر رمضان يجزئه، وبه قال جماعة العلماء وقال الحسن بن صالح بن حي لا يجزئه لأنه صامه على الشك كما لو صام يوم الشك لا يجزئه. وإن بان أنه من رمضان وهذا غلط لأنه أداه بالاجتهاد فإذا وافق الصواب أجزأه كنا في القبلة. ويفارق صوم يوم الشك لأنه أداه من غير إمارة حتى لو صام بالإمارة مثل أن أخبره عدل برؤية الهلال أو بمعرفة منازل القمر أجزأه، ولو صام ها هنا من غير أمارة ولكنه وقع في نفسه أنه الشهر لا يجوز والإمارة مثل الحر والبرد والخريف والربيع وإدراك الثمار ونحو ذلك وإن بان أنه كان يفطر بالنهار ويصوم بالليل فإنه يلزمه القضاء بلا خوف وإن وافق ما قبل رمضان فإن علن قبل مضي رمضان صامه قولًا واحدًا وإن علم وقد مضى رمضان كله فيه طريقان:
أحدهما: يلزمه القضاء قولًا واحدًا لأن الشافعي قال "الأم": ولو قال قائل يجزيه كان مذهبا وأرد مذهب الغير لا مذهبه ومفهوم ما ذكر هنا انه لا يجزئه لأنه قال: فوافقه أو ما بعده ولم يقل أو ما قبله [٣٢٥ أ/٤] ومنهم من قال: فيع قولان وبه قال عامة أصحابنا لأن الشافعي قال في "القديم" صريحا: فإن وافق قبله ثم تبين له بعد انقضاء رمضان ذلك أجزأه ووجه هذا أنه لو اشتبه يوم عرفة فأحرموا ووقفوا ونحروا فوافق ما قبله فإنه يجوز بالإجماع والصحيح انه لا يجوز، وبه قال جماعة العلماء لأنه أدى العبادة المفروضة قبل وقتها فلا يجوز كالصلاة. وأما خطأ عرفة فذاك للجمع الكثير يشق عليهم القضاء ولا يؤمن مثله في القضاء بخلاف هذا. وقال القفال: معنى القولين عندي أنه إذا وافق شهرًا بعد رمضان أجزأه بذلك على معنى القضاء أو الأداء فإن كان على معنى الأداء جاز ها هنا لأنه إذا صار الشهر أداء بالاجتهاد فما قبل رمضان وبعده سواء وإن كان على معنى القضاء فالقضاء قبل الوقت لا يجوز قال: ويبني على هذين المعنيين انه إذا صام شهرًا بعد رمضان يجوز بلا خلاف ثم الاعتبار بعدد أيام رمضان أو بعدد أيام الشهر الذي صامه، فإن جعلناه قضاء اعتبرنا أيام رمضان فإن كان رمضان ثلاثين والشهر الذي صامه تسعة وعشرين فعليه صوم يوم آخر وإن كان رمضان تسع وعشرين وصام شهرًا هو ثلاثون ولكنه أفطر منه يومًا كفاه ما صام [٣٢٥ ب/٤] وإن جعلنا أداء اعتبرنا أيام الشهر الذي صامه، ففي المسألة الأولى يكفيه ما صام، وفي المسألة الثانية عليه قضاء اليوم الذي أفطر فيه.
وقال أهل العراق: إن كان رمضان تامًا والشهر الذي صامه بين الهلالين ناقصًا يحتمل أنه يجزئه وبه قال الحسن بن صالح ويحتمل أن لا يجزئه لأن بفوات رمضان استقر عليه عدده. وقال أبو حامد: والأول أشبه لأن الشافعي نص في "الأم" أنه يجزئه
[ ٣ / ٢٨٨ ]
فقال: ولو اشتبهت الشهور على أسير فيجزئ شهر رمضان فوافقه، أو ما بعده فصام شهرًا أو ثلاثين يومًا.
وقال القاضي الطبري: المذهب أنه لا يجزئه لأنه إنما يجب عليه قضاء ما ترك ألا ترى أنه إذا فاته بعضه يجب أن يقضي قدر ما فاته لا كله ولا يقال: يلزمه أن يكمل ثلاثين لأنه فرق صومه. وأما قول الشافعي في"الأم" أراد يجزئه إذا لم يفصل بين أن يوافق شوالًا وأشهرًا أخر ومعلوم أنه لو وافق شوالًا أنه يجزئه حتى يتم عدد الشهر الماضي [٣٢٦ أ/٤] لأن في هذا الشهر ما لا يصح صومه فيه فإن قيل: أليس لو نذر صوم شهر أجزأه ما بين الهلالين؟ قلنا: لأن الإطلاق يحمل على ما يتناوله الاسم وقد تناوله وها هنا يجب قضاء ما فات وتركه فيجب أن يراعي عدد ما ترك. ألا ترى أنه لو نذر صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه بعددها وإن لم يتبين، ولو بان له ذلك وقد مضى بعض رمضان صام الباقي وفيما مضى قولان، وقيل قول واحد يلزم قضاء ما مضى وما تقدم أصبح فإن قيل: إذا وافق ما بعد رمضان فقد صام القضاء بنية الأداء فيجب أن لا يجوز؟ قلنا: أداء القضاء بينة الأداء يجوز ألا ترى أنه لو دخل في الصلاة في وقتها ثم خرج وقتها صحت صلاته، وإن كان بعضها قضاء والنية كانت للأداء. وإن اتفق صومه ذا الحجة لم يجزئه صوم النحر وأيام التشريق وحسب الباقي من جملة ما ترك.
فرع
لو لم يغلب على ظن هذا الأسير شهر رمضان عن أمارة، قال أبو حامد: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين إذا وقع في نفسه أنه شعر رمضان ويلزمه القضاء متى تيقن الحال [٣٢٦ ب/٤] كالمصلي إذا بم يغلب على ظنه القبلة يصلي على حسب حاله ويعيد. وقال بعض أصحابنا وهو الأصح أنه لا يلزمه ذلك لأنه لا يعلم دخوله لا يقينًا ولا ظنًا كمن شك في دخول وقت الصلاة لا يلزمه الصلاة ويفارق القبلة لأن وقت الصلاة معلوم فلا يجوز أن يخيله من فعلها وها هنا لا يعلم وجود وقت العبادة فلم يجب عليه الشك في سبب الوجوب.
فرع آخر
لو شرع في الصوم بالاجتهاد ثم جامع يلزمه الكفارة لأن الوقت موجود وإن علمه بنوع اجتهاد، وإن صادف شهرًا غير رمضان فلا كفارة.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ لو صام الأسير بنية قضاء رمضان شهرًا لظنه بالاجتهاد أن رمضان قد مضى ثم بان أن صومه وافق رمضان صح صومه عن الأداء اعتبارًا. بما قاله الشافعي: لو أنه صام على أنه أداء ثم تبين له أنه صام بعد رمضان جاز، ووجه الجمع أن الأداء لا يصح بنية القضاء مع العلم بالحال وكذلك القضاء بنية الأداء ثم جاز
[ ٣ / ٢٨٩ ]
القضاء بنية الأداء في الأسير للعذر الموجود فيصح منه الأداء بنية القضاء لهذا [٣٢٧ أ/٤] العذر ولا فرق بينهما بل جواز هذا أولى؛ لأن القضاء بنية الأداء ترك نية القضاء، وفعل الأداء بنية القضاء زيادة القضاء والزيادة أخف من الترك.
مسألة: قال وللصائم أن يكتحل.
الفصل
وهذا كما قال لا يكره الكحل للصائم بالإثمد والصبر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا، وسواء وجد لون الكحل في نخامته أو لا، العين لا مجرى لها إلى الحلق إلا من طريق العروق ولا حكم لمجرى العروق ولهذا فإنه يدلك أسفل رجله بالحنظل فيجد طعمه ولا يفطره. وإذا قبض البلح بيده وجد برده في فؤاده. وقال مالك وأحمد: يكره له ذلك ولكن لا يفطره، وقال مكحول وابن أبي ليلى وابن شبرمة: إذا وجد طعمه في حلقه، ويرويه أصحاب مالك عن مالك وهذا غلط لما روى أبو رافع مولى رسول الله ﷺ قال: "ترك رسول الله ﷺ خيبر ونزلت معه فدعا بكحل واكتحل به في رمضان وهو صائم" (١).
وروى أنس أن النبي ﷺ "كره السعوط للصائم"، أو أن يصب في أذنه شيء ولم يكره الكحل (٢). وروى مثل قولنا عن ابن [٣٢٧ ب/٤] أبي أوفي وسئل ابن عمر ﵁ عن هذا فقال: هل هو إلا مثل الغبار ينزل في الحلق ولا يعرف لهما مخالف وبه قال جماعة العلماء وهو مذهب عطاء والحسن والنخعي والشعبي. وكذلك لو دهن رأسه حتى وجد طعم الدهن في حلقه أو انغمس في الماء فوجد برده في دماغه أو في كبده لم يضره ولا يكره ذلك. ومعنى قوله: وينزل الحوض فيغطس فيه أي: ينغمس ليقطع العطش، يقال هما متغاطسان ويتماقلان في الماء. وروي أن رسول الله ﷺ " كان يصبح جنبًا من جماع ثم يغتسل ويصوم" (٣) وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: "حدثني من رأى أن النبي ﷺ في يوم صائف يصب على رأسه الماء من شدة الحر والعطش وهو صائم" (٤). وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵄ "أنهما كانا يتماقلان في الماء وكانا صائمين".
فرع
إذا غاص في الماء فدخل الماء إلى دماغه ولم يدخله بنفسه قيل: فيه قولان، وقيل قول واحد أنه يفطره. قال أصحابنا: ويجوز أن يتمضمض أيضًا كذلك ولا يكره وحكي عن بعض [٣٢٨ أ/٤] أصحابنا أنه إن دهن رأسه بالنهار بعد الصلاة فدخل جوف
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٧٢٦)، والبهيقي في"الكبرى" (٨٢٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٧٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (١١٠٩).
(٤) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٢٦١).
[ ٣ / ٢٩٠ ]
الرأس بالليل فيجوز، وإن دهن بالليل فدخل جوف رأسه بالنهار فلا يجوز وهذا ليس بشيء.
مسألة: قال (١): ويحتجم.
وهذا كما قال: يجوز للصائم أن يحتجم، قال في "الأم" (٢): ولو ترك كان أحب إلى وهذا لأنه يضعفه وربما أحوجه إلى الأفطار. وروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة والوصال في الصوم إبقاء على أصحابه". وقال بعض أصحابنا: يكره له ذلك وظاهر المذهب أنه لا يكره لأنه قال: ويحتجم بعد قوله وينزل الحوض وذلك لا يكره كذلك هذا وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والحسن بن علي وأبو سعيد الخدرى وزيد ابن أرقم وأنس وأم سلمة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس والقاسم بن محمد وسالم وعروة والشعبي والنخعي وأبو العالية وجماعة الفقهاء ﵃.
وروى عن على بن أبى طالب وعائشة وأبى هريرة ﵃ وهو مذهب الحسن وعطاء والأوزاعي وأحمد [٣٢٨ ب/٤] وإسحاق وداود أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعًا واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وقال أحمد في رواية يلزم بها الكفارة واحتجوا بماروى رافع بن خديج وثوبان ﵄" أن النبي ﷺ مر برجل يحجم رجلًا فقال: أفطر الحاجم والمحجوم" (٣)، وهذا غلط لما روى مقسم عن عبد الله بن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرمًا في حجة الوداع بالقاحة" (٤). وقال أنس: "رأيت رسول الله ﷺ احتجم في رمضان بعد ما قال: أفطر الحاجم والمحجوم"، وقال أنس إنما كره رسول الله ﷺ الحجامة للصائم مخافة الضعف. وروى البخارى مفصلًا فقال: "روى أنه احتجم وهو صائم"، وروى أنه احتجم وهو محرم. وروى أبو عريرة أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة والقيء والاحتلام".
وأما خبرهم أنهما قلنا: هو منسوخ بخبرنا ويحتمل أن يريد بذلك تعريفهما بذلك لأنه روى أنهما كانا يغتابان واحدًا فقال: هذا على طريق المجاز ومعناه [٣٢٩ أ/٤] بطل أجر صومهما كما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صيام لأهل بيت اللحم، قيل: من هم يا رسول الله، فقال: الذين يصبحون يأكلون لحوم الناس" أي يغتابون، والذي يدل على هذا أن الحاجم لا يفطر إذا لم يصل إلى حلقه شيء على الصحيح من مذهبهم.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢٠).
(٢) انظر الأم (٢/ ٨٣)
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٦٧، ٢٣٦٩، ٢٣٧٠، ٢٣٧١)، والترمذي (٧٧٤)، وابن ماجخ (١٦٧٩، ١٦٨٠، ١٦٨١)، وأحمد (٢/ ٣٦٤، ٣٦٥)، والدارمي (٢/ ١٤، ١٥)، وعبد الرزاق (٢٥٢٣، ٢٥٢٥، ٧٥١٩).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٣٨، ١٩٣٩)، وأبو داود (١٨٣٦)، والترمذي (٧٧٥)، والنسائي (٢٨٤٥).
[ ٣ / ٢٩١ ]
مسألة: قال (١): وَأَكْرَهُ العَلْكَ لأَنَّه يَجْلِبُ الرِّيقَ.
وهذا كما قال، يكره للصائم أن يمضغ العلك وهو الموميا الذي مضغه وعلكه وصلب وقوي (٢) الذي لا ينحل ولا (٣) فإن خالف وفعل فجلب الريق واجتمع وابتلعه لم يفطره وجد في حلقه طعمه أو لم يجد كالكحل سواء. وإن كان علكًا يتفتت بالمضغ وهو الكندر نظر فإن لم ينزل إلى حلقه شيء لم يفطره، وإن نزل في حلقه فطره. وقيل: معنى قوله: يجلب الفم أي: يطيب النكهة ويزيل الخلوف. وقد قال النبي ﷺ: "لخلوف فم صائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٤)، فلهذا كره وقيل: معناه تجمع الريق في الفم ويفطر بابتلاعه في قول بعض أصحابنا يكره ذلك، وقيل: يحلب بالحاء فمعناه يمتص الريق ويجهد الصائم فيورث العطش فكره لذلك. وقال [٣٢٩ ب/٤] أصحابنا: ويكره أن يمضغ الخبز للصبي فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لا يكره له ذلك ولو فعل ولم ينزل منه شيء إلى حلقه لم يفطر.
مسألة: قال (٥): وَصَومُ شَهْرِ رَمَضَانَ واجبُ عَلى كل بالغٍ مُحْتَلِمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: صوم رمضان يجب على المكلفين من المسلمين ذكوروهم وإناثهم وأحرارهم وعبيدهم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولا يلزم على الصبي والمجنون لقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ". وذكر الشافعي البالغ ولم يذكر العاقل لأنه مفهوم في ذكره البالغ فإذا تكرر هذا فالصبي إذا بلغ حد التمييز وهو سبع سنين أو ثمان سنين يؤمر بالصوم ويعلم ذلك. وإذ بلغ عشرًا فإنه يضرب عليه كما قلنا في الصلاة وإذا صام كان صومه شرعيًا خلافًا لأبي حنيفة وهذا لأن كل من صحت طهارته صح صومه كالبالغ، وصوم في رمضان لا يصح إلا بالنية من الليل وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بالنية من الليل إلا هذا.
مسألة: قال (٦): وَمَن احْتَلَمَ مِنَ الغِلْمَانِ أَوْ أّسْلّمَ مِنَ [٣٣٠ أ/٤] الكُفَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ رمضانَ فَإِنَّهُمَا يَسْتَقْبِلاَنِ الصَّومَ ولا قضاءَ عليهما.
وهذا كما قال: الصبي إذا بلغ بعد مضى شهر رمضان فلا قضاء عليه بالإجماع. وإن بلغ في خلال رمضان فإن كان ليلًا استقبل الصوم فيما بقى ولا قضاء عليه مما مضى. وإن بلغ نهارًا فإن كان مفطرًا كان له أن يستديم الإفطار ويستحب له الإمساك وهل يجب عليه قضاؤه؟ فيه وجهان:
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢١).
(٢) موضع النقض بياض بالأصل.
(٣) موضع النقض بياض بالأصل.
(٤) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١٦٣/ ١١٥١).
(٥) انظر الأم (٢/ ٢١).
(٦) انظر الأم (٢/ ٢١).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
أحدهما: لا يجب وهو المنصوص في "مختصر البويطي"، وبه قال أبو حنيفة لأنه سقط عنه حكم هذا اليوم في أوله فسقط في آخره أيضًا لأن الآخر تابع الأول.
والثاني: يلزم القضاء لأنه صار من أهل التكليف في آخره فلزمه ذلك القدر من الصوم ولا يمكن الشروع في ذلك القدر فيقضي ولا يمكن القضاء إلا بيوم كامل، والأول أصح وإن بلغ صائمًا في هذا اليوم لزمه إتمامه ولا يجب القضاء إذا قلنا لا تجب إذا كان مفطرًا. وإن قلنا يجب القضاء إذا كان مفطرًا فهاهنا وجهان: أحدهما: يقضي لأنه لم يبق الصوم الواجب من أوله، والثاني: هو اختيار أبي إسحاق أنه لا يلزمه القضاء لأنه حصل في الصوم من أوله. ويمكن بناء الباقي على الأول إلا أنه يكون متنفلًا [٣٣٠ ب/٤] في أوله مفترضًا في آخره ولا يمتنع مثل ذلك كما لو شرع في الصوم (١) إذا أسلم بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه. وإن أسلم في أثنائه فما مضى لا يقضيه.
وأما اليوم الذي أسلم فيه هل يلزمه قضاؤه؟ وفيه وجهان كما ذكرنا في الصبي، وقيل: قول واحد يلزمه القضاء لأنه متعد واختلف أصحابنا هل يوصف بالوجوب عليه أم؟ وقد مضى هذا وحكي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أسلم الكافر في شهر رمضان يلزمه قضاء ما مضى وهذا غلط، لأن الصيام هو في حكم عبادات فوجوب بعضها لا يستدعي وجوب الباقي.
وقال القفال من أصحابنا من قال: يجب قضاء هذا اليوم على الكافر يسلم والصبي يبلغ لأنهما مفرطان بترك الصوم ولا يجب على المجنون إذا أفاق، وقيل: لا يجب إلا على الكافر إذا أسلم لأنه عاص بخلاف غيره وأما المجنون إذا أفاق بعد مضي الشهر لا قضاء عليه.
وقال مالك: يلزمه القضاء وحكي هذا عن ابن سريج وقد تفرد به من بين أصحابنا وهو رواية عن أحمد قياسًا على الإغماء، وقيل: هذا لا يصح عن ابن [٣٣١ أ/٤] سريج وهذا خطأ ظاهر بخلاف الإجماع، ولأن التكليف عنه ساقط بخلاف المغمى عليه وإن أفاق في أثناء الشهر لا قضاء عليه لما مضى وفي اليوم الذي أفاق فيه وجهان على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما مضى وإذا بلغ مجنونًا ثم أفاق في أثناء شهر رمضان فيه روايتان عنه وهذا غلط لأنه معنى لو دام الشهر كله لا يلزمه القضاء، فإذا زال في بعض الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى كالصَّغير. وحكي عن المزني أنه قال في "المنثور" إذا أفاق في أثناء الشهر يقضي ما مضى في قول للشافعي وأهل الكوفة ولم يقبله أصحابنا أجمع وقالوا: لا نعرف هذا للشافعي، وأما المغمى عليه فإنه يلزمه القضاء بكل حال. وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: إذا امتد الإغماء شهرًا كالمجنون فإذا أفاق
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
بعد مضي تمام الشهر لا يلزمه القضاء.
مسألة: قال (١): وَأُحبُّ للصَّائِمِ أنْ يُنَزَّه صيامَهُ عنِ اللَّغَطِ القَبِيحِ.
الفصل
وهذا كما قال: أراد أنه يستحب له أن يطهر صومه ويصونه عن اللغط القبيح من الغيبة والنميمة والكذب والمشاتمة ويكره له ذلك والكراهة في [٣٣١ ب/٤] المشاتمة أشد لأنها أقطع، وقيل يجب عليه أن يصون سمعه وعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل ويسمعه فلا استمع إلى ما لا يحل وبلسانه فلا ينطق إلا بخير وهذه الأشياء وإن كانت حرامًا ففي رمضان هي أشد تحريمًا وهذا لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به- يريد العمل بالزور وهو الربا - فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (٢) ويستجب إذا شوتم أن يقول: إني صائم فقيل يقول ذلك باللسان أو لا يشتغل بالانتصار وقيل أراد فليعلم أنه صائم ليمنعك ذلك من المقابلة لأن ستر الطاعة أولى. وقال الشافعي للخبر في ذلك وأراد ما روي أن النبي ﷺ قال:"الصوم جنة وحصن حصين من النار فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث فإن امرؤ شاتمه أو سابه فليقل إني امرؤ صائم" (٣).
وقيل: لقوله إني صائم ثلاث تأويلات: أحدها: أن في قوله هذا شفاء لغيظه وسكونًا لنفسه، والثاني: ليتذكر صوم نفسه فيمتنع من جواب خصمه، والثالث: ليعلم خصمه صيامه فيكف عن شتمه وإذائه.
ومن أصحابنا [٣٣٢ أ/٤] من قال: أنه في صوم رمضان يقول ذلك بلسانه وفي صوم التطوع وجهان، والفرق أنه لا يؤدي هناك إلى إظهار الطاعة والرياء ليعلم الناس أنه صائم في ظاهر الحال وفي التطوع يؤدي إلى ذلك فلا يقول هذا باللسان ولكن ليعلم في نفسه ذلك وهذا حسن فإن اغتاب أو شتم أو قذف لا يبطل صومه. وقال الأوزاعي وبعض الشيعة: يبطل صومه، واحتجوا بقوله ﷺ: "خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء، الغيبة والنميمة والكذب والنظر بالشهوة واليمين الفاجرة" (٤). وهذا غلط لأن ما لا يفطره مباحة لا يفطره محظورة كالقبلة أو نوع كلام لا يخرج به عن الإسلام كغيره وأمَّا الخبر فمحمول على بطلان الأجر كما قال ﷺ "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس حظه من قيامه إلا السهر" (٥)، وأراد به لبطلان أجره.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢١).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٠٣)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي (٧٠٧)، والنسائي (٣٢٤٥)، وابن ماجه (١٦٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١٦٠/ ١١٥١).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٩٦).
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣)، وابن ماجه (١٦٩٠)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٣١٣).
[ ٣ / ٢٩٤ ]
مسألة: قال (١): وَالشَّيْخُ الكبيرُ الذي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوَّمَ.
الفصل
وهذا كما قال: الشيخ الهرم والشيخة الهرمة إذا عجزا عن الصوم يجوز لهما أن يفطرا وهل يجب عليهما لكل يوم مد من طعام فيه قولان، قال في عامة كتبه: يلزمه ذلك وهو الصحيح وبه قال جماعة العلماء، [٣٣٢ ب/٤] وهو قول سعيد بن جبير وطاوس وقال ابن عباس وابن عمر يطعم كل يوم مسكينًا (٢) وقال أبو هريرة: عليه لكل يوم مد قمح (٣). وروي أن أنسًا ضعف عن الصوم عامًا قبل وفاته فأفطر وأطعم مكان كل يوم مسكينًا (٤)، وعن أحمد أنه يطعم مدًا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير، وقال في "حرملة" و"البويطي": يستحب له الفدية ولا يجب، وبه قال مالك وربيعة ومكحول وأبو ثور واحتجوا بأن من جهده العطش يفطر ويفضي ولا فدية كذلك هاهنا، واحتج الشافعي بما روي أن ابن عباس أوجب الفدية وقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤]، قال: أراد به المرأة الهرمة والشيخ الكبير يتكلفان الصوم فلا يطيقان يفطران ويطعمان لكل يوم مسكينًا، ثم إن الشافعي خالفه قراءة وتأويلًا ولم يخالفه مذهبًا فقال وغيره من المفسرين يقرؤونها يطيقونه، وكذلك يقرأها ويزعم أنها نزلت حين نزل فرض الصوم ثم نسخ ذلك قال الشافعي: وآخر الآية يدل على هذا المعني لأن الله تعال قال: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٤] وزاد على مسكين، أي: أطعم مسكينين فهو خير له. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] [٣٣٣ أ/٤] قال فلا يؤمر بالصوم من لا يطيقه أي: لو كان المراد بالآية ما قاله ابن عباس عن الشيخ الهرم لكان لا يأمره بالصوم لأنه لا يطيقه قال ثم بيّن من نسخه فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] قال وإلى هذا يذهب وهو أشبه بظاهر القرآن. قال المزني: هذا بين في التنزيل أي: في ظاهر القرآن مستغنى فيه عن التأويل وهو على ما ذكر.
واحتج بعض أصحابنا بأن الله تعال خير في ابتداء الإسلام على ما ذكرنا ثم ختم الصوم بما ذكرنا من الآية فالشيخ الكبير تناول من يحتم عليه الصوم دون الشيخ الهرم فهو باق على أصل التخيير فإذا تكرر هذا قال في "الأم" (٥): والحال الذي يترك به الكبير الصوم هو أن يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك إذا كان الصوم يزيد في مرض المريض يفسده وزيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر وكذلك المرضع إذا
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢١).
(٢) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣١٨)، وفي "معرفة السنن" (٣/ ٤١٦).
(٣) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣١٩)، وفي "معرفة السنن" (٢٥٥٣).
(٤) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣٢٠)، وفي "معرفة السنن" (٢٥٥٤).
(٥) أنظر الأم (٢/ ٨٤).
[ ٣ / ٢٩٥ ]
أضر الصوم بلبنها الإضرار البين. فأما ما كان من ذلك محتملًا فلا يفطر والصوم قد يزيد في عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينقص بعض اللبن ولكن نقصانًا محتملًا فإذا تفاحش أفطر. هذا كل لفظ الشافعي [٣٣٣ ل/٤] ﵀ ولم يرد بما ذكر في "المختصر" لا يستطيع الصوم بحاله ولكن أراد ما فسرها هنا وهذا الذي ذكرنا هو إذا انتهى إلى حد الهرم بيقين لا يرجى قدرته في المستقبل على القضاء فإنه إن كان يرجى ذلك فحكمه حكم المريض ثم هذا الذي ذكرنا هو إذا كان قادرًا على الإطعام فإن كان فقيرًا لا يقدر على الإطعام حتى مات فلا شيء عليه وإن أيسر بعد الإفطار فقد وجب عليه الإطعام فإن مات قبل أن يطعم وجب الإطعام عنه لأن الإطعام من الشيخ الهرم هو بمنزلة القضاء في المريض والمسافر لو ماتا قبل زوال عزرهما ويمكنهما من القضاء لا يجب عليهما شيء، وإن زال عزرهما وقدر على القضاء لزمهما القضاء، وإن ماتا قبل القضاء وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مُدًا من الطعام فلذلك هاهنا.
فإن قيل: قال الشافعي هاهنا: والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم ويقدر على الكفارة يتصدف. فقيل: وجوب الكفارة بالقدرة عليها، وهذا يقتضي أنه لو كان معصرًا لم يلزمه ذلك. قلنا: مذهب الشافعي وغيره أن الكفارة لا تسقط بوجود الاعتبار عند [٣٣٤ أ/٤] سبب وجوبها وأراد الشافعي بهذا التقييد تعجيل المباشرة حتى إن كان موسرًا فأفطر عجل مباشرة الكفارة ولم يرد بذلك أنه إذا كان معصرًا ثم أيسر لا يلزمه.
وقد حكي الشافعي حديث الأعرابي المجامع، ثم قال: لما أمره بصرفه إلى عياله احتمل أن يقال: لا تجب الكفارة على معصر، واحتمل أنها واجبة ولكن لم يكن مخاطبًا بها في الحال للعصرة، والصحيح أنه لم يذكر هذين الاحتمالين على معنى تخريج القولين، بل تكلم على الخبر بما يحتمل ثم بين مذهبه على ما سبق ذكره. وقال داود: كيف ما كان المرض يسيرًا أو شديدًا فله النظر، وقال الحسن والنخعي: إن كان مرضه بحيث له أن يصلى قاعدًا فله الفطر وإلا فلا. وسمعت بعض أصحابنا يفتى بهذا الصحيح ما تقدم.
فرع
لو أفطر الشيخ الهرم فأوجبنا الفدية، ثم قدر على القضاء بعده تلزمه الفدية، وهو كالمغضوب إذا أحج رجلًا عن نفسه ثم قدر على الحج يلزمه أداؤه بنفسه.
فرع آخر
ذكره والدي﵀ - لو كان على الشيخ الهرم صوم نظر أو قضاء فعليه الإطعام عن كل يوم مُدًّا، ولو نظر الصوم [٣٣٤ أ/٤] وهو شيخ هرم هل ينعقد نظره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح ويلزمه الإطعام وهذا أصح، والثاني: لا يصح. وقيل: الوجهان مبنيان على أنه يلزمه صوم رمضان ثم بالعجز يفتدي أو الواجب عليه الفدية أولًا ابتداء، وفيه وجهان، فظاهر المذهب أنه يلزمه الصوم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
[ ٣ / ٢٩٦ ]
آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فعلى هذا ينعقد بدؤه، ليس من أهل وجوب الصوم ولم ينظر الفدية حتى يوجبها.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ لو شرب شرابًا قصدًا منه إلى المرض قبل الفجر فطلع الفجر وهو مريض قال: عندي يحل الفطر لأن المرض من فعله الله تعالى وإن كان سببه معصية وعلة الإباحة وجود المرض. ويفارق هذا إذا جُن فشرب دواء قصدًا منه إلى زوال العقل فإنه يلزمه قضاء الصلوات لأن لو علقنا الحكم على ذلك أدى إلى إسقاط الصلاة، وهاهنا لا يؤدي إلى إسقاط الصوم وإنما يؤدي إلى التأخير فلهذا فصلنا بينهما. ومثاله: إذا وجد نصف الرقبة في الكفارة لم يلزمه إعتاقه ولو وجد نصف الصَّاع دون الثاني ويفارق سفر المعصية لأن السفر فعله بخلاف المرض. يؤكده أنه يمكنه أن يقطع نية المعصية ويفطر فإذا لم يقطع كان هو الجاني على نفسه ولا يمكنه أن يقطع بسبب المرض فإن المرض لا يختلف ولا يتغير حاله بذلك فأبيح الفطر للضرورة ولهذا لا يجوز للمسافر العاصي بسفره أن يقصر الصلاة ويجوز لهذا المريض أن يصلي الفرض قاعدًا فهما يفترقان.
فرع آخر
ذكره والدي رحمة الله إذا أدى الشيخ الهرم الفدية قبل دخول رمضان لصومه لم يجز. وغن أداها بعد دخول رمضان فإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم جاز، وإن أداها قبل الفجر يحتمل أن يقال: يجوز كما تجوز فيه النية لو كان قادرًا على الصوم قلت: ويحتمل أنه لا يجوز لأنه لم يدخل وقت وجوب الصوم. قال: وإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم واليوم الثاني يجوز للأول وهل يجوز لليوم الثاني؟ يحتمل أن يقال: كما يجوز أداء زكاة الفطر بعد دخول رمضان، ويحتمل أن يقال: لا يجوز والأصل فيه أن سبب وجوب الفدية هو الإياس من القدرة [٣٣٥ ب/٤] على الصوم وله سبب آخر وهو دخول زمان رمضان وحالة وجوب وهي إذا غربت الشمس ي اليوم أل ترى أنه لو مات قبل غروب الشمس لم يلزم في ماله فدية ذلك اليوم لعدم القدرة، فإذا أدى الفدية بعد وجود السبب الأول وبعد دخول زمان السبب الثاني جاز وإلا فلا يجوز كما جاز أداء زكاة المال بعد وجود النصاب قبل الحول ولا يجوز قبل النصاب وأما الحامل إذا احتاجت إلى الفطر فلا يجوز لها تقديم الفدية.
فرع آخر
قال: رأيت في تعليق الإمام الزيادي ﵀ أنه يجوز لأنه لما رخص لها في فعل سبب الفدية هو الفطر وجب أنه يجوز تقديمها كتقديم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين ولا يجوز لها إلا تقديم فدية يوم واحد فلو قدمت فدية يومين أو أيام لا يجوز
[ ٣ / ٢٩٧ ]
لأن العارض الذي يبيح الفطر في هذا اليوم قد يزول في اليوم الثاني.
فرع
ذكره والدي ﵀ إذا تركت الصوم خوفًا على الولد ولم تشرع فيه هل يلزمها الفدية يحتمل وجهين: أحدهما: يلزم وهو الأظهر كما في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزم [٣٣٦ أ/٤] وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه ذكر المسألة بلفظ الإفطار وليس كالشيخ الهرم لأن لو أسقطنا الفدية هناك أدى إلى إسقاط بدل الصوم رأسًا ولا يؤدي إلى هذا هاهنا لأن القضاء يلزمها.
فرع آخر
لو رأى الصائم من يفرق في ماء ولا يمكنه تخليصه منه إلا بأن يفطر فيقوى له الفطر وهل تلزمه الفدية فيه وجهان، أحدهما: تلزمه الفدية لأنه بسبب الغير كفطر الحامل، والثاني: لا يلزمه لأنه ليس ذلك من طريق الخلقة والاتصال به.
مسألة: قال (١): ولا أَكْرًهُ في الصَّوْمِ السَّوَاكَ بالعُودِ الَّطْبِ وغيره.
وهذا كما قال: السواك مستحب لغير الصائم في جميع الأوقات. وأما للصائم قال الشافعي: يستحب له أن يصوم بالغداة ويكره له ذلك بالعشي، ولم يجده الشافعي بالزوال ولكن قال أصحابنا يستحب له إلى أن تزول الشمس فإِن زالت الشمس يكره له إلى آخر النهار وبه قال: على علي وابن عمر وعطاء ومجاهد والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره أصلًا واحتجوا بما روى أبو إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحوال أيستاك الصائم؟ قال: نعم قلت: [٣٣٦ ب/٤] برطب السواك ويابسه قال: نعم قلت: أول النهار وآخره، قال: نعم، قلت: عمن، قال: عن أنس، قال: عمن، قال: عن النبي ﷺ (٢) وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صممت فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورًا بين عينه يوم القيامة" (٣)، ولأن الخلوف تكره إزالته لقوله ﷺ: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
وروى عن على ﵁ أنه قال: إذا صممتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي (٤). وروى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك (٥). وأما خبرهم قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي [ضعيف] ويحتمل
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٢٤).
(٢) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣٢٧)، وقال: ينفرد به أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار قاضي خوارزم، حدث ببلخ عن عاصم الأحول بالمناكير، لا يحتج به.
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٣٣٧).
(٤) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣٣٦)، وفي "معرفة السنن" (٣/ ٤١٧).
(٥) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٨٣٣٠).
[ ٣ / ٢٩٨ ]
أن يكون ذلك استدلالًا من عاصم الأحوال لا سماعًا فإذا تكرر هذا لا فرق عندنا بين رطب السواك ويابسه، وبه قال جماعة العلماء، وقال مالك وإسحاق وأحمد في رواية يكره بالعود الرطب لأنه يجلب الفم كالعلك وهو مذهب عباة والشعبي والحكم. وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر ﵁ [٣٣٧ أ/٤] أنه قال: لا بأس بالسواك الرطب واليابس (١). قال علي ﵁: لا بأس بالسواك الرطب الأخضر، وأما ما قالوا قلنا رطوبة ليست بأكثر من رطوبة الماء ولا يجاوز به الأسنان فلا يجلب الفم والعلك يدعو القيء ويورث العطش ويجلب الفم فافترقا. وقال القفال: إن كان رطبًا يخاف أن يصل إلى جوفه يكره السواك وبه ولو وصل ذلك فطره. وحكي بعض أصحابنا عن أحمد أنه قال: يكره ذلك في الفرض دون النفل لتخفيف حكم النفل فلا بأس بإزالة الخلوف فيه وهذا لا يصح لأن ما يكره في الفرض فإنه يكره في النفل كالمبالغة في المضمضة.