فإن قيل: لم بدأ بهذا الكتاب دون سائر الكتب؟ قلنا: هذا السؤال محال؛ لأنه ما من كتاب يبدأ به إلا ويتوجه عليه هذا السؤال. ثم أنه إنما بدأ به لأنه تأمل أحكام الشرع فوجدها قسمين، عبادات ومعاملات، فقدم العبادات لوجوبها على العباد من غيرها، ثم رتب العبادات على ما رتبها عليه رسول الله ﷺ، وهو ما روى ابن عمر - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا". فكان أول الشرائع ذكرًا في هذا الخبر بعد ذكر الشهادتين هو الصلاة، غير أن الصلاة تفتقر إلى الطهارة لا تصح إلا بها، كما قال ﷺ: "مفتاح الصلاة الطهور". فلهذا افتتح بها بالطهارة وعقبها بالصلاة وغيرها من العبادات كما في [١٩ أ/ ١] الخبر.
فإن قيل: لم قال باب الطهارة ولم يأت فيه بأحكام الطهارة، وهي الوضوء والغسل؟ قيل: إنه بين فيه الماء الذي يتطهر به، والماء الذي لا يتطهر به وهو من حكم الطهارة أيضًا، أو نقول: مراده كتاب الطهارة أو أبوب الطهارة، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالباب، لأن الفقه كله كالكتاب الواحد، وكل نوع منه كتاب وباب منه، ولأن الشافعي ذكر في تصنيفه كتاب الطهارة ثم ذكر باب ما تجزئ به الطهارة، ثم افتتح بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية ثم قال: والغسل إنما يكون في العادة بالماء هو ما خلقه الله ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وهذا أحسن، ولكن قال المزني: اختصر على ما ذكر أخيرًا.
فإن قيل: لم قال: قال الشافعي: قال الله تعالى والقولين لا يستدلان طريق صحبة التواتر والإجماع؟ قلنا: أراد أن الشافعي أحتج به، ولو لم يذكر الشافعي لظن أن المزني هو المحتج به.
فإذا تقرر هذا، وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] قوله ﵊ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" والأصل في طهارة الماء
[ ١ / ٤١ ]
وتطهيره هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وأراد بالسماء السحاب، وسمي سماء لسموه وارتفاعه. والطهور يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: الطاهر لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] [١٩ ب/ ١] يعني طاهرًا.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم متعدٍ، وهو المراد به هاهنا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].
والثالث: ماء يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به.
وقال أبو حنيفة، والأصم، وأبو بكر بن أبي داود: المراد به الطاهر، وهو اسم لازم غير معتد، وفائدة الخلاف أنه لا يجوز التطهير بغير الماء لرفع الحدث ولرفع الخبث عندنا، وعند أبي حنيفة يجوز رفع الخبث بغير الماء، وهذا غلط؛ لأنه لم سئل رسول الله ﷺ عن التوضأ بماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه" فنقلوا منه أنه يتطهر به لأنه طاهر، ولأن أهل اللغة يطلقون اسم الطهور على ما يوجد فيه التطهير، يقولون: ماء طهور، وتراب طهور، ولا يقولون خل طهور، ولا زيت طهور. فدل على ما قلناه.
وقال مالك وأصحاب الظاهر: الطهور هو ما يتكرر منه الطهر، حتى لا يحكم لكما
بالاستعمال، كما يقال: صبور شكور أي يتكرر منه الصبر والشكر.
وأما الخبر الذي ذكره هو مختصر مما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: إن نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء لشفاهنا، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي [٢٠ أ/ ١] ﷺ "هو الطهور ماؤه الحل مييته" والأرماث: هي خشب يضم بعضها إلى بعض ويركب عليها في البحر. وفي رواية: "إن العركي قال: يا رسول الله، إنا نركب" والعركي: هو الصياد. وقال الشافعي: "هذا الحديث هو نصف علم الطهارة".
فإن قيل: لو قال نعم كفاه، فما الفائدة في تطويل الكلام؟ قيل: لأنهم سألوه عن حال الضرورة، فلو قال: نعم لم يستفيدوا من ذلك حكمه في حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور بكل حالٍ.
فإن قيل: وكيف أجاب عن الميتة ولم يسئل عنها؟ قيل: إن رسول الله ﷺ هو ناصب الشرع، فله أن يبتدئ البيان من غير سؤال، غير أنه لما رآهم يجهلون أمر الماء مع الآية الظاهرة عرف أنهم بطهارة ميتة وحلها مع قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أجهل، فأجاب عما سألوا، وعما عرف أنهم يجهلونه، وهذا كما روي أن أعرابيًا أساء الصلاة، فقال له النبي ﷺ: "توضأ كما أمرك الله"؟ ثم علمه
[ ١ / ٤٢ ]
الصلاة، لأنه لما رآه بجهل أمر الصلاة مع أنها تقام ظاهرة يرى بعضهم صلاة بعض، عرف أنه الوضوء مع أن الناس يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم أجهل.
مسألة: قال "فَكُلُّ ماءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أّوْ مَالِحٍ".
الفصل
وهذا كما قال، نقل المزني ثلاثة أقسام من المياه: الأول: ما يجوز التطهر به من غير كراهية. والثاني: ما يكره التطهر به من حيث الطب، وهو ماء الشمس، والثالث: ما لا يجوز التطهر [٢٠ ب/ ١] به وهو إذا خالطه ماء يغلبه، وبدأ في القسم الأول بماء البحر، فيجوز التوضأ به عند جمهور العلماء، وروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنهما منعا الوضوء به، وقالا: التيمم أحب إلينا منه. وروي أن عبد الله بن
عمرو بن العاص، قال لما سئل عنه: بحر ثم نار ثم بحر ثم نار، فذكر سبعة ماء بحر وسبعة أنوار.
وقال سعيد بن المسيب: إن كان واجدًا لماء آخر لم يجز التوضأ به، وإن كان عادمًا جاز، وهذا غلط للآية التي ذكرناها. وماء البحر هو ما نزل من السماء أيام نوح ﷺ، والخبر الذي ذكرناه. وروى أبو هريرة -﵁أن النبي ﷺ قال: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله". وروى: "من لم يطهره ماء البحر".
وأما ما ذكره ابن عمر وعبد الله بن عمرو فلا معنى تحته، وقد قال القفال: أجمعت الأمة على جواز التوضأ. فتأويلي ما روي عنهما أن المسافر المحوجة إلى التيمم هي أحب إلينا من ركوب البحر، ولم يصح عنهما المنع من التوضأ به وقيل: إنهما قالا: يكره ذلك، وعندنا لا يكره ذلك. وأما اللفظ الآخر: أراد من ركب البحر أعان على نفسه، وأراد به بحور جهنم، وأن بحور الدنيا تصير يوم القيامة نيرانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي ستسجر وتجعل نيرانًا.
فإذا تقرر هذا، قال: "عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ" وهذا صحيح يجوز التوضأ بهما لقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] [٢١ أ/ ١] وقال ابن عباس - ﵁ - في تفسيره: هما بحران يتوضأ بأيهما شئت. يعني بالعذب أو المالح، ولأنهما صفتان خلقت الماء عليهما فلا يضر التطهر.
فإن قيل: قوله: "مالح" خطأ؛ لأنه يقال: ماء مالح ولا يقال مالح إلا لما خرج الملح فيه، ولذلك لا يجوز التوضيء به، وقيل: قوله: "مالح" جائز في اللغة، قال عمر بن أبي ربيعة:
[ ١ / ٤٣ ]
وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ مَالحٌ لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقَهَا عَذْبَا
ثم قال: "أو بئر" وهذا لما روي أن النبي ﷺ "توضأ من بئر بضاعة"، ثم قال: "أو سماء" وأراد به ماء المطر، وسمي سماء لأنه يمطر من السماء وهو السحاب ثم قال: "أَوْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ" قيل: فيه خلل؛ لأن الشافعي قال: "أَوْ ثَلْجِ أُذِيب"، ونقل المزني ذلك، وهذا لا يصح؛ لأن هذا معطوف على قوله: "فَكُلَّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ".
فإذا تقرر هذا، فلا شك في جواز التوضئ بالماء الذائب منها، لأنه ماء منعقد في الحقيقة، وكان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: "اللهم اغسلني بالثلج والبرد".
فرع
لو أخذ الثلج أو البرد وأمره على وجهه على هيئته، فإن كان الهواء حرًا يذوب ويسيل عليه جاز، وأن لا يجري عليه لا يجوز. وقال الأوزاعي: يجوز، وهذا غلط؛ لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، ولو مسح به رأسه جاز لأنه يذوب منه شيء بحرارة الرأس وإن قل، يكفي ذلك.
فرع آخر
لو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب [٢١ ب/ ١] عليها، ثم يجري ماؤه عليها، ففيه وجهان: أحدها: يجوز والثاني: لا يجوز؛ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا، والأول أظهر عندي.
فرع آخر
الماء الذي ينعقد منه الملح لجوهر في الماء دون التربة، كأعين الملح الذي ينبع ماء مائعًا ويصير لجوهره ملحًا جامدًا. قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب: يجوز التوضئ به؛ لأنه ماء حقيقة، ولا يضر جموده كما يقول في الجليد والبرد. وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإمام أبي سهل الصعلوكي: لا يجوز التوضأ به؛ لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقير، ولأنه يخالف طبعه طبع الماء، فإن الماء يتجمد في الشتاء ويذوب في الصيف، وهذا الماء يتجمد في الصيف.
ثم قال: "مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ". وهذا صحيح عندنا لا يكره التوضئ بالماء
المسخن. وحكي عن مجاهد أنه قال: يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس﵁- أن النبي ﷺ دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم. وروي عن شريك بن عبد الله أنه قال: أجنبت وأنا مع رسول الله ﷺ فجمعت حجارة وسخنت ماء وتغسلت، فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك فلم ينكر علَّي.
[ ١ / ٤٤ ]
وقال أنس ﵁: كان يسخن لرسول الله ﷺ الماء في القمقم ثم يتوضأ به للصلاة.
وروي عن عمر﵁- أنه كان يغتسل بالماء الحميم.
وروي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنا نسخن لعمر بن الخطاب [٢٢ أ/ ١]- ﵁ - الماء في قمقم، وكان يغتسل منه ويتوضأ.
وحكي عن أحمد أنه كان يكره الماء المسخن بالنجاسة؛ لأنه لا يؤمن حصول نجاسة فيه، وهذا غلط؛ لأن وجود النجاسة لا يوجب الكراهة كالماء في الصلاة.
مسألة: قال: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ".
الفصل
وهذا كما قال ما أخذ المزني بالنقل، لأن لفظ الشافعي: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّس" وقد كرهه كاره من جهة الطب، فميز بين الفقه والطب، ولفظ المزني: "إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ" يخلط أحدهما بالآخر، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء المشمس هو على ضربين: أحدها: ما قصد بالشمس، فإن لم يقصد كماء المصانع والغدران والأنهار والبحور لا يكدره التوضئ به، لأنه لا يمكن الإحتراز منه، ولا يؤثر فيه الشمس أيضًا لكثرته، ولأن النبي ﷺ والصحابة توضئوا من ماء الحياض بين مكة والمدينة وكان ماؤها مشمسًا وإن قصد بتشميسه في إناء أو نحوه فإنه يكره التوضئ به شرعًا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فإنهما قالا: لا يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة﵂- أنها قالت: دخل علَّي رسول الله ﷺ وقد سخنت له ماءًا في الشمس فقال: "لا
تفعلي هذا يا حميراء فإنه يورث البرص".
وروى الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه [٢٢ ب/ ١] وضح فلا يلومن إلا نفسه".
وروى جابر أن عمر بن الخطاب كره ذلك، وقال: إنه يورث البرص. ومن أصحابنا من قال: لا يكره كما قال أبو حنيفة؛ لأن الشافعي قال: "لَا أَكْرَهُ" ثم
[ ١ / ٤٥ ]
ذكر الطب على وجه الحكاية، والطب المذكور فيه غير صحيح، ومدار الخبر على وهب القرشي وهو ضعيف، وهذا الوجه ضعيف عند أصحابنا.
فإن قيل: كيف يصح هذا الخبر، وقد قال رسول الله ﷺ: "لا عدوى"؟ قلنا: أراد العدوى من إنسان إلى إنسان، بأن يجالسه أو يخالطه، فأما الضرر المتولد من مأكول أو مشروب، أو استعمال شيء في يده، فليس هو من العدوى.
فرع
تأثير الشمس في مياه الأواني تارة يكون بالحر وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء، وإن لم تؤثر الشمس فيه فإنه لا يكره.
فرع آخر
لا فرق في الآنيتين أن يقصد بشمسيه أولًا. قال بعض أصحابنا: المكروه هو ما قصد بشمسيه، وهذا غلط؛ لأنه معنى النهي وهو أنه يورث البرص لا يختص بالقصد وعدمه.
فرع آخر
لا فرق فيه بين بلاد تهامة والحجاز وبين سائر البلاد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في البلاد الحارة إذا شمس في آنية الصفر فيعلوه شيء مثل الهب فذاك يضر، وفي غيره لا يكره، وهذا غلط لعموم الخبر.
فرع آخر
لو حمي بالشمس ثم برد ففيه وجهان: أحدها: أنه يكره لثبوت الحكم فيه قبل البرد [٢٣ أ/ ١]. والثاني: لا يكره؛ لأن معنى الكراهة هو الإبل الحما وقد زال. وفيه وجه ثالث أنه يدفع فيه إلى عدول الأطباء، فإن قالوا بعد برده أنه يورث البرص يكره كره، وإلا فلا يكره، وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشرعية، ولأن من الأطباء من ينكر أنه يورث البرص، فلا يرجع إلى قولهم فيه.
فرع آخر
استعمال الماء المشمس فيما لا يلاقى الجسد من غسل ثوب أو إزالة نجاسة عن أرض لا يكره، ولو استعمله في طعام فإن كان يبقى مائعًا فيه كالمرق يكره، وإن كان لا يبقى مائعًا فيه كالدقيق المعجون به أو الأرز المطبوخ فيه لم يكره.
فرع آخر
لو توضأ به جاز مع الكراهة؛ لأن المنع ليس لمعنى في الماء، فهو كما لو توضأ من ماء في إناء ذهب يجوز.
فرع آخر
لا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم، وقال أحمد في رواية: إنه يكره، واحتج بما روي قال: سمعت العباس بن عبد المطلب﵁- قائمًا عند زمزم يقول:
[ ١ / ٤٦ ]
لا أحله لمغتسل ولكنه لشارب حل وبل.
وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن الناس كلهم يتوضؤون به في الأعصار، ولكونه نابعًا من عين شريفة لا يمنع الوضوء به كعين سُلْوَان. وأما قول العباس: يحتمل أنه قال لضيق الماء في وقته لعينه وكثرة الشاربين.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يكره التوضؤ بالماء الحار الشديد والبارد المفرد؛ لأنه لا يمكنه إسباغ الوضوء به.
مسألة: قال: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاِء وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ".
الفصل
[٢٣ ب/ ١] وهذا كما قال: هذا هو القسم الثالث من مسائل الباب وقوله: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ" أي وما جاوز ما ذكرنا من القسمين، ثم فسره بقوله: "مِنْ مَاِء وَرْدٍ" يريد به الماء المعتصر من الورد. وقوله: "أَوْ شَجَرٍ" أراد المعتصر من الشجر، أو ما ينزل عنها إذا قطعت رطبة. وقوله: "أَوْ عَرَقٍ" قرئ بثلاث قراءات، بفتح العين والراء وبكسر العين وتسكين الراء، وبفتح العين وتسكين الراء.
فأما الأولى: فهو الرشح من الآدمي وغيره من الحيوانات لا يجوز التوضئ به، وقد يحصل من العرق ما يمكن التوضئ به بمكة في البيت الحرام عند اجتماع الناس في الموسم، بحيث لو كان هناك ميزاب يسيل منه، وهذا بعيد عندي.
وأما القراءة الثانية: فهو الماء الذي يسيل من أصل الشجر إذا قطع، وهو في شجر الكرم والجوز، والخلاف في وقت الربيع. وقيل: هو عرق يكون على جنب البعير، وذلك أن العرب يعطشون البعير ثم يرونه بالماء عند الأسفار الشاسعة التي يخشى فيها إعواز الماء، فإذا ألحقهم العطش يقطعون ذلك العرق فيسيل منه الماء. وقال بعض أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأن الشافعي لم يتعرض للماء النجس في هذا الباب وهذا ماء نجس.
وأما القراءة الثالثة: فهو ماء الكروش، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت قطع المفاوز عطشوا الإبل ثم أوردوها الماء، فتحمل الماء في كروشها فإذا عدموا الماء نحروها واعتصروا كروشها وشربوا وهذا أظهر، لأنها [٢٤ أ/ ١] الشجر تقدم ذكره. والشافعي قال في "الأم": "ولو اكتظ كرشًا فعصره لم يجز التوضئ به". والاقتظاظ: هو مشتق من غلظ الماء؛ لأن ماء الكرش يكون غليظًا، وذكر المحاملي﵀- في تصنيفه: أنه لا يجوز التوضئ به وإن كان طاهرًا، وهذا سهو منه؛ لأنه لا شك في نجاسته.
[ ١ / ٤٧ ]
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: كل رشح الحيوان مثل الماء أو غيره من المائعات إذا أغليت فارتفع من غليانها بخارًا وتولد منها رشح، فظاهر لفظ الشافعي يقتضي أنه لا يجوز التطهر به، لأنه يسمى عرقًا، وهذا غير صحيح عندي في الماء؛ لأن الماء إذا غلى فرشحه يكون ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، فهو ماء مطلق يجوز التطهر به.
مسألة: قال: "أَوْ مَاِء زَعْفَرَاٍن، أَوْ عُصْفُرٍ، أَوْ نَبِيٍذ، أَوْ مَاِء بُلَّ فِيِه خُبْزٌ".
الفصل
إلى آخره، وهذا كما قال، قد تقدم الكلام في النبيذ، والمراد به الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب حتى يتحرى فيه، فإن كان حلوًا غير مسكر فهو طاهر لا يجوز التطهر به. وقيل: إن تحرى فيه يجوز التطهر به، وإن كان مسكرًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا التطهر به أصلًا، ويجب الحد بشربه وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة إلا في النجاسة والحد وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه يتوضأ به ويتيمم معه، وبه قال محمد. وروي عنه رواية ثالثة وهي الأشهر، أنه [٢٤ ب/ ١] يجوز التوضأ به إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، واحتج بخبر عبد الله بن مسعود﵁- أنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال له: يا عبد الله أمعك ماء؟ فقلت: لا، ولكن معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور".
قلنا: رواية مظعون، فإن صح نحمله على الماء الذي نبذ فيه التميرات لسلب ملوحة الماء على عادة العرب، ولم يتغير بعد بدليل أنه قال: "شجرة طيبة وماء طهور". فأفردهما بالذكر.
فأما الماء الذي بل فيه خبز فإنه أراد به إذا تفتت فيه وتهرى. فإن قيل: ذلك لا بأس به وإن تغير به أدنى شيء. وقوله: "حَتَّى يُضَاَف إلى مَا خَالَطَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَجُوُز التَّطَهُّرُ بِهِ" وعلى هذا عامة النسخ. وفي بعضها: "أَوْ خَرَجَ مِنْهُ" بالألف، ومقتضى الكلام عند حذف الألف أن ماء الورد يجوز الوضوء به ما لم يخالطه زعفران أو غيره، وهذا من مواضع الإشكال، فمعناه حتى يضاف إلى ما خالطه إن كانت الإضافة إلى المخالطة، وحتى يضاف
إلى ما خرج منه إن كان الإضافة إلى الأصل الذي يعتصر الماء منه، فتقدير الكلام إثبات الألف وإن لم تكن في عامة النسخ.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء ضربان؛ مطلق ومضاف. فالمطلق هو ما استجمع أوصافه الثلاثة اللون، والطعم، والرائحة، يجوز التطهر به.
[ ١ / ٤٨ ]
والمضاف على سبعة أضرب [٢٥ أ/ ١]: مضاف إلى صفة تزايله كالماء السخن ونحوه وقد ذكرناه. ومضاف إلى صفة لا تزايله كالماء المستعمل فهو طاهر غير طهور. ومضاف إلى وعائه كالكوز والجرة. ومضاف إلى قراره كماء البئر والنهر يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما خرج منه كماء الورد لا يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما جاوره من غير مخالطة كماء العود اليابس والعنبر، نص في "الأم" على جواز التوضئ به. وروى البويطي: وإن ظهرت رائحته، لأنه تغير مجاورة لا مخالطة، فصار كما لو تروح الماء بجيفة على شط نهر فإنه يجوز التوضئ به. وروى البويطي في مختصره: أنه لا يجوز التوضئ به، فقال: وإذا وقع في الماء الطاهر زعفران ومسك أو عنبر، أو عصفر، أو دهن فغلب لونها أو طعمها أو ريحها لا يتوضأ به. فقيل: في المسألة قولان، وقيل: المسألة على قول واحد.
وتأويل ما ذكره البويطي إذا اختلط به ومضاف إلى ما خالطه، مثل الزعفران والعصفر والدقيق، فينظر فإن لم يغير له وصفًا فالتطهر به جائز، وإن غير له وصفًا من لون أو طعم أو ريح لا يجوز التطهر به كما في تغير النجاسة، وهو اختيار ابن سريج، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما لا يجوز التوضئ به لو أصاب الماء بحال تضاف إليه، فإن تهرى فيه وامتزج، فأما إذا ظهر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يضاف إليه الماء، فإنه يجوز التوضئ [٢٥ ب/ ١] به في المذهب المشهور، وهذا أصح.
وحكي عن الشافعي أنه قال: "يعتبر ذهاب الأوصاف الثلاثة جميعًا، لأن القليل من ماء الورد يغير الرائحة، والقليل من الخل يغير طعم ولا يزيل إطلاق الاسم.
وقيل: أصل المسألة أن الثوب إذا غسل من الخمر فبقي رائحتها هل يبقى حكم؟ قولان. وقال أبو حنيفة: يجوز التوضئ به بكل حال ما لم يسلب وقته، ووافقنا في ماء الباقلا المغلي أنه لا يجوز التوضئ به فيقيس عليه وحكي عن الزهري أنه قال: الماء الذي
بل فيه خبز يجوز التوضئ به سواء غيره أم لم يغيره. وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا وقع فيه زعفران أو عصفر وصار بحيث يصنع به الثوب لا يجوز التوضأ به.
فرع
لو طبخ الأرز أو الحمص بالماء، فإن انخَّل في الماء لا يجوز التطهر به، وإن لم ينحل ولا تغير به بالماء، فإنه يجوز التطهر به. وإن تغير به الماء من غير انحلال أجزائه فيه وجهان:
أحدهما: يجوز التطهر به كما لو تغير بلا انحلال من غير طبخ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه بالطبخ صار مرقًا ذكره في "الحاوي".
[ ١ / ٤٩ ]
فرع
لو تغير الماء بالشمع يجوز استعماله كما لو تغير بدهن، ولو تغير بشحم أذيب فيه بالنار، فيه وجهان: أحدها: يجوز استعماله، لأن الشحم دهن.
والثاني: لا يجوز؛ لأن مخالطة الشحم للماء يحوله مرقًا. قال في "الحاوي": وعلى هذا المني إذا وقع في الماء كان طاهرًا، فلو غير الماء فيه وجهان: أحدها: لا يجوز استعماله [٢٦ أ/ ١] كما لو تغير بمائع غير المني.
والثاني: يجوز استعماله لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن، وهذا تفريع بعيد.
فرع آخر
إذا وقع الكافور في الماء فتغير به، وهذا لأن الكثير يخالط الماء والقليل لا يخالط بالرائحة رائحة مجاورة. وقال أبو حامد: هذا لا يصح، والمذهب أنه لا يجوز التطهر به لأن الشافعي قال في "الأم": "ولو صب فيه مسكًا أو ذريرة أو شيئًا ينماع فيه فظهر فيه
ريحه لا يتوضأ به" والكافور ينماع فيه، وهو في معنى المسك.
وقيل: الكافور نوعان: نوع فيه دسومة فيتفتت فيه ولا ينماع ويرسب فتاته في الماء، فهذا لا يضر، ونوع ينماع فيه فإن كثر بحيث لو كان له نوع نظم عليه حتى يضاف إليه الماء لا يجوز التوضأ به. وهو اختيار القفال، والصحيح عندي الأول؛ لأن له رائحة زكية فالقليل تغير الماء الكثير مجاورة، ولهذا قال الشافعي في غسل الميت: "ويجعل في كل ماء قراح كافورًا" فدل أنه لا يضره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان بناء على ما لو بقي رائحة الخمر في الأرض بعد غسلها، هل تطهر؟ قولان فإن قلنا: لا حكم للرائحة هناك فلا يضر هنا.
فرع آخر
إذا وقع في الماء قطرات أو بان، فتغيرت رائحته، قال في "الأم": "لا يمنع التوضأ به" وقال بعده بقليل: "لا يجوز التوضأ به، لأن يخالطه".
قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، والقطران على ضربين؛ ضرب لا يختلط [٢٦ ب/ ١] بالماء ويقف عليه، وهو نوع منه كالدهن يعلو الماء فلا يمنع التوضأ به؛ لأن به تغير المجاورة. وضرب يختلط بالماء فيمنع التوضأ به إذا غلبه. وقال القاضي الطبري: ننحى فيه قول البويطي فيكون فيه قولان.
فرع آخر
إذا وقع فيه أوراق الشجر فتغير بها قال الشافعي: "يجوز استعمال به" قال أبو إسحاق: لأنه
[ ١ / ٥٠ ]
تغير بالمجاورة فلا يضره. وقال غيره: لا، لأنه يمكن حفظ الماء منها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يضر الماء وهو الأصح. والثاني: يضره. والثالث: إن كان خريفيًا لا يضره، وإن كان ربيعيًا فإنه يزيل طهوريته. والفرق من وجهين:
أحدهما: أنه يخرج من الربيعي رطوبة تختلط بالماء بخلاف الخريفي، فإنها يابسة كالخشب.
والثاني: أن الربيعي قلما يتأثر من الشجر فيمكن صون الماء عنه بخلاف الخريفي،
ولو تغير بالثمار فإنه يزيلها لطهورته بلا خلاف.
فرع آخر
لو كان ورق الشجر مرقوقًا ناعمًا بغير الماء لم يجز استعماله؛ لأنه تغير مخالطة، وقال أبو حامد: يجوز استعماله كما لو كان صحيحًا، وهذا غلط؛ لأن تغيره مجاورة بخلاف هذا. ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر
إذا تغير الماء بالملح وغلب عليه، لا يجوز التوضأ به؛ لأنه معدن وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا. والثاني: لا يزيل الطهورية بحاٍل، وهو اختيار القفال؛ لأن الملح هو [٢٧ أ/ ١] ما في الأصل. والثالث: وهو اختيار أبي حامد: إن كان ملح حجر يزيل الطهورية، وإن كان ملح جمد مثل أن يرسل الماء في أرض محالة فتصير ملحًا لا يزيل الطهورية، لأن به ماء يتغير بمجاورة الأرض.
فرع آخر
لو قال: وقع في الماء ما لا يغيره كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، وعرق الآدمين، وهذا يبعد لأنه لابد من أن يتفرد عنه بطعم، فإن اتفق ذلك فمن أصحابنا من قال: يعتبر الغالب منها بالكثرة كما في الماء المستعمل، فإن كان الغالب الماء فإنه يجوز التطهر به، وإن كان الماء مغلوبًا فلا يجوز التطهر به. ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار القفال- لا يراعى هذا، بل ينظر فإن خالطه قذر لو كان له رائحة أو لون غلب عليه وصيره مثل نفسه، فإنه يزيل طهوريته وإلا فلا يزيل، وهذا حسن. فإن قيل: الأشياء تختلف في ذلك فبأيها تعتبر؟ قيل: يعتبر بما هو للأشبه.
فرع آخر
لو خالطه التراب أو غيره، فإن صار نجسًا بطبعه فلا يجوز التطهر به وإن كان جاريًا بطبعه ولكن تغير طعمه ولونه يجوز التطهر به؛ لأنه قرار الماء والماء لا ينفك عنه غالبًا. وقيل: لأنه طهور في نفسه فلا يزيل الطهور به. والعلة الأولى هي أصح؛ لأنه
[ ١ / ٥١ ]
لو تغير بالأوراق والطحلب فإنه يجوز التطهر به. وإن لم يتغير فطهور.
وقال في الحاوي. فيه قولان: أحدها: لا يجوز، لأنه [٢٧ ب/ ١] مذرور.
وهذا بعيد عندي. وقال في حرملة: لو كان الماء يجري على حجر الكحل والنورة فتغير صفته منه يجوز التوضئ به؛ لأنه قراره. ولو أخذ حجر النورة فسحقه وطرحه فيه لا يجوز التوضئ به؛ لأن تغيره بصنعة آدم ويمكن الاحتراز منه وعلى قياس هذا لو جفف أوراق الشجر وسحقه وطرحه في الماء فغيره لا يجوز التوضئ به
وقال: لو أخذ ترابًا فطرحه في الماء فكوره لا يمنع التوضئ به؛ لأن هذا لم يغير عن أصل خلقته، وهو يوافق الماء في الطهورية حتى لو غيره عن أصل خلقته. فإن طبخ الطين ودقه فطرحه في الماء لا يجوز التوضئ به.
وقال شيخنا الإمام ناصر﵀-: فيه وجهان؛ المنصوص ما ذكرنا، والوجهان غلط، ولو تغير الماء بطول المكث في المكان أو تغير لحيائه يجوز التوطئ به، نص عليه في البويطي و"الأم".
فرع آخر
لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع استهلك فيه كماء الورد والعرق، قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز التوضئ به؛ لأنه يقطع أنه غسل بعض الأعضاء بغير ماء، وقال الشيخ أبو حامد: غلط فيه؛ لأنه استهلك فيه فسقط حكمه، إلا أنه لو كان معه من الماء وفق الكفاية مرة مرة فصب عليه رطلًا من ماء ورد فاستهلك فيه، فإنه يجوز التوضئ بكله، وإن كنا نقطع بأنه غسل بعض أعضاء الطهارة بغير الماء، ولأن صاحب "الإفصاح" قال: لو خالطه ولم [٢٨ أ/ ١] يغيره فتوضأ به ونفي منه بقدر المائع جاز؛ لأنه لم يتوضأ بغير الماء، وهذا لا يصح؛ لأن الذي استعمله بعضه ماء وبعضه مائع، والذي نفي كذلك. ولا يجوز أن يكون الذي نفي هو المائع خاصة.
فرع آخر
إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض، قال في "القديم" إذا لم يبق إلا الأثر الذي لا يخرجه إلا الماء صار معفوًا عنه، ويجوز له أن يصلي معه. وقال في "الجديد": لا يجزيه إلا أن يغسله، ولا شك أنه لا يطهر بذلك.
وجه الأول وهو قول أبي حنيفة قوله ﷺ: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه
بالأرض" وروى أبو هريرة﵁- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ الرجل بخفه أو نعله نجاسة يطهره بالتراب". وجه القول الثاني: وهو الصحيح أنه لباس
[ ١ / ٥٢ ]
نجس فلا يزول حكم نجاسته بالدلك كالثوب.
فرع آخر
لو أكلت الهرة فارة ثم ولغت في الماء القليل تنجس الماء؛ لأّنا تحققنا نجاسة فمها. ومن أصحابنا من قال: لا ينجس؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". ولأن الاحتراز منه لا يمكن، وهذا خلاف النص، وإن غابت ثم عادت فشربت؟ فيه وجهان: أحدها: ينجس؛ لأن الأصل نجاسة فمها. والثاني: لا ينجس؛ لجواز أنها وافت في ماء كثبر، فطهر فمها، والأصل طهارة الماء، وهذا إن احتمل ذلك، وقد قال في مختصر البويطي: [٢٨ ب/ ١] لا بأس بفضل الهرة والسباع والدجاج والطيور، إلا أن يكون في مناقير الطيور وأفواه السباع نجاسة، ويكون الماء أقل من خمس قرب فلا يجوز الوضوء به، وهذا يدل على أن سؤرها لا يكره، وعند أبي حنيفة يكره سؤر الهرة وإن لم ينجس، وهذا غلط؛ لما روى داود بن صالح التمار عن أمه، قالت: أرسلتني مولاتي بهريسة إلى عائشة -﵂ - فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضيعها، وعندها نسوة، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت عائشة قالت النساء: كلن وابقين موضع فم الهرة، ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، ثم قالت: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم". وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة.
فرع آخر
كل ما يدفع الحدث لا يجوز إزالة النجاسة به على ما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفة. وبقولنا قال محمد، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت النجاسة على البدن لا تجوز إلا بالماء، وإن كانت على غيره فإنها تجوز بغير
الماء، وهذا غلط، لأنه لا فرق في القياس بينهما.
واعلم أن الشافعي عبر في هذا الباب بعبارة التطهر به حولها، ومنعا لأنها عبادة جامعة للوضوء وإزالة النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما.