مسألةُ: قالَ: ومن وجَبَ عليه حضور الجمعة وجب ليه حضور العيدين.
وهذا كما قال العيد في اللغة: لما اعتاد، أو عاد إليك، والأضحى: جمع أضحاة فقولنا: يوم الأضحى، أي: يوم الأضاحي والضحايا. والأصل في العيد: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرِبِّكَ َواُنْحَرْ﴾ " الكوثر: ٢" ولا نحر بعد الصلاة إلا صلاة العيد.
وأما السنة: فما روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -: قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذا اليومان؟ " فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه.
وعيد الفطر: هو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وجاء في الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه " يوم الحج الأكبر"، وروي أن أول "١٩٩ أ/٣" عيد صلى فيه رسول الله - ﷺ - صلاة العيد يوم الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر وسمي عيدا، لأنه يعود كل سنة، وقيل: إن السرور يعود فيه إليهم.
ويستحب لهم أن يقوم ليله كل واحد من العيدين. قال النبي - ﷺ -: " من قام ليلتي العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، وهذا هو أعظم الفضائل، كقوله تعالى في الشهادة: ﴿ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ " البقرة: ٢٨٣" وهذا أشد الوعيد. فإذا تقرر هذا فالمذهب أن صلاة العيدين نافلة؛ وهي: سنة مؤكدة، وبه قال مالك لأن الشافعي قال: والتطوع وجهان نذكر في جملته صلاة العيدين، وقال في البويطي: صلاة العيد سنة لأهل الآفاق للرجال في المصلى وللنساء والعبيد والإماء في منازلهم، وأراد بما نقل المنزل من وجب عليه حضور الجمعة حتما وجب عليه حضور العيدين اختيارا وقصد الشافعي له أن حكم العيدين إنما يتوجه قصدا على من يخاطب بالجمعة. فأما النساء والصبيان والعبيد فل يتوجه عليهم "١٩٩ ب/٣" بل هم تبع.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وقال الإصطخري: صلاة العيد فرض على الكفاية؛ لأن الشافعي قال: وجب عليه حضور العيدين فتقديره من وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيدين كفاية، وبه قال أحمد وهذا غلط لما ذكرنا. وروى أن النبي - ﷺ - لما عرض الأعرابي الصلوات الخمس قال: هل علي غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تتطوع"، وقيل: ما نقله المزني بهذا اللفظ لا يحفظ للشافعي في كتاب؛ ولأنها صلاة مؤقتة لم يشرع لها الإقامة فلا تجب كصلاة الاستسقاء، وقال أبو حنيفة في رواية: صلاة العيد واجبة وليست فرضا. فإذا تقرر هذا لو اتفق أهل بلد على تركها يقاتلون على قول الإصطخري، وعلى المذهب فيه وجهان:
أحدهما: لا يقاتلون لأنهم تركوا نافلة كالوتر وركعتي الفجر.
والثاني: يقاتلون لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين وإخفاء الشعار بخلاف الوتر، فإنه لا يحصل بتركه التهاون في الدين وهذا أظهر وأوضح عندي، فإن قيل: فهذا يدل على أنه يأثم بتركها ويقضي، وهو قول الإصطخري، قلنا: يفضي بالتهاون "٢٠٠ أ/٣" بشعار الإسلام، ومثله يقول في ترك الأذان، وإن لم يكن واجبا فإن قيل: ما يقولون لو اتفق أهل بلد بأسرهم على ترك الوتر وركعتي الفجر؟ قلنا: ذاك يصلونه في منازلهم فلا يتوصل إلى اتفاق الكل على تركه، وإن علم ذلك منهم لا يقاتلون أيضا، لأنهم لم يندبوا إلى الجهات، فقلنا: بالإجماع لها فلم يكن في تركه تهاون بالدين.
مسألةْ: قال: وأحب الغسل بعد الفجر للغدو إلى المصلى.
وهذا كما قال. الغسل للخروج إلى العيد مستحب والمعنى فيه: أن النبي - ﷺ - حيث سن الغسل في يوم الجمعة شبهه بالعيد، فقال: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا"، وروي عن علي ﵁ أنه " كان يغتسل في الفطر والأضحى"، وروي نحوه عن ابن عمر ﵁ ولأنه يوم سن فيه اجتماع الكافة للصلاة فاستحب فيه الغسل كالجمعة، وقد ذكرنا قولين في وقته. وقال القفال فيه وجهان: والنص هاهنا يدل على أنه بعد الفجر وفي هذه نظر، لأن القولين "٢٠٠ ب/٣" منصوصان على ما تقدم بيانه، والنص يدل على وقت الاستحباب والخلاف في وقت الجواز، وقال أحمد: لا يجوز إلا بعد الفجر.
فرع
إذا قلنا: إنه يجوز قبل الفجر، قال القاضي الطبري: يجوز في جميع الليل كما يقول في أذان الصبح: ولا يجوز قبله، ويحتمل أن يجوز في جميع الليل، ويفرق بينه وبين الأذان بأن النصف الأول وقت مختار لصلاة غيرها، فربما يظن أن الأذان لها وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
مسألة: قال: وأحب إظهار التكبير.
الفصل
وهكذا كما قال: وجملته أن التكبير مسنون في عيد الفطر، وبه قال مالك وأحمد وروي عن ابن عمر ﵁ وروي لعلي بن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وبه قال ابن عباس ﵁ وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا، واحتج من نصر القول بما روى سعيد بن جبير أن ابن عباس ﵁ سمع التكبير يوم الفطر فقال "٢٠١ أ/٣" ما شأن النس؟ فقلت: يكبرون، فقال: أمجانين الناس.
وروي أنه سئل عن رجل كبر يوم الفطر، فقال ابن عباس: كبر إمامه فقيل: لا قال: ذاك رجل أجمق. وقال النخعي: التكبير يوم العيد عمل الحركة وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "الحج: ٣٧" قال الشافعي في " الأم": سمعت من ارتضى من أهل العلم بالقرآن يقول: ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم، وروى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ -: " كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير".
وأما قول ابن عباس يعارضه فعل علي وابن عمر، وأبي أمامة ﵁ أنهم "كانوا يكبرون"؛ ولأن ابن عباس كان يقول يكبرون مع إمامهم ولا يكبرون منفردين" وهذا خلاف أصلكم.
وقال داود: التكبير يوم الفطر واجب لظاهر الآية، وهذا غلط لأنه ليس بأمر بل هو إخبار عن إرادة الله تعالى لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ﴾ " البقرة: ١٨٥" "٢٠١ ب/٣" ولأنه تكبير شرع في يوم العيد فلا يجب كالتكبير في عيد الأضحى، واختلف قول الشافعي أي العيدين آكد في التكبير، فقال: في القديم ليلة النحر هي أوكد لإجماع الناس عليها من السلف.
وقال في " الجديد": ليلة الفطر أوكد لورود النص الذي ذكرنا فيها فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في وقته وصفته.
فأما وقته: فأوله بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وزيد بن أسلم، واختلفت ألفاظ الشافعي في هذا، فقال في " الأم": إذا رئي هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، وقال في البويطي: وتظهر الناس التكبير حين مغيب الشمس من ليلة الفطر، وروى المزني: وأحب إظهار التكبير ليلة الفطر ومعناهما واحد وهو ما ذكرنا.
فإن كان في السماء غيم ولم يروا الهلال عدوا رمضان ثلاثين يوما، فإذا غابت
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الشمس ليلة الحادي والثلاثين ابتدئوا بالتكبير، وإن كانت السماء مصحية فطلبوا الهلال عشية التاسع والعشرين، فإن رأوا الهلال بعد غروب " ٢٠٢ أ/٣" الشمس كبروا، وإلا لم يكبروا لأن رمضان باق لم ينقص. وقال علي وابن عمر ومالك والأوزاعي والثوري: لا يكبر ليلة الفطر. ولكنه يكبر في يومه وروى هذا عن أحمد، وقال إسحاق وأبو ثور: يكبر إذا غدا إلى المصلى وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ " الحج: ٣٧" ولأنه عيد سن في التكبير في يومه فسن التكبير في ليلته أصله عيد الأضحى.
وأما وقت قطع التكبير قال في "الأم": لا يزال وقته قائما حتى يخرج الإمام إلى المصلى، وقال في البويطي: حتى يفتتح الإمام الصلاة. وقال في "القديم": حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معا هكذا حكاه أبو حامد، وحكى غيره عن "القديم" حتى ينصرف الإمام من الصلاة.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ثلاثة أقوال: إحداها: إلى خروج الإمام لأنه إذا خرج الإمام يستحب الاشتغال بالصلاة والتأهب لها فيقطع التكبير قبل الابتداء بالصلاة حتى يتأهب لها.
والثاني: إلى افتتاح الصلاة وهو اختيار المزني، قال: هذا أقيس، لأن من لم "٢٠٢ ب/٣" يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب، أي ولم يشرع في الخطبة فجائز أن يتكلم يعني فإذا جاز أن يتكلم في هذا الوقت فالأولى به أن يكبر، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا.
والثالث: إلى انصراف الإمام من الصلاة، لأن فيها تكبيرا فإن قيل: فينبغي أن يعتبروا الفراغ من الخطبتين؛ لأن فيهما تكبيرا قلنا؟: تكبير الخطبة هو مسنون للإمام دون السامعين وأما على ما ذكر أبو حامد فوجهان: هذا التكبير هو من شعار الصلاة والخطبة فما دامت الصلاة والخطبة، موجودة لا يقطع التكبير، وهذا القول الثالث إنما يتصور في حق الغائب عن الإما فله التكبير حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين. فأما من كان حاضرا معه فلا يكبر وهو يخطب، فيكون في حق الحاضر قولان، ومن أصحابنا من قال قول واحد إنه يكبر إلى أن يفتتح الإمام الصلاة وهذ الطريق هي أصح.
والألفاظ هي عبارة عن معنى واحد يقوله حتى يخرج الإمام معناه تفتتح الصلاة؛ لأنه يفتتحها عقيب خروجه إذ ليس قبلها خطبة ولا أذان ولا إقامة.
وقوله في "القديم": أراد "٢٠٣ أـ/٣" جنس التكبير لأن في الصلاة والخطبتين تكبيرا كثيرا، وإنما قال ذلك لأن الإمام إذا افتتح الصلاة يجب عليهم أن يفتتحوا، ولا يجوز لهم أن يشتغلوا بالتكبير فإذا سلم صعد المنبر للخطبة وعليهم الاستماع فلا يكبرون.
وأما الكلام في صفته: فالمستحب أن يجهروا بالتكبير جماعة وفرادى في المسجد
[ ٢ / ٤٥٧ ]
والأسواق، والطرق، والمنازل، ومسافرين ومقيمين، وهذا معنى التكبير المرسل في جميع الأحوال. وروي ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: " كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن رافعا صوته بالتهليل والتكبير" ولأن في ذلك تذكيرا لغيره وإظهار شعار الإسلام. وروى ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: " كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى" وأما التكبير المقيد وهو في إدبار الصلوات.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحب ذلك عقيب ثلاث صلوات صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح لأن كل "٣٠٣ ب/٣" عيد سن فيه التكبير المطلق سن فيه المقيد كعيد الأضحى.
ومنهم من قال: لا يستحب ذلك ولكنه يكبر عقيب الصلوات وغير عقيبها على السواء ويكون تكبير الإرسال أبدا، لأنه لم يرو في عيد الفطر عن النبي - ﷺ - أنه كبر عقيب الصلوات ولو فعله لنقل كما نقل في عيد الأضحى، وهذا ظاهر المذهب، لأن الشافعي لم يذكر ذلك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يستحب ذلك كما في عيد الأضحى وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ذلك على الخصوص وهذا غريب دائما في أيام التشريق فلا يكبر من حيث السنة إلا خلف الصلوات، فإن كبر فيها تكبيرا مطلقا جاز. فإذا تقرر هذا بين الشافعي ﵀: أن ليلة النحر في ذلك مشبهة بليلة الفطر ومقيس عليها لغير الحاج، فقال: وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا تذكره التلبية، يعني: أن الحاج لا يقطع التلبية في عامة الأوقات ما لم يفتتح رمي الجمرة يوم النحر، فلما كانت التلبية في هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى التكبير، ولا كذلك من لم يكن حاجا فكذلك أمر بالتكبير في "٢٠٤ أ/٣ " هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى الكبير ولا كذلك من لم يكن حاجا، فكذلك أمر بالتكبير في هذه الليلة قياسا على ليلة الفطر لأنها ليلة أحد العيدين.
مسألة: قال ويغدون إذا صلوا.
وهذا كما قال يستحب التبكير إلى المصل من حين يصلي الصبح، لأن المنتظر للصلاة وهو كالمصلي ويكبر هناك، ولأن في ذلك خلو الطريق والمبادرة إلى أدنى المجالس من الإمام ليسمع الخطبة فكان أولى كما قلنا في الجمعة.
الفصل
وهذا كما قال. أراد به أنه يخرج بهم إلى أوسع مكان من البلد لأنها صلاة يجتمع
[ ٢ / ٤٥٨ ]
لها أهل البلد والقرى فلا يسعهم الجامع بخلاف الجمعة.
وقال في " الأم": إذا كان المسجد يسعهم فصلاة العيد فيه أفضل من الصلاة في الصحراء، وإن كان ضيفا لا يسعهم فالصلاة في الصحراء أفضل، وعلى هذا المعنى، قال الشافعي في التكبير: لا يقام العيد في البلدان في المساجد، بل يخرجونإلى الجبان إلا بمكة فإنهم يصلون في المسجد، ولا أراهم يفعلون ذلك إلا لعظم المسجد، وقال بعض أصحابنا: "٢٠٤ ب/٣" في علته في مسجد مكة أنهم يستقبلون عين الكعبة حقيقة ولا يكون هذا في موضع آخر، وإن كان المسجد كبيرا مسجد مكة وبيت المقدس صلوا فيه، وهذا لأن المسجد هو أشرف البقاع وأفضلها وألطفها.
وجملته: انه يجوز في الصحراء والمسجد بكل حال، والمسجد أفضل عند الاتساع وعند العذر من مطر أو غيره؛ لما روي أبو هريرة ﵁ قال: أصابنا مطر فصلى رسول الله - ﷺ - صلاة العيد بالناس في المسجد، ولأن الناس يقلون في يوم المطر فلا يضيق المسجد عنهم، وإنما كان رسول الله - ﷺ - يخرج إلى الصحراء عند الصحو لضيق مسجده، فإن خالف في هذه الحالة وخرج إلى الصحراء وصلى الناس، قال: "لم أكره ذلك ولا بأس".
وإن ضاق المسجد عن الناس فالأفضل الخروج إلى الصحراء، فإن خالف صلى في المسجد يكره ذلك، وإنما قال: يكره هاهنا ولم يقل: هناك يكره، لأن في هذا مخالفة السنة ولم يخالف السنة هناك، ثم إن كان الصحار قريبا لا يلحق الضعيف مشقة في حضوره فالأمر على ما ذكرنا، وإن كان الصحراء بعيدا استخلف من يصلي "٢٠٥ أ/٣" بضعفة الناس في المسجد، وفي المطر إذا ضاق المسجد على الناس صلى الإمام في المسجد الأعظم بمن يطيق الحضور معه، واسخلف من يصلي بباقي الناس في موضع آخر يكون أرفق بهم.
ومن أصحابنا من قال: الأفضل الخروج إلى الصحراء عند الإمكان بكل حال، لأن فيه إظهار العيد الذي هو شعار الإسلام والسنة وهذا خلاف النص، ويستحب أن يمشي إلى صلاة العيدين ولا يركب إلا أن يضعف عن المشي سواء كان رجلا أو امرأة، ولو ركب من غير ضعف فلا بأس، ويكون سيره وصفة مشيه على ما ذكرنا في الجمعة. وأما إذا انصرف فهو بالخيار إن شاء ركب، وإن شاء مشى، لأن انصرافه ليس بطاعة خلاف الخروج إلا أن يتأذى الناس بركوبه فيكره لأجل الأذى بالناس. وروي أن رسول الله - ﷺ - كان لا يركب في أربعة مواطن: " العيدين والاستسقاء والجنازة وعيادة المريض".
وقال أصحابنا: لو كان البلد ثغرا لأهل الجهاد يقرب من العدو فركوبهم وإظهار سلاحهم وزيهم في العيد أولى لما فيه من إعزاز الدين وتحصين "٢٠٥ ب/٣" المسلمين.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
مسألة: قال: ويلبس عمامته.
وهذا كما قال المستحب للإمام ولسائر الناس أن يلبسوا للعيد أحسن ما يجدون ويتنظفوا يتطيبوا، كما ذكرنا في الجمعة ويتعمموا وهذا الإمام هو آكد استحبابا.
وقال في " الأم": أحب العمامة في الحر والبرد وفي جميع محافل الناس، لما روي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يتخذ لعيده جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته"، وأراد بالثوبين الإزار والرداء، وروي أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس برد حبرة ويقيم في كل عيد، وقال الحسن بن علي ﵄: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد".
مسألة: قال: وأحب أن يكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة.
وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيدين حين تبرز الشمس، أي تظهر ويزول عنها التغير بأن ترتفع قليلا قيد رمح ولا يزال وقتها قائما ما لم تزل الشس، فإذا زالت خرج وقتها ويكون قد دخل وقت الظهر، فتكون هذه المدة ميقاتها؛ لأنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل "٢٠٦ أ/٣" وقت أخرى.
والمستحب للإمام أن يؤاخي المصلى في هذا القت الذي يستحب فيه أداؤها حتى يحرم بالصلاة حتى يوافيه، فإن شاء قعد في بيته حتى يعلم أنه إذا خرج إلى المصلى وافاه في هذا الوقت، وإن شاء ضربت له خيمة في المصلى ليبكر إليها، ثم إذا كان أول وقت الصلاة خرج إليها، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - كان يخرج بالمدينة يوم العيد إلى المصلى للوقت الذي يبتدئ بالصلاة، ولأن الإمام هو المتبوع فالمستحب أن ينتظره الناس لا أن ينتظرهم هو، وهذا في عيد الأضحى، فأما في عيد الفطر قال الشافعي: يؤخر الخروج إلى الصلاة عن ذلك قليلا، وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر، وذكر الناس سريد به الخطبة في العيدين ورأيت خبرا عن رسول الله - ﷺ - أنه: " كان يصلي في عيد الفطر لقيد رمحين، وفي عيد الأضحى لقيد رمح، والمعنى الفارق في ذلك هو أن الاشتغال في عيد الأضحى بالذبح والتصدق والتناول يكون بعد "٢٠٦ ب/٣" الصلاة، وفي عيد الفطر يؤدون زكاة الفطر قبل الصلاة، كما قال ﵊: أغنوهم
[ ٢ / ٤٦٠ ]
عن الطلب في هذا اليوم" فيؤخر في الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، ويعجل في الأضحى ليصل إليهم لحم القربان سريعا.
مسألة: قال: ويطعم يوم الفطر قبل الغد.
الفصل
وهذا كما قال. المستحب أن يأكل الناس قبل الخروج إلى الصلاة يوم الفطر ولا يأكلون في الأضحى إلا بعد الصلاة، ثم إن شاء أكل في بيته، وإن شاء في طريقه، فإن ترك الأكل في الفطر قبل الصلاة وأكل في الأضحى قبل الصلاة يكره له ذلك، وهذا لما ورى الشافعي أن النبي - ﷺ -: "كان يطعم يوم الفطر قبل الغدو"، وروي أنه " كان يطعم قبل الخروج إلى الصلاة في يوم الفطر ولا يطعم في عيد الأضحى حتى يعود فيأكل من أضحيته".
وقال ابن المسيب: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر، والمعنى في ذلك أنه يطعم الناس في الفطر قبل الصلاة بأداء زكاة الفطر، فاستحب أن يطعم هو أيضا، وفي الأضحى: يؤخر الإطعام "٢٠٧ أ/٣" إلى ما بعد الصلاة، فيستحب أن لا يطعم هو أيضا، وأيضا فإن الفطر واجب في هذا اليوم وكان الصوم واجب قبلهفاستحب المبادرة إلى الأكل فيه ليتميز عما قبله، وفي يوم النحر: لم يتقدمه صوم واجب، فاستحب له الانتقال في هذا اليوم ليتميز يوم الفطر عنه، ثم المستحب أن يأكل التمر وترا، لما روي أنس ﵁ قال: "قلما كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر حتى يأكل تميرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا وأقل من ذلك وأكثر"، وهذا يدل على استحباب التمر وأن يكون وترا.
وقال جابر بن سمرة: كان رسول الله - ﷺ -: " إذا كان يوم الفطر أكل قبل أن يخرج سبع تمرات أو سبع زبيبات، وإذا كان يوم الأضحى لم يطعم شيئا". فإذا تقرر هذا، فقد روي في "المختصر": بعد هذا أثرا عن ابن عمر ﵁ في استحباب إظهار التكبير يوم الفطر عند الغدو إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام وقوله: " ويكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير" وأراد بجلوس الإمام فراغه من الصلاة وجلوسه على المنبر للاستراحة، وقيل: أراد بالجلوس "٢٠٧ ب/٣" السكون في مقام الصلاة، وقد مضت المسألة قبل هذا وهناك موضع رواية هذا الأثر، ثم أعاد المزني ها هنا ما ذكرنا
[ ٢ / ٤٦١ ]
من استئناس الشافعي ببعض فقهاء التابعين.
فقال: وعن عروة وأبي سلمة أنهما كانا يجهران بالتكبير حين يغدوان إلى المصلى، ولا فائدة في إعادة هذا الكلام ها هنا، إلا أنه إنما تكلم هناك في التكبير في ليلة الفطر، وهاهنا يتكلم في العدد يوم الفطر وما يستحب له فيه، ثم قال: وأحب أن يلبس أحسن ما يجد، يعني: من الثياب التي يجوز لبسها للرجال على ما ذكرنا وقد مضى ذلك.
مسألةٌ: قالَ: فإذا بَلَغَ الإمام المصلَّى نُودِي: الصلاة جامعة.
وهذا كما قال: لا يستحب لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فإن أذن وأقام يكره له ولا إعادة عليه. وقال الزهري: ما كان على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ لصلاة العيدين أذان حتى أحدثه معاوية بالشام. وأحدثه الحجاج حين ولي الإمامة بالمدينة، ثم ترك عليهما. وقال ابن سيرين: أول من أحدثه بنو أمية والحجاج، وقال أبو قلابة: أول من أحدثه ابن الزبير، وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدثه معاوية وكيف ما هو "٢٠٨ أ/٣" فإنه بدعة، ولأن الإذان والإقامة من شعائر الفرائض المؤقتة في اليوم والليلة، وهذه ليست منها. فإذا تقرر هذا، فالمستحب أن يقول المؤذن: الصلاة جامعة، أي: عليكم الصلاة التي تجمعكم فقوموا إليها.
قال في "الأم": ويستحب أن يتوقى قوله: حي على الصلاة لأنه من ألفاظ الصلاة، فإن قال: هلم إلى الصلاة لا أكرهه، لأنه ليس من ألفاظ الأذان فكان كقوله: الصلاة جامعة، وهذا لأنه لما كان الأذان مكروها يستحب أن يتوقى عن جميع كلماته، ولو قال: حي على الصلاة فلا بأس به، وإن كان المستحب غيره، وأراد أنه لا يكره ذلك، وإنما استحببنا ما ذكرنا لما روى الزهري أن رسول الله - ﷺ - كان: "يأمر مناديه يوم العيد بذلك"، ولأن من سننها اجتماع الناس فليس هذا الذكر ليجتمعوا عند سماعه كما يسن الأذان.
مسألةٌ: قالَ: ثُّمَّ يُحرِمُ بالتكبِيرِ فيرفعُ يَديهِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا نودي بالصلاة فأول شيء يعمله الإمام الإحرام بالصلاة بالتكبير لقوله - ﷺ -: "تحريمها التكبير"، ويرفع يديه حذو منكبيه، ثم يأتي بدعاء الاستفتاح كما في المكتوبة ولا يتعوذ، ثم يكبر سوى تكبيرة الافتتاح "٢٠٨ ب/٣" والركوع سبع مرات يرفع يديه حذو منكبيه كلما كبر، وفي الركعة الثانية فيكون قدر الزيادة على التكبيرات الراتبة اثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأول، وخمسا في الثانية، وبه قال أبو بكر وعمر
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وعائشة وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعمار بن ياسر والأوزاعي وأحمد وإسحاق ﵏.
وقال أبو حنيفة والثوري: يكبر في الأولى ثلاثا سوى تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية ثلاثا سوى تكبيرة الركوع، لأن عنده أن يوالي بين القراءتين، ومعنى الموالاة بين القراءتين أنه يكبر التكبيرات في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الركعة الثانية: بعد القراءة وعندنا القراءة بعد التكبيرات في الركعتين جميعا. وروي هذا عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان ﵁، فتكون التكبيرات الزوائد ستة، ثلاثة في الأولى وثلاثة في الثانية، وروي عن أحمد رواية يوالي بين القراءتين.
وقال مالك: مثل قولنا إلا أنه قال: سبع تكبيرات في الأولى مع تكبيرة الإفتتاح فالتكبيرات الزوائد إحدى عشرة، ستة في الأولى وخمس "٢٠٩ أ/٣" في الثانية، وبه قال أبو ثور والمزني، وروى هذا عن أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وهذا قول ابن عباس وعلى هذا فعل أهل الأمصار اليوم اتباعا للعباسية، وكان الحسن يكبر في الأولى خمسا وفي الأخرى ثلاثا سوى تكبيرتي الركوع.
واحتج أبو حنيفة: بما روى عن سعيد بن المسيب أنه سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان عن التكبير في صلاة العيد كيف كان يكبر رسول الله - ﷺ -؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربع تكبيرات، تكبيرة على الجنازة، فقال لحذيفة: صدق ثم قال أبو موسى: وهكذا كنت أكبر بالبصرة حين كنت واليا عليها، وهذا غلط لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات". وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - كبر في العيدين في الأول سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة". ونحو هذا روى ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمار روى عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذا "٢٠٩ ب/٣"، وهو قول أهل المدينة.
وأما خبرهم قلنا: رواية ضعيف ثم إن خبرنا أولي، لأن روايته أكثر وأفضل وأتقن، وروي ذلك قولا وفعلا وهو زائد والزوائد أولى.
واحتج مالك: بما روت عائشة أن النبي - ﷺ -: "كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكيرات سوى تكبيرة الركوع" قلنا: روينا أنها قالت: سوى تكبيرة الإفتتاح وتكبيرة الدخول في الركوع، وهذا أبين فيرتفع به الإجمال الذي في خبركم، وروي عن الثوري
[ ٢ / ٤٦٣ ]
ومالك وأبي يوسف، ومحمد أنه لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى التي هي الافتتاح، وهذا غلط لما روى ابن عمر ﵁ كبر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا. ويرفع يديه عند كل تكبيرة في حال الانتصاب فيرفع اليد لها كتكبيرة الافتتاح.
فإذا تقرر هذا، وفرغ في الأولى من سبع تكبيرات يتعوذ، ثم يقرأ لتتصل القراءة بالتعوذ وبه قال أحمد ومحمد، وقيل: قال محمد بن الحسن: يأتي بدعاء الاستفتاح بعد التكبيرات مع التعوذ. وقال أبو يوسف: يتعوذ عقب دعاء الاستفتاح ثم بعد التكبيرات يقرأ الفاتحة، ولا نص فيه لأبي حنيفة، وقد قيل: مذهبه مذهب أبي "٢١٠ أ/٣" يوسف وهذا غلط لما ورى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ -: "كان يتعوذ قبل القراءة"؛ ولأن التعوذ تابع للقراءة فلا يفصل بينهما كما في سائر الصلوات.
مسألةٌ: قالَ: ويقِفُ بينَ كل ِّ تكبيرتَينِ بقدرِ قراءةِ آيةٍ لا طويلةٍ ولا قصيرةٍ.
وهذا كما قال. يستحب أن يأتي بهذه التكبيرات فيها مفرقا ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة، يهلل الله ويكبره ويحمده ويمجده. والتمجيد هو التعظيم مثل قوله: مالك يوم الدين، ولا إله إلا الله.
والمراد به: أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن زاد على هذا جاز، ولا يقول هذا بين تكبيرة الإحرام والتي تليها، لأنه يكفيه فيما بينهما دعاء الافتتاح، ولو اتبع بعض التكبير بعضا، ولم يفصل بينه بذكر. قال الشافعي: كرهت له ذلك ولا إعادة ولا سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات متواليات، وقال مالك: يقف بين كل تكبيرتين، إلا أنه لا يأتي بذكر بينهما وهذا غلط لما روي أن ابن مسعود ﵁ صلى صلاة العيد وكان يقف بين كل تكبيرتين يهلل ويكبر ويصلي على النبي - ﷺ - "٢١٠ ب/٣" وسأل الوليد بن عقبة عبد الله بن مسعود عن هذا، فقال: يقول: الله أكبر ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي - ﷺ -.
ومن أصحابنا من قال: عادة الناس قولهم: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد وسلم تسليما وهذا حسن، ومنهم من قال: يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، قالوا: لو كان هذا مسنونا لنقل عن النبي - ﷺ - كما نقل التكبيرات.
قلنا: الظاهر أن ابن مسعود ذكره عن رسول الله - ﷺ -، ولأن هذا يخفى ولا يظهر بخلاف التكبيرات، ولأنها تكبيرات متكررة في حال القيام فاستحب أن يتخللها الذكر
[ ٢ / ٤٦٤ ]
كتكبيرات الجنازة، ثم إذا فرع من التكبيرات يقرأ بأم القرآن كما قلنا في سائر الصلوات، ثم يقرأ سورة ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ بعد أم القرآن، وعند أبي حنيفة يكره تعيين سورة لبعض الصلوات وليس بعض السور بأولى من بعض، وقال مالك وأحمد: يقرأ بسبح، وهل أتاك.
واحتجا بما روى النعمان "٢١١ أ/٣" بن بشر أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل: أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - في الأضحى والفطر؟ فقال: "كان رسول الله - ﷺ - يقرأ بقاف والقرآن المجيد، واقتربت الساعة".
وأما خبرهم: على الجوزا وخبرنا على الاستحباب، لأنه إخبار عن دوام فعله ولأن في هاتين السورتين ذكر الساعة، وصفتها، ويوم العيد يشبه يوم القيامة لاجتماع الناس في صعيد واحد، فاستحب قراءة هاتين السورتين فيها.
قال الشافعي: وأحب أن يقرأ في الاستسقاء: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ "نوح: ١" أحببت ذلك، والسنة الخبر فيها بالقراءة في صلاة العيدين والاستسقاء لأن أبا واقد الليثي وصف قراءة رسول الله - ﷺ - وإنما عرف ذلك بجهره.
فرع
لو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة ففيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يستحب له العود إلى التكبيرات، لأن محلها القيام وهو في القيام "٢١١ ب/٣"، فإذا قلنا بهذا فإن ذكر في خلال القراءة قطعها، وعاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استأنف القراءة؛ لأنه تعمد قطعها بغيرها، وإن ذكرها بعد الفراغ من القراءة عاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استحب أن يعيد القراءة، فإن لم يفعل أجزأه، لأن جميع القيام هو محل للقراءة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يعيد القراءة؟ جهان: وليس بشيء.
والثاني: قاله في " الجديد" إنه لا يعود إلى التكبير، لأن هيئة موضعها قبل القراءة فإذا أخذ في القراءة فاتت، أو ذكر مسنون قبل القراءة فوجب أن يسقط بشروعه في القراءة كدعاء الاستفتاح، فإذا قلنا بهذا فقطع القراءة إلى التكبيرات. قال الشافعي: لا تبطل صلاته لأن ذكر الله تعالى لا يبطل الصلاة وإن تعمد في غير موضعه وإن ذكرها وقد فرغ من القراءة فعاد وكبر.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
قال في " الأم": أحبت له أن يعيد القراءة ثانيا فإن لم يفعل لم يجب وإن لم يقطعها ومضى في القراءة وركع وسجد، فإذا قام إلى الثانية لا يكبر إلا خمسا بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز أن يترك سنة التكبيرات في الركعة الثانية لأجل تركه إياها في الركعة الأولى، فيكون "٢١٢ أ/٣" قد ترك السنة في الركعتين، وهذا كما لو ترك الرمل في الطواف في الثلاث لم يقض في الأربع. وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات، وإن كان قد ركع، وبه قال محمد وهذا غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك المأموم الإمام في صلاة العيد وقد فاته بعض التكبيرات، ففي قوله" القديم" يكبر ما فاته. وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وكذلك إذا أدركه وهو يقرأ وعلي قوله الجديد لا يكبر ما فاته، ولو أدركه راكعا يكبر ويركع معه، ولا يقضي التكبير وقلا واحدا، وبه قال أحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: يكبر في الركوع تكبير العيد، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
لو أدرك في الركعة الثانية كبر معه خمس تكبيرات، ثم إذا قام للقضاء كبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات؛ لأن ما أرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته عندنا والإمام يتحمل عنه الزيادة التي عليه من التكبيرات.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو ترك التكبيرات فيها عامدا أو ناسيا لم يكن عليه سجود السهو ولو زاد على ذلك كرهته، ولا إعادة عليه ولا سجود للسهو عليه.
فرع
قال: لو استيقن أنه يكبر في الأولى أنه يكبر في الأولى سبعا أو أكثر أو أقل "٢١٢ ب/٣" وشك هل نوى بواحدة منهن تكبيرة الافتتاح لم تجزه صلاته؛ لأنه لم يتيقن دخوله في الصلا فيلزمه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ويكون ذلك ابتداء الصلاة ويأتي بما بعدها على الترتيب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو استيقن أنه كبر سبعا أو أكثر أو أقل وتيقن أنه نوى بواحدة منها تكبيرة الافتتاح ولا يدر هلى نوى بالتكبيرة الأولى أم بالأخيرة؟ بالاحتياط أن يجعلها للأخيرة، ويبتدئ بقوله: وجهت وجهي، ثم يأتي بعده على الترتيب.
فرع
قال: لو شك بعد تكبيرة الافتتاح هل كبر واحدة أم أكثر أخذنا بالأقل لأنه اليقين،
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وما زاد عليه شك.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كبر لافتتاح الصلاة وترك دعاء الاستفتاح حتى كبر للعيد، ثم ذك لم يكن عليه أن يدعو بدعاء الاستفتاح، فإن فعل أحببت أن يعيد التكبير سبعا حتى تكون كل واحدة منهن بعد دعاء الاستفتاح، فإن لم يفعل فلا إعادة ولا سجود للسهو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا قنوت في صلاة العيدين والاستسقاء، فإن قنت عند نازلة لم أكرهه وإن قنت لغير نازلة كرهته، وأحببت له أن يسجد للسهو. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: هاهنا فإذا قام إلى الثانية "٢١٣ أ/٣"كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وهذا يدل على أنه يستحب أن يرفع رأسه من الجود ساكنا ويجلس جلسة الاستراحة، ثم يبتدئ بالتكبير والقيام لأنه قال: تكبيرة القيام من الجلوس، ولم يقل: من السجود، ود ذكرنا شرحه فيما سبق، ثم قال: ولا يقرأ من خلفه قد ذكرنا أنه أحد القولين.
مسألة: قال: ثم يخطب.
الفصل
وهذا كما قال: أراد أنه يخطب بعد الصلاة، ويستحب أن يكون على المنبر.
وجملة الخطب عشر: خطبة الجمعة، وخطبة الفطر، وخطبة الأضحى، وخطبة كسوف الشمس، وخطبة خسوف القمر، وخطبة الاستسقاء، وأربع خطب في الحج: إحداها: اليوم السابع بمكة، واليوم التاسع بعرفة، ويوم النحر بعد الزوال بمنى، ويوم النفر الأول بمنى. وكل هذه بعد الصلاة إلا خطبتين خطبة الجمعة، وخطبة عرفة فإنهما معا قبل الصلاة، وهذا إجماع المسلمين، وروي ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة، فإن قيل: فما الفرق بين الجمعة والعيد في هذا الباب من طريق المعنى؟ قلنا: "٢١٣ ب/٣" الجمعة فرض والعيد نفل، فخولف بين خطبتيهما ولا يلزم على هذا خطبة عرفة؛ لأنها ليست للصلاة، بل هي للوقت، وأيضا خطبة الجمعة شرط في الصلاة، فلهذا قدمت لتكمل شرائط الصلاة بخلاف خطبة العيد، ولأن وقت الجمعة يضيق فقدمت الخطبة عليها لتتكامل الناس للصلاة، وخطبة عرفة قدمت ليتعلم الناس مناسكهم وصلاتهم وما يفعلونه في حجهم وعمرتهم، ويشتغلوا عقيب صلاتهم بالدعاء، وهذا المعنى لا يوجد في خطبة العيد، وروي أن الأمر كان على هذا حتى آلى الأمر إلى مروان فقدم الخطبة على الصلاة، إذ الناس كانوا يبغضونه فيتفرقون بعد الصلاة ولا يجلسون لخطبته، فأخذ
[ ٢ / ٤٦٧ ]
أبو سعيد الخدري في بعض الأعياد بردائه حين أراد صعود المنبر وجذبه. وقال: غيرت السنة يا رجل خل عني فقد ذهب ما تعلم، فقال أبو سعيد: ما أعلم خير مما تعلم كان رسول الله - ﷺ - يصلي قبل الخطبة.
فرع
لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، قال في "الأم": رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة ولا كفارة كما لو صلى ولم يخطب.
مسألة: قال: فإذا ظهر على المنبر سلم ويرد الناس "٢١٤ أ/٣" عليه.
جواب السلام لقوله تعالى: ﴿وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ " النساء: ٨٦" واحتج الشافعي على أبي حنيفة حيث قال: لا تسلم، فإن قال: لأن هذا يروي عاليا، يعني: التسليم يروي عاليا قيل: أراد بإسناد عال. وقيل أراد به الجهر أي عاليا صوته بالتسليم، وقيل: أراد به سلم عاليا على المنبر في حال علوه، وقيل: أراد أن هذا مروي عن السلف، والعالي هو عبارة عن مقدم السلف، وقيل: أراد أنه يروي عن أعالي الصحابة أي كبارهم، ثم إذا فرغ من السلام هل يجلس قبل الخطبة أم لا؟ قال في "الأم": يجلس جلسة كجلوس الإمام يوم الجمعة للأذان، ثم يقوم ويخطب، وقال أبو إسحاق: لا يجلس ها هنا ويفارق الجمعة؛ لأنه ينتظر الأذان هناك وليس هاهنا أذان، وهذا غلط، لأن الجلوس في الجمعة لمعنيين أذان المؤذن والاستراحة حتى يكون أقدر على الخطبة، وقد وجد هنا أحد المعنيين، وهو الاستراحة فاستحب له الجلوس.
وحكى بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال في "الكبير": يجلس على "٢١٤ ب/٣" المنبر هاهنا قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة، وهذا غلط، بل هو على ما ذكرنا من العبارة، ثم يقوم ويخطب قائما، لأن النبي - ﷺ - قام في جميع خطبته إلا أن تكون به علة فخطب جالسا، فإن خطب جالسا عن عذر جاز؛ لأن النبي - ﷺ - " خطب على راحلته بعدما انصرف من الصلاة يوم الفطر ويوم النحر"، وذكر الإمام الجويني في "المنهاج": أنه لا يجوز أن يخطب جالسا، وهذا غلط، لأنها نفل كنفس صلاة العيد فيجوز جالسا، ثم إذا قام يخطب كبر قبل الخطبة تسع تكبيرات تسعا تترى لا كلام بينهن، وفي الخطبة الثانية يبتدئ بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهن بكلام، فإن أدخل بين التكبير الحمد والثناء والتهليل كان حسنا، ولا يكون حسنا وتركه مستحبا، وكان عمر بن عبد العزيز يفصل بين التكبيرات بحمد الله تعالى، وذكره وهذا التكبير ليس من الخطبة، والخطبة بعده، لأن الشافعي قال: ويكبر، ثم يخطب ويأتي بالخطبة
[ ٢ / ٤٦٨ ]
كما ذكرنا في الجمعة.
وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى "٢١٥ أ/٣" لا يفصل بينهما بخطبة، ثم يخطب ثم يجلس ثم يقوم إلى الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهما بكلام ثم يخطب ويعتمد على شيء وينصتون على ما ذكرنا، ثمذكر ما تختص به هذه الخطبة فقال: إذا كان يوم الفطر، ذكر زكاة الفطر، وحث عليها وحث على إخراجها وعرفهم وجوبها ومقداهرا وجنسها ومستحقها.
وإن كان في الأضحى: عرفهم سنة الأضحية ووقتها وصفتها، وأن البقرة والبدنة يجزيان عن سبعة، والعيوب التي تمنع الجواز وعرفهم ما يأكلون وما يطعمون الناس، فإا فرغ من الخطبة، فإن كانت بالناس قلة، وقد سمعوا الخطبة انصرف إلى بيته، وإن كانت بهم كثرة وهناك نساء لم يسمعن الخطبة، قال الشافعي: لم أر بأسا أن يأتيهم فيخطب خطبة خفيفة ولا يجب عليه لأنه لم يرو ذلك عن النبي - ﷺ - إلا مرة واحدة، وقد خطب خطبا كثيرةولم يفعل ذلك، فدل أنه قد فعله وتركه، وكان الترك أكثر، وهذا ما روى ابن عباس ﵁ قال: خرج رسول الله - ﷺ - "يوم فطر فصلى ركعتين، ولم يصل "٢١٥ ب/٣" قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها"، والخرص: الحلقة، والسخاب: القلادة. وفي رواية جابر بدأ رسول الله - ﷺ - بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل، فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه والنساء يلقين فيه صدقة تلقي المرأة فتحها، والفتح: هي الخواتيم الكبار واحدتها فتحة، ثم ذكر في "الأم" ما يؤمر به بعد الفراغ من الخطبة فقال: ثم ينزل فينصرف أي ينزل من حيث أراد.
فرع
قال: ويستحب للمساكين إذا حضروا أن يكفوا عن المسألة ويستمعوا إلى الخطبة حتى يفرغ الإمام، فإن لم يدعوا المسألة كره لهم، لأنهم تركوا الاستماع ومنعوا غيرهم منه؟.
مسألة: قال: ولا بأس أن يتنفل المأموم قبل صلاة الإمام العيد وبعدها في بيته وفي المسجد.
وهذا كما قال: ذكر الشافعي ما اختلفت فيه الصحابة من التنفل قبل صلاة العيد وبعدها على أربعة أوجه:
فمنهم من شك قبلها وبعدها. وروي هذا عن أنس وأبي هريرة وسهل بن "٢١٦ أ/٣" سعد الساعدي ورافع بن خديج والحسن.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ومنهم من لم يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة قالوا: يكره ذلك، وروي ذلك عن علي ﵁.
ونهم من يتنفل قبلها، ولم يتنفل بعدها، ومنهم من يتنفل بعدها، ولم يتنفل قبلها، واختار الشافعي القول الأول وهو جواز التنفل قبلها وبعدها في بيته، وفي المسجد وفي طريقه وفي المصلى، وحيث أمكنه إذا حلت صلاة النفل بأن تبرز الشم قال الشافعي: وكثرة الصلاة على كل حال هي أحب إلي فاستحب ذلك، لأن فعلها جزء من تركها، لوم يستحب لأجل صلاة العيد وليس لصلاة العيد نافلة لا قبلها ولا بعدها؛ لأنها نافلة بنفسها وليس للنافلة اتباع من النوافل كما يقول في صلاة الخسوف والاستسقاء، ولا يستحب هذا كما يستحب تحية المسجد وصلاة الضحى، لأن المكان ليس بمكان التحية وهو لا يريد به صلاة الضحى.
وقوله: كما يصلي قبل الجمعة وبعدها، وهو تشبيه في الجواز لا في الاستحباب واختلاف الصحابة يدل على أن الكل مباح، وأما الإمام فلا يستحب له ذلك، لأن "٢١٦ ب/٣" المستحب له أن يوافي الصلاة حين تفتتح الصلاة، وإذا فرغ منها بدأ بالخطبة، ثم إذا فرغ منها انصرف وهذا لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه - ﷺ - " لم يتنفل قبلها ولا بعدها"، ولأنه لو تنفل ربما يقتدي به الناس، ويعتقدون أن لهذه الصلاة توابع. وروي عن مالك في رواية أنه قال: إذا صلى العيد في المسجد يجوز التنفل، وفي الصحراء لا يتنفل. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره قبلها ولا يكره بعدها، لما روي أن عليا ﵁ راى قوما يصلون قبل العيد فقال: ما كان يفعل ذلك على عهد رسول الله - ﷺ - فقيل له: ألا تنهي عن ذلك؟ فقال: "أكره أن ننهي عبدا إذا صلى"، وعن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد" وهذا غلط؛ لأن كل صلاة لا ينهي عن الصلاة بعدها لا ينهي عن الصلاة قبلها كسائر الصلوات، واما آثارهم فمعارضة بما رويناه عن الحابة ﵃.
فرع
قال الشافعي: ونأمر المأموم بالنافلة قبل الجمعة وبعدها، ونأمر الإمام أن يبتدأ بالخطبة ثم "٢١٧ أ/٣" بالجمعة ولا يتنفل وينصرف حتى تكون نافلته في بيته. فاستحب النافلة قبل الجمعة وبعدها للمأموم دون الإمام.
قال القاضي الطبري: هذا عندي محمول على النوافل التي لا تتعلق بصلاة الجمعة؛ لأنه قال في "الأم": وجميع النوافل في البيت أحب إلى منها ظاهرا إلا في يوم الجمعة وهذا هو المذهب.
مسألة: قال: ويصلي العجمعةيدين المنفردُ في بيتِه والمسافرُ.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الفصل
وهذا كما قال: كل من وجبت عليه صلاة الجمعة فهو من أهل صلاة العيد، قال: ولا أرخص لأحد في ترك حضور العيدين ممن تلزمه الجمعة، وإذا حضر المسافر والعبد والمرأة مع أهل العيد صلوها معهم تبعا كما في الجمعة، ول صلاها الإمام بأهلها هل يصليها من لم يكن من أهل الجمعة أم لا؟ قال في " الأم":، و"الإملاء" يصليها المنفرد في بيته والمسافر والمرأة، وقال في "الإملاء و"القدي": في الصيد والذبائح: كل موضع وجبت فيه الجمعة صلى فيه العيدان، وكل موضع لم تجب فيه الجمعة لم يصل فيه العيدان، وقيل: إنه قال: ويجب إقامة العيد حيث يجب إقامة الجمعة ويسقط حيث يسقط. فاختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم "٢١٧ ب/٣" من قال قول واحد: يجوز ذلك للمنفرد والمسافر، وما قال في القديم، أراد أن هذه الصلاة لا تقام في مساجد المحال كسائر الصلوات، أو أراد كل موضع وجبت فيه الجمعة سن فيه الإجتماع للعيدين والخطبة له، وهذا التأيل لا يساعده اللفظ الظاهر ومنهم من قال: وهو الصحيح فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز إلا أن توجد جميع رائط الجمعة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، لأنها صلاة راتبة يخطب بها كالجمعة، ولأن النبي - ﷺ - لم يصل العيد بمنى كما لم يصل الجمعة، لأنه كان مسافرا.
والثاني: وهو الصحيح يجوز للمنفرد وغيره، لأنها صلاة نافلة كسائر النوافل، وأما ترك النبي - ﷺ - فلا شتغالة بما هو أهم منها من أمور المناسك، وليس كالجمعة لأنها فرض بخلاف هذا. وإذا قلنا: بهذا فمن فاته ذلك يصليها منفردا، وإن شاء يصليها في جماعة إلا أنه لا يخطب إذا قام الإمام بالخطبة، ويقيمها أهل القرى وإن كانوا دون الأربعين وكذلك أهل البادية والسفر وخطب لهم أحدهم، وقال في "الأم": لا بأس أن يصلوها في مساجد "٢١٨ أ/٣" الجماعات في الصر فإذا فعلوا لا أحب أن يخطب لأن فيه افتتانا على الإمام، وإذا قلنا بقوله: لا يصليها المنفرد ولا الجماعة بعدما صلى الإمام، ولا أهل السوق إذا كانوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء.
وقال أبو حامد: ولكن ليس من شرطها الأربعون، ولا أن يكون الأربعون لصفة عدد الجمعة فإن كان بعضهم عبيدا أو مسافرين جاز بخلاف الجمعة، ومن أصحابنا من قال: ظاهر كلام الشافعي أنها بمنزلة الجمعة في العدد وصفتهم على هذا القول، ويجوز أن تصلى المرأة والمسافر تبعا مع العدو إذا تم، وهذا اختيار القفال، لأنه على هذا القول، على قياس الجمعة وقد ناقض الشيخ أبو حامد حيث قال عن القديم: لا تقان في القرى إذا كان فيها أقل من أربعين ثم قال: لا يشترط فيها العدد ولا شك أنه
[ ٢ / ٤٧١ ]
ليس من شرطها الوطن لأنها تقام في الصحراء بخلاف الجمعة.
مسألة: قال: وأحب حضور العجائز.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب حضور العجائز من النساء وغيرهن العيد، وقال في "الأم": واحب شهود النساء العجائز، وغير ذوات الهيئة صلاة العيد وغيرها وأنا لشهودهن "٢١٨ ب/٣" الأعياد أشد استحبابا من شهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات.
وقال أبو حنيفة: لا يشهدن إلا في صلاة الصبح وصلاة العشاء، وإن حضرت امرأة حائض قال في "الأم": لم تصل ودعت ولا أكره لها ذلك، وأكره لها أن يحضرها غير حائض إلا طاهرة للصلاة، لأنها لا تقدر على الطهارة، وأما النساء اللاتي لهن هيئة وجمال يكره لهن حضور هذه المواضع لخوف الفتنة بهن، وإذا حضر غيرهن فإنهن لا يلبسن الشهرة من الثياب مثل المصبغات والبياض الذي له فعقعة وخشخشة من العال، ولكن تلبس البياض النظيف المغسول ولا يتطيبين ولكن يتنظفن بالماء والأصل في ذلك ما ري عن ابن عباس ﵁ قال: " كان رسول الله - ﷺ - يخرج بناته ونساءه إلى العيدين". وروي أن النبي - ﷺ - قال: "وليشهدن الذكر ودعوة المسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا لا جلباب لها، قال: "فتلبسها صاحبتها جلبابها" أي يدخلان معا في جلباب إحداهما، وقالت أم عطيه ﵂: "أمرنا رسول الله مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا "٢١٩ أ/٣" في العيدين بإخراج العجائز"، وروي العواتق وهذا أصح وذوات الخدور والحيض، قالت أم عطيه ﵂: أما الحيض فكن يعتزلن المصلى ويشهدن الذكر ودعوة المسلمين، والعواتق: جمع عاتق وهي التي قاربت الإدراك، وقيل: هي المدركة ولأنه موضع ريبة واجتماع فاستحب إخراجهن لتكثير الجمع.
وقال القفال: يكره لهن الخروج إلى مجمع المسلمين، لأن الناس قد تغيروا ويروي مثله عن عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري وقالت عائشة: "لو رأى النبي مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، وروي أنها كانت تمنع النساء من الخروج إلى المساجد، وقيل لها: أليس كان النبي مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا يرخص في ذلك؟ فقالت: لو
[ ٢ / ٤٧٢ ]
عاش إلى زماننا هذا لنهي عنه، وروي أن النساء كن يحضرن المجلس على عهد أبي بكر ﵁ للصلاة كما كان في عهد رسول الله - ﷺ - فخرج عبد الله بن عمرو بن العاص يوما وامرأته بين يديه تمضي إلى المسجد فأراد أن يمتحنها فجر بعض ثيابها فعلمت أن رجلا أخذ ببعض ثيابها فلم تلتفت إليه وانصرفت إلي بيتها، فلما رجع عبد الله إلى بيته قال لها: أحضرت "٢١٩ ب/٣" المسجد؟ قالت: لا وقد عزمت أن لا أخرج أبدا، قال: وما بالك؟ قالت: أخذ رجل ببعض ثيابس فجره وقد تغير الزمان وتغير الناس، فقال عبد الله: أنا الذي فعلت ذلك، فقالت: الآن وجب علي أن لا أخرج إذا كان لا يتداخلك هذا مني في زمن رسول الله - ﷺ - وهذا حسن، لكنه خلاف المذهب. فإذا تقرر هذا فيستحب إخراج الصبيان من الذكور والإناث أيضا. ويلبس كلهم في يوم العيد أحسن ما يقدر عليه من الثياب ويزينون بالصبغ والحلي، لأن ذلك يوم سرر وإظهار زينة وذا نص من الشافعي على أنه يباح أن يلبس الصبي حلي الذهب والديباج، وهذا لأنه لا يخاف الافتتان بهم ولا تكليف عليهم: قيل هل يجوز للصبيان لبس الحرير؟ قولان.
وقال في "الحاوي": استحب بعض أصحابنا البغداديين حضور النساء الثيبات في العيد لخبر أم عطية وهو غلط، بل خروجهن مكروه لخوف الافتتان وخبر أم عطيه نسخ.
مسألة: قال وروى أن النبي - ﷺ - " كان يغدو من طريق ويرجع من أخرى".
وهذا كما قال، روي الشافعي عن المطلب بن عبد الله بن "٢٢٠ أ/٣" حنطب "أن النبي - ﷺ - رجع من المصلى في يوم عيد فلما بلغ مسجد الأعرج الذي عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل القبلة، ثم دعا وانصرف".
قال الشافعي: فاحب أن يصنع الإمام هذا ويقف في موضع يدعو الله وهو مستقبل القبلة، فإن لم يفعل فلا كفارة ولا إعادة.
واختلف أصحابنا في معنى الخروج من طريق والرجوع من طريق أخرى: فمنهم من قال وهو الأصح سلوك: الأبعد ذاهبا والأقرب راجعا، لأنه يمضي في عبادة فيكتب خطاه ويكثر له الثواب ويرجع تاركا للعبادة لا يثاب عليه، وقيل: كان يفعل هذا لتتشرف به البقاع من الجانبين وتعم بركته أهل الطريقيتين، وقيل: كان يفعل هذا لئلا يضيق على الناس، لأنهم كانوا ينتظرون انصرافه في ذلك الطريق ومعه جمع آخر من الناس فتكثر الزحمة. وقد قال ابن عمر ﵁ كان رسول الله - ﷺ - "يفعل ذلك ليتسع على الناس" وقيل: كان يفعل ذلك لتشهد له البقاع، قال رسول الله - ﷺ -: "من مشى في خير أو بر شهدت له البقاع يوم القيامة"، وفيه "٢٢٠ ب/٣" تأويلان:
[ ٢ / ٤٧٣ ]
أحدهما: أن الله تعالى ينطقها فتشهد بذلك، والثاني: أنه تشهد له سكان الأرض والبقاع من الجن والإنس لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾ " الدخان: ٢٩" يعني: سكان الأرض، وقيل: كان يفعل ذلك للتسوية بين السؤال في الدين، فسأله أهل هذا الطريق وأهل ذلك الطريق الآخر، وقيل: كان يفنى ما معه من الصدقة ويكره أن يسأل فلا يعطى فيفر منهم إلى الطريق الآخر؛ وقيل: إنما يفعل ذلك لمغايظة المنافقين إذا رأوا زينته وعلامته في كلا الطريقين، وقيل: كان يفعل ذلك مخافة المنافقين كما روي أنه - ﷺ - كان إذا أراد سفرا وي بغيره. فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: إذا عقلنا معنى ما فعله رسول الله - ﷺ - برجوعه من طريق أخرى، وكان ذلك متعودا في زماننا مثل شرف البقاع ومغايظة المنافقين فإنه معدوم في زماننا رجع كيف شاء ولا يسن ذلك، وإن كان المعنى موجود في زماننا فالسنة الاقتداء به والإمام والمأموم في هذا سواء. وقال ابن أبي هريرة: بل يرجع من بعده من أمته من طريق أخرى بكل حال كما كان يصنع رسول الله "٢٢١ أ/٣" - ﷺ - وهو المنصوص، لأنه إذا فعل شيئا صار شرعا وإن زال المعنى كالدمل والاضطجاع. وقال أبو حنيفة: لا معنى لذلك.
مسألة: قال: وإذا كان العذر من مطر أو غيره أمرته أن يصلي في المساجد.
لم يرد به أن أهل بلد يتفرقون في مساجدهم، بل أراد أن أهل كل بلد يصلون في مسجدهم الأعظم وفيه قول آخر: يجوز أن يتفرقوا في المساجد، ولكن الأولى أن يصلوا جماعة في مسجد واحد، ثم قال: ولا أرى بأسا أن يأمر الإمام من يصلي بضعفة الناس في موضع من المصر، وأراد بالضعفة: الشيوخ والزمناء والمرضى الذين لا يمكنهم قطع المسافة إلى المصلى، وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: ومن جاء والإمام يخطب جلس.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب للناس استماع الخطبة، وإذا جاؤوا والإمام يخطب يوم العيد فإن كان في الصحراء يجلس ويسمع الخطبة، لأنه لا تكون ركعتا التحية في الصحراء فإن قيل: هلا قلتم يشتغل بقضاء صلاة العيد؟ قلنا: لأن صلاة العيد لا يخاف فوتها فإن وقتها واسع وسماع الخطبة يفوت، فكان الاشتغال بسماعها أولى "٢٢١ ب/٣"، ثم إذا فرغ الإمام من الخطبة إن شاء صلى صلاة العيد في مكانه، وإن شاء صلاها في بيته، فإن الصلاة إذا فاتت مع الإمام فليس لبعض المواضع مزية على بعض وإن الإمام يصلي صلاة العيد في الجامع، فجاء رجل وقد فرغ من الصلاة وهو في الخطبة، فالمستحب أن يصلي ركعتين، ويخالف المسجد المصلى في الصحراء، لأن في
[ ٢ / ٤٧٤ ]
المسجد تحية بخلاف الصحراء. فإذا ثبت هذا، قال أبو أسحاق: يصلي صلاة العيد لأنها تتضمن تحية المسجد. فإنه يكون قد أتى بالأمرين، كما لو دخل المسجد وعليه صلاة فائتة يصليها ويجزي ذلك عن تحية المسجد، وكذلك إذا كان الناس في صلاة الفرض يدخل معهم في الفرض ويتضمن ذلك تحية المسجد.
وقال ابن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد ركعتين، ثم يسمع الخطبة، فإذا فرغ منها قام فصلى ركعتي العيد، لأن الإمام ما دام في الخطبة فكأنه في الصلاة، لأن الخطبة من توابعها فلا يستحب له أن ينفرد بقضاء صلاة العيد، والإمام لم يفرغ بعد منها، ولأن التحية ركعتان خفيفتان وصلاة العيد تطول ويمنعه ذلك من الخطبة، وهذا اختيار أبي حامد وهو الأقرب "٢٢٢ أ/٣" عندي والأول أظهر، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري.
وذكر القاضي أبو علي البندنيجي عن البويطي أنه قال: يصلي صلاة العيد قبل أن يدنو إلى المصلى، ويكبر في الأولى سبعا، ثم يوافي ليستمع الخطبة. فعلى هذا في المسألة قولان وهذا الذي ذكرنا على القول الذي نقول: إنها ليست كالجمعة، وإنها تقضي خلافا لأبي حنيفة.
وقال أبو إسحاق: الأفضل في هذه المسألة الأخيرة أن يصلي في المسجد حيث صلى الإمام، وإن خيرناه في المسألة الأولى بين أن يصلي في بيته أو يصلي في المصلى؛ لأنه ليست الصحراء مزية على بيته والمسجد أفضل البقاع فصلاته فيه أفضل. وأكمل من صلاته في بيته، فإن قيل: أليست النوافل في البيت أفضل؟ قلنا: هذه الصلاة سنت لها الجماعة، وإن كانت نافلة يفعلها في المسجد أفضل .. فإن قيل: فينبغي أن يفعلها في المصلى في الصحراء أيضا ولا يرجع إلى بيته. قلنا: إن كان هناك جماعة فالأفضل أن يصلي معهم هناك أيضا، والتخيير بين الانصراف إلى البيت وبين الصلاة هناك إذا بقي وحده. ثم ذكر الشافعي ﵀ ما تخص "٢٢٢ ب/٣" به خطبة عيد الأضحى فقال: علمهم أن من نحر قبل أن يجب أي: يدخل وقت نحر الإمام أن يعيد، أي إن أراد أن يحصل له سنة الأضحية فإنها غير واجبة إلا أن يوجبها على نفسه، وبيان الوقت وما يجري من الأضاحي وما لا يجوز مذكور في كتاب الضحايا، وذكر أنه يجوز في يوم النحر وثلاثة أيام بعده خلافا لأبي حنيفة فإنه قال: لا يجوز في اليوم الثالث من أيام التشريق واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء والحسن فقال: وكذلك قال: عطاء والحسن.
مسألة: قال: ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة من الظهر يوم النحر.
الفصل
وهذا كما قال: قال في "الأم": ويكبر الحاج خلف صلاة الظهر من يوم النحر
[ ٢ / ٤٧٥ ]
إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطعون التكبير إذا كبروا خلف صلاة الصبح لو ابتدئوا التكبير خلف صلاة المغرب من ليلة النحر قياسا على أمر الله تعالى في ليلة الفطر من شهر رمضان بالتكبير مع إكمال العدد لم أكره ذلك، وقد سمعت من يستحب هذا وإن لم يكبروا وأخروا ذلك حتى يكبروا تكبير أهل منى فلا بأس إن شاء الله. وقد "٢٣٣ أ/٣" روي عن بعض السلف أنه كان يبتدئ التكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة وأسأل الله التوفيق.
واختلف أصحابنا في هذا منهم من قال: المسألة على قول واحد، وهو الذي نص عليه في أكثر كتبه أنه يكبر من أول الظهر يوم النحر، والباقي حكاية مذهب الغير لا أنه مذهبه، أو الذي قال: يبتدئ من صلاة المغرب أراد تكبير الإرسال.
ومنهم من قال: في المسألة ثلاثة أقاويل لظاهر ما ذكر في "الأم"
أحدها: يبدأ به بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق فيكون التكبير بعد خمس عشرة صلاة، وهو المروي عن عثمان وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن عمر في رواية، وأبي سعيد الخدري ﵃، وبه قال مالك ﵀، ووجه هذا هو أن صلاة الظهر هي أول صلاة يستقبل الحاج بمنى، لأنهم يرمون الجمرة في هذا اليوم ويلبون في أول حصاة من الجمرة، ثم يتركون التلبية. ويأخذون في التكبير مع صلاة الظهر وآخر صلاة يصلونها بمنى هي الصبح من آخر أيام التشريق؛ لأنهم إذا رموا الجمرة بعد الزوال "٢٢٣ ب/٣" من هذا اليوم نفروا قبل أن يصلوا الظهر بمنى، وهذا هو السنة أن يصلوا الظهر في الطريق، فكان قطعهم التكبير خلف صلاة الصبح بمنى والناس بعد لهم تبع أو قياس عليهم.
والثاني: يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير بعد ثماني عشرة صلاها، وهذا لما أمر الله به من التكبير بعد إكمال عدة شهور رمضان وهو وقت المغرب ليلة الفطر.
والثالث: يبتدئ به من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال عمر وعلي، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهماوهو مذهب الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، وهو اختيار ابن سريج والمزني وعليه يحمل الناس بالببلدان واختاره ابن المنذر، وبه أقول.
ووجه هذا: ما روي جابر أن النبي - ﷺ - صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال: الله "أكبر ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق"، ونحو هذا رواه عمر ﵁ وعمار أيضا، وروي أنه - ﷺ - "٢٢٤ أ/٣" قال في أيام التشريق "إلى آخر النهار"، ولأن يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر والناس في هذا اليوم تبع للحاج، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه قال: ليس ذلك باختلاف الأقاويل، ولا يختلف المذهب أنه
[ ٢ / ٤٧٦ ]
يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وإنما ذكر الشافعي في ثبوت التكبير ثلاثة أسباب: فذكر في ثبوته إلى صلاة العصر عن آخر أيام التشريق قول بعض السلف، وذكر في ليلة النحر القياس على ليلة الفطر، وذكر بعد زوال الشمس من يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق الاقتداء بأهل منى، وهذا أضعف الطرق، وقيل في الابتداء ثلاثة أقوال: وفي وقت القطع قولان. فإذا قلنا: يبتدئ عقيب الصبح يوم عرفة يقطع مع العصر في آخر أيام التشريق والقول الآخر في القطع قول ابن سريج ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وهذا كله تخطيط، والذي يدل عليه كلام الشافعي في "الأم" ما حكيناه من المذهبين، والباقي كله ضعيف.
وقال الأوزاعي: يكبر من الظهر من يوم النحر إلى "٢٢٤ ب/٣" العصر من آخر أيام التشريق وقال أبو حنيفة: يكبر عقب الصبح من يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، وذلك في ثمان صلوات، ويروي هذا عن ابن مسعود وهو رواية عن علي ﵁، وأما قول الشافعي والناس لهم تبع أراد أن الأصل في الذكر والتكبير الحاج، فإن الخطاب في حقهم أكثر قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ " البقرة: ١٩٨" وقال تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ " البقرة: ٢٠٠". فغير الحاج في الخطاب تبعا للحاج.
فرع
ليلة النحر، هي آكد من ليلة الفطر في التكبير، أو على العكس قولان: