مسألة:
قال الشافعي ﵀: "أخبرنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلقة في بطونها أولادها ". قال الشافعي ﵀: "فهذا خطأ في القتل، وإن كان عمدًا في الضرب ".
قال في الحاوي: والأصل في وجوب الدية في الكتاب والسنة. فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَئًا ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فنص على دية أجمل بيانها حتى أخذ من السنة الذي قدمه الشافعي بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
فإذا ثبت وجوب الدية بالكتاب والسنة، فالقتل ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم يكون عمدًا محضًا.
وقسم يكون خطأ محضًا.
وقسم يكون عمد الخطأ يأخذ من العمد شبهًا ومن الخطأ شبهًا. فأما العمد المحض: فهو أن يكون عامدًا في فعله بما يقتل مثله قاصدًا لقتله، وذلك أن يضربه بسيف أو ما يقتل مثله من المثقل عامدًا في الفعل قاصدًا للنفس.
وأما الخطأ المحض: فهو أن لا يعمد الفعل ولا يقصد النفس، وذلك بأن يرمي من الفعل، والقصد.
وأما عمد الخطأ: فهو أن يكون عامدًا في الفعل غير قاصدًا للقتل، وذلك بأن يعمد ضربه بما لا يقتل في الأعلب، وإن جاز أن يقتل كالسوط والعصا وما توسط من المثقل الذي يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فيأخذ شبهًا من العمد لعمده للفعل ويأخذ شبهًا من
[ ١٢ / ١٩٢ ]
الخطأ لعدم قصده للقتل فسمي عمد الخطأ لوجود صفة العمد في الفعل وصفة الخطأ في عدم القصد، فصار العمد ما كان عامدًا في فعله وقصده، والخطأ ما كان مخطئًا في فعله وقصده، وعمد الخطأ ما كان عامدًا في فعله خاطئًا في قصده، ووافق أبو حنيفة على عمد الخطأ، وخالف فيه مالك، وقال: لا أعرف عمد الخطأ وليس القتل إلا عمدًا أو خطأ، وليس بينهما ثالثة، كما قال: لا أعرف الخنثى وما هو إلا ذكر أو أنثى استدلالًا باستحالة اجتماع الضدين في حالة؛ لأن الخطأ ضد العمد فاستحال أن يجتمعا، كما استحال أن يكون قائمًا قاعدًا، ومتحركًا ساكنًا، ونائمًا مستيقظًا، قال: ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه حكم العمد المحض وحكم الخطأ المحض، ولم يذكر حكم عمد الخطأ لاستحالته، ودليلنا السنة المعمول بها، ثم الإجماع المنعقد بعدها، ثم الاعتبار الموجب لمقتضاها.
فأما السنة فما قدمه المزني ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها "فدل على مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها: وصفه بالعمد الخطأ، ومالك ينكرها.
والثاني: إيجاب الدية فيه، ومالك يوجب القود.
والثالث: أنه قدر الدية بمائة من الإبل، ومالك يوجب ما تراضيا به كالأثمان. فإن قيل: فهذا الحديث لا يصح الاحتجاج به من وجهين:
أحدهما: أن علي بن زيد بن جدعان ضعيف لا يؤخذ بحديثه.
والثاني: أن القاسم بن ربيعة لم يلق ابن عمر فكان الحديث منقطعًا.
قيل: أما الوجه الأول في ضعف علي بن زيد فغير مسلم بل هو ثقة قد نقل عنه سفيان وغيره.
وأما الوجه الثاني: في انقطاعه فليس يمتنع أن يكون القاسم بن ربيعة قد لقي ابن عمر، وعلى أنه قد روى من طريق أبي داود، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس فصار من هذا الوجه متصلًا، ويحتمل أن يكون قد رواه عن ابن عمر تارة، وعن عقبة بن أوس أخرى وأما الإجماع فهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم أنهم اتفقوا على عمد الخطأ، وإن اختلفوا في بعض أحكامه ولم يعرف لهم من الصحابة مخالف فصار إجماعًا، وأما الاعتبار: فهو أن العمد المحض لما جمع صفتين من اعتماد الفعل وقصد النفس وسلب الخطأ المحض الصفتين وهو قصد النفس أن يجري عليه حكم العمد من وجه. وهو تغليظ الدية لاعتماد الفعل وحكم الخطأ من وجه وهو سقوط القود؛ لأنه خاطئ في النفس، فصار من هذا الوجه عمد الخطأ ولا يكون ذلك جمعًا بين ضدين ممتنعين؛ لأنه ليس يجمع بينهما في حكم واحد فيمتنعان.
[ ١٢ / ١٩٣ ]
فصل:
فإذا تقرر ثبوت حكم العمد الخطأ فالدية تنقسم ثلاثة أقسام اعتبارًا بأقسام القتل.
أحدها: دية العمد المحض، وهي مختصة بثلاثة أحكام: أحدها: تغليظها على ما سنذكره، والثاني: تعجيلها، والثالث: وجوبها في مال الجاني.
والقسم الثاني: دية الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام تخالف تلك الأحكام.
أحدها: أن تكون مخففة.
والثاني: أن تكون مؤجلة.
والثالث: أن تكون على العاقلة.
والقسم الثالث: دية العمد الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام:
أحدها: مأخوذ من أحكام العمد المحض وهو تغليظها.
والثاني والثالث: مأخوذان من أحكام الخطأ المحض وهو تأجيلها ووجوبها على العاقلة.
مسألة:
قال المزني ﵁: "واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب وعطاء ﵄ أنهما قالا في تغليظ الإبل أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة. قال الشافعي ﵀: "والخلفة الحامل وكل ما تحمل إلا ثنية فصاعدا فإنه من إبل العاقلة حملت فهي خلقة تجزئ في الدية ما لم تكن معيبة ".
قال في الحاوي: تغليظ الدية في الإبل يكون بزيادة السن والصفة مع اتفاق القدر، وتغليظها في الدراهم والدنانير يكون بزيادة العين مع اتفاق الصفة. فأما الدية من الإبل فهي مائة بعير لا يختلف قدرها بالتغليظ والتخفيف واختلف في تغليظها بالسن والصفة، فذهب الشافعي إلى أنها أثلاث ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، والخلفات الحوامل التي في بطونها أولادها، وهل ما تحمل إلا ثنية.
وهو في الصحابة قول: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، والمغيرة وفي التابعين قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.
وفي الفقهاء قول مالك، وربيعة بن عبد الرحمن، وأهل الحرمين، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: تغليظها أن تكون أرباعًا خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، ولم يوجب الخلفات، فخالف في السن والصفة، وبه قال سفيان الثوري، وأبو يوسف، استدلالًا بأن
[ ١٢ / ١٩٤ ]
بدل النفس لا يستحق فيه الحوامل كالخطأ؛ لأن الحوامل لا تستحق في الزكاة فلم تستحق في الدية كالزائد على الثنايا؛ ولأن الحمل صفة مجهولة فلم يستحق ثبوتها في الذمة كالمسعر.
ودليلنا قول النبي ﷺ: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
وقد روي أنه قال: على درج الكعبة ليعم بيانه فلم يجز خلافه ولا دفعه بالتأول.
فإن قيل: فإذا عولتم على هذا النص في الخلفات الأربعين فبأي دليل أوجبتم ثلاثين حقة وثلاثين جذعة؟ قيل: لأمرين أحدهما: قول عمر ومن تابعه من الصحابة والتابعين.
والثاني: أنه لما نص على الخلفات لتغليظها علم أن الباقي دونها ودون الثنايا هي الجذاع، ودون الجذاع الحقاق، فلم يقتصر بالباقي على سن واحدة؛ لأنه خلاف للإجماع، فجعلناه من سنين متواليين، فلذلك أوجبنا ثلاثين جذعة، وثلاثين حقة، وعلى أنه قد روى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم "ولأنه لما كان تغليظ الدية ضد تخفيفها اقتضى أن يكون أدنى ما في المغلظة من الأسنان هو أعلى أسنان المخففة لأجل العلتين، فوجب بأن يكون المستحق فيها الجذاع والحقاق دون بنات لبون وبنات مخاض، وهذا يمنع من قياسهم على الخطأ، ويمنع قياسهم على الزكاة أنه لما وجب في الدية الثنايا، وإن لم تجب في الزكاة، وما ذكروه من الجهل بالحمل فغير صحيح؛ لأن للحمل أمارات تدل عليه، له أحكام تتوجه إليه ولا يمتنع أن يثبت في الذمة، منها ما يثبت فيها من غير الدية كما ثبت فيها الجذاع والثنايا كالمطلقة من غير نعت ولا صفة.
فصل:
فإذا ثبت تغليظها في الإبل بما وصفنا فقد اختلف قول الشافعي هل يعتبر في الحوامل السن أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يعتبر فيها السن، وأي ناقة حملت من ثنية أو ما دونها لزم أخذها في تغليظ الدية، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ".
والقول الثاني: أنه يعتبر فيها السن أن تكون ثنية فما فوقها، ولا يقبل ما دون هذا السن من الحوامل، لرواية عقبة بن أوس أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "منها أربعون خلفة في بطونها
[ ١٢ / ١٩٥ ]
أولادها ما بين الثنية إلى بازل عامها ".
فأما تغليظها في الذهب والورق فيكون زيادة ثلثها على ما سنذكره.
فصل:
وإذا قد تقرر صفة الدية المغلظة فهي تتغلظ في العمد المحض إذا سقط فيه القود وتكون في مال الجاني حالة، وتتغلظ في عمد الخطأ وتكون على العاقلة مؤجلة، ولا يجب فيه القود، وأوجب مالك فيه القود وجعلها ابن شبرمة في مال الجاني دون عاقلته.
والدليل عليها ما رواه عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: "من قتل في عمية أو رميًا بحجر أو ضربًا بعصا أو سوط فعليه عقل الخطأ ومن قتل عمدًا فهو قود لا يحال بينه وبين قاتله فمن حال بينه وبين قاتله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرف ولا عدل ".
وروي سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "عقل شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه ". ذكرهما الدارقطني في سننه، فسقط بهما قول مالك وابن شبرمة.
فصل:
فإذا صح ما ذكرناه فدية العمد المحض مغلظة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتعجيل، والمحل، فتكون في مال الجاني دون عاقلته ودية الخطأ المحض مخففة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتأجيل والمحل، فتكون على عاقلته دونه، ودية عمد الخطأ مغلظة بشيئين: الصفة والسن، ومخففة بشيئين: التأجيل، والمحل؛ لأنه لما كان عامدًا في فعله بخلاف الخطأ ومخطئًا في قصده بخلاف العمد توسط فيها بين حكم الخطأ والعمد.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وكذلك لو ضربه بعمود خفيف أو بحجر لا يشدخ أو بحد سيف لم يجرح أو ألقاه في بحر قرب البر وهو يحسن العوم أو ماء الأغلب أنه لا يموت من مثله فمات فلا قود وفيه الدية على العاقلة وكذلك الجراح ".
[ ١٢ / ١٩٦ ]
قال في الحاوي: قصد الشافعي بهذا بيان عمد الخطأ بأن يكون عامدًا في فعله خاطئًا في قصده وجملته أن آلة القتل على ضربين محدد، ومثقل فأما المحدد من الحديد إذا ضرب بحده أو برمته، فهو عمد محض، لأنه لما كان لا يضرب بحده إلا لقصد القتل صار عامدًا في فعله وقصده، فصار عمدًا محضًا، وأما المثقل فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقتل ولا يسلم منه مضروبه كالحجر العظيم والخشبة الكبيرة إذا ضربه بهما، فهذا كالمحدود في أنه عمد محض؛ لأنه لا يقصد به الضرب إلا للقتل، فصار عامدًا في الفعل والقصد.
والقسم الثاني: ما كان خفيفًا لا يقتل مثله من ضرب به، كالنواة من الحجارة، والقلم من الخشب، فهذا هدر لا يضمن.
والقسم الثالث: ما كان متوسطًا من الحجر والخشب يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل، فإذا فهو عمد الخطأ؛ لأنه عامد في فعله خاطئ في قصده.
وأما إن ألقاه في بحر بقرب البر وهو يحسن العوم فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مما لا يسلم من مثله لعظم موجه وقلة خلاص من يلقي في مثله، فهذا قاتل عمد يجب عليه القود له مدة في فعله وقصده.
والقسم الثاني: أن يكون مما لا يموت فيه من يحسن العوم فلا شيء فيه.
والقسم الثالث: ما جاز أن يموت منه وجاز أن سلم، فهذا من عمد الخطأ، لعمده في فعله وخطئه في قصده.
وأما شجاج الرأس إذا كان بالمثقل فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون مثله يشج في الأغلب، فإذا ضربه به فأوضحه كانت موضحة عمد يجب فيها القود؛ لأنه عامد في فعله وقصده.
والثاني: أن يكون مثله يجوز أن يشج ويجوز أن لا يشج، فإذا أوضحه فهو موضحة عمد الخطأ فيها الدية دون القود.
فأما الضرب الثالث الذي قسمناه في النفس، وهو أن لا يقتل مثله في الأغلب فيقترن به الموت، فيستحيل الشجاج أن يكون مالا يشج مثله فيقترن به الشجاج، لأن الموت قد لا يكون بالطبع وبالأسباب الخفية من أمراض وأعراض، فجاز أن يقترن بالضرب، وإن لم يحدث عنه، والشجاج لا تحدث بالطبع ولا بالأسباب الخافية، فلم يكن حدوثه إلا من الضرب، وقد يكون الحجر عمدًا محضًا في الشجاج؛ لأن مثله يوضح الرأس لا محالة، ويكون ذلك الحجر عمدًا الخطأ في النفس، فإن كان في النفس؛ لأن مثله يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فلا يجب به القود في النفس، وإن كان في شجاج الموضحة وجب به القود فيصير الفرق بين النفس وما دونها من وجهين:
أحدهما: أنه قد يكون الفعل في النفس هدرًا ولا يكون الشجاج هدرًا.
والثاني: أنه قد يكون المثقل في النفس عمد الخطأ وفي الشجاج عمدًا محضًا، ثم
[ ١٢ / ١٩٧ ]
يكون تغليظ الدية فيهما دون النفس من الأطراف والجراح لتغليظها من النفس على ما سنذكره.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وكذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم، وروي عن عثمان بن عفان﵁ أنه قضى في دية امرأة وطئت بمكة بدية وثلث قال: وهكذا أسنان دية العمد حالة في ماله إذا زال عنه القصاص. قال المزني ﵀: "إذا كانت المغلظة أعلى سنًا من سن الخطأ للتغليظ فالعامد أحق بالتغليظ إذا صارت عليه وبالله التوفيق ".
قال في الحاوي: أعلم أن الدية على ثلاثة أقسام:
أحدها: دية العمد المحض، وهي مغلظة تجب على الجاني حالة.
والثاني: دية العمد الخطأ وهي مغلظة تجب مؤجلة على العاقلة، فيتساوى الديتان في التغليظ ويختلفان في التأجيل والتحمل، فتكون في العمد المحض حالة في مال الجاني، وفي عمد الخطأ مؤجلة على عاقلته؛ لأنه لما كان عمد الخطأ أخف من العمد المحض وقد ساواه في تغليظ الدية لعمده في الفعل خالفه في التأجيل والمحل لخطئه في القصد.
والقسم الثالث: دية الخطأ المحض فهي مخففة على ما سنذكره من صفة التخفيف تتحملها العاقلة مؤجلة في ثلاثة سنين ولا تتغلظ إلا في ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون قتل الخطأ في الحرم.
والثاني: أن يكون في الأشهر الحرم.
والثالث: أن يكون على ذي الرحم المحرم، فتكون مغلظة في الخطأ المحض كما تتغلظ دية العمد المحض ودية العمد الخطأ، فيصير تغليظ الدية في خمسة أحوال: في العمد المحض، وفي العمد الخطأ، وفي الخطأ المحض، وفي الحرم، وفي الأشهر الحرم، وعلى ذي الرحم المحرم.
وقال أبو حنيفة: لا تتغلظ دية الخطأ المحض بالحرم ولا بالأشهر الحرم ولا على ذي الرحم.
وبه قال مالك، والنخعي، والشعبي، استدلالًا برواية ابن مسعود عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "دية الخطأ أخماس "ولم يفرق، ولأن ما وجب بقتل الخطأ لم يتغلظ بالزمان والمكان كالكفارة، ولأن قتل الخطأ أخف من قتل العمد، فلما لم يكن للحرم والرحم والأشهر الحرم زيادة تأثير في قتل العمد، فأولى أن لا يكون لها زيادة تأثير من قتل
[ ١٢ / ١٩٨ ]
الخطأ، ولأن لحرم المدينة حرمة كما لحرم مكة حرمة، ولشهر رمضان حرمة كما للأشهر الحرم حرمة، ولشرف النسب حرمة كما للرحم حرمة، ثم لم يتغلظ الدية بحرمة المدينة وحرمة شهر رمضان وحرمة شرف النسب، كذلك لا تتغلظ بحرمة الحرم، وحرمة الأشهر الحرم، وحرمة الرحم؛ لأن القتل كالزنا لوجوب القتل به تارة وما دونه أخرى، فلما لم يتغلظ حكم الزنا بالمكان والزمان والرحم لم يتغلظ حكم القتل، ولأنه لو تغلظ حكم القتل بكل واحد من هذه الثلاثة لوجب إذا جمعها أن يضاعف التغليظ بها، وفي إجماعهم على سقوط هذا دليل على سقوط ذلك، ولأن الأموال تضمن كالنفوس، والعبد يضمن بالقتل كالحر، ولم يتغلظ ضمان الأموال وقتل العبد بهذه الثلاثة، كذلك لا يتغلظ بها ضمان النفوس في الأحرار، ودليلنا عليه انعقاد الإجماع به، روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عباس.
فأما عمر فروى ليث عن مجاهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: من قتل في الحرم، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم فعليه دية وثلث.
وأما عثمان فروى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عثمان قضى في دية امرأة قتلت بمكة بستة آلاف درهم وألفي درهم تغليظًا لأجل الحرم.
وفي رواية الشافعي أنه قضى في دية امرأة ديست في الطواف بالبيت فهلكت بثمانية آلاف درهم.
وأما ابن عباس فروى نافع بن جبير أن رجلًا قتل في الشهر الحرام في الحرم فقال ابن عباس: الدية اثنا عشر ألفًا وأربعة آلاف تغليظًا لأجل الحرم، وأربعة آلاف للشهر الحرام. وليس لقول هؤلاء الصحابة ﵃ مع انتشاره عنهم لأن فيهم إمامين مخالف فثبت أنه إجماع لا يجوز خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون التغليظ الذي أجمعوا عليه هو في العمد المحض أو في عمد الخطأ، فلا يكون فيه دليل على تغليظه بهذه الأسباب الثلاثة في الخطأ، فعنه جوابان.
أحدهما: أنهم قد نصوا على تغليظها بهذه الأسباب، ولو كانت في عمد الخطأ لما تغلظت بها.
والثاني: أنه حكم نقل مع سبب فاقتضى أن يكون محمولًا عليه، كما نقل عن النبي صل الله عليه وسلم أنه سهي فسجد فكان محمولًا على سجوده لأجل السهو، ولأنه لما كانت هذه الأسباب الثلاثة مخصوصة بتغليظ الحرمة في القتل جاز أن يتغلظ بها حكم القتل.
[ ١٢ / ١٩٩ ]
أما الحرم فلقول الله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
ولرواية أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صل الله عليه وسلم حرم مكة "فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يسفك فيها دمًا، ولا يعضدن فيها شجرًا "فإن رخص مترخص فقال: إنها أحلت لرسول الله صل اله عليه وسلم فإن الله أحلها لي ساعة، ثم هي حرام إلى أن تقوم الساعة، ولأنه لما تغلظ بالحرم حرمة الصيد كان أولى أن نغلظ به نفوس الآدميين.
وأما الأشهر الحرم فلقول الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿َسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقد قال: القتال فيها محرمًا في صدر الإسلام لعظم حرمتها وأما ذو الرحم فلقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] فقيل: هي الرحم أمر الله بوصلها، ويخشون ربهم في قطعها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها، ولأن رسول الله صل الله عليه وسلم منع أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة: من قتل أبيه يوم بدر، وقال: "دعه يلي قتله غيرك "حتى قتله حمزة بن عبد المطلب، ومنع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد، وإذا كانت هذه الثلاثة مخصوصة بزيادة الحرمة وعظم المأثم في القتل جاز أن يختص بتغليظ الدية كالعمد وعمد الخطأ. ويدل عليه من طريق القياس أنه قتل في الحرم فكان العمد والخطأ في قدر غرمه سواء كقتل الصيد.
وأما الجواب عن عموم جواب ابن مسعود فتخصيصه بدليلنا.
وأما قياسهم على الكفارة، فالجواب عنه أنها لما لم تتغلظ بالعمد لم تتغلظ بهذه الأسباب، والدية لما تغلظت بالعمد تغلظت بهذه الأسباب. وأما قياسهم على العمد فالمعنى فيه أنه قد استوفى غاية التغليظ فلم يبق للتغليظ تأثير والخطأ بخلافه، وأما اعتبارهم حرم مكة بحرم المدينة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من غلظ الدية فيها كتغليظها بمكة من قوله في القديم إن صيدها مضمون فعلى هذا يسقط الاستدلال. وقال الأكثرون: لا تتغلظ الدية فيها وإن تغلظت بحرم مكة؛ لأن حرم مكة أغلظ حرمة لاختصاصه بنسكي الحج والعمرة، وتحريم الدخول إليه إلا بإحرام، فلذلك تغلظت الدية فيه بخلاف المدينة، وهكذا اختلف أصحابنا في تغليظ الدية بالقتل في الإحرام على هذين الوجهين: وأما اعتبارهم الأشهر الحرام بشهر رمضان فغير صحيح، لأن حرمة شهر رمضان مختصة بالعبادة دون القتل، وحرمة الأشهر الحرم مختصة بالقتل فلذلك تغلظت الدية بالأشهر الحرم ولم تتغلظ بشهر رمضان، وأما اعتبارهم ذا الرحم بذي النسب، فلا يصح، لأن حرمة الرحم أقوى لاختصاصها بالتوارث والنفقة، وأما اعتبار القتل بالزنا، فالفرق بينهما: أن الزنا لما لم يختلف حكمه باختلاف الأعيان لم يختلف المكان والزمان
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
ولما اختلف حكم القتل باختلاف الأعيان جاز أن يختلف بالمكان والزمان. وأما اعتبارهم نفوس الأحرار بنفوس العبيد والأموال. فالفرق بينهما: أنه لما لم يختلف في نفوس العبيد والأموال غرم العمد والخطأ لم يختلف الزمان والمكان، ولما اختلف في نفوس الأحرار غرم العمد والخطأ اختلف بالزمان والمكان والله أعلم.
فصل:
فأم استيفاء القصاص والحدود في الحرم فيجوز أن يقتص في الحرام من القاتل في الحل والحرم، وكذلك إقامة الحدود.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقتص من القاتل في الحل إذا لجأ إلي الحرم، ويلجأ إلي الخروج منه بالهجر وترك المبايعة والمشاراة معه حتى يخرج فيقتص منه في الحل استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٦ - ٩٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧] فوجب بهاتين أن يكون داخله آمنًا، وليس قتله فيه أمنًا.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أعتى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه والقاتل في الحرم، والقاتل في الجاهلية" وقوله: "القاتل في الحرم" يعني قودًا وقصاصًا؛ لأن ابتداء القاتل داخل في قوله: "القاتل غير قاتله" ولأن حرمة الحرم منتشرة عن حرمة الكعبة فلما لم يجز قتله في الكعبة لم يجز قتله فيما انتشرت حرمتها إليه من جمع الحرم، ولأن حرمة الآدميين أغلظ من حرمة الصيد، فلما حرم قتل الصيد إذا ألجأ إلي الحرم كان قتل الآدمي أشد تحريمًا.
ودليلنا عموم الظواهر من الكتاب والسنة في القصاص وإن لما يقترن بها تخصيص الحل من الحرم، لأن كل قصاص جاز استيفاؤه في الحل جاز استيفاؤه في الحرم كالقاتل في الحرم ولأن كل قصاص استوفى من جانبه في الحرم استوفى منه إذا لجأ إلي الحرم كالأطراف، لأن أبا حنيفة وافق عليها، ولأن كل موضع كان محلًا للقصاص إذا جني فيه كان محلًا، وإن جني في غيره كالحل، ولأن النص وارد بتحريم الهجر وإباحة البيع قال الله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، وقال رسول الله ﷺ: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فأمر أبو حنيفة بهجره وهو محظور ومنع من بيعه وهو مباح، وأخر الاقتصاص منه وهو واجب فصار في الكل مخالفًا للنص.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٦] فهو أنه
[ ١٢ / ٢٠١ ]
محمول على البيت لقوله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران ٩٦]. فإن قيل: فالمراد به الحرم لأنه قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران ٩٧] ومقامه خارج البيت لا فيه فعنه جوابان:
أحدهما: أن مقام إبراهيم حجر منقول لا يستقر مكانه، فيجوز أن يكون في وقت وضع الحجر في البيت ثم أخرج منه.
والثاني: أنه محمول على أنه في مقام إبراهيم آيات بينات.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧] فهو دليلنا لأنه مقتضى الأمن أن لا يؤخر فيه الحقوق ويعجل استيفاءها لأهلها، وإذا أخرت صارت مضاعة فخرج الحرم عن أن يكون آمنًا. وأما الجواب عن الخبر. وقوله: "القاتل في الحرم" فمحمول على ابتداء القتل ظلمًا بغير حق دون القصاص لأمرين:
أحدهما: أن لقتل القصاص أسماء هو أخص إطلاقه على غيره.
والثاني: أنه جعله من أعتى الناس وليس المقتص من أعتى الناس، لأنه مستوف لحقه ومستوفي الحق لا يكون عاتيًا، وإنما العاتي المبتديء ولئن كان داخلًا في قوله: "من قتل غير قاتله" فأعيد ذكر قتله في الحرم تغليظًا وتأكيدًا كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة ٢٣٨] وأما جمعه بين الكعبة والحرم فقد أجمعنا على الفرق بينهما لأنه يقتص منه في الحرم إذا قتل فيه فجاز أن يقتص منه فيه إذا لجأ إليه، ولا يقتص منه في الكعبة إذا قتل فيها، فلم يقتص منه فيها إذا لجأ إليها وما ذكروه من الصيد وتغليظ حرمة الآدمي عليه فاسد بالإحرام، لأنه يمنع من قتل الصيد ولا يمنع من القصاص مع تغليظ حرمة الآدمي على الصيد كذلك حال الإحرام والله أعلم.