مسألة: قال: لما مضت برسول الله ﷺ مدة هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض عليهم الجهاد.
الفصل
اعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار الإسلام الذي اختاره لعباده بعث خبرته من خلقه محمدًا ﷺ على ترتيب من أحواله وتدريج فيما أمره به لإظهاره وإحكام قواعده [١٥٢/ ب] وإعلامه ولم يأمره بجميع الشرائع دفعة واحدة وحبب إليه الخلوة فكان يمكث في غار حراء حتى أتاه الملك بأمر الله تعالى. وأنزل عليه الوحي فكان أول ما أوحي إليه قوله تعالى: ﴿اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] فأمره باعتقاد الإيمان وقراءة القرآن في نفسه لأنه خصه به ولم يأمره بإظهاره ثم أمره بالإظهار والقيام بالدعوة والإنذار فقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر ١ - ٢] وقد قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر ٩٤] وقال أيضًا: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤] فجد رسول الله صلى الله عليه واجتهد فجمع عشيرته وأنذرهم فاستهزؤوا به ولم يقبلوه، وقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟ تبًا لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد ١] إلى آخر السورة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر] جد رسول الله ﷺ في الدعوة ولكنه كان خائفًا سطوة المشركين فكان المتوقف من مخالفتهم حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة ٦٧] فلم يتوقف بعد ذلك ولكنه واظب على الدعوة ليلًا ونهارًا وقاسى ما قاسى من بلاء المشركين ثم أمره بعد ذلك بهجرتهم والإعراض عنهم فقال عز من قائل: ﴿وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [١٥٣/أ] فَأَعرِضْ عَنْهُم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام ٦٨] وقال تعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨] وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٩٧ - ٩٨].
ثم اشتد البلاء من الكفار عليه وعلى من أسلم من صاحبه لضعفهم وقلتهم فأباح
[ ١٣ / ١٦٨ ]
الهجرة بقوله تعالى: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء ١٠٠] الآية. فهاجر بعضهم إلى أرض الحبشة وبعضهم إلى الطائف وهو يعرض نفسه في المواسم ويدعو الناس إلى الله تعالى حتى منّ الله تعالى على الأوس والخزرج وهم من عرب اليمن يسكنون بالمدينة فآمنوا وآمن ولياهما من أهلها بالمدينة فبعث رسول الله ﷺ من لقنهم الإيمان والقرآن وعلمهم الصلوات ثم أراه الله تعالى في منامه دار الهجرة وهي المدينة وأذن له ولأصحابه في الهجرة إليها ثم فرض عليهم الهجرة بعج سنتين من الهجرة بقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] الآية. فهاجر ولو يؤذن بعد في الجهاد ثم بعد زمان أذن لهم في قتال من قاتلهم من الكفار دون من لم يقاتلهم ولم يأذن لهم في الابتداء بالقتال بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج ٣٩] الآية. فكان من أحب أن يقاتل من أصحابه فعل ولم يكن ذلك واجبًا [١٥٣/ب] ثم فرض عليهم القتل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦] وبقوله تعالى: ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٤٤].
وهذا معنى قول الشافعي ﵁: لما مضت برسول الله ﷺ مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه، حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض عليهم الجهاد قال: وكان فرضه في الابتداء في غير الأشهر الحرم لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٧] وقال تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥] وكان فرضه في غير الحرم فأما في الحرم فلم يجز القتال إلا أن يبتدئ الكفار به لقوله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١] ثم نسخ ذلك بأمر القتال في جميع الزمان في جميع البلدان بقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالًا﴾ [التوبة ٤١] الآية، وقال ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وقال: ﴿وقَاتِلُوا﴾ [البقرة ٢٤٤] وقال: ﴿وجَاهِدُوا﴾ [المائدة ٣٥] وابتدأ رسول الله ﷺ بالمدينة واعلم أن الجهاد كان من فروض الكفايات وهكذا الآن وإنما وجب على جميع المسلمين القيام به في وقت لم يكن في بعضهم كفاية وفي مثله ورد قوله تعالى: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [١٥٤/أ] عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة ٣٩] وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة ١٢٠] الآية. وحين حصلت الكفاية ببعضهم سوغ الآخرين التقاعد عنه وفيه ورد قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء ٩٥] الآية. هذا يدل على أن القاعد غير آثم بتركه الجهاد، ومن أصحابنا من قال: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان ثم نسخ ومنهم من قال: الاعتبار بدعاء رسول الله ﷺ فكل من دعاه إلى الجهاد افترض عليه الإجابة، وقال سعيد بن المسيب: هو من فرائض الأعيان ولا يصح لما ذكرنا.
وأما فرض الهجرة من مكة إلى رسول الله ﷺ ومن دار الشرك إلى دار الإسلام كل زمان فإنه يتوجه على من أسلم وهو مستضعف بين المشركين لا يقدر على إظهار
[ ١٣ / ١٦٩ ]
إسلامه ولو زاد وراحلة يقدر على الخروج، فأما من كان مستضعفًا لا يقدر على إظهار إسلامه ولا زاد ولا راحلة يحتملانه إلى دار الإسلام أو كان قادرًا على إظهاره آمنًا من الكفار برهطه وعشيرته فإن هذين الضربين لم تفرض عليهما الهجرة [١٥٤/ب] والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء ٩٧] الآية. ثم قال: ﴿إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ﴾ [النساء ٩٨] الآية. وجملته أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب منهم من يستحب له ولا تجب عليهم وهو من أسلم وله قوة بأهله وعشيرته يقدر على إظهار دينه آمنًا. وإنما استحب لئلا يكثر سواد المشركين به وقد روي أن النبي ﷺ بعث يوم الحديبية عثمان ﵁ إلى مكة لأن عشيرته كانت أقوى القوم بمكة فأكرم ولم يبعث ضعفاء قومه.
ومنهم من يجب عليه الهجرة وهو من لم يأمن على نفسه في إظهار دينه ويقدر على الهجرة. ومنهم من لا يجب عليه ولا يستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر لمرضه أو لفقره وهو بمنزل المكرهين ومن أكره على الكفر فلا إثم عليه. واعلم أن فرض الهجرة على هذا التفصيل باق ما دام الشرك قائمًا قال النبي ﷺ: "لا تنقطعالهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "لا هجرة بعد الفتح" قلنا: له تأويلان أحدهما: أراد لا هجرة من مكلة لأنها صارت [١٥٥/أ] دار الإسلام أبدًا. والثاني: أراد لا فضيلة للهجرة بعد الفتح مثل ما كانت قبل الفتح لأن الهجرة والإنفاق كان أفضل في ذلك الوقت قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: وجه الجمع بين الخبرين أن الهجرة كان مندوبًا إليها في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٢٠] وقوله: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن﴾ [النساء ١٠٠] ثم لما انتقل رسول الله ﷺ إلى المدينة اشتد أذى المشركين على المسلمين فوجبت الهجرة عليهم حتى ينتقلوا إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا وليتعلموا منه أمر دينهم فلما فتحت مكة قال النبي ﷺ يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر إلى الندب فهما هجرتان فالمنقطعة منهما هي الفرض والباقية هي الندب وسائر أصحابنا أجمعوا على أن فرض الهجرة على من آمن فيها باقيًا ما بقي للشرك دار وهذا هو الصحيح، ولعله أراد الهجرة من مكة إلى المدينة والله أعلم.
وفي تسميتها هجرة وجهان أحدهما: أنه يهجر فيها ما ألف من وطن وأهل، والثاني: أنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب. واعلم أن القاضي الإمام أبا الحسن
[ ١٣ / ١٧٠ ]
الماوردي ﵀ طول الكلام في شرح [١٥٥/ب] هذا الفصل وذكر مولد رسول الله صل الله عليه وسلم وما كان من أموره في الابتداء والانتهاء إلى وقت وفاته وما كان بعد وفاته من الخلفاء الراشدين وبسط الكلام في كل فصل من ذلك وقد انتخبت منها ما استحسنته ونقلته وذلك أن الله تعالى اختار لرسالته واصطفا لنبوته محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صل الله عليه وسلم فبعثه على فترةٍ من الرسل حين وهت الأديان، وعبدت الأوثان، وغلب الباطل على الحق وعم الفساد في الخلق ليختم به رسله ويوضح به سبله وليستكمل دينه ويحسم به من الفساد ما عم ومن الباطل ما تم فاختاره من بيت أسس به مبادئ طاعته وقواعد عبادته بالبيت الذي جعله مثابة للناس وأمنًا، والحج الذي جعله من أصول الدين ركنًا ليكونوا مستأنسين بتدين تسهل به إجابتهم فكان من أول التأسيس لنبوته أن كثر الله قريشًا بعد القلة وأعزهم بعد الذلة وجعلهم ولاة الحرم فكان أول من همس في نفسه ظهور النبوة فيهم كعب بن لؤي بن غالب فكان يجمع الناس في كل جمعة وهو سماه لجمع الناس فيه يوم الجمعة فكان يخطب فيه على قريش ويقول بعد خطبته: حرمكم عظموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل [١٥٦/ أ] ولتنصبت تنصب الجمل، ولأرقلت إرقال الفحل ثم انتقلت الرئاسة بعده إلى قصي بن كلاب فجدد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل صل الله عليهما وسلم وبني دار الندوة للتشاجر والتشاور وعقد الألوية وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بني القوم دورهم بها فزادت الرئاسة وقوي تأسيس النبوة. ثم أمرت قريش وكثرت حتى قصدهم صاحب الفيل لهتك الحرم وهدم الكعبة وسبي قريش ففعل الله تعالى ما فعل بدعوة عبد المطلب حين أخذ خلقه الباب ودعا فكان من مبادئ إمارات النبوة في رسول الله صل الله عليه وسلم إجابة دعوة جده عبد المطلب حتى هلك أصحاب الفيل تخصيصًا له بالكرامة حتى خص بالنبوة في ولده، وقد روي في هذه القصة أنه لما جاء أبرهة لهدم الكعبة وحمل مع نفسه اثنى عشر فيلًا وركب على أعظمها جسمًا وقوةً يقال له محمود، وأغار على أموال قريش منها مائتا بعير لعبد المطلب جاء عبد المطلب إليه وكان جسيمًا عظيمًا وسيمًا فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه وكره أن يجلسه معه على سريره وأن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه ثم قال لترجمانه: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد عليّ مائتي بعير أصابها لي [١٥٦/ ب] فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك قال: ولم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟! فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه فقال: ما كان ليمنعه مني فقال: أنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه فرجع إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفًا من معرة الجيش إن دخلوا ففعلوا وأتى عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:
[ ١٣ / ١٧١ ]
يارب لا نرجو لهم سواكا يارب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا
ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه وتهيأ أبرهة للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله المسمى محمودًا فأقبل نفيل إلى هذا الفيل فأخذ بذنبه فقال: أبرك محمود وأرجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه وضربوه بالمعول في رأسه فأبى فأدخلوا محاجنهم تحت مرافقه ليقوم فأبى فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم فلما رأى ذلك خرج يشتد حتى صعد الجبل وأرسل الله تعالى طيرًا من البحر [١٥٧/ أ] أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحصى والعدس فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلن تصب الحجارة أحدًا إلا هلك وليست كل القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدون الطريق الذي منه جاؤوا ويموج بعضهم في بعض يتساقطون ويهلكون في كل منهلٍ.
وبعث الله تعالى داء على أبرهة في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة اتبعتها الأخرى فانتهى إلى صنعاء وهو في مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك. وروي أنه كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فتحرقها حتى تقع في دماغه ويخر ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه وكان على كل حجرٍ اسم صاحبه مكتوبًا، وروي أن رجلًا يقال له: أبو يكسوم من ندماء أبرهة انفلت وحده منهم فساد وطائر يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط فمات فأرى الله تعالى كيف هلاك أصحابه.
وقيل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول الله صل الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين سنة والصحيح أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صل الله عليه وسلم وقالت عائشة ﵂: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين [١٥٧/ب] مقعدين يستطعمان. ثم ظهر نور النبوة في وجه أبيه عبد الله حتى مر بكاهنة من العرب يريد أن يتزوج بأم رسول الله صل الله عليه وسلم آمنة بنت وهب قرأت الكاهنة نور النبوة بين عينيه فقالت: هل لك أن تقع علي ولك مائة من الإبل؟ فأعرض ومشى لشأنه ونكح آمنة وعلقت منه برسول الله صل الله عليه وسلم وعاد فمر بالكاهنة فعرض لها فلم تر ذلك النور فقالت: قد كان هذا مرة فاليوم لا. ثم ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل ومات أبوه عبد الله وهي حامل به فكفله جده عبد المطلب فكان يرى من نشوئه ما يسره. ومات بعد ثماني سنين من ولادته فوصى به غمه أبا طالب لأنه كان أخًا لعبد الله من أمه فخرج به أبو طالب إلى الشام لتجارته وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ الكتب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات فرأى بحيرا من صومعنه غمامة قد أظلت رسول الله صل الله عليه وسلم من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه وسأله عن حاله
[ ١٣ / ١٧٢ ]
في منامه ويقظته فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب، وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني فقال: كلا فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل قال: صدقت وعمل له طعامًا لم يكن يعمله لهم قبل ذلك [١٥٨/أ] وقال: أحفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبيًا إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا: كيف عرفت هذا؟ قال: بالسحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوة في كتفه فكان هذا أول بشرى بنبوته.
ثم نشأ رسول الله صل الله عليه وسلم في قريش على أحسن هدي وطريقة، وأشرف خلق وطبيعة، وأصدق لسان ولهجة حتى عرفت خديجة أمانته وأبضعته مالًا وتزوجت به. أول ما تلقاه جبريل ﵇ ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر برسالة الله تعالى يوم الاثنين في الثامن عشر من شهر رمضان، وروي في الرابع والعشرين من شهر رمضان ثم أخبر رسول الله صل الله عليه وسلم خديجة ﵂ بما نزل عليه فقالت له: يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي أتاك؟ قال: نعم قالت: فأخبرني به إذا جاءك فجاءه جبريل ﵇ فقال لها: يا خديجة هذا قد جاءني فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى فجلس عليها قالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول إلى فخذي اليمنى فتحول إليها فقالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول في حجري فتحول في حجرها فقالت: هل تراه؟ فتسحرت وألقت خمارها وهو جالس في حجرها وقالت: هل تراه؟ قال: لا قالت: ابن عم أثبت وأبشر فوالله إنه لملك [١٥٨/ب] وما هو بشيطانٍ وآمنت به فكانت أول من أسلم من جميع الناس. ثم روي أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله صل الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وهو بأعلى مكة فهمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ﵇ منها ليريه كيف الطهور فوضا رسول الله صل الله عليه وسلم فصلى به فكانت هذه أول عبادة فرضت عليه ثم انصرف جبريل ﵇ فجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله صل الله عليه وسلم واستسر رسول الله صل الله عليه وسلم بالإنذار من يأمنه، واختلفوا في أول من أسلم بعد خديجة فقيل: أول من أسلم بعدها من الذكور علي بن أبي طالب وصلى وهو ابن تسع سنين، وقيل: كان ابن عشر وهذا قول جائز وزيد بن أرقم، وقال ابن عباس وأبو أمامة: أول من أسلم وصلى أبو بكر الصديق ﵁، وقال عروة بن الزبير وسليمان بن يسار: أول من أسلم زيد بن حارثة ثم أسلم على يدي أبي بكر عثمان والزبير وجماعة ثم تتابع الناس في الإسلام وكان رسول الله صل الله عليه وسلم على الإستسرار بدعائه ثلاث سنين من مبعثه وقد انتشرت دعوته في قريش إلى أن أمر بالدعاء جهرًا [١٥٩/أ] ونزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] قول الله تعالى فلزمه الجهر بالدعاء وأمر أن يبدأ بإنذار عشيرته فقال تعالى: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ففعل إلى أن قال أبو لهب. تبًا لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ثم لم يكن من قريش في دعائه إياهم مباعدة له ولكن كانوا يردون بعض الرد حتى ذكر آلهتهم وأهانها وسفه أحلامهم في عبادتها فأجمعوا حينئذ على خلافه وتظاهروا بعداوته إلا من عصمه الله منهم بالإسلام
[ ١٣ / ١٧٣ ]
وهم قليل مستحقون به، وهموا به حتى دفعهم أبو طالب عمه عنه وكانوا ينالون من أصحابه فلما رأى ذلك قال لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا عادلًا إلى أن يجعل الله لكم فرجًا "فهاجر إليها من خاف على دينه وهي أول هجرة هاجر إليها المسلمون في رجب سنة خمس من المبعث فكان أول من خرج منهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة فيهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صل الله عليه وسلم ثم خرج إثرهم جعفر بن أبي طالب في جماعة صاروا مع المتقدمين اثنين وثمانين نفرًا وصادفوا في النجاشي ما حمدوه.
وكان قد أسلم قبل ذلك عمر ثم أسلم حمزة فجهر رسول الله صل الله عليه وسلم بالقرآن في صلاته حين أسلم حمزة ولم يكن يجهر قبل إسلامه، وقوي به المسلمون وقرأ عبد الله بن مسعود على المقام جهرًا حتى سمع قريش فنالوه بالأيدي [١٥٩/ب] ثم رأت قريش من يدخل في الإسلام وعدوا رسول الله صل الله عليه وسلم أن يعطوه مالًا ويزوجوه من يشاء من نسائهم ويكف نسائهم ويكف عن ذكر آلهتهم قالوا: فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخر السورة فكف عن ذلك وكان يتمنى من ربه تعالى أن يقارب قومه ويحرص على صلاحهم فأنزل الله تعالى سورة النجم فقرأها على قريش حتى بلغ صل الله عليه وسلم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (١٩) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى وانتهى إلى السجدة فسجد فيها وسجد المسلمون إتباعًا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين لما سمعوا مدح آلهتهم وتفرق الناس من المسجد متقاربين قد سر المشركون وسكن المسلمون وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من المسلمين وقالوا أسلمت قريش فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] الآية ونسخ ما ألقى الشيطان بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] فقالت قريش لما سمعوا النسخ: ندم محمد على ما ذكر من مدح آلهتنا وجاء بغيره فازدادوا شدة وشدة على من أسلم وقدم من عاد من أرض الحبشة وعرفوا قبل دخول مكة ما نسخ فمنهم من رجع إلى أرض الحبشة من طريقه ومنهم من دخل مكة مستخفيًا [١٦٠/أ] ومنهم من دخل في جوار فدخل عثمان ﵁ مع زوجته رقية في جوار عتبة بن ربيعة، ودخل جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود سرًا وكانوا ثلاثة وثلاثين نفرًا ثم عادوا إلى أرض الحبشة إلا عثمان فإنه أقام حتى هاجر إلى المدينة وهذه هي الهجرة الثانية. ثم لما اشتدت العداوة كادوا رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه بأمرين: أحدهما: أرسلوا إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. والثاني: تحالفوا على بني هاشم وبني المطلب فيمن بقي مع رسول الله صل الله عليه وسلم على مقاطعتهم وأن يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى أقام أبو طالب على نصرة رسول الله صل الله عليه وسلم وجمع بين بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم وعاهدهم على اجتماع الكلمة ودخول الشعب فأجابوه إلا أبا لهبٍ وولده فإنهم انحازوا عنهم إلى
[ ١٣ / ١٧٤ ]
قريش وأقام رسول الله صل الله عليه وسلم في الشعب مع أبي طالبٍ وسائر بني هاشم وبني المطلب مدة ثلاث سنين لا يصل إليهم الطعام إلا سرًا ولا يدخل عليهم أحد إلا مستخفيًا إلى أن بدأ من قريش هشام بن عمرو فكلم زهير بن أبي أمية ثم كلم المطعم بن عدي يقبح لهما ما ارتكبوه من قطيعة الأرحام في بني هاشم وبني المطلب فوافقاه واجتمعوا من غدهم في نادي قريش على نقض عهدهم وبدأ بالكلام [١٦٠/ب] هشام بن عمرٍو فرد عليه أبو جهلٍ، ثم تكلم زهيرٌ ومطعمٌ بمثل كلام هشامِ فقال أبو جهلٍ: هذا أمرٌ أبرم بليلٍ.
وكانوا كتبوا صحيفةً وعلقوها في سقف الكعبة فأحضرت الصحيفة من سقف الكعبة وقد أكلتها الأرض إلا قولهم باسمك اللهم فإنه بقي وشلَّت يد كاتبها وهو منصور بن عكرمة وخرج بنو هاشمٍ وبنو المطلب مع رسول الله صل الله عليه وسلم إلى مكة منتشرين فيها كما كانوا. ثم لم يزل ما كانوا على الصلح لم يصل إليه مكروهٌ حتى مات عمه أبو طالبٍ وماتت خديجة في عامٍ واحدٍ وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فناله الأذى بعد ذلك نثر بعض سفهاء قريشِ التراب على رأسه فدخل بيته قرأت إحدى بناته على رأسه التراب فبكت فقال لها: لا تبكي فإن الله تعالى يمنع أباك وخرج إلى الطائف ليمتنع ويستنصر بثقيف فلما انتهى إليها عمد إلى ساداتها وهم ثلاثة أخوةٍ عبد بالليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير، فكلمهم ودعاهم إلى الإسلام فردوه ردًا قبيحًا وأغروا به عبيدهم وضعفاءهم فاتبعوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ورجعوا عنه، فمال إلى حائط كرم لعتبة وشيبة ابني ربيعة فاستند إليه يستروح مما ناله فرآه عتبة وشيبة فرقا له بالرحم وأَنفذا إليه طبق عنبٍ مع غلامٍ لهما نصرانيٍ يقال له: عداس فلما [١٦١/أ] مد يده ليأكل منه سمى الله تعالى فاستخبره عداس عن أمره فأخبره وعرف نبوته فقبَّل يده وقدمه، فلما عاد قال له عتبة وشيبة: رأيناك فعلت معه ما لم تفعله معنا قال: لأنه نبي فقالا: فتنك عن دينك ثم رجع رسول الله صل الله عليه وسلم يريد مكة حتى صار بنخلة اليمامة قام بالليل يصلي ويقرأ فمر به نفرٌ من الجن قيل: إنهم من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا كما قال الله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى قوله ﴿طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠] وقدم رسول الله صل الله عليه وسلم مكة وقريش على أشد ما كانوا من الخلاف، وقيل: إنه قدم في جوار المطعم بن عدي ثم عرض نفسه عليهم فلم يقبلوه ثم أتى كلبًا فعرض نفسه على بني عبد الله فلم يقبلوه ثم عرض نفسه على بني حنيفة فكانوا أقبح العرب ردًا له ثم عرض نفسه على بني عامرٍ فقال زعيمهم: إن شاركتنا في هذا الأمر قبلناك فتركهم وقال: الأمر لله يؤتيه من يشاء ثم حضر الموسم ستة نفرٍ من الخزرج منهم أسعد بن زراره وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله فأتاهم ودعاهم إلى الإسلام [١٦١/ب] فأجابوا إليه وكانوا سمعوا يهود المدينة إذا قاتلوهم يقولون: لنا نبيٌّ يبعث ونحن ننتصر به عليكم فوقر ذلك في أنفسهم لما أراد الله تعالى بهم من الخير فلذلك سارعوا إلى الإجابة وعرض عليهم نفسه فقالوا نقدم على قومنا ونخبرهم بما دخلنا فيه،
[ ١٣ / ١٧٥ ]
فلما عادوا ذكروا ذلك فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صل الله عليه وسلم.
فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس عبادة بن الصامت وغيره فبايعوه على الإسلام بيعة النساء وذلك على ﴿أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صل الله عليه وسلم مصعب ابن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فقدم معهم ونزل على أسعد بن زرارة ودعا الأنصار إلى الإسلام فأسلموا على يده قوم بعد قوم وكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وهما سيدا قومهما بني عبد الأشهل أنكرا ذلك حتى قرأ عليهما مصعب سورة الزخرف فلما سمعاها أسلما وأسلم في تلك الليلة جميع بني عبد الأشهل من الرجال والنساء وكانوا أول قوم أسلم جميعهم وصلى مصعب بالناس الجمعة في حرة بني بياضة وهي أول جمعة صليت [١٦٢/أ] في الإسلام وعاد مصعب إلى رسول الله صل الله عليه وسلم بمكة فذكر له من أسلم من أهل المدينة فسره ثم لما كان العام المقبل حج من الأوس والخزرج سبعون رجلًا وكان فيهم البراء بن معرور فصلى إلى الكعبة حين قدم على رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: لا أتركها وراء ظهري ثم سأله فيها فقال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فعاد واستقبل بيت المقدس فكان أول من استقبل الكعبة وهو من تصدق بثلث ماله.
وواعد رسول الله صل الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق فباتوا تلك الليلة في رحالهم ثم خرجوا منها بعد ثلث الليل لوعد رسول الله صل الله عليه وسلم فحضروا شعب العقبة ووافى رسول الله صل الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي فوقف العباس وعليًا على فم الشعب عينًا له ووقف أبو بكر على فم الطريق عينًا لهم وتلا عليهم رسول الله صل الله عليه وسلم القرآن وأخذ عليهم الإسلام فأسلموا جميعًا وقد كان فيهم من لم يكن قد أسلم ثم قال للعباس وهو على دين قومه: خذ عليهم العهد وكانوا أخواله لأن أم عبد المطلب كانت سلمى بنت عمرو من بني النجار من الخزرج فقال العباس: يا معشر الخزرج إن محمدًا آمنًا في عز قومه ومنعةٍ من بلده وقد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فإن منعتموه مما تمنعون من أنفسكم [١٦٢/ب] وإلا فدعوه بين قومه وفي بلده فقال البراء بن معرور: بل نمنعه مما نمنع نه أنفسنا وأبناءنا فقال أبو الهيثم بن التيهان: إن بيننا وبين الناس حبالًا يعني عهودًا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: "الدم الدم، والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم "فأقبل أبو الهيثم على الأنصار ثم قال: يا قوم هذا رسول الله حقًا وأشهد أنه لصادق وأنه لفي حرم الله وبين عشيرته وأعلموا أنكم إن تخرجوه إليكم ترميكم العرب عن قوسٍ واحدةٍ فإن كانت أنفسكم قد طابت للقتال وذهاب الأموال والأولاد فادعوه وإلا فمن الآن، فقالوا: يا رسول الله اشترط علينا لربك ولنفسك ما تريد فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني فيما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم فأجابوا وأحسنوا.
[ ١٣ / ١٧٦ ]
فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد اشترطت لنفسك ولربك فماذا لنا إذا وفينا لله ولرسوله فقال: لكم على الله الجنة فقال: قد قبلنا من الله ما أعطانا ثم قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "اختاروا منكم اثنى عشر نقيبًا كما اختار موسى ﵇ من قومه وقال للنقباء: انتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين [١٦٣/أ] لعيسى ابن مريم ﵇ قالوا: نعم فبايعوه على هذا ثم عاد رسول الله صل الله عليه وسلم فعادت الفتنة أشد مما كانت في فتنة الهجرة غلى الحبشة واشتد الأذى بأصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون فيها" فخرجوا جماعة جماعة ورسول الله صل الله عليه وسلم مقيم بمكة ينتظر إذن الله تعالى واستأذنه أبو بكر الصديق في الهجرة فاستوقفه.
وأسريب رسول الله صل الله عليه وسلم إلى بيت المقدس والسماوات قبل هجرته بسنة فأصبح وقص ذلك على قريش وذكر لهم المعراج فازداد المشركون تكذيبًا. وروي أنه لما صارت المدينة دار هجرة وأسلم الأنصار خافت قريش أن ينصروا رسول الله صل الله عليه وسلم فاجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا في أمره وسمي ذلك اليوم لكثرة زحامهم فيه يوم الزحمة وكانت عادتهم إذا اجتمعوا للمشاورة لا يدخل عليهم أحد من غيرهم فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أين جئت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم لأنكم أحداث وأنا شيخ رأيت الأمور وجربتها فنظرت في رأيكم فقالوا: ادخل فدخل إبليس لعنة الله عليهم فقال الحارث بن هشام احبسوه في بيت وسدوا بابه وطينوه واتركوه فيه وابعثوا إليه [١٦٣/ب] كل يوم رغيفًا وكوز ماء تتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة فقال إبليس لعنه الله: ليس هذا برأي لأن بني هاشم تخرجه من البيت وتسرحه من أيديكم، وقال أبو البحتري بن هشام: من شأنكم أن تأخذوا جملًا هائجًا وتشدوه عليه ثم تخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما قال فقال إبليس لعنه الله: ما هذا برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه والله إن فعلتم ذلك ليستجمعن عليكم خلقًا ثم ليأتينكم فقال أبو جهل: من شانكم أن تأخذوا من أربعين قبيلة من كل قبيلة غلامًا شابًا ثم تعطون كل غلام سيفًا صارمًا فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ثم إن بني هاشم قبيلة واحدة وقريش أربعون قبيلة ولا يمكنهم أن يطلبوا القصاص في أربعين قبيلة ثم نعطيهم الدية حتى تنجوا. فقال عدو الله إبليس لعنه الله: هذا هو الرأي فتفرقوا وهم مجتمعون على ذلك فأتى جبريل ﵇ رسول الله صل الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأخبره بمكر القوم فلم يبت في بيته وأذن الله تعالى له في الخروج إلى المدينة وأنزل بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] أي ليحسبوك سجنًا أو يقتلوك جميعًا أو يخرجوك طردًا مشدودًا [١٦٤/أ] على الإبل ويمكرون ويريدون هلاكك يا محمد، ويمكر الله أي: يقتلهم يوم بدر والله خير الماكرين. والمكر من الله بمعنى؟ ثم أعلم أبا بكر بالهجرة وخرج إلى الغار معه، وروي أن أبا بكر ﵁ كان يمشي ساعة بين يدي رسول الله صل الله عليه وسلم وساعة خلفه
[ ١٣ / ١٧٧ ]
حتى فطن له رسول الله صل الله عليه وسلم فقال له: "يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي "فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال: نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحر فقال: يا رسول الله حتى استبرئ الجحر فدخل فاستبرأه ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل قال عمر ﵁: والذي نفسي بيده لتلك الليلة من أبي بكر خير من آل عمر ثم لما دخلا الغار أرسل الله تعالى زوجي حمام حتى باضا في أسفل النقب وأرسل العنكبوت حتى نسج بيتًا ثم لما انتهى بعضهم إلى الغار ورأى بيض الحمام وبيت العنكبوت [١٦٤/ب] قال: لو دخلاه لتكسر البيض وتفسخ بيت العنبكوت فانصرف.
وكان عبد الله بن أبي بكر يختلف إليهما فلما أراد رسول الله صل الله عليه وسلم الخروج منها إلى المدينة جاءهم بناقتين فانطلقوا وكانوا أربعة نفر النبي صل الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الليثي فمكث في الغار ثلاثة أيام وهو نقب في جبل في مكة يقال له: ثور ثم قدموا المدينة في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ونزل بقباء وبني مسجد قباء وخرج يوم الجمعة متوجهًا إلى المدينة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم فصلى بهم صلاة الجمعة وهي أول جمعة صلاها رسول الله صل الله عليه وسلم فلما دخل المدينة أرخى زمام ناقته فجعل لا يمر بدارٍ إلا سأله أهلها النزول عليهم وهو يقول: "خلوا زمامها فإنها مأمورة "حتى انتهى إلى موضع المسجد اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد ليتيمين من الأنصار سهل وسهيل ابني عمرو فنزل عنها فاحتمل أبو أيوب الأنصاري رحله فوضعه في بيته فنزل عليه، وقال: المرء مع رحله، وقال للأنصار: ثامنوني بهذا المربد فقالوا: لا نأخذ له ثمنًا فبناه رسول الله صل الله عليه وسلم بنفسه [١٦٥/أ] وأصحابه مسجدًا وأقام عند أبي أيوب حتى فرغ من بنائه.
ثم هاجر علي ﵁ بعد رسول الله صل الله عليه وسلم بثلاثة أيام ثم لما استقرت برسول الله صل الله عليه وسلم دار هجرته ونزل المهاجرون على الأنصار آخى رسول الله صل الله عليه وسلم بين أصحابه ليزدهم ألفة وتناصرا. ثم وادع من حوله من اليهود لأنهم كانوا أهل كتاب يرجو منهم أن يؤدوا الأمانة بإظهار نبوته فخانوا وجحدوا الصفة التي في كتابهم وظهر المنافقون بالمدينة يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر ويوافقون اليهود في السر على التكذيب وكان النفاق في الشيوخ ولم يكن في الأحداث إلا واحد وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول فسار فيهم رسول الله صل الله عليه وسلم بقول الظاهر من إسلامهم وقصدته اليهود بالمكر بقصد الاختلاف بين الأوس والخزرج حتى ينتقض أمره. فأصلح رسول الله صل الله عليه وسلم بينهم وقطع اختلافهم وعادت ألفتهم ومع ذلك يدعو إلى الإسلام حتى أمر بالقتال فكان أول لواء عقده في سنة مقدمه لحمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلًا من المهاجرين في شهر رمضان [١٦٥/ب] بعد سبعة أشهر من هجرته ليعترض عيرًا لقريش فيها أبو جهل في
[ ١٣ / ١٧٨ ]
ثلاثمائة رجل فبلغوا سيف البحر واصطفوا للقنال حتى افترقوا بقول مجدي بن عمرو الجهني، وعاد حمزة ثم كانت سرية عبيد بن الحارث على ستين رجلًا من المهاجرين ثم هكذا غلى أن اتصل القتال.
وفي السنة الثانية فرض صيام شهر رمضان وفرضت زكاة الفطر وخطب رسول الله صل الله عليه وسلم بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين وفيها خرج رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المصلى بالناس صلاة العيد وهو أول عيد صلى فيه وفيها غزا غزوة بدر الكبرى في يوم السبت الثاني عشر من شهر رمضان بعد تسعة عشر شهرًا من هجرته وفيها صلى صلاة عيد الضحى وضحى بشاةٍ وضحى معه ذوو اليسار. ثم تتابع الغزوات والفتوح إلى فتح مكة، واختلف العلماء في مكة هل فتحها عنوة أو صلحًا فعندنا أنه فتحها صلحًا وعند أبي حنيفة أنه فتحها عنوة، وقال صاحب "الحاوي ": والذي عندي على ما يقتضيه نقل سيرته أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة لأنه قوتل فقاتل وقتل وأعلا مكة دخله الزبير بن العوام صلحًا لأنهم [١٦٦/أ] كفوا وألزموا شرط أبي سفيان فكف عنهم الزبير فلم يقتل أحدًا، فلما دخل رسول الله صل الله عليه وسلم واستقر بمكة التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل فلذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة فدخل عليهما علي ﵁ ليقتلهما فمنعته وأتت رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "ولو كان الأمان عامًا لم يحتاجا إلى ذلك ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.
ثم بعث رسول الله صل الله عليه وسلم عليًا إلى اليمين في شهر رمضان في ثلاثمائة فارس فكانت أول خيل دخلت تلك البلاد فناوشه من أوائلهم قوم فقتل منهم وسبا وغنم ثم تسارعوا إلى الإسلام طوعًا وأسلمت همذان كلها في يوم واحد فلما بلغ رسول الله صل الله عليه وسلم خر ساجدًا فقال: "السلام على همدان "وتتابع أهل اليمن في الإسلام وقدم وفد العرب قبيلة قبيلة وأسلموا. ثم حج رسول الله صل الله عليه وسلم حجة الوداع سميت به لأنه لم يعد بعدها إلى مكة وسميت حجة البلاغ لأنه بلغ أمته فيها ما تضمنت خطبته وسميت حجة التمام لأنه بين تمامها وأراهم مناسكها وسميت [١٦٦/ب] حجة الإسلام.
وقال أصحاب التواريخ: ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل وربي في بني سعد ومات أبوه وكان ابن شهرين فمكث بها النبي صل الله عليه وسلم خمس سنين فكفله عبد المطلب، ثم مات عبد المطلب وهو ابن ثماني سنين، فكفله أبو طالب وذهب به إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وخرج إلى الشام بأمر خديجة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وشهرين وصارت قريش إلى قوله ورضوا بحكمه عند الكعبة وهو ابن خمس وثلاثين سنة وبعث وهو ابن أربعين سنة وولدت فاطمة وهو ابن إحدى وأربعين سنة ومات أبو طالب وهو ابن سبعة وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا، وماتت خديجة بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام وخرج النبي صل الله عليه وسلم إلى الطائف مع زيد بن حارثة بعد موت خديجة بثلاثة
[ ١٣ / ١٧٩ ]
أشهر وأقام بها شهرًا فلما تم له خمسون سنة رجع إلى مكة في جوار مطعم ابن عدي، ولما أسري به إلى السماء كان ابن أحد وخمسين سنة وتسعة أشهر فلما بلغ ثلاثًا وخمسين سنة هاجر إلى المدينة وبني بعائشة ﵂ في السنة الأولى من الهجرة، وزوج فاطمة من علي في السنة الثانية وحج أبو بكر بالناس وقرأ علي سورة براءة [١٦٧/أ] على المشركين في السنة التاسعة ثم حج حجة الوداع في السنة العاشرة ونزل عليه قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] يوم عرفة في حجة الوداع فلما رجع إلى المدينة نزل قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية وهي آخر ما نزل من القرآن، وعاش صل الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية سبع ليال ومات في غرة ربيع الأول يوم الاثنين.
وروي أنه كان مدة مرضه ثلاثة وعشرين يومًا ولما مات يوم الاثنين ترك مسجى ولم يدفن في بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ودفن في آخره، وقيل: انتظروا لأن بعضهم كانوا يشكون في موته ويقولون: لعله يخرج بروحه. وكان عدد ما صلى أبو بكر الصديق في آخر حياته صل الله عليه وسلم سبع عشرة صلاة وعن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "لم يقبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته "فصلى خلف أبي بكر ذلك اليوم ومات في بقية يومه، وروي أن الناس قالوا: وددنا أن لو متنا قبله فقال معن بن عدي: والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتًا كما صدقته حيًا.
ونزل قبره أربعة اثنان متفق عليهما وهما علي والفضل ابن العباس واثنان مختلف فيهما فروي أنهما العباس وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: قثم بن العباس وأسامة بن زيد، وجعل بين قبره وبين حائط القبلة نحو من سوط [١٦٧/ب] ثم اجتمع الصحابة وبايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة ﵁.
ثم الكلام الآن في وجوب الهجرة وفيها فصلان: أحدهما: حكمها في زمان الرسول صل الله عليه وسلم، والثاني: حكمها بعده فأما في زمانه فهما حالتان قبل الهجرة إلى المدينة وبعد هجرته إليها فأما قبل هجرته فكانت مختصة بالإباحة دون الوجوب لأنها هجرة عن الرسول صل الله عليه وسلم وقد كان المسلمون حين اشتد بهم الأذى قالوا: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمة أهلها فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] والمراغم التحول من أرض إلى أرض وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل:٤١] يعني ظلم أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني نزول المدينة والنصر على عدوها وأما حكمها بعد هجرة الرسول صل الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مختصة بالوجوب وكانت هجرة من أسلم بمكة قبل الفتح إليه وهم فيها ثلاثة أقسام: أحدها: من كان منهم في منعة بمال وعشيرة لا يخاف على نفسه ولا على دينه فمثله كان مأمورًا بالهجرة ندبًا لا حتمًا، وقال الله
[ ١٣ / ١٨٠ ]
تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية.
والثاني: من خاف على دينه أو نفسه وهو قادر على الخروج بأهله وماله فهذا كانت هجرة واجبة عليه وهو عارض بالتأخير [١٦٨/أ] قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآية، الثالث: من خاف على نفسه أو دينه وهو غير قادر على الخروج لضعف حالٍ أو عجز بدنٍ فهو بترك الهجرة معذور قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] أي: بالخلاص من مكة ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: في الهجرة إلى المدينة فيُظهر الكفر ضرورةً ويبطن الإسلام كما كان عمار ﵁.
وأما الهجرة في زماننا فتختص بمن أسلم في دار الحرب ويهاجر منها إلى دار الإسلام، ولا تختص بدار الإمام وحاله فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: أحدهما: أن يقدر على الامتناع في دار الحرب بالاعتزال ويقدر على الدعاء والقتال فهذا يجب أن يقيم هناك لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع. والثاني: أن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال فيجب عليه أن يقيم هناك أيضًا ولا يهاجر لأن داره صارت باعتزاله دار الإسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب ولا يجب عليه الدعاء والقتال لعجزه عنهما. والثالث: أن يقدر على الامتناع ولا يقدر على الاعتزال ولا على الدعاء والقتال يجب عليه المقام ولا يجب عليه الهجرة لأنه يقدر على الامتناع وله ثلاثة أحوال فإن كان يرجو ظهور الإسلام بإقامته فالأولى به أن يقيم، وإن تساوت حاله في المقام والهجرة [١٦٨/ب] فهو بالخيار بين المقام والهجرة، والرابع: أن لا يقدر على الامتناع ويقدر على الهجرة فواجب عليه أن يهاجر ويعصي إن لم يهاجر وفي مثله قال رسول الله ﷺ: «أنا برئ من كل مسلم مع مشرك» قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: «لا يترأى نارهما» معناه لا يتفق رأياهما فعبر عن الرأي بالنار لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار وهو مثل قوله ﷺ: «لا تستضيئوا بنار أهل الشرك» أي لا تقتدوا بآرائهم، وقيل: معناه لا يستوي حكماهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن المفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها، وقال بعض أهل اللغة: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله والعرب تقول: ما نار بعيرك أي: سمته. الخامس: أن لا يقدر على الامتناع ويضعف عن الهجرة فتسقط عنه الهجرة لضعفه ويجوز أن يدفع عن نفسه بإظهار الكفر مع اعتقاد الإسلام. وكان لرسول الله ﷺ أربعة أحوال فأول أحواله أنه كان مدة
[ ١٣ / ١٨١ ]
مقامه بمكة منهيًا عن القتال مأمورٍا بالصفح والإعراض قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾] الحجر: ٩٤] أي: أظهر الإنذار بالوحي وأعرض عن المشركين أي: عن قتالهم وإسرائهم، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾] النحل: ١٢٥] أي دين ربك وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾] ١٦٩/أ] أي: بالقرآن ولين من القول ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بالرشاد على قدر ما يحتملون، وروي عن ابن عمر رضي الله أن النبي ﷺ قال: «أمرنا معاشر الأنبياء لأن نكلم الناس على قدر عقولهم». ثم هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فصارت دار الإسلام فأذن الله تعالى أن يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾] البقرة: ١٩٠] ثم ازدادت قوة الإسلام فأذن فيها بقتال من رأى إذنًا خيره فيه ولم يفرضه عليه فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾] الحج: ٣٩] ولم يقطع بنصرهم بل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] لأنه لم يفرض عليهم ولما فرض الجهاد قطع بنصرهم فقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾] الحج: ٤٠] وغزا بدرًا وهو في الجهاد مخير ولهذا خرج بعض أصحابه ثم قوي أمره بنصرة بدر ففرض الله الجهاد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
وجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بالوعظ إن كتموا وبالسيف إن أعلنوا وقوله ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تقبل عليهم عذرًا، وقال تعالى للكافة ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي: الصبر على الشهادة وطلب النكاية في العدو دون الغنيمة ثم بين تعالى فرضه عليهم فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾] البقرة: ٢١٦] أي: فرض وهو مكروه في أنفسكم [١٦٩/ب] وشاق على أبدانكم فإذا ثبت هذا فقد كان في ابتداء فرضه مخصوص الزمان والمكان والزمان ما عدا الأشهر الحرم والمكان ما عدا الحرم على ما ذكرنا ثم أباح فيها قتال من قاتل فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾] البقرة: ١٩٤] فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ففي إشهار الحرمات قصاص ثم أباح الله تعالى فيها قتال من قاتل ومن لم يقاتل فقال:﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾] البقرة: ٢١٧] الآية فأعلمهم أن حرمة الدين أعظم من حرمة الشهر الحرام ومعصية الكفر أعظم من معصية القتال فصار لتحريم القتال في الأشهر الحرم ثلاثة أحوال تحريمه فيها لمن قاتل ومن لم يقاتل، ثم الإباحة لقتال من قاتل ومن لم يقاتل، وقال عطاء: هذه الحالة الثالثة غير مباحة ولا يستباح إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لقوله تعالى في تعليل الإباحة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴿ولأن الرسول ﷺ عقد بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة، وأما في الحرم كان القتال حرامًا على العموم لقوله تعالى:﴾ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ثم أباح قتال من قاتل خاصةً فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ثم أباح قتال الكل بقوله
[ ١٣ / ١٨٢ ]
تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وبقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾] التوبة: ٥] وللحرم هذه الأحوال الثلاثة، وقال مجاهد: هذه الحالة [١٧٠/أ] الثالثة غير مباحة ولا يباح فيه إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لأن النبي ﷺ قاتل أهل مكة عام الفتح مبتدئًا ولأنه يقاتل فيه أهل المعاصي فكان تطهير الحرم منهم أولى.
واختلف أصحابنا: هل كان الجهاد فرضًا على الأعيان ثم انتقل إلى الكفاية أو لم يزل على الكفاية؟ على ما ذكرنا، واختار ابن أبي هريرة أنه كان على الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قيل: أراد شبانًا وشيوخًا، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: ركبانًا ومشاةً، وقيل: نشاطًا وكسالى وقال: خفافًا إلى الطاعة وثقالً إلى المخالفة، وقيل: خفافًا إلى المبارزة وثقالًا إلى المصابرة ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: ٤١] أي بالإنفاق على النفس بالزاد والراحلة، وقيب: أن يبذل المال لمن يجاهد إن عجز عن الجهاد بنفسه ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾] التوبة: ١١٨] يعني تاب عليهم حين تخلفوا في غزوة تبوك ثم ندموا وتابوا وكان خرج في هذا الغزوة ثلاثون ألفًا.
وقال سائر أصحابنا: على الكفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية وقال تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾] النساء: ٧١] أي: انفروا فرادى وعصبًا أو انفروا بأجمعكم فخيًّرهم بين الأمرين وإنما تعين على الثلاثة لأن الرسول ﷺ دعاهم بأعيانهم فتعين عليهم، وقال صاحب «الحاوي»: [١٧٠/ب] الصحيح عندي أن مبدأ فرضه كان على الأعيان في المهاجرين وعلى الكفاية في غيرهم لأن المهاجرين انقطعوا إلى رسول الله ﷺ لنصرته فتعين عليهم ولهذا كانت سرايا رسول الله ﷺ قبل بدرٍ بالمهاجرين خاصة وما جاهد غير الأنصار قبل بدر ولهذا سمي أهل الفيء من المقاتلة مهاجرين وجعل فرض العطاء فيهم وسمى غيرهم وإن جاهدوا أعرابًا، وقد استقر فرضه الآن على الكفاية.
فالذي يلزم في فرض الجهاد شيئان: أحدهما: كف العدو عن بلاد الإسلام لينتشر المسلمون فيها آمنين على أنفسهم وأموالهم، فإن أطل العدو عليهم تعين فرض الجهاد على من أطاقه وقدر عليه ممن فيها وكان فرضه على غيرهم باقيًا على الكفاية. والثاني: أن يطلب المسلمون بلاد المشركين ليقاتلوهم على الدين حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية لأن الله تعالى فرض الجهاد لنصرة دينه فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّه﴾ [البقرة: ١٩٣] فهذا ما لا يُعين ولا يكون إلا على الكفاية. واعلم أنه يلزم على الإمام والمسلمين أن يجمعوا بينهم فيذبوا عن بلاد الإسلام ويقاتلوا على بلاد الشرك ولا يجوز لهم أن يقتصروا في الجهاد على أحد هذين الأمرين فإن اقتصروا
[ ١٣ / ١٨٣ ]
حرجوا لاختلالهم فرضه على الكفاية، والثاني: أن تكون ثغور المسلمين [١٧١/أ] مشحونة بالمقاتلة الذين يذبون عنها ويقاتلون من يتصل بها فيسقط فرض الجهاد عمن خلفهم فإن ضعفوا وجب على من ورائهم أن يمدوهم بمن يتقوون به على قتال عدوهم ويصير جميع من تخلف عنهم داخلًا في فرض الكفاية حتى يمدوهم بأهل الكفاية. وفي تسميته جهادًا تأويلان أحدهما: لأنه يجهد في قهر عدوه، والثاني: لأنه يبذل في جهد نفسه. وروي أنه لما رجع رسول الله ﷺ عن بعض غزواته قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» يعني جهاد النفس. ويتوجه فرض الكفاية على من لا يحسن القتال فيكثّر ويهيّب أو يحفظ رجال المحاربين.
مسألة: قال: ودلَّ كتابُ اللهٍ تعالى على لسان نبيه ﷺ أنهُ لمْ يفرض الجهادُ على مملوكٍ.
الفصل
الكلام في هذا في بيان من هو من أهل فرض الجهاد ومن ليس من أهله؟ وجملته أن الجهاد لا يجب إلا على حرٍّ ذكرٍ بالغٍ عاقلٍ وهذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: ٤١] والمملوك لا مال له وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾] التوبة: ٩١] وروي أنه كان إذا أسلم عند رسول الله ﷺ رجلٌ يقول: «أحرٌّ أم مملوك»؟ [١٧١/ب] فإن كان حرًا بايعه على الإسلام والجهاد، وإن كان مملوكًا بايعه على الإسلام. وسئل رسول الله ﷺ عن النساء هل عليهن جهاد؟ فقال: «نعم جهادٌ لا قتال فيه الحج والعمرة» واحتج الشافعي فيهن بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾] الأنفال: ٦٥] قال: دلت هذه الآية على أنهم الذكور، واختلف أصحابنا في الخطاب الوارد بلفظ الذكور هل تحته النساء؟ وظاهر كلام الشافعي ﵁ في هذا الموضع يدل على أن ظاهر الصيغة للرجال وإنما يحمل على النساء بقرينة لأنه تمسك بقوله تعالى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وادعى أن الصيغة للذكور على التخصيص، وأخرج أيضًا فيهن وفي العبيد بأنهم لو حضروا القتال لأسهم لهم وقد حضروا مع رسول الله ﷺ الغزو فرضخ لهم ولم يسهم وأما الدليل في الصبي خبر ابن عمر ﵁ أنه قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة الخبر وقد ذكرنا ذلك قال الشافعي: وسواء كان جسيمًا سديدًا أو مقاربًا لخمس عشرة سنة ليس بينه وبين استكمالها إلا يوم أو ضعيفًا وؤذنًا بينه وبين استكماله سنة أو سنتين.
[ ١٣ / ١٨٤ ]
فرع
لا يجب الجهاد على خنثى مشكل [١٧٢/أ] وإن بلغ لأنه لا يتيقن فيه الذكورة.
فرع آخر
من لا جهاد عليه من العبيد والنساء والولدان يجوز للإمام أن يأذن لهم في حضور الوقعة لأن فيهم معونة لإصلاح الطعام وتعليل المرضى ومداواة الجرحى وترضخ لهم من الغنيمة، ولا يجوز أن يأذن للمجانين في ذلك لأنه لا منعة فيهم وهم طعمة لأهل الحرب وعند مالك لا سهم للنساء ولا يرضخن بشيء، وقد روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ «كان يغزو بأم سلمة ونسوة من الأنصار فيسقين الماء ويداوين الجرحى». فإن قيل: روي أن نسوة خرجن فأمر بردهن قيل: لعله لم ير القوة في المسلمين فخاف عليهن فردهن أو كن شابات ذوات جمالٍ فخاف فتنتهن.