مسألة:
قال: "أخبرنا سفيان بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه إلى أن قال: وإن كان أحدهما غير مأمون فهو عند المأمون منهما حتى يبلغ".
إذا طلق امرأته وله منها ولد لا يخلو الولد من ثلاثة أحوال:
أن يكون طفلًا لا يميز فتكون الأم أولى بحضانته وتربيته لأنها أعرف بذلك وأصبر عليه من الأب والنفقة على والده.
وأما أن يكون بالغًا عاقلًا فيكون الولد أولى بنفسه إن شاء انفرد بموضع يسكنه وإن شاء كان مع أحد الأبوين.
وأما أن يكون غير بالغ إلا أنه بلغ سنًا يميز مثل أن يكون له سبع سنين أو ثمان سنين فهذا يخير عندنا بين الأبوين، فإن اختار أن يكون مع الأم كان معها وإن اختار أن يكون [ق ٢٢٣ أ] مع الأب كان معه، وهذا التخيير طريقة الشهوة ولا يلزم، فإن اختار
[ ١١ / ٥٠٧ ]
أحدهما، ثم بدا له وأراد الآخر كان له ذلك ونقل إليه.
قال القفال: إلا أن يكثر منه ذلك فيستدل منه على قلة عقله فتكون الأم حينئذ أولى به، وبه قال أبي إسحاق، وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يجبر الولد قط، فإن كانت بنتًا تكون معها حتى نبلغ، ثم تكون أحق بنفسها، وإن كان ابنًا فإنه يكون مع أبيه حتى يبلغ حدًا يأكل بنفسه ويشرب بنفسه، ويلبس، ثم تسلمه إلى أبيه حتى يؤدبه.
وقيل عن أبي حنيفة أنه قال في الابنة: يجب عليها أن تقيم مع الأم حتى تزوج فإن طلقت قبل الدخول أو بعده لم تعد الكفالة.
وقال مالك: إن كان ذكرًا فالأم أحق به ما لم يثغر. وروي عنه: إلى البلوغ أيضًا، وإن كانت أنثى فالأم أحق بها ما لم تتزوج ويدخل بها الزوج، فإن طلقت قبل الدخول عادت الكفالة للأم، واحتج بأن الصغير لا قول له ولا يعرف حظه. وقال أحمد: إن كان ذكرًا خير، وإن كانت أنثى لم تخير والأم أحق بها لأن الحظ للأنثى لا يكون عند أمها والغرض بالحضانة حظها، فلم تجبر وهذا كله غلط للخبر الذي ذكره الشافعي، وأراد بالغلام الصغير لأنه ظاهر الاسم ولأنه لو كان بالغًا لا يخير بين أحدهما وبين الانفراد عنهما.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ قد طلقها زوجها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله ﷺ أستهما فيه فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني فقال رسول الله ﷺ للابن: "اختر أيهما شئت" فاختار أمه فذهبت به.
وروي عن أبي ميمونة قال: كنت عند أبي هريرة فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن [ق ٢٣٣ ب] يذهب الولد، وقد طلقني فقال: آستهما عليه فجاء زوجها فقال: هو ولدي، فقال أبو هريرة: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بولدي وقد نفعني وشفاني من .. عتبة فقال: أستهما فجاء زوجها فقال: من يحاقني في ولدي فقال: يا غلام هذا أبوك، وهذه أمك، خذ بيد أيهما شئت قال: فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه. وروي عن عمارة الجرسي أنه قال: خيرني علي ﵁ بين عمر وأمي ثم قال للأخ لي أصغر مني وهذا أيضًا لو قد بلغ خيرته.
وفي هذا الخبر أنه قال: وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين، وقال في أخيه وهذا أيضًا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته ويقول على أحمد كل سن خير فيه الذكر خيرت فيه
[ ١١ / ٥٠٨ ]
الأنثى كسن البلوغ.
وأما ما ذكروه لا يصح لأن الأب كالأم في مصالحها، وهذا التخيير غير لازم بل هو اختياره وشهوته كما يكون فيما لو []، وقيل: للولد أربع أحوال: حالة رضاع، وحالة حضانة، وحالة كفالة، وحالة كفاية، وقد ذكرنا حكم الرضاع وقدرة الشرع بحولين. وأما الحضانة تربيته ومراعاة مصلحته في وقت يعجز عنها ولا تمييز بين ضرها ونفعها وذلك دون سبع سنين فتختص الأم لأنها أحنى عليها وأصبر على مصالحها وشفقتها أكثر، والدليل على هذا ما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني كان بطني له وعاء وثدي له سقاء وحجري له حواء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لهال رسول الله ﷺ: "أنت أحق ما لم تنكحي" والحق اسم المكان الذي عول الشئ أو معنى هذا الكلام الإدلاء بزيادة الحرمة التي لها.
وأما الكفالة بحفظه ومعونته عند تمييزه قبل كمال قوته [ق ٢٢٤ أ] وذلك بعد سبع سنين.
وأما الحالة الرابعة بعد بلوغها لا كفايتهما بأنفسهما لكمال التمييز والقوة، ولكل واحد منهما أن ينفرد بنفسه ويعتزل أبوه إلا أن يكره للجارية مفارقتهما.
واعلم أن الشافعي قال: ههنا سن التخيير إذا بلغ سبعًا، وقال في موضع آخر: إذا بلغ سبعًا أو ثمان سنين وليس على قولين بل على اختلاف حالين، فإن ظهر التمييز فيه لسبع لفرط ذكائه خير، وإن تأخر لبعد فطنته خير في الثامنة عند ظهور ذلك، ويكون ذلك موكولًا إلى رأي الحاكم واجتهاده عند الترافع إليه.
فإذا تقرر هذا، فإنما يخير بينهما إذا استوت حالهما وهو أن يوجد فيهما أربع شرائط: الحرية، والإسلام، والأمانة، وأن يكون بلدهما واحدًا فأما إذا كان أحدهما حرًا، والآخر مملوكًا فإن كان الأب هو المملوك فنفقته على أمه وهي أولى بحضانته، وإن كانت الأم مملوكة، فإن الولد عبدًا لسيدها وهو أولى بحضانته وتربيته إن شاء استرضع أمه، وإن شاء انتزعه منها وتركه إلى أخرى لترضعه والأولى تركه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن ينتزعه منها لأنه تفريق بين الأم وولدها فلا يجوز كما لا يجوز في البيع، وإن كانت الأم مملوكة والأب حرًا بأن يكون الأب مغرورًا، فإن الأب أولى منه، وإن كانا مملوكين والولد حر بأن يتزوج بعد بامرأة على أنها حرة وأولدها، ثم تبين أنها كانت مملوكة فالولد حر.
قال أبو إسحاق: تجب نفقته وحضانته على المسلمين كاللقيط فيجيب على الحاكم أن يستأجر امرأة تحضنه وتنفق عليه من بيت المال.
[ ١١ / ٥٠٩ ]
وقال في "الحاوي": إذا كانت الأم مملوكة لم يجز أن يفرق بينهما في زمان الحضانة، وفي جواز التفرقة بينهما في زمان الكفالة ما بعد سبع سنين والبلوغ قولان، وإن كان أبوه ملكًا لسيده ففي [ق ٢٢٤ ب] إجراء حكم الأم عليه في المنع من التفرقة بينهما وجهان.
واختار الشيخ أبو حامد أن أم الولد أولى بالولد من السيد إلى سبع سنين فإذا بلغ سبعًا فالأب أولى إلا أن يعتق الأم فيخيروا المذهب الصحيح ما ذكرناه أولًا والفتوى على ما ذكره أبو حامد للمصلحة، وإن كان أحدهما كافرًا والآخر مسلمًا فإن المسلم منهما أولى لا يختلف المذهب فيه.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: يخير بينهما، واحتج بما روي أن رافع بن أبان اسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فطيم. وقال رافع: ابنتي، فقال النبي ﷺ لرافع: اقعد ناحية، وقال لامرأته: اقعدي ناحية، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ادعوها فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي ﷺ: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها.
وروي عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، قال اسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: " يا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك" فتوجهت إلى أمي فلما رآني النبي ﷺ سمعته يقول: "اللهم أهده" فملت إلى أبي وقعدت في حجره.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: الذمية أولى بالحضانة إلى سبع سنين، فإذا بلغ سبعًا فالأب أولى وهذا غلط، لأن الحضانة جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر لأنه يفتنه عن دينه، وذلك أعظم الضرر، والخبر الذي ذكره منسوخ، لأن الأمة اجتمعت أنه لا يسلم الصبي إلى الكافر، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أنه يختار المسلم فلهذا خيره وكان هذا حكمًا خاصًا له ولأنه لا خلاف أن أحدهما إذا كان فاسقًا والآخر عدلًا، فالعدل أولى، فإذا كان العدل أولى من الفاسق فالمسلم أولى من الكافر.
وحكي ابن أبي هريرة، وغيره عن أبي حنيفة [ق ٢٢٥ أ] أنه قال: لا تبطل كفالته [كفره، وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان أحدهما مأمونًا والآخر غير مأمون فالمأمون أولى لأنه يستضر بغير المأمون في تربيته على خلقه، وسوء صنيعه، ونريد به العدل والفاسق، وإن اختلف بلدهما، فإن كان يريد سفرًا لحاجة، ثم يعود فالمقيم أولى لأن في المسافرة به إضرار به والمقام أودع والسفر خطر، وإن أراد سفر الانتقال، فإن كان الأب منتقلًا كان أحق به من الأم، وإن انتقلت الأم إلى بلد آخر، فالأب أحق به، وهذا لأن حفظ
[ ١١ / ٥١٠ ]
النسب إلى الأب، وهو أهم من الحضانة التي يحصل له بالأم فقدمنا الأب عليها وقد ذكر بعض أصحابنا: أن اختلاف البلدين بأن تكون المسافة بينهما قدر ما تقتصر فيه الصلاة، فإن كانت المسافة أقل من ذلك فالأم أحق كما في البلد الواحد لأن مراعاة الأب له ممكنة في هذا القدر من المسافة، وهذا اختيار أبي حامد والقاضي الماوردي وجماعة.
وقال بعض أصحابنا: لا اعتبار بهذه المسافة لأن إذا انتقل عن بلده لا يمكنه تأديبه وتعليه ذكره في الشامل، وهو الأصح عندي، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأم مقيمة والأب منتقلًا فالأم أحق، وإن كانت الأم متنقلة، فإن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق، لأن في البلد يمكن تأديبه بخلاف القرية، وهذا غلط لأنهما أبوان استوت حالهما واختلف بهما الدار فكان الأب أولى بالبلد كما لو انتقلت من بلد إلى قرية.
فرع:
لو كان بعض الولد حرًا وبعضه موقوفًا خير بين الأبوين بما فيه من الحرية إذا كانا حرين، فإذا اختار أحدهما اجتمع مع سيده المالك لدقة على ما يتفقان عليه في كفالته من اشتراك فيها أو مهايأة عليها أو استنابة فيها، فإن تنازعا اختار الحاكم لها أمينًا ينوب عليها في كفالته.
فرع آخر:
من يجن زمانًا ويفيق زمانًا [ق ٢٢٥ ب] لا كفالة له، لأنه في زمان الجنون زائل الولاية وربما يطرأ جنونه على عقله فلا يؤمن معه على الولد إلا أن يقل جنونه في الأحيان النادرة ولا يؤثر في التمييز بعد زواله فلا يمنع من الكفالة.
فرع آخر:
لو كان أحدهما مريضًا، فإن كان طارئًا يرجى زواله فلا يمنع، وإن كان ملازمًا كالقالج والسل، فإن أثر أو تشاغل بشدة ألمه لا كفالة له، وإن أثر في قصور حركته مع صحة عقله وقلة ألمه روعيت حاله، فإن كان ممن يباشر كفالته بنفسه سقط حقه منها لما يدخل على الولد من التقصير فيها، وإن كان ممن يراعى بنفسه التدبير ويستنيب فيما تقتضيه المباشرة كان على حقه من الكفالة سواء، كان أبًا، أو أمًا، وإذا برأ العاجز عاد إلى حقه.
فرع آخر:
لو وجد في كل واحد من الأبوين شروط الكفالة ويفصل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو زيادة في المال أو زيادة في المحبة فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا شرط معتبر يسقط به التخيير وتكون الكفالة لا فضلهما لظهور
[ ١١ / ٥١١ ]
الحظ فيه للولد.
والثاني: لا يرجع بهذا إذا خلا من نقص لأن الحق في الكفالة مشترك بين الكافل والمكفول فلم يسقط حق الكافل بالزيادة في حق المكفول.
فرع آخر:
قال في "الحاوي": التخيير يحتاج إلى شروط ثلاثة في الولد، الحرية والتمييز والسن، ويحتاج إلى خمسة شروط في الأبوين يشتركان فيه وإلى شرط سادس في الأم، وإلى شرط سابع يختلف فيه، أحدهما: الحرية، والثانية: العقل، والثالث: الإسلام، والرابع: الأمانة، فلو ادعى أحدهما علي الآخر فسقه لينفرد بالكفالة من غير تخيير لا يقبل وله إحلافه، والخامس: اجتماعهما في وطن واحد. والسادس: أن تكون خلية من زوج على ما سنذكره، والسابع: المختلف فيه أن يفضل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو المحبة، وقد ذكرنا شرحها.
فرع آخر:
لو خير الولد عن الأبوين [ق ٢٦٦ أ] عند وجود الشرائط فاختارهما يقرع بينهما لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة.
فرع:
لو خير بينهما فلم يختر واحدًا منهما فيه وجهان:
أحدهما: يقرع لأنه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجبت القرعة.
والثاني: الأم أحق لاستحقاقها لحضانته، وإن لم يختر غيرها لكفالته، وهذا أشبه.
فرع آخر:
لو تدافعا كفالته وامتنعا منها، فإن كان بعدهما من يستحق كالجد بعد الأب والجدة بعد الأم فتنقلت الكفالة إلى من بعدهما وبخير الولد بيهما إذا تكافأت أحوالهما، وإن لم يكن بعدهما من استحق كفالته فيه وجهان:
أحدهما: يكون الولد على خياره ويجبر من اختاره على كفالته، لأن في الكفالة حقًا لهما، وحقًا عليهما فلا يسقط تمانعهما حق الولد عليهما، وإن سقط حقهما.
والثاني: يجبر عليهما من وجبت عليه النفقة منهما لوجوبها عليه لقوه سببه.
فرع آخر:
إذا قلنا بالوجه الأول وكان التمانع في وقت الحضانة أقرع بينهما وأجبر عليها من فر منها لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عِمرَان: ٤٤] الآية. فقيل:
[ ١١ / ٥١٢ ]
اختصموا تنازعًا لكفالتها، وقيل: اختصموا تدافعًا لكفالتها فاستهموا فدل على دخول القرعة في الحالين عند التنازع والتدافع.
فرع آخر:
لو سلم أحدهما كفالته إلى الآخر فهو أحق وكلام للولد، فإن عاد إلى الطب عاد إلى حقه وجملة ما ذكرنا أنه إذا وجدت الشرائط لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتنازعا في الكفالة.
والثاني: أن يتدافعها عنها.
والثالث: أن يسلمها أحدهما إلى الآخر، فإن تنازعا يخير وللولد في التخيير ثلاثة أحوال: أن يختار أحدهما، أو أن يختارهما، أو لا يختار واحدًا منهما، وقد ذكرنا شرحها.
مسألة:
قال: "وِإِذَا افْتَرَقَ الأَبَوَانِ [ق ٢٦٦ ب] وهُمَا فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَالأُمُّ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تتَزَوَّجْ".
الفصل:
الأم إنما يكون لها حق حضانة الصبي إذا كانت خالية عن زوج، فإن تزوجت سقط حقها في الحضانة.
وقال الحسن البصري: لا تسقط حضانتها، وهذا غلط لقوله ﷺ: للأم أنت أحق به ما لم تنكحي.
وروى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "الأم أحق بولدها ما لم تتزوج" ولأن النكاح يمنع مقصود الكفالة لاشتغالها بحق الزوج، واحتج بما روي أن عليًا ﵁، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب تنازعوا في حضانة ابنه حمزة فقال: عليّ بنت عمر، وعند بنت رسول الله صلى عليه وسلم وقال زيد أخي لأن رسول الله ﷺ كان آخى بين حمزة وزيد، وقال جعفر بنت عمي وعندي خالتها فقال رسول الله ﷺ: " الخالة بمنزلة الأم" وسلمها إلى جعفر لها الحضانة وهي متزوجة قلنا: لا صحة فيه لأنه لم يكن هناك من هو أحق منها لأن زيدًا لا حضانة له، وعلي وجعفر سيان في القرابة.
فإذا تقرر هذا وتزوجت الأم، فإن لم يكن لها أم ولا إحدى أمهاتها فالأب أولى بحضانته، وإن كان لها أم ولم يكن لأمها زوج كانت أحق بحضانته، وإن كان لها زوج
[ ١١ / ٥١٣ ]
نظر، فإن كان زوجها جد الصبي الذي هو أب أمه فهو أولى بحضانته من الأب، وإن كان زوجها غريبًا فالأب أولى منها، ولو كان زوج المرأة عم الصبي، قال القفال: لا تسقط حضانتها قياسًا على الجد.
ومن أصحابنا من قال: لا يقاس العم على الجد، لأن حق آكد ألا ترى أنه أولى من الأخت وهي أولى من العم.
وقال صاحب الحاوي: إذا كان زوج الأم عصبة للولد، فإن منعها من الكفالة سقط حقها، وإن أذن لها في الكفالة ومكنها من القيام بها فيه وجهان:
أحدهما: تستحق الكفالة [ق ٢٧٧ أ] لزوال السبب المانع بالتمكين واتقاء العار بامتزاج النسب.
والثاني: لا تستحق الكفالة لعموم الخبر الذي ذكرنا ولأن الطبع يجذبها إلى التوفر على الزوج ومراعاة أولادها منه إن كانوا تسقط حضانتها لهذا.
فإذا تقرر هذا وخيرنا الولد بين الأبوين، فإن اختار الأم فإن كان ذكرًا كان بالنهار مع الأب يعلمه القرآن والأدب أو الصنعة يأوي بالليل إلى أمه ويبيت عندها. وإن كانت أنثى كانت عند أمها ليلًا ونهارًا لأن كل ما يحتاج إليه مما تتعلمه من الخبز والطبخ والغزل، فإنها تتعلم من أمها وإن اختارت الأب تكون عنده ليلًا ونهارًا وسواء كان ذكرًا أو أنثى إلا أن الأب يوجه الابن إلى أمه ليزورها في كل وقت ولا يستدعيها إليه لأن الأم عورة، وإن كانت أنثى فالأم تجيء إليها وتزورها لأنهما عورتان، والأم أولى بالخروج لأنها أكثر تجربة وأكمل عقلًا وتمييزًا من البنت فتكون الأم بالخروج أولى، وإذا جاءت إليها تعدت عندها قعود الزائرين، ولا تطيل الجلوس أول النهار إلى آخره إلا أن تمرض البنت فإنها تعقد وتطيل، وإن ماتت قعدت إلى أن تدفن ثم ترجع ولا ينبغي أن تخلو بالزوج، فإن لم يكن معها ثالث خرج الزوج حتى تدخل، وإن مرضت الأم خرجت البنت إليها ومرضتها، إن كانت تحسن ذلك، وإن لم تحسن ذلك لصغرها نظرت إليها وسألتها عن حالها، وقعدت عنها وقتًا، ثم رجعت، وإن ماتت قعدت حتى تدفن، ثم ترجع وليس للأب أن يمنعها من البكاء، وله أن يمنعها من النياحة واللطم ويمنعها من الخروج مع الجنازة وزيارة قبرها لأنها عورة قال رسول الله ﷺ لعن الله زائرات القبور ولا يمنع الابن من ذلك لأن الرجال لا يمنعون من زيارة القبور.
فرع:
لو أراد الغلام زيارة الأم كل يوم أو أرادت الأم ذلك فله المنع لأن عادة الزيارة معلومة [ق ٢٧٧ ب] وإنما تكون من الأيام يومًا،
وأما قوله ههنا فإن ماتت الابنة لم تمنع الأم من أن يأتيها حتى تدفن يحتمل
[ ١١ / ٥١٤ ]
تفسيرين كل واحد منهما مسألة على حدة:
أحدهما: أن الابنة إذا ماتت فليس لأبيها منع أمها من دخول داره لتجهيزها ودفنها.
والثاني: أن الابنة إذا ماتت فليس لزوج الأم إذا كانت ناكحة أن يمنعها عن حضور دفن ابنتها وتجهيزها. وهذا كله من مكارم الأخلاق وقوله: ولا يمنعها معناه: إن ماتت الأم فلا ينبغي للأب أن يمنع الابنة عن حضورها، وقوله ولا تمنع من مرضها من أن تلي تمريضها من منزل أبيها تحتمل تفسيرين كما ذكرنا في موت الابنة.
مسألة:
قال: " وإِنْ كَانَ الوَلَدُ مَجْنُوتًا فَهُوكَالصًّغِيرِ".
أراد بالمخبول: لأنه في معنى الطفل الصغير الذي لا تمييز له وتكون الأم أحق به ولا يخير أبدًا لأنه لا يهتدي إلى مصلحة نفسه في موضع حظه وإن خيرناه فاختار الأب، ثم جن كانت الأم أحق به، وبطل اختياره لنفسه لأنه بطل السبب الذي له به الاختيار
مسألة:
قًالَ: " وإِنْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ أَحَدَ الأَبَوَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الآخَرَ حُوِّلَ".
قد ذكرنا أن هذا الاختيار اختيار شهوة وليس بلازم، ولو كان لازمًا لا تنظر فيه بلوغه فلما صح في صغره دل على ما قلناه ومعناه ظاهر، وهو أنه بما يختار أحدهما فإذا اختبره وعاشره نكد جانبه وكره مساكنته ومعاشرته فيميل باختياره إلى الآخر.
مسألة:
قَالَ: " وإِذَا مُنِعَتْ مِنْهُ بِالَّزوجِ فَطَلَّقَهَا طَلاَقًا يَمْلِكُ فِيهِ الَّرَّجْعَةَ أَولا يَمْلِكُهَا رَجَعَتْ عَلَى حَقّها".
إذا سقط حقها من الحضانة بالنكاح فطلقها زوجها عاد حقها وكانت أولى بحضانته من غيرها سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا وكذلك إذا كانت الأم كافرة فأسلمت أو أمة فأعتقت أو مسافرة فرجعت رجع حق الحضانة إليها [ق ٢٨ أ] في الحال.
وقال مالك: لا يعود حقها بالطلاق بحال، وقال أبو حنيفة: لا يعود حقها ما دامت في عدة الرجعة، وهذا على أصله أن الرجعية مباحة لزوجها وهو قول المزني لكنه يقول: الرجعية في حكم الأزواج ولا يقول إنها مباحة لزوجها، وهذا غلط لأنه إنما بطل حقها من الحضانة لمعنى اشتغالها بالزوج عن الولد، فإذا زال هذا المعنى عادت الحضانة.
[ ١١ / ٥١٥ ]
ثم ألزم الشافعي نفسه سؤالًا، فقال: فإن قيل كيف يعود إلى ما بطل النكاح وأراد به مالكًا، قيل: لم يبطل حقها بل تراخى لمعنى فيزول بزوال ذلك المعنى ولو كان بطل ما كان لأمها يعني الجدة، وكان ينبغي إذا بطل عن الأم أن يبطل عن الجدة التي إنما حقها بحق الأم.
وقد قضى أبو بكر الصديق على عمر بن الخطاب ﵄، بأن جدة ابنه أحق به منه، ثم ابتدأ سؤالًا ليكشف حق الأم من الولد قيل: لحق الأب هما والدان يحدان بالولد، فلما كان الولد لا يعقل كانت الأم أولى به على أن ذلك حق للولد لا للأبوين، لأن الأم أحنى عليه وأرق من الأب.
قال القفال: وإنما تعود لها حق الحضانة في العدة إذا رضي المطلق بأن يدخل ولدها بيته لأنها تعتد في بيته إذ للمعتدة السكنى بائنًا كانت أو رجعية، فإن لم ترض لم يكن لها هذا الحق.
فرع:
لو كانت خالية من زوج فتركت حضانتها مع القدرة، ولها أم خالية من زوج فلمن تكون الحضانة، قال الاصطخري في أدب القضاء يحتمل وجهين:
أحدهما: تكون لأمها كما لو تزوجت، وهذا اختيار أبي حامد وجماعة.
والثاني: تكون للأب، لأن حضانتها لم تبطل بالترك، وصارت كالفاصل في النكاح ولا تنتقل ولايته إلى من دونه، وهو اختيار ابن الحداد ومشايخ خراسان.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا بَلَغَ الغُلاَمُ وَلي نَفْسَهُ".
الفصل:
[ق ٢٨٨ ب] إذا بلغ الصبي رشيدًا له أن يفارق أبويه، وينفرد بنفسه ولا يجوز إجباره على أن تكون معهما إلا أن الأفضل برهما وترك فراقهما، لأن الله تعالى أوصى بالإحسان إليهما مسلمين أو كافرين، ونطق القرآن بذلك من مواضع، وإن كانت أنثى فبلغت فإنا نكره لها فراق الأبوين إلى أن تضم إلى زوجها فإنها عورة ولا يؤمن عليها من انفرادها، وإن اختارت لم تمنع منه، وإذا زفت إلى زوجها، ثم طلقها، فإنا نستحب إليها أن لا تفارق أبويها كالابن ولا يكره له فراقها كما لا يكره للابن لأمها قد خيرت الرجال وعرفت الأمور فهي تحفظ نفسها من الرجال.
وقوله: فإن أمن كانت مأمونة سكنت حيث شاءت أي ثابت وتأيمت بأن طلقها
[ ١١ / ٥١٦ ]
زوجها بعدما أصابها، وقول الشافعي ما لم تر ريبة.
اختلف أصحابنا منهم من قال: معناه إذا رأت ريبة أجبرت على أن تسكن مع أبويها أو مع أحدهما إن كانا متفرقين وليس لها أن تسكن حيث شاءت، وهذا هو الصحيح، ومنهم من قال معناه: إذا رأت ريبة كره لها أن تنفرد وتكون بمنزلها قبل الزفاف.
قال أصحابنا: وكذلك إذا كانت بكرًا طهر منها ريبة تجبر على السكون في موضع تخص فيه والأولى على كل حال أن لا تفارق الأبوين زيادة في تحصينها وسببه نفي الريبة عنها وإنزاع للتهمة.
مسألة:
قَالَ:" وَإِذَا اجْتَمَعَ القَرَابَةُ مِنَ النَّسَاءِ فَتَنَازعْنَ المَوْلُودَ".
الفصل:
الكلام الآية فيما يستحق الحضانة وترتيب الأقارب بعضهم على بعض، وذكر الشافعي في ذلك مسألتين:
إحداهما: إذا اجتمع نساء الأقارب ولا رجال معهن.
والثانية: إذا اجتمع الرجال والنساء، فأما المسألة الأولى فاختلف قول الشافعي في ترتيب الحضانة بينهن، فقال في الجديد: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأب، ثم أمه [ق ٢٢٩ أ] ثم أمهاتها، ثم أم الجد، ثم أمهاتها، ثم أم أبي الجد، وأن يكون وقوله: ههنا، ثم الجدة أم الجد، يعنى أم الجد من جانب الأب فلا ترتقي إلى أم جد الأب بحال، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأم ثم الخالة، ثم العمة.
وجملته أن الاعتبار بالولادة الظاهرة، ثم بقوة الميراث، ثم بقوة الإدلاء. وقال في القديم: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة، ثم أم الأب وأمهاتها، ثم أم الجد، ثم العمة ووجه هذا أن الأخت رضعت معها في رحم واحد فهي أقرب من أم الأب، والخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب والأم تقدم على الأب فكذلك من يدلي بالأم تقدم على من يدلي بالأب، وهذا غلط، والصحيح قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة لأنها جدة وارثة فوجب أن تقدم على الأخت كأم الأم، ولأن لها ولادة فتعتق على الوالد بها ويثبت ميراثها مع الابن بخلاف الأخت والخالة.
وأما ما ذكر القائل يقول: القديم يبطل بأم الأم فإنها أولى بلا خلاف.
فإذا تقرر هذا فأعلم أنه لا خلاف أن الأم أحق بدليل قول ﷺ:" أنت أحق به ما لم
[ ١١ / ٥١٧ ]
تنكحي" وأيضًا فإنها ساوت سائر الأقارب في الحضانة، واللبن وانفردت بقرب الدرجة والشفقة والحنو على الولد، فكانت أولى من غيرها ثم إذا عدمت الأم فأمهاتها فيقمن مقامها، وإن علون على الترتيب الأقرب فالأقرب لأن لهن ولادة وشفقة مثلها وهن، وإن بعدن يتقدمن على أمهات الأب، وإن قربن لأن الولادة فيهن مستحقة، وفي أمهات الأب لأجل الأب مظنونة وأنهن أقوى ميراثًا منهن لأنهن لا يسقطن بالأب، ثم بعدهن ننتقل إلى أمهات الأب. نص عليه في الجديد فأحق أمهات الأب أمه، ثم أمهاتها، وإن علون فقد مات على أم الجد لتقديم الأب على الجد [ق ٢٩٩ ب] فإذا عدمن قام الجد، ثم أمهاتها، وإن علون ثم أم أب الجد ثم أمهاتها ثم ينتقل إلى الأخوات وترتيب الأخوات على ما ذكرنا، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة الأخت من الأم أولى من الأخت للأب، وبه قال المزني، وابن سريج، قال في المنهاج، وكان القياس الذي مهده في الجد أب تقدم الأخت للأم على الأخت للأب، وقد فعل ذلك في القديم ولكنه نظر في هذا الموضوع مع القرابة إلى ترجيح الميراث والعصوبة من جانب الأب فقدم الأخت للأب، ووجه أن الأخت من الأم تدلي بالأم فتقدم على الأخت من الأب كما تقدم الأم على الأب وعلى هذا قال ابن سريج: الخالة تقدم على الأخت من الأب أيضًا لهذه العلة. وعن أبي حنيفة روايتان في هذا، وهذا غلط لأنهما أختان من أهل الحضانة فكان أقواهما في الميراث أقواهما في الحضانة كالأخت من الأب والأم مع الأخت من الأب.
وأما ما ذكره لا يصح لأن الأخت تدلي بنفسها لأنهما خلقا من ماء واحد ولها تعصيب وليس للأخرى ذلك فكانت أولى ثم ينتقل إلى الخالات فيقدم الخالة للأب والأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم وخالفه المزني، وابن سريج فقالا: تقدم الخالة من الأم على الخالة من الأب.
ومن أصحابنا من يسقط حضانة الخالة للأب لإدلائها بأب الأم والأنثى إذا أدلت بذكر لا ترث لا يكون لها حضانة، هذا لا يصح لمساواتها للأم في درجتها فصارت مدلية بنفسها وخالفت أم الأب الأم المدلية بغيرها وإنما قدمنا الخالات على العمة لأنها تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فغلب جانب الأم على جانب الأب ثم بعدهن العمات فتقدم العمة من الأب والأم، ثم العمة من الأب، ثم العمة من الأم، وقال المزني، وابن سريج تقدم العمة من الأم على العمة من الأب ثم اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: ينتقل بعد العمات إلى بنات الإخوة [ق ٢٣٠ أ] والأخوات، ثم إلى بنات العصبات قربًا فقربًا، ثم بنات الخالات والعمات، ثم إلى خالات الأبوين على ترتيب العصبات اعتبارًا بالميراث.
والثاني: أنها تنتقل بعد الخالات والعمات إلى خالات الأبوين عملًا على تدريج الأبوة فإذا قلنا بالوجه الأول تقدم بنات الأخوات على بنات الأخوة لتقدم الأخوات فيها على الأخوة فتقدم بنت الأخت للأب والأم، ثم بنت الأخت للأب ثم بنت الأخت
[ ١١ / ٥١٨ ]
للأب، ثم بنت الأخت للأم، ثم ينتقل إلى بنات الأخوة فتقدم بنت الأخ للأب والأم، ثم بنت الأخ للأب، ثم بنت الأخ للأم، ثم ينتقل إلى بنات بني الأخوات لأن بني الأخوة عصبة يرثون وبنو الأخوات لا يرثون فتقدم الحضانة لبنت ابن الأخ للأب والأم، ثم لبنت ابن الأخ للأب ولا حضانة لبنت ابن الأخ للأم لأنها تدلي بذكر لا يرث، ثم تنتقل بعد بنات العصبات إلى بنات الخالات، ثم بنات العمات.
وإذا قلنا بالوجه الثاني انتقلت بعد الخالات والعمات إلى جدات الأم يترتبن فيها ترتيب الخالات المرتفقات ولا حضانة لعمات الأم لإدلائهن بأب الأم وهو ذكر لا يرث، ثم ينتقل بعد خالات الأم إلى خالات الأب، ثم إلى عماته، ثم ينتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم، دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم تنتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم يستعلي ذلك إلى درجةٍ بعد درجٍة ولا تستوعب عمود الأمهات، لأن البعدى من أمهات الأم وراثة كالقربى فلم يعتبر في حضانتهن قرب الدرج والخالات والعمات بخلافهن لأنهن لا يرثن [ق ٢٣٠ ب] فاعتبر فيهن قرب الدرج فإذا عدم خالات الأمهات وخالات الآباء وعماتهن انتقلت الحضانة بعدهن إلى بنات الأخوات، ثم إلى بنات الأخوة، ثم إلى بنات العصبة، ثم إلى بنات الخالات، ثم إلى بنات العمات على ما بيناه في الوجه الأول.
وقال بعد أصحابنا بخراسان: إذا قلنا الخالة أولى فهي أولى من بنت الأخت ثم بنت الأخت أولى من العمة، وإن استويا في حرمان الميراث والمحرمة لأنها من قرابة الأم، والصحيح ما ذكرنا، وأما المسألة الثانية فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قَالَ:" وَلاَ وِلاَيَة لأُمَّ أَبي الأُم لأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبِ الأُمَّ".
جملته أن كل أب يدلي بأم فلا حق له ولا لمن يدلي به من الأمهات، من أم أب الأم وغيرها وعلل ههنا فقال: لأن قرابتها بأب الأم، وهذا التعليل فيه نوع اختصار لأنك تعلم أن أم الأب وأم أب الأب تدلى بقرابة أم فلا يكتفي في التعليل بأن يقال بأن قرابتها بأن لا بأم ومعناه لأن قرابتها بأب أم وذلك الأب لا حق له في هذه الولاية وغيره من الولايات فالمدلية به تشابهه وتحاكيه فكان قرابة الصبي من سائر النساء اللاتي رتبناهن أدلى من هذه التي هي أم أم الجد أب الأب وكذلك لا حق لأم أم أم ولا لأم أب أم أب وعلى هذا لا حق لابنة الخال ولا لابنة ابن الأخت لأنها تدلي بذكر لا يرث.
فرع:
هل لهن الحضانة مع عدم مستحقها وجهان:
[ ١١ / ٥١٩ ]
أحدهما: لهن ذلك لاختصاصهن بالقربى، وإن ضعفت لأن ضعفها يسقط جهتها مع من هو أقوى منها ولا يسقط مع من عدم قرابتها فعلى هذا لا يجوز العدول عنها إلى الأجانب.
والثاني: لا يستحقن الحضانة بحالٍ لأنه لم يوجد فيهن سبب الاستحقاق ولكن يجوز أن يقدم بذلك على الأجانب من طريق الأولى [ق ٢٣١ أ] دون الاستحقاق كما تقدم المرضعة والجارة، هذا لأن حضانتهن أصلح للصبي من حضانة الأجانب فعلى هذا إن أدى اجتهاد الحاكم إلى العدول منها إلى غيرها من الأجانب جاز. وهذا اختيار أبى إسحاق، لأن الحاكم أحق نيابة عن المسلمين كما في الميراث فإذا قلنا بالأول ففي أحقهم بها إذا اجتمع الذكور والإناث وجهان:
أحدهما: الذكور أحق بها لقربهم ممن أدلى بهم فيكون أب الأم أحق بالحضانة من أب، والخال أحق بها من ابنته.
والثاني: الإناث مع بعدهن أحق بها ممن أدلى به من الذكور مع قربهم لاختصاصهن بالأنوثة التي هي آلة التربية ومقصود الحضانة فتكون أم أب الأم أحق من أبيها وبنت الخال أحق بها من الخال، وإن انفرد الذكور وتنازعوا فإن كان لأحدهما ولادة دون الآخر كأب الأم والخالة كانت الحضانة لأب الأم لبعضيته ولا قصاص عليه به وعتقه عليه، وإن لم يكن فيها ولادة كالخال والعم من الأم فيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء بينهما ولا اعتبار بمن أدليا به لتساويهما في سقوط الحضانة مع وجود مستحقها.
والثاني: وهو الأشبه يستحقها من قوي سبب إدلائه فيكون الخال لإدلائه بالأم أحق بها من العم للأم لإدلائه بالأب الذي تقدم عليه الأم، ولو كان ابن أخ لأم وعم لأم كان العم للأم أولى لإدلائه بأم الأب التي هى أحق بالحضانة من الأخ للأم.
مسألة:
قَالَ: " وَلاَ حَقَّ لأَحَدٍ مَعَ الأَبِ غَيْرَ الأُمَّ وَأُمَّهَاتِهَا".
الفصل:
قد مضى الكلام إذا اجتمع نساء القرابات ولا رجل معهن وهذه المسألة إذا اجتمع الرجال والنساء والحكم فيها بأن الأم وأمهاتها أولى من جميع الأقارب لما ذكرنا أن لهن ولادة وهن من أهل الحضانة بأنفسهن [ق ٢٣١ ب] فإن عدمن الأقارب اللاتي تدلين بالأب كالأمهات للأب والأخوات للأب والعمات لا حق لهن مع الأب بل يقدم الأب عليهن لأنهن يدلين به فكان المدلى به أحق من المدلى.
[ ١١ / ٥٢٠ ]
وأما النساء اللاتي بالأم كالأخت من الأم والخالة فالمذهب المنصوص أنه يقدم الأب عنهن لأن في الأب من الولادة والاختصاص من النسب ما لا يكون في غيره. وقال الإصطخري، وابن سريج، وأبو إسحاق، وبه قال أبو حنيفة: يقدمن على الأب والأم عليه أيضًا، وهذا اختيار أبي حامد لأنها ذات حضانة تدلى بالأم فسقط الأب كالجدة أم. قال هذا القائل ومعنى قوله: ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها أي لا حق لأحد مع الأب ممن يدلى به دون من يدلى بالأم بدليل أنه قال بعده فأما أخواته وغيرهن فإنما حقوقهن بالأب فلا يكون لهن حق معه وهن يدلين به فدل على أن من لا يدلى به فلها حق معه، وهذا لا يصح لأنه لو قدم الأخت مع الأم والخالة على الأب لظاهر هذا الكلام لوجب أن يقدم كلاهما على أمهات الأب لأنهن يدلين به فلما لم يدل هذا على تقديمهما على أمهاته فلذلك لا يدل على تقديمهما عليه، ولأن الشافعي صرح بأنه لا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها، وذلك يقتضي أن يكون الأب أولى من الأخت والخالة فلا يجوز تركه بدليل الخطاب الذي بعده، وهذا اختيار صاحب الإفصاح والقاضي الطبري، وفي رواية الربيع فأما أخواتها وغيرهن فلا يكون لهن حق معه، وهذا نص صريح على أن الأب يقدم على الخالة، وعلى هذا إذا اجتمع أب وأم أب وأخت لأم فعلى القول القديم الأخت من الأم والخالة مقدمة على الأب، ومن يدلى به فالأخت للأم أولى [ق ٢٣٢ أ] وههنا لا تفريغ عليه وأما على قوله الجديد أن أمهات الأب مقدمة على الأخوات يتفرع هذا، فإن قلنا بظاهر مذهب الشافعي أن الأب يقدم عليهما فالحصانة له، وإن قلنا الأصحاب وأنه لا يسقطهما ففي هذه المسألة وجهان:
أحدهما: أن الحضانة للأب ههنا وهو اختيار لاصطخري لأن الخالة والأخت من يسقطان بأم الأب، ثم يسقط أم الأب بالأب، قال: ولا يمتنع أن يسقط أم الأب الخالة والأخت للأم، ثم لا يثبت لها الحق بل يثبت للأب كالأخوين مع الأبوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل ذلك السدس لها بل يحصل للأب.
والثاني: وهو قول عامة أصحابنا أن الحضانة للأخت من الأم والخالة لأن أم الأب تسقط بالأب والأب يسقط بالخالة والأخت للأم، وإن اجتمع أب وأخت لأم فيه وجهان أيضًا لأن مذهب الشافعي في الجديد أن الأخت للأب مقدمة على الأخت للأم.
وقال في "الحاوي": إذا قلنا بالمذهب الصحيح ينتقل بعد الأب إلى أمه، ومن علا مقدمين على أبيه، فإن عدم أمهات الأب انتقلت إلى أب الأب، وهو الجد، ثم إلى أب الجد، ثم إلى أمهاته، ثم إذا عدم الآباء والأمهات فيه ثلاثة أوجه:
[ ١١ / ٥٢١ ]
أحدهما: أن جميع النساء من الأقارب أحق بالحضانة من جميع العصبات فتقدم الأخوات والخالات والعمات ومن أدلى بهن من البنات على جميع من الأخوة وبينهم والأعمام وبينهم لما فيهم من الأنوثة التي هي بالحضانة أخص مع الاشتراك في القرابة، وإن تفاضلوا فيها.
والثاني: جميع العصبات أحق من جميع النساء من الأخوات والعمات والخالات، ومن يدلى بهن عن بناتهن لاختصاص العصبات بالنسب واستحقاقهم للقيام بتأديب المولود والميراث.
والثالث: وهو الأصح لا يترجح أحد الفريقين [ق ٢٣٢ ب] على العموم ويعتبر تفاضل الدرج ويترتبون ترتيب العصبات في استحقاق فالأقرب من الرجال والنساء في الدرج قدم النساء فيها على الرجال لاختصاصهن بالأنوثة فعلى هذا ينتقل بعد الآباء والأمهات إلى الأخوة والأخوات فتقدم الأخوات لأنوثتهن، ثم ينتقل بعدهن إلى الأخوة، فإذا عدموا انتقلت إلى بنات الأخوات، ثم إلى بني الأخوة، فإن اجتمع ابن أخت، وابنة أخ كانت بنت الأخ أحق من بنت الأخت، وإن كان مدليًا بمن هو أحق اعتبارًا بالأنثوية المستحق، ثم بعد الأخوة والأخوات انتقلت إلى الدرجة التي تليهم، وهو من ساوى الأبوين في درجته فالمساوئ للأم في درجتها الخالات والمساؤي للأب في درجته الأعمام والعمات، فتكون الخالات أحق بها من الأعمام والعمات لإدلائهن بالأم التي حي أحق بالحضانة من الأب، ثم ينتقل بعدهن إلي العمات يتقدمون فيها علي الأعمام، ثم ينتقل بعدهن إلي الأعمام، فإذا عدم الأعمام انتقلت إلي بنات الخالات، ثم إلي بنات العمات، ثم إلي بنات العم، ثم إلي بني العم، فإذا عدمت هذه الدرجة انتقلت إلي الدرجة التي تليها وهي الدرجة التي تساوي درجة الجد، والجدة فتساوي درجة الجدة حالات الأم وتساوي درجة الجد أعمام الأب وعماته فتنتقل الحضانة إلى خالات الأم، ثم إلى خالات الأب، ثم إلى عمات الأب، ثم إلى أعمام الأب، ثم إلى أولادهم فتكون بعدهم لبنات خالات الأم، ثم لبنات خالات الأب، ثم لبنات عمات الأم، ثم لبنات عمات الأب، ثم لبنات أعمام الأب، وعلى هذا أبدًا.
وحكي بعض أصحابنا عن القفال أنه قال: لا يختلف أصحابنا أن أم الأب، وأم الجد، وإن بعدن أولى من الأب لأن لهم الحق الولادة، وإن كان أولاهن به ولا حق للأخت من الأب مع الأب، لأن [ق ٢٢٣ أ] إدلائهما به وليس لهما قوة الولادة، وكذلك لا حق للأخت من الأم والأخت للأم اللتين حجبتا بالأب.
قال: وحكي عن الإصطخري أنه قال: تقدم الأخت من الأبوين والأخت من الأم والخالة على الأب، فأما الأخت للأب يحتمل وجهتين:
أحدهما: تقدم كأم الأم.
[ ١١ / ٥٢٢ ]
والثاني: تؤخر، لأن إدلائهما به وليس لها حق الولادة، قال: وتأويل قوله فأما أخواته أراد أخوات الأب لا أخوات الصبي، وهذا تخليط، ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق في هذا والصحيح ما ذكرنا.
فرع:
إذا انفرد الذكور فأحقهم الأب، ثم أباه، ثم بعد الأجداد الإخوة فيقدم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، وعلى قياس قول ابن سريج يقدم الأخ من الأم على الأخ من الأب، ثم بعد الإخوة فيه وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الإخوة ويتقدمون على الأعمام لقوة تعصيبهم فيقدم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب ولا حق فيها لابن الأخ للأم لأنه غير وارث، ثم ينتقل بعدهما إلى أولادهما، وإن سفلوا ثم إلى الأعمام على هذا الترتيب.
والثاني: ينتقل بعد الإخوة إلى الأعمام دون بني الإخوة لقوتهم في الدرجة على بني الإخوة، ثم بعدهم إلى بني الإخوة دون بني الأعمام لاختصاص بني الإخوة بالمحرمة دون بني الأعمام، ثم بعد بني الإخوة والأعمام وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على أعمام الأب إذا قلنا يتقدم بها بنو الإخوة وإن سلفوا على العم، ثم تنتقل بعدهم إلى عم الأب.
والثاني: ينتقل إلى عم الأب يتقدم بها على بني العم إذا قلنا العم يتقدم بها على بني الإخوة، فإذا عدم الأب انتقلت بعده إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على بني عم الأب، وإن قربوا لاختصاصهم بالقرب تساويهم في عدم المحرمية، ثم على هذا الترتيب [ق ٢٣٣ ب] في بني أب بعد أب، ثم إذا عدم جميع العصبات لم يكن للمولى المعتق حق فيها لأنه أسقط بالعتق حق نفسه عن المعتق، فسقطت حضانته.
فرع آخر:
لو كان للمولى المعتق نسب هو أبعد من نسب من حضر فهل يترجح بولاية مع بعده على من هو أقرب منه كعم وعم أب معتق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتقدم به، وإن بعد لجمعه بين شيئين يجري على كل واحد منهما حكم التعصيب فتكون الحضانة لعم الأب لولاية دون العم.
والثاني: لا يتقدم لأنه سبب لا يستحق به الحضانة فلم تترجح به الحضانة إلا مع التكافؤ فيكون العم أحق بالحضانة لقربه من عم الأب مع ولاية.
وذكر صاحب "الحاوي" في الحضانة ترتيبًا حسنًا فقال: إذا اجتمع في الحضانة قرابات المولود فتكون على ثلاثة أقسام:
[ ١١ / ٥٢٣ ]
أحدها: أن يكونوا نساءً لا رجل فيهم.
والثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم.
والثالث: أن يكونوا رجالًا ونساءً، فأما الأول فيخرج منهن من لا حضانة لها وهي نوعان:
أحدهما: من سقطت حضانتها لنقص.
والثاني: من سقطت حضانتها لضعف قرابتها وهي كل مدلية بذكر لا يرث. ثم من عدا هذين الصنفين متقدمين فيها بقوة السبب وذلك بشيئين دنوا القرابة كالأم مع أمها وقوة القرابة وقوتها تكون بخمسة أسباب مباشرة؛ الولادة، ووجود البعضية، والتعصب، والميراث، والمحرمية، والإدلاء بمستحق الحضانة ويقسم الإدلاء ثلاثة أقسام:
الإدلاء بالولادة كالإدلاء أم الأم بولادة الأم، وأم الأب بولادة الأب وهو أقوي أقسام الإدلاء.
والإدلاء بالانتساب كإدلاء الأخوات بالأبوين وإدلاء بناتهن بهن، وهذا يتلو الأول في القوة.
والثالث: الإدلاء بالقربى كإدلاء الخالة بالأم والعمة بالأب، وقد ذكرنا شرح الكل فلا نعيده.
فرع آخر:
لو اجتمع مع الرجال والنساء في الحضانة خنثي مشكل نظر [ق ٢٣٤ أ] في مستحقها، فإن كان رجلًا لم تساوه الخنث فيها لجواز أن يكون امرأة، وهل يتقدم بذلك علي المرأة عند عدم الرجال؟ وجهان، وإن كان مستحقها امرأة لم تساوها الخنثى وهل يتقدم بذلك في الرجل؟ وجهان:
أحدهما: يتقدم عليه إذا تقدمت عليه المرأة لجواز أن يكون امرأة.
والثاني: لا يتقدم عليه لعدم الحكم بأنه امرأة.
فرع آخر:
لو أجبر الخنثى علي اختياره لنفسه أنه رجل أو امرأة عمل علي قوله في سقوط الحضانة، وهل علي قوله في استحقاقها وجهان:
أحدهما: يعمل عليه لأنه أعرف بنفسه.
والثاني: لا يعمل عليه للتهمة.
فرع آخر:
لو وقع التنازع في كفالة المولود وله زوجة كبيرة نظر، فإن أمكن استمتاعه بها أو استمتاعها فهي أحق بكفالته، وإن كانت أجنبية من جميع ثواباته لما جعل الله (تعالى) بين
[ ١١ / ٥٢٤ ]
الزوجين من المودة والرحمة فكان أسكن لها وأعطف عليه، وإن لم يكن استمتاعه بها ولا استمتاعها به لا حق لها في كفالته وأقربائه من الرجال والنساء أحق به منها.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة من أقاربه هل يترجح بعقد النكاح علي غيرها من الأقارب وجهان:
أحدهما: يتراجع لجمعها بين سببين.
والثاني: لا يتجرع وتقف علي درجتها من القرابة التي هي أخص بالكفالة.
فرع آخر:
لو كان المولود جارية ولها زوج كبير، فإن أمكنه الاستمتاع بها كان أحق بكفالتها، وإن لم يمكنه فالأقارب أحق بكفالتها منه، فإنه شاركهم في القرابة فهل يتجرع بعقد النكاح عليهم؟ وجهان.
مسألة:
قال: " وَالجَدُّ أَبُو الأَبِ يقُومُ مَقَامَ الأَبَ إِذَا لمَ يَكُنْ أَبًا أَوْ كَانَ غَائِبًا أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ".
قال أصحابنا: ليس هذا الكلام علي ظاهره، فإن أم الأب أحق من الجد وكذلك أمهاتها يقدمن علي الجد أب الأب [ق ٢٣٤ ب] لاختصاصهن بالحضانة، وتأويل هذا الكلام أن الجد أحق إذا لم يكن أب من أمهاته كما يكون الأب أحق من أمهاته، وإن اجتمع معه خالة أو أخت لأم، وقلنا: إن الأب يقدم عليها فههنا وجهان:
أحدهما: الجد أولي أيضًا، لأنه يقوم مقام الأب.
والثاني: وهوا لأقرب الأخت أولي، لأنها مساوية للجد في الدرجة وتختص الأخت بالحضانة بخلاف الجد، وهكذا إذا كان الأب غائبًا أو غير رشيد بأن يكون فاسقًا أو مجنونًا، فالجد مقامه إذا لم يكن أمهات الأب.
فإن قيل: أبطلتم حق الحضانة بالغيبة ولم تبطلوا حق الولاية في النكاح بالغيبة فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المطلوب بالحضانة خط الصبي، والخط له بأن ينتقل إلي الجد دون الحاكم وليس كذلك ولاية النكاح فإنها حق المولي فلا تبطل بغيبته، فقام الحاكم مقامه في استيفاء حق المرأة منه، ولأن الغيبة لا تمنع حق النكاح؛ لأنه لو زوجها من موضعه يصح بخلاف الكفالة، وعلي هذا قال القفال: لو ترك الأقرب الحضانة فالحق
[ ١١ / ٥٢٥ ]
الأبعد بخلاف ولاية النكاح، فإنها تنتقل إلي السلطان؛ لأن تزويج السلطان يحصل لها ما يحصل من تزويج القريب ولا يحصل بحضانة السلطان ما يحصل بحضانة الأقارب فيراعي فيه حظ الصبي.
مسألة:
قال: "وكَذلِكَ العصْبَةُ يَقُومُونَ مَقَامَ الأَبِ إِذَا لمَ يَكُنْ أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَع الأُمَّ وَغَيْرُهَا".
الفصل:
اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام، فمنهم من قال: معناه أن العصبة يقومون مقام الأب في حفظ نسبه وتأديبه وإسلامه إلي الصنعة دون الحضانة، فإن الإخوة والأعمام لا مدخل لهم في الحضانة، وإنما الحضانة من الرجال للأب، والجد فقط، وبه قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: أراد به في الحضانة [ق ٢٣٥ أ] وهو الظاهر من مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الشافعي روي خبر عمارة الجرمي أن علي بن أبي طالب خيره بين أمه وعمه علي أن العم له مدخل في الحضانة.
فإذا قلنا بهذا م يكن حد من الأبوين والجد والجدات، فإن كان الولد ذكرًا بدفع إلي الأقرب فالأقرب من العصبات وأولادهم، سواء كان الأقرب ذكرًا أو أنثي، وإن كان الولد أنثي نظر في العصبة، فإن كان محرمًا لها لم تسلم إليه وإنما تسلم إلي من يدلي به من الإناث، مثل أن يكون ابن عم وله بنت فتسلم إلي بنت ابن العم، فإذا اجتمع ذكر وأنثي مثل ابن العم، وابنة العم، فإن الولد يسلم إلي ابنة العم دون ابن العم؛ لأنهما إذا استويا في الدرجة قدمت الأنثى علي الذكر لكمال حضانتها علي ما ذكرنا فيما تقدم، وعلي ما ذكرنا إذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبيات؟ وجهان، وأما يدلي بالأب فلا يخير بينهن وبين الأب، وإن أدلين بالأم كالخالات ففي تخييره بين الأب وبينهن وجهان، وفي تخييره بين سائر العصبات، وبين سائر النساء سوي الأمهات ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تخير والعصبات أحق.
والثاني: لا تخير ونساء القرابات أحق.
والثالث: تخير بين عصابته ونساء قراباته إذا تساوي درجتهم فإن استوي اثنان من عصبته كأخوين أو اثنتان من قراباته كالأختين فيه وجهان:
[ ١١ / ٥٢٦ ]
أحدهما: يخير بينهما.
والثاني: يقرع بينهما ولا يخير.
وقيل: إن كانت العصبة ابن العم لا تخير الجارية بينه وبين الأم إذ لا يحل له الخلوة بها، قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا تشتهي مثلها فحينئٍذ هو كالغلام يخير بين أمه وبينه أيضًا وهذا غريب.
مسألة:
قال: " وإِذَا أَرادَ الأَب ُأَنْ يَنتْقَل عَنِ الَبلَد الَّذي نَكَحَ بِهِ المَرأَةَ كاَنَ بَلَدهُ أَوْ بَلَدَها فَسَوَاءٌ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضي أن الأب إذا أراد أن يتقبل إلي بلد آخر، فإن الأب أحق بالولد [ق ٢٣٥ ب] من الأم. قال الشافعي: " موضعًا كان أو كبيرًا" وأراد به سواء كان طفلًا أو قد بلغ الحد الذي يخير بين الأبوين، فإن الأب يكون أحق به، إلا أن يريد أن ينتقل إلي بلدٍ غير مأمون من النهب والغارة فتكون الأم أحق به، وهذا لما ذكرنا أن الأنساب لا تبقي ولا تجئ بالأمهات، وإنما يجئ بالإباء، وربما يتطاول الزمان بعد نقله فيندس نسب الولد ويخفي، والنسب إذا اندرس أضر بالولد والوالد جميعًا، ولا فرق بين أن تكون البلدة التي نكحها بها بلدة مقامها أو غير ذلك خلافًا لأبي حنيفة، حيث فصل بين أن ينكحها في بلدها وبين أن ينكحها في غير بلدها، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرًا كان أو أنثي؛ لأنها في الحاجة إلي النسب سواء، وقد ذكرن أنه لو أراد الخروج للتجارة أو النزهة فالأم أحق وليس له أن يحمل الولد معه؛ لأنه لا يندرس به النسب، وإن اختلفا فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: تريد التجارة فالقول قول الأب؛ لأن المرجع في ذلك إلي عزيمته وقصده، وهو أعلم بذلك، ويلزمه اليمين لتعلقه بسقوط حقها من الحضانة.
وقال القفال: القول قوله بلا يمين؛ لأنه أمر في المستقبل، والصحيح ما ذكرنا. وكل موضع قلنا: الأب أحق ويبطل حق الأم/ من الحضانة، فلو قالت الأم: أنا أنتقل إلي ذلك البلد أو عاد الأب إلي بلدها كانت علي الحضانة.
ثم قال الشافعي: "وكَذلِكَ العَصْبةُ".
ومعناه إذا لم يكن للوالدات كان له عصبة من جانب الأب وأراد العصبة النقلة
[ ١١ / ٥٢٧ ]
واستيطان بلدة أخري، فالعصبة أولي بالولد من الأم؛ لأن الأنساب مع العصبات أبقي وأحب، وهذا يدل علي أن الشافعي رحمة الله جعل للعصبات حظًا في الحضانة بخلاف ما حكيناه عن أبي إسحاق.
[ف ٢٣٦ أ] مسألة:
قال: "وَلاَ حَقَّ لِمَنْ لمَ تَكْمُلْ فِيِه الحُريَّةُ فِي وَلَدِ الحُرَّ".
من لم يكمل حريته بأن يكون بعضه حرًا وبعضه مملوكًا حكمه حكم العبد القن؛ فإنه إن كان مملوكًا فالأب الحر لا حق له فيه أيضًا، وقد ذكرنا أنه إذا كان الولد حرًا والأم مملوكة دون الأب فحضانته لأبيه الحر، وإذا كان الولد مملوكًا فحضانته لسيده، والأولي لسيده أن يسلمه إلي أمه، وهل يجوز أن يسلمه إلي غيرها وجهان:
أحدهما: له ذلك لأنه ملكه يفعل به ما يشاء.
والثاني: ليس له لأنه تفرقة بين الأم وولدها.
وقال في "الحاوي": إذا كان الولد مملوكًا وأبواه حرين لا كفالة لهما بعد السبع لرق الولد، وفي استحقاق الأم لحضانته في السبع رضيعًا أو فطيمًا وجهان:
أحدهما: تستحقها لفضل حنوها وعجز السيد عنها.
والثاني: لا تستحقها لأن المملوك لا تثبت عليه ولاية لغير سيده.
وإن كان الولد وأمه مملوكين، فلو كانت الأم مملوكة لغير سيده لا حق لها في حضانته، وإن كانت لسيده لم يجز أن يفرق بينهما في حال صغره، وهل تصير بالمنع من التفرقة بينهما مستحقة لحضانته؟ وجهان:
أحدهما: يستحق، لأن المنع من التفرقة بينهما، قد جعلها أحق به من غيرها.
والثاني: لا تستحقها لأن ثبوت الرق عليها مانع من ولايتها.