مسألة: قال: "قالَ: وروي عن رسولِ الله ﷺ أنهُ لاعنَ بينَ الزوجينِ على المنبرِ".
الفصل
جملته أن اللعان لا يصح إلا بحضرة الحاكم لأنه يمين ولا يصح يمين المتداعيين إلا بحضرة الحاكم. وأيضًا اللعان الذي كان في الشرع إتيان هلال بن أمية [١٩٤/ أ] ولعان العجلاني وكلاهما كان بحضرة الرسول ﷺ فإذا تقرر هذا فاللعان يغلط أربعة أشياء؛ باللفظ، والمكان، والزمان، والجمع أما باللفظ وهو أن يأتي كل واحد منهما بأربع شهادات؛ بالله وحكمه اللعن أو الغضب على ما نطق به الكاتب وهذا شرط بلا خلاف. وأما المكان فهو أن يلاعن فهو أن لاعن في أشرق البقاع، فإن كان بمكة ففي المسجد الحرام بين البيت والمقام، وقيل بين الركن والمقام وكلاهما واحد، قال القفال: أحلف في الحجر وهذا لا بأس به ولكنه غير مشهور، وإن كان في المدينة قال الشافعي: هاهنا على المنبر، وقال في موضع آخر: عند منبر رسول الله ﷺ.
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: هذا على اختلاف حالين فالذي قال على
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
المنبر أراد إذا كثر الناس ليراه الناس، والذي قال: عند المنبر إذا قل الناس، وقال ابن أبي هريرة، يلاعن عند المنبر لا على المنبر بكل حال لأن في صعودهما على المنبر إعظام لهما ولا يجوز ذلك؛ لأنهما فاسقان أو أحدهما والذي قال على المنبر معناه عند المنبر كما يقال: حلف على المصحف يعني بالمصحف وهذا لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وأما ما رواه الشافعي بإسناده عن النبي ﷺ أنه لاعن بين زوجين على المنبر قيل: رسول الله ﷺ كان على المنبر قاعدًا والمتلاعنان بين يدي المنبر ويؤمر الحاكم لأن بهذا وقيل: معناه أمر الملاعن بأن يصعد المنبر والرسول ﷺ كان جالسًا عند المنبر فصعد العجلاني المنبر ولاعن ثم نزل وصعدت المرأة المنبر ولاعنت ويؤمر الحاكم الآن بهذا.
قال القفال: وهذا أصح [١٩٤/ ب] لأنه رثي على عثمان ﵁ أن يحلف على المنبر فأبى أن يحلف وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمينه. وإن كان في بيت المقدس ففي موضع الاختيار من مسجدها وجهان؛ أحدهما: عند الصخرة وهو المشهور لأنها أشرف بقاعه، وقال أبو حامد وجماعة: يكون على المنبر أو عنده لأنه أخص بالشهرة، وإن كان في سائر البلاد ففي جوامعها عند المنبر لأنها أشرف البقاع، ومن أصحابنا من قال: لا يختص بالمنبر في سائر البلاد لأنه لا مزية لبعض المسجد على بعض في سائر البلاد ويخالف المدينة لأن النبي ﷺ قال: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" ذكره في "الشامل" ولم يذكره خلافًا وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف عند منبري هذا يمين إن وجبت له النار". وروى جابر ﵁ يتبوأ مقعده من النار فخص منبر لنفسه، وأما التغليظ بالزمان فهو أن يحلف بعد العصر، قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وقيل في التفسير: أراد بالصلاة هاهنا صلاة العصر.
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم رجل حلف يمين على مال مسلم فأقطعه، ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر لقد أعطى بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء. فإن الله تعالى يقول: "اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله. قال القفال: ويؤكد يوم الجمعة إن لم يكن في تأخيره إلى يوم الجمعة ضرر فيحلف بعد صلاة العصر من يوم الجمعة لأن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ [١٩٥/ أ] أنه قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله شيئًا إلا
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
أعطاه"، فقال كعب الأحبار: إنها الساعة بعد العصر فقال أبو هريرة: كيف تكون بعد العصر وقد قال: "لا يوافقها عبد مسلم يصلي"، ونهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فقال كعب: أليس قال النبي ﷺ: "إن العبد في الصلاة ما انتظر الصلاة".
وأما التغليظ بالجمع أن يجمع لها طائفة من الرجال العدول أقلهم أربعة ليثبت بشهادتهم وهذا لقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: ٢]، فلما كان الحد يستحب أن يكون بحضرة طائفة تستحب أن تكون بحضرتهم. وقيل في التفسير: أراد بالطائفة هاهنا أربعة، ولأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد الساعدي ﵃ حضروا اللعان عند رسول الله ﷺ على حداثة منهم والصبيان لا يحضرون المجالس إلا تابعين للرجال فدل أنه حضر جماعة من الرجال وتبعهم الصبيان ولأن اللعان مبني على التغليط المردع والزجر وفعله عند الجمع أبلغ في الردع، وأما التخصص بالأربعة فلأن شهود الزنا أربعة فلذلك هذا يخص بالأربعة.
فإذا تقرر هذا فلا يختلف المذهب أن التغليظ في اللفظ بالتكرار واجب هاهنا على ما ورد في سائر الدعاوى توكيد الإيمان باللفظ فيؤمر أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ونحو ذلك وهو إذا كانت الدعوى في غير المال أو في المال الذي بلغ نصابًا ولا يكون هذا واجبًا قولًا واحدًا، وأما التغليظ بالزمان والجمع لا يجب قولًا واحدًا بل يستحب ذلك، وأما التغليظ بالمكان فيه قولان؛ أحدهما: أنه مستحب كالزمان والجمع [١٩٥/ ب] والثاني: أنه واجب حتى لو أخل به يعاد اللعان لأن النبي ﷺ غلظ بالمكان وعدد الإيمان فكما وجب أحدهما كذلك الآخر، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان والزمان والجمع وهذا غلط؛ لما ذكرنا. وقال القفال في التغليظ بالزمان: هل يجب أم لا؟ قولان أيضًا وهذا غير مشهور، وقيل في التغليظ بالجمع: بل يجب قولان أيضًا وليس بشيء وعلى ما ذكرنا لو امتنع الرجل أو المرأة من اللعان في الموضع المغلظ هل يجعل ناكلًا؟ قولان بناء على القولين في الوجوب.
مسألة: قال: "ويبدأ الإمام فيقيمُ الرجلُ قائمًا والمرأة جالسةً".
الفصل
السنة أن يتلاعنا قائمًا وهو نوع تغليظ فيقوم الرجل والمرأة جالسة فتلاعن، وإن لاعن قاعدًا مع القدرة أساء ويجزيه، فإذا فرغ الرجل وأرادت المرأة اللعان قامت والتعنت والرجل جالس هكذا روي في قصة هلال وهذا لأن القصد به الردع والزجر، رجاله القيام أبلغ من الردع والزجر ولأنه عند القيام إلي سماع الناس أقرب فكان أولى.
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
واعلم أنه يشترط فيه الترتيب فيلاعن الرجل أولًا ثم تلاعن المرأة فإن لاعنت قبل لعانه لم يعتد به وتؤمر أن تلاعن بعده، قال الشافعي: فإن حكم الحاكم بصحة لعانها قبل لعانه نقضت حكمه وهذا لأن الله تعالى بدأ بالرجل في اللعان.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن بدأت باللعان جاز ويعتد به وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، فجعل لعانها إدراء العذاب عنها. وقبل لعانه لم يجب عليها شيء بالإجماع ولأن اللعان يمين أو شهادة ويجوز تقديم واحد منهما على وقته. واختلف أصحابنا فيما ذكر الشافعي نقضت حكمه أنه لأي سبب (١٩٦/ أ] ينقض، فقال بعضهم: ينقص لمخالفة النص، وقال أبو حامد، لمخالفة قياس لا تحتمل غيره وهو ما ذكرنا.
واختلف من قال: بالنص على وجهين، أحدهما: نص التنزيل الذي ذكرنا من التعليل في درء العذاب عنها بعد وجوبه عليها. والثاني: نص السنة في قوله ﷺ: حين ابتدأ في السعي بالصفا ثم بالمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله به". وقال القفال: ومن جملة التأكيد في اللعان أن يأمر رجلًا ليضع يده على فم الزوج إذا أراد أن يذكر كلمة اللعنة، ويأمر امرأة أن تضع يدها على فم الزوجة إذا أرادت أن تذكر كلمة الغضب ويقول لكل واحد منهما: إنها موجبة أي تجب عليك اللعنة إن كنت كاذبًا ويجب عليك الغضب إن كنت كاذبة، وقد روي أنه ﷺ أمر بذلك في امرأة العجلاني فتعتعت وقالت شيئًا فسمعه من قرب منها فحكي أنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ثم مضت على يمينها، قال القفال: وفي هذا دليل على أنها تحد إذا امتنعت لأنه لا فضيحة في أن تحبس لتلاعن ويستحب أن يعظهما في ابتداء الأمر إذا حضر لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ذكرهما وقال: "إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" فقال هلال: والله لقد صدقت عليها وقالت: كذب ثم تلاعنا.
مسألة: قال: "إلا أن تكونَ حائضًا فعلى بابِ المسجدِ".
قد بينا أنه يغلظ اللعان بالمكان فإن كانت طاهرًا ودخلت المسجد ولاعنت معه، وإن كانت حائضًا لاعن الزوج في المسجد فإذا فرغ منه لاعنت المرأة على باب المسجد لأن ذلك اللعان أشرف من الحوانيت والمازل ويحضر لعانها على باب المسجد الحاكم أو خليفته مع الجماعة أقلهم أربعة على ما ذكرنا وهذا لأنه لا يجوز [١٩٦/ ب] للحائض دخول المسجد والمكث فيه لا بقدر الخصومة ولا غيرها.
مسألة: قال: "أو كانت مشركة التعنت في الكنيسة وحيث تعظم".
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
إذا كان الزوجان مشركين يلاعنان في الموضع الذي يعظمانه، فإن كانا يهوديين ففي الكنيسة، وإن كانا نصرانيين ففي البيعة، وإن كانا مجوسين ففي بيت النار وهذا لأنهم يعظمون هذه المواضع وليس فيها معصية فخلا الإمام أن يحلفهم فيها لينزجروا عن الكذب ولا نقول لهذه المواضع حرمة والمعنى في التغليظ بها ما ذكرنا ويخالف اليمين بالوثن والصم لأن ذلك معصية فلا يجوز التحليف به، وإن كانوا يعظمونه، فإن قيل: إذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع فقد شاركهما في المعصية بتعظيم هذه المواضع قيل: دخولها لا يكون معصية، وإنما المعصية في تعظيمها والحاكم لا يعظمها، وقال القفال: لا يؤكد يمين المجوسي ببيت النار لأنه لم يكن لها حرمة قبل الفسخ وإن كان الزوج مسلمًا والمرأة مشركة، فإن الرجل يلاعن في المسجد وتلاعن المرأة في البيعة والكنيسة.
مسألة: قال: "وإن شاءت المشركة أن تحضره في المساجد كلها حضرته إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام".
قال أبو حامد: أراد الشافعي في الذمية تحت المسلم طلبت أن تلاعن زوجها في المسجد يجوز ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام وإنما كان لها ذلك إذا رضي الزوج به فإن لاعن الزوج في المسجد وطلبت أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه كان عليها ذلك، وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة في كافرين فأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد كان لها ذلك لأن التغليظ [١٩٧/ أ] عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت إسقاطه كان لها ولا وبد هاهنا من رضاه في لعانها في المسجد وهذا أقرب إلى المظاهر كلامه قال المزني: إذا جعل المشركة أن يحضره في المسجد وعسى بها مع شركها أن تكون حائضًا كانت المسلمة بذلك أولى وهذا مذهبه أن الحائض لا تمنع من المسجد كالمشركة والجواب، قال بعض أصحابنا: أن عرفنا حيضها وحياتها هل يجوز لها حضور المسجد؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز. والثاني: يجوز لها ذلك. وهذا لا يصح لأن النص للشافعي فرق بينهما والمعنى ما ذكرنا في كتاب الصلاة أن المشركة لم تعتقد تعظيم المساجد حتى نطالبها بقضية الاعتقاد بخلاف المسألة فحيل بينها وبين المسجد ما دامت حائضًا.
مسألة: قال: "وإن كانا مشركين لا دين لهما تحاكما إلينا لاعن بينهما في مجلس الحكم".
إذا لم يكن لها دين من الزنادقة والدهر به وعبدة الأوثان وكانا عندنا بموادعة هدنة لا يعتقدان تعظيم المكان المخصوص لا يعتقدان صانعًا وربما يقولان بقدم الدهر فأي فائدة في يمينهما وكيف يتصور لعانهما ولا يمين لهما، قلنا: إنما يتصور ذلك لأنه ما
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
من مشرك وإن خلا في شركه إلا وهو عند رجوعه إلى نفسه يعترف بخالق خلقه وإن كان معاندًا بلسانه. قال الله تعالى: في قصة إبراهيم ﵊ حيث كسر الأصنام ﴿فَرَجَعُوا إلى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤ - ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] [١٩٧/ أ] في آيات كثيرة، وأيضًا نأمرهم بذلك، وإن لم يعتقد تعظيمه لما يتعلق به من الأحكام في شريعتنا مثل نفي النسب والفرقة الحد وترجو أن تلحقهما سوء الكذب في اليمين الكاذبة. قال ﷺ: اليمين الغموس تدع الديار من أهلها بلاقع، واللعن إلى مثلها أقرب منه إلى المسلم الكاذب. وصورة يمينه في سائر الدعاوى أن يقول: بالله الذي خلقني ورزقني ذكره أبو حامد وهو حسن، وقول اليهودي: في لعانه أشهد بالله الذي أنزل التوراة على موسى. ويقول النصراني: أشهد بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. وفي غير اللعان من الأيمان يقولان مثله.