مسألة:
قال: "وَإذَا تَزَوَّجَتْ فِي العِدَّةِ وَدَخَلَ بهَا الثَّاني فإَنَّهَا تَعْتدُّ بَقيَّةِ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قد بيَّنا أنه لا يجوز للمعتد أن تنكح إلا بعدة انقضاء العدة لقوله تعالي: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرةَ: ٢٣٥] والنهي يدل علي الفساد، فإن نكحت بطل النكاح، ولا يتعلق بهذا العقد شيء من أحكام النكاح بحالٍ، فإن كانا عالمين بالتحريم عزرا لأجل النكاح، ولكن لأنهما ارتكبا أمرًا محظورًا وإن أحدهما عالمًا ولآخر جاهلًا عزر الجاهل وعزر العالم.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا انقضت العدة لا تجوز لمن تزوجها في العدة فلاق بينهما أن يتزوجها ثانيًا وهي محرمة عليه ما لم تنكح غيره، وهذا مذهب غريب وعندنا لا تنقطع عدتها بنفس النكاح بحالٍ. نص عليه الشافعي في موضعين.
وقال أبو بكر القفال ألشاشي: تنقطع عدتها بنفس النكاح وتصير به فراشًا للثاني أيضًا، حتى لو أتت بولدٍ لستة أشهر فصاعدًا من وقت عقد النكاح فهو كما لو أتت به لستة أشهر من وقت العقد الصحيح، فجعلها بالعقد الفاسد فراشًا كما بالعقد الصحيح. واحتج بأن، العقد الفاسد يسلك به (ق ١١١ أ) مسلك الصحيح، وخالفه سائر أصحابنا، وقالوا: هذا وجه لا يحكي ولا وجه له لأنه فاسد فيلغي ولا حكم. فإن قيل: أليس قلتم لو راجع زوجته في العدة انقطعت العدة فقولوا: إذا نكحت انقطعت العدة. قيل: الفرق أن الرجعة صحيحة مبيحة فتصير به فراشًا وتنقطع بخلاف هذا العقد.
فإن قيل: أليس الرجعية إذا تزوج في عدتها انقطعت نفقتها وسكناها بهذا النكاح، فهلا قلتم تنقطع عدتها به أيضًا، قيل: الفرق أنها إذا تزوجت فقد نشرت والنشوز يقطع النفقة والسكني كما في حالة النكاح، بخلاف العدة فإنها لا تنقطع بالنشوز بدليل أ، ها لو تركت الإحداد والسكون في البيت لا تنقطع العدة فلهذا لا تنقطع بنفس النكاح ما لم يوجد حقيقة الوطء.
فإن قيل: لو خالعها، ثم تزوج بها في عدتها، تنقطع العدة بنفس النكاحٍ فكذلك ههنا. قلنا: سَلمهُ أكثر أصحابنا، والفرق صحيح فتصير المرأة فراشًا تنقطع العدة بخلاف هذا العقد.
[ ١١ / ٣٤٦ ]
وحكي عن ابن سريج أنه قال: عدتها لا تنقطع إلا يوطئه كما لو تزوجها غيره في العدة لم تنقطع إلا يوطئه، وهذا غلط، وألف ق ظاهر.
فإذا تقرر هذا فإنَّا نفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول تكمل مدة الأول ولا كلام، وإن كان بعد الدخول، فإن كانا عالمين بالتحريم غلوطء زني؛ لأن النكاح في العدة مجمع علي تحريمه ولا تنقطع به عدتها؛ لأنها لم تصر فراشًا للواطئ. وكذلك إن كان الزوج عالمًا بالتحريم دونها، وإن كانا جاهلين بالتحريم لقرب عهدهما بالإسلام، أو نشأ في بادية نائية، أو كان الزوج جاهلًا دونها انقطعت تلك العدة؛ لأنها صارت فراشا للثاني. ومتى تعود إلي العدة فقد ذكرنا أن الصحيح أنها تعود عقب التفريق.
وقال بعض أهل خراسان: تعود عند آخر وطئ الثاني، ثم يلزمها أن (ق ١١١ ب) تعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني، ولا تتداخل العدتان من رجلين علي ما ذكرنا، وبه قال أحمد خلافًا لأبي حنيفة، وعن مالك روايتان، واحتج الشافعي في ذلك بقول عمر، وعلي ﵄، واستأنس بقول عمر بن عبد العزيز، والمزني ذكر قول عمر بن عبد العزيز في عزلته الاحتجاج ولا حجة في قوله، وإنما الحجة في قول الصحابة فلعل الشافعي أراد الاحتجاج بقول عمر، وعلي ثم أبعهما عمرين عبد العزيز لا علي جهة الاحتجاج، ثم احتج الشافعي بالقياس، فقال: فقال " لأن عليها حقين بسبب الزوجين وكذلك كل حقين لزممها من وجهين" يعني لو لزممها دينان لرجلين لم يتداخلا فالغدتان يجريان مجري دينين وتحريره أنهما حقان مقصودان لرجلين فلا يتداخلان كالدينين لرجلين، أو حقان لآدميين يتعلقان بالواطئ فلا يتداخلان كالمهرين لا مرآتين، وتمام ما روي عن عمر ﵁ ما روي أن طلحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ألبته. فنكحت في آخر عدتها فضربها عمر ﵁ وضرب زوجها بالمخففة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول [وكان خاطبًا من الخطاب، فإن كان دخل بها فرق بينهما] ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا وروي أبي عمر أن عليا ﵁ قضي في التي تزوج في عدنها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من العدة للأول وتعتد من الآخر.
وقال الشعبي: أتي عمر بامرأة تزوجت في عدتها فأخذ مهرها فجعله في بيت المال، وفرق بينهما [وقال: لا يجتمعان وعاقبهما، فقل علي: ليس هكذا، ولكن هذه
[ ١١ / ٣٤٧ ]
الحالة من الناس، ولكن يفرق بينهما ثم تستكمل بقية العدة من الأول، ثم تستقبل عدةً أخري ولها المهر بما استحل من فرجها فحمد الله عمر وأثني عليه. وروي مسروق أن عمر ﵁ (ق ١١٢ أ) رجع عن ذلك وجعل مهرها وجعلهما يجتمعان.
مسألة:
قال: "وَلَوْ اعْتِدَّتْ بحَيْضَةٍ، ثُمَّ أَصَابَها الثاَّنِي فَحَمَلَتْ وَفَرَّقَ بَينْهُمَا اعْتَدَّتْ بالحَمْل، فَإِذَا وَضَعَتْهُ لأَقَلَّ منْ سَّتةِ أَشْهُرٍ منْ يوْمِ نَكَحَهَا الآَخرُ فَهُوَ مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قوله: "مِنْ يَومْ نَكَحَهَا لآخَرُ" أي من يوم وطئها الآخر، لأن بالنكاح الفاسد لا تصير فراشًا علي ما ذكرنا والاعتبار بالوطء، وإنما يخبر عن الوطء بالنكاح؛ لأن الوطء في اللغة يسمي نكاحًا، أو لعله صور المسألة في رجل عقد عليها النكاح الفاسد وأصابها تعقيب العقد من غير أن يطاول الزمان بين العقد والوطء، فذلك ذكر العقد. وهذا كما قال في كتاب " العيدين" لا يزال الناس يكبرون في المصلي حتى يفتتح الإمام الصلاة.
وقال في موضع حتى يخرج الإمام، وأراد حتى يفتتح الإمام الصلاة ولكن خروج الإمام إلي المصلي وافتتاحه في زمان واحد، فإن السنة أن لا يشتغل إذا انتهي إلي لبصلي بشيء سوى الافتتاح، فلما تقارب الخروج والافتتاح استخار الشافعي في أن يعبر في موضع بالخروج، وفي موضع آخر بالافتتاح لا علي قصد القولين، فكذلك ههنا صور في الزمان المقارب. وجملته أنه إذا وطئها الثاني فإنها تصير فراشًا للثاني بهذا الوطء وهي فراش بالنكاح، ولا يخلو بعد التفرق بينها وبين الثاني من أن تكونن حاملًا أو حائلًا، فإن كانت حاملًا فعدتها لإقراء أو بالشهور فتكمل عدة الأول، ثم تعتد من الثاني، وإنما قدمنا عدة الأول لأنها سابقة، وأنها وجبيت عن وطء متاح ثم للأول أن يراجعها في بقية عدتها منه، وإذا راجع سقطت عنها عدتها منه وشرعت في عدة الوطء بالشبهة ويجتنبها الزوج حتى تفرغ، وإن كانت بائنًا. قال أب حامد (ق ١١٢ ب) وجماعة: لا يجوز له إن ينكحها بخلاف الرجعة؛ لأن النكاح إنما يجوز فيمن تحل منها تعقيب العقد شئ ولا تحل هذه لزوجها تعقيب العقد لمكان عدة الثاني وهي كالمحرمة لا يحل نكاحها.
قال: فإن قيل: لو كانت البقية بقية عدته ينفرد بها كان له العقد عليها فيها. قيل: إنما يجوز ذلك إذا لم يكن عليها فير عدته. قال: ورأيت كثيرًا من شيوخ المذهب يقول
[ ١١ / ٣٤٨ ]
في تلك البقية معتدة عن الأول والثاني معًا، ثم تستأنف للثاني عدة وهذا بعيد لا يحكي.
وقال القفال: ظاهر المذهب أن له أن ينكحها، ومن صحابنا من قال: لا ينكحها بخلاف الرجعة لما ذكرنا، وهذا غلط علي ما ذكرنا، وإن لم يراجعها الأول حتي انقضت عدتها منه فالثاني أن ينكحها في عدتها منه، فإن كانت حاملًا فالكلام في ثلاثة أحكام في حكم النسب والعدة والرجعة، فإن أتت بولد لوقت يمكن أن يكون من الأول ولا يمكن أن يكون من الثاني علي ما تقدم بيانه يلحق بالأول وعدتها منه، فإذا وضعت استأنفت للثاني ثلاثة أقراء، فإن كان الطلاق بائنًا فلا رجعة له عليها، وإن رجعيًا فله الرجعة مالم تضع؛ لأنها في عدته، فإذا وضعت انقطعت رجعته وليس له مراجعتها وليس في مدة اجتماعها مع الأول لأنها خارجة فيها من عدةٍ وفراش لغيره، فإن راجع فيها كانت الرجعة باطلة. وقال في "الحاوي": له حين الرجعة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم وقت [الرجعة] بتقدم حملها علي الوطء الثاني فرجعته صحيحة علي ما ذكرنا لعلمه بأنها في عدته.
والثانية: أن يعلم يحملها وقت رجعته ولا يعلم تقدمه علي وطء الثاني ففي صحة رجعته وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب يصح لأنها صادفت مدة عدته.
والثاني: لا يصح، لأن الحمل قبل وضعه مشتبه الحال متردد بين أن يكون (ق ١١٣ أ) منه فيمللك فيه الرجعة، وبين أن يكون من غيره فلا يملكها فصار شاكًا استحقاقها فيه فبطلت.
والثالثة: أن يراجعها وهو غير عالم بحملها، فإن كان قبل أن يمضي عليها بقية عدته صحت، وإن كان بعد مضيها لم يصح اعتبارًا بالظاهر من انقضائها، وإن كانت في الباطن باقية فيها وصارت رجعية مع اعتقاده انقضاء العدة عبثًا منه، إن وافقت زمان العدة، وإن أتت به لوقت لا يمكن أن يكون من الأول ويمكن أ، يكون من الثاني يلحق بالثاني وتنقضي عدتها به عن الثاني، ثم تكمل بعد الوضع بقية عدة الأول، فإن كان الطلاق رجعيًا، وقلنا إنه كالطلاق البائن من أن مدة أكثر الحمل في حقها تكون من وقت الطلاق لا من وقت انقضاء العدة، فله الرجعة في يبقيه عدتها منه بعد الوضع وجها واحدًا، وإن كانت في مدة النفاس؛ لأنها وإن كانت لا تعتد بمدة النفاس من العدة فهي من جهة العدة كالحيض الذي وقع فيه الطلاق. وهل له أن يراجعها قبل الوضع؟ قد ذكرنا وجهين.
قال صاحب "الحاوي" الصحيح أنه لا يجوز لأنها معتدة من غير وذكر وجهًا عن بعض أصحابنا أنه لا يجوز في مدة النفاس لأنها غير معتدة في هذه الحالة منه، قال: والصحيح عندي ههنا أنه يجوز، وهذا غريب، وإن أتت به لوقتٍ لا يمكن أن يكون
[ ١١ / ٣٤٩ ]
لواحد منهما فهو منتفٍ عنهما ولا تنقضي به عدة واحد منهما فتكمل بعد الوضع عدتها من الأول ثم تستأنف للثاني عدة كاملة،
وقال أبو حامد: عندي أنها تعتد به عن أحدهما لا بعينه؛ لأنه يمكن أن يكون منه بدليل أنه لو أقر به لحقه. فعلي هذا إذا وضعت اعتدت بثلاثة أقرأ احتياطا، وإن رأت علي الحمل دمًا، وقلنا: أنه حيض، فإن قلنا بقول أبي حامد لم يعتد بإقرائها لئلا (ق ١١٣ ب) تتداخل عدتان في حق شخصين.
وإن قلنا بقول الجمهور فهل تحتسب بإقرائها من العدة؟ وجهان:
أحدهما: لا تحتسب، لأنها لم تعتد بالحمل فبالإقراء التي علي الحمل أولي.
والثاني: تحتسب، لأنه إذا سقط حكم الحمل في العدة ثبت فيها حكم الإقراء، كما تعتد بها مع الحمل إذا كانت العدتان معًا من صاحب الحمل علي ما تذكر، فعلي هذا إن مضت لها في مدة الحمل خمسة أقراء انقضت عدتها إذا كان بقي من الأول قرءان.
وأما الرجعة فهي للأول من طلاقه الرجعي واستحقاقها معتبر بالحمل في سقوط أحدي العدتين به، فإن قلنا تسقط به أحدي العدتين فلا رجعة للأول في زمان الحمل، ولا في زمان الإقراء بعد وضع الحمل؛ لأن كل واحد من الزمنين قد يجوز أن يكون من عدة الأول، فصار كل واحد منهما مشكوكًا في استحقاق الرجعة فيه فلم يجز أن يستحقها بالشك، ولو جمع بين رجعتها في الحمل ورجعتها في القرءين بعد الحمل إتمام صحة رجعته وجهين:
أحدهما: يصح لمصادفة إحداهما زمان العدة.
والثاني: ليصح، لأنه لما لم يتعين في إحداهما لم يصح مع إبهامها، ذكره في الحاوي. وإن قلنا بالحمل لا تسقط أحدي العدتين وأنها بالإقراء فعدة الأول مقدمة علي عدة الثاني سواء اعتدت بإقرائها علي الحمل أو لا، ويجوز له أن يراجعها في الباقي من أقراء عدته، وفي جواز رجعتها في الحمل وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها غير معتدة به منه.
والثاني: يجوز، وإن لم تعتد به كالحيض ولا يجوز للثاني أن يتزوجها في عدة الحمل ولا [في عدة] الأول ويجوز له أن يتزوجها في عدته.
وإن أتت به لوقت يمكن أن يكون من كل واحد منهما أريناه القافة علي ما ذكرنا، فإن لم يكن قافة أو أشكل علي القافة.
قال الشافعي: ههنا "لا تكون بائن واحد منهما" ومعناه لا تكون بائن واحد منهما
[ ١١ / ٣٥٠ ]
بعينه [ق ١١٤ أ] وإلا فهو ابن أحدهما بغير عينه.
واعلم أن قول الشافعي: " فإن لم يكن قافه" يريد به في موضوع الولد المتنازع فيه وما قاربه إلي مسافة قل من يوم وليلة، ولم يرد أن لا يكونوا في الدنيا لأنهم لا يخلون من الحجاز. ولا يلزم إذا بعدوا أن يحمل الوالد إليهم ولا أن يحملوا إليه كالشهود والولي الغائب فيجري مجري العدم، فإن تكلفوا إحضارهم بجوز.
وقال أيضًا: لو مات قبل أن يري القافة أو ألقته ميتًا فلا يكون ابن واحد منهما وأجري حكمه إذا مات قبل أن تراه القافة حكم ما لو لم تكن قافة، وظاهره أنه لا يري القائف بعد الموت.
وأختلف أصحابنا في هذا، فقال عامة أصحابنا: الولد الميت لا يري القائف وهو ظاهر النص؛ لأنه الشبه الخفي والدلائل الغامضة والحلية بطلت بالموت.
وقال أبو إسحاق: يري لقائف ما لم يتغير؛ لأن الشبه قائم بعد الوفاة، قال ومعني الشافعي لم يذكر الدفن، وإنما ذكر الموت فقط.
وقال بعض أصحابنا: إذا خرج ميتًا نُظر، فإن كان موته قبل أن تستكمل أوصافه لم يحكم فيه بالقافة، وإن كان بعدتنا هي صورته فيه وجهان علي ما ذكرنا إذا مات بعد خروجه، وإن كان حكم القافه في المولود ميتًا أضعف، ولو مات المتناوعان في الولد وكان القائف يعرف الميت في حياته بحكم شبه منه.
وقال القفال: يجوز هذا الإلحاق إن كان هناك ولد، وهذا غريب.
فإذا تقرر هذا يترك الإشكال في موضوع حتي يبلغ فينتسب إلي أيهما شاء [ق ١١٤ ب]. وأما العدة فالاحتياط أن تأي بعد النفاس بثلاثة أقراء علي ما ذكرنا، وأما الرجعة، قال أصحابنا: لا رجعة للأول في الأقراء الثلاثة فإنه لا يعلم أنها في عدة منه أو في عدة من الثاني ولا تصح الرجعة بالشك، ولو أراد أن ينكحها لا يجوز للأول ما لم تنقص عدتاهما.
وأما الثاني فلا يجوز له أن يتزوجها في مدة الحمل لحق به أولا، لأنه إن لحق به فبعده عدة لغيره، وإن تزوجها في الأقراء بعد الحمل فما كان في القرءين فباطل لأنه متردد بين أن يكون من عدته، وبين أ، يكون من عدة الأول، والنكاح لا يستباح بالشك بخلاف الرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفًا خلوها العدة، والرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفًا خلوها العدة، والرجعة يجوز أن تكون موقوفة علي بقاء العدة، وإن تزوجها في القرء الثالث يجوز لأنه متردد بين أن تكون معتدة منه أو خالية من العدة، ول أراد الأول مراجعتها قبل الحمل فقد قلنا: إنه إن كان من الثاني هل للأول أن يراجعها في حال حملها من
[ ١١ / ٣٥١ ]
الثاني؟ وجهان.
فإن قلنا: له ذلك كان له مراجعتها ههنا؛ لأنه إن كان من الثاني صح، وإن كان منه فأولي بأن يصح.
وإن قلنا: ليس له ذلك وإن كان منه فقد تردد بين أن يجوز ولا يجوز فمعناه للشك، فإن خالف وراجع ينظر، فإن ألحق الولد بالثاني فارجعة باطلة وجهًا واحدًا، وإن لحق بالأول هل تصح الرجعة؟ وجهان:
أحدهما: تصح، لأنا تبينَّاأنه فعل ما كان له فعله.
والثاني: لا تصح، لأنه راجعها معتقدًا أنه لا يجوز كما لو باع مال والده الغائب، ثم بان أن كان قد مات، وقد ورثه منه هل يصح البيع قولان؟ وكذلك إن راجع بعد وضع الحمل وقلنا: ليس له ذلك راعينا الحمل، فإن كان ملحقًا بالأول فالرجعة باطلة، وإن كان ملحقًا بالثاني هل تصح الرجعة؟ [ق ١١٥ أ] فيه وجهان، وإن كان ذلك في القرء الثالث بعد الوضع فالرجعة باطلة بكل حالٍ؛ لأنه إن كان الولد ملجقًا بالأول فهي في عدة الثاني، وإن كان ملحقًا بالثاني فالذي عليها أن تكمل عن الأول بقرءين فهذا الثالث ليس بعدة منه.
وقال القفال: إن أراد أن تصح رجعته يلزمه أن يراجعها مرتين مرة بعد وضع الحمل في القرءين ومرة قبله، وإن كانت بائنًا فنكحها مرتين علي هذه الصورة هل يصح النكاح؟ وجهان، إذا جوزني له أن ينكحها وعدة الأجنبي أمامها أحدهما يجوز كالرجعة.
والثاني: لا يجوز لأنه عقد النكاح علي الشك ولا يعرف متى يجوز له نكاحها، وهذا يشبهن القولين في توقف العقد علي التبيين.
قال القفال: وهذا العرض علي القافة إذا دعياه أو أنكراه أو سكتا عن الإنكار وعن الدعوي، وإنما عرضنا عند سكوتهما لحق الولد في النسب، ولو ادعاه أحدهما وأنكر الآخر فيه وجهان:
أحدهما: هو للمدعي كالمال.
والثاني: يري القائف؛ لأن النسب حق الولد، وحق الله تعالي فلا يسقط بالإنكار ةترك اعوي. وهذا هو المشهور عند أصحابنا، والوجه الأول غريب.
فرع:
حكي يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي رحمة الله تعالي عليه، أنه قال: اختلف عمر وعلي ﵄ في ثلاثة مسائل: القياس فيها مع علي ﵁ وبقوله: أقول.
إحداها: أنها إذا تزوجت في عدتها ودخل بها الثاني تحرم هي علي الثاني أبدًا عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه وبه قال مالك، وعن أحمد روايتان وكان يقوله في
[ ١١ / ٣٥٢ ]
القديم. وعند علي ﵁ وسائر الفقهاء لا تحرم عليه التأبيد وهو قوله الجديد وهكذا الخلاف [ق ١١٥ ب] في كل وطء أفسد النسب حرمت به علي المفسد علي التأبيد مثل وطء زوجة غيره بشبهة، أو أمة غيره بشبهة في قوله القديم. ووجه هذا أنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه الله تعالي في وقته، كلميراث إذا قتل مورثه لم يرثه، ولأنه سبب يفسد النسب فيحرم به علي التأييد كاللعان ووجه قوله الجديد أن الله تعالي ذكر أعيان المحرمات، ثم قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنه لو كان مباحًا لم يحرم به علي التأبيد فكذلك إذا كان حرامًا بالزني، ولأنهم قالوا: لو كان عالمًا بالتحريم لا يحرم علي التأبيد لعلمه أنه مزجور بالحد فاستغني عن الزجر بتأبد التحريم بخلاف الحامل، فإ، الجاهل مفسد النسب فزجر عن إفساده بتأييد التحريم بخلاف العالم وهذا لا يصح، لأن العالم أشد جرمًا وبالزني يفسد النسب أيضًا، وإن لم يكن له حكم الإلحاق لزانٍ فهو بالزجر والتغليط أولي، وايضًا الوطء لا يقتضي تحريم الموطوءة علي الواطئ بل يقتضي تحريم غيرها علي الواطئ وتحريمها علي غير الواطئ فما قالوا خلاف الأصول.
وأما قولهم إنه استعجل بالحق باطل كما لو طلق امرأته ثلاثًا لا تحل له حتي تنكح زوجًا غيره، فن نكحها بعد ذلك ودخل بها لم يحرم عليه أبدًا وإن استعجل.
وأما قياسه علي اللعان لا يصح؛ لأن الوصف لا يوجد في الأصل، فإن اللعان لا يفسد النسب، ولأن الجاهل غير مفسد للنسب؛ لأنه إذا علم نسبه إلي نفسه والعالم هو المفسد لأنه أضاف ولده إلي غيره.
وقال أهل البصرة من أصحابنا: ذكر الشافعي في القديم ما ذكر حكاية ولم بعتقده مذهبًا، ومن قال: أنه ذكره مذهبًا لنفسه [ق ١١٦ أ] اختلفوا هل يكون تفريق الحاكم بينهما شرطًا في هذا التحريم المؤبد أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: لا يكون شرطًا وحرمت أبدًا سواء افترقا بأنفسهما أو فرق الحاكم بينهما كما في الرضاع.
والثاني: يكون شرطًا كاللعان مؤبد التحريم ولا يتم إلا بالحاكم.
والمسألة الثانية: امرأة المفقودة فيها قولان. قال في القديم: تأتي الحاكم حتى تضرب أكثر من الحمل أربع سنين، ثم ثانية ليفرق بينها وتعقد عدة الوفاة، ثم تحل، وبه قال عمر ﵁ وقال في" الجديد": لا تصبر أبدًا، وبه قال علي ﵁، ولفظه: إنها ابتليت فلتصبر.
والثالثة: إذا تزوجت الرجعية بعد انقضاء العدة وكان زوجها المطلق غائبًا ودخل بها الثاني، ثم عاد المطلق وأقام بينه انه راجعها قبل انقضاء عدتها، قال عمر ﵁: الثاني أحق بها، وقال علي ﵁ هي للأول وهو قولنا.
[ ١١ / ٣٥٣ ]
فرع آخر:
قال ابن أبي هريرة: المشترك إذا تزوج بمشركة في العدة ثم أصابها وأسلم يكون عليها عدة واحدة؛ لأنه لم يؤخذ علينا حفظ نسائهم، وإنما أخذ علينا حفظ نسائنا، ولهذا المعني لا نتزوج بهن في حال العدة لئلا تختلط أنسابهم بأنسابنا. قال: وهذا إذا لم يكونوا أهل عهد، فأما إذا كانوا أهل عهد فقد وجب علينا بالعهد حفظ أنسابهم فعليها أن تأتي بالعدتين جميعًا، ونقل صاحب الإفصاح: هذه المسألة واختصرها، وقال: وكذلك المشركة تزوج في عدتها بمشرك فيسلم زوجها كان عليها ثلاثة أقراء؛ لأن الماء [ق ١١٦ ب] الأول لا حرمة له، وإنما يستبرئها بالأجل حرمة الإسلام، وقال القاضي الطبري: رأيت أصحابنا المتأخرين ببغداد يذكرون في هذه المسألة وجهًا آخر أن علينا عدتين، ويقولون: لا نعلم للشافعي أن عليها عدة واحدة بل القياس علي أصله يقتضي عدتين، وقد طلبت هذ المسألة في الأم فلم أجدها، وذكر القاضي أبو علي البنديجي أن هذه المسألة مذكورة في الجامع الكبير والجواب: أنهما يتداخلان لأنه لا حرمة لماء الكافر فيجوز إبطال حقه، وهو ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من قال: لا يتداخلان وهو الأقيس؛ لأنه لو لم يكن لمائه حرمة لم تجب العدة أصلًا، وهذا أصح عندي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان، وقيل: نص الشافعي في هذه المسألة أنهما يتداخلان فقيل: المسلمة والحربية سواء ففيهما قولان نقلًا وتخريجًا ونسبوا إلي أبي حامد وهو غريب بعيد.
فرع آخر:
لو وطء رجل زوجة رجل بشبهة فدخلت في عدة الوطء، ثم طلقها زوجها قبل انقضاء عدة الوطء فيه وجهان.
أحدهما: تأتي بما بقي من عدة الوطء لتقدمها، ثم تستأنف عدة الطلاق وتسقط بها الباقي من عدة الوطء، ولا نقول: تدخل بعينها في عدة الطلاق، وهذا لأن هذه العدة طرأ علي نكاح فجاز أن يسقط حكمها لضعفها بعد النكاح لقوة النكاح، ولأن هذه العدة وجبت عن وطء محظور، والعدة الثانية وجبت عن وطء مباح فكانت الثانية أقوي فزاحمتها، وقيل: هذا اختيار أبي إسحاق، ومثل هذا ذكره صاحب الحاوي، وقال القاضي الطبري، قال أبو إسحاق: تقدم عدة الزوج فاعتدت بثلاثة أقراء، ثم أكملت عدة الواطئ بالشبهة وكذا ذكره. [ق ١١٧ أ] أبو حامد من أحد الوجهين وهذا أقيس.
فرع آخر:
إذا زوج أمته من رجل فطلقها بعد الدخول بها وجبت عليها العدة، فإن باعها في زمان عدتها من رجل صح البيع لأنه ليس فيها أكثر من تحريم الاستمتاع، ويجوز شراء
[ ١١ / ٣٥٤ ]
أمة لا تحل له كالأخت من الرضاعة ولا يصح أن يتزوجها؛ لأن المقصود من النكاح الاستمتاع فلا يجوز علي محرمةٍ الاستمتاع، والمقصود من البيع الثمن وهذه مباحةً الثمن فافترقا، فإذا ثبت أن البيع صحيح فإن البيع كان المشتري عالمًا بحالها لم يكن له الخيار، وإن لم يعلم ثم علم بعد العقد فله الخيار إن شاء رد البيع وإن شاء أجازه، كما لو وجدها مزوجة كان له الخيار، فإن أجاز البيع فعليه أن يستبرئها بعد انقضاء العدة. نص عليه في الإملاء لأنهما وجبا لسببين مختلفين، فإن العدة تجب الوطء، والاستبراء باستحداث الملك دون الوطء فلم يجز أن يتداخلا، ولو زوج أم ولده فوطئها زوجها، ثم طلقها فانقضت عدتها جاز لسيدها وطئها من غير الاستبراء نص عليه؛ لأن السيد لم يزل ملكه عنها وإنما حرم عليه وطئها لعارض، فإذا زال حلت، كما لو رهنها قبل انفكاكها من الرهن لم يجب عليه أن يستبرئها.
فرع آخر:
لو اشتري رجل من رجل جارية لم يطلقها فعليه أن يستبرئها بقرء لحدوث ملكه، فإن باعها قبل أن يستبرئها يلزم الثاني أن يشتريها بقرء لحدوث ملكه عليها فإن قيل: فقد تداخل الاستبراءان من رجلين قلنا: هذا الاستبراء يجب لحدوث الملك ويسقط بزوال الملك، فلما زال الأول ملكه قيل: الاستبراء سقط ولزم الثاني أن يستبرئها بقرٍ واحدٍ. ولهذا قال أصحابنا: إذا اشتري جارية لم يطأها مولاها ثم أعتقها قبل أن يستبرئها سقط الاستبراء [ق ١١٧ ب].
فرع آخر:
لو وطء الشريكان جارية مشتركة بينهما كان عليها أن تستبرئ نفسها من كل واحد منهما بقرءٍ ولا يتداخلان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يكفي قرء واحد عنهما. والفرق أن العدة لوطء قد مضي والاستبراء لوطء في المستقبل، بدليل أنه لو اشتري أنته من امرأة يلزم الاستبراء، وهذا ضعيف لأن أصل الاستبراء، وإن كان للوطء في المستقبل، ولكن من هذه الصورة للوطء الماضي فلا فرق.
فرع آخر:
إذا وجبت العدتان لرجل واحد مثل إن طلق امرأته طلاقًا رجعيًا ثم وطئها يلزمها استئناف العدة، ثم لا يخلو إما أن تكون حائلًا، ففإن كانت حائلًا لا يخلو إما أن يحلبها بهذا الوطء أو لا يحبلها به، فإن لم يحبلها فعليها عدة الوطء ثلاثة أقراء وإكمال عدة الطلاق تمام ثلاثة أقراء، وتدخل إحدى العدتين في الأخرى لأنهما عدتان لرجل من جنس واحد فيتداخلا، وإن كان قد اختلفا فقد وجبت عليها عدتان: عدة الوطء بالوضع
[ ١١ / ٣٥٥ ]
وعدة الطلاق بالأقراء، فهل تتداخل العدتان؟ وجهان:
أحدهما: لا يتداخلان لأنهما جنسان مختلفان كحد الزني وحدّ الشرب.
والثاني: يتداخلان لأنهما عدتان من رجل واحد كما لو كانتا من جنس واحد، فعلي هذا تنقضي كلا العدتين بوضع الحمل وتدخل الأقراء كلها في زمان الحمل؛ لأناَّ
نتيقين بوضعة براءة الرحم وله أن يراجعها في زمان الجمل، وعلي هذا قال اصحابنا: لو زني بطرًا ثم زني ثيبًا هل يتداخل الحدان؟ وجهان:
فإذا قلنا: لا يتداخلان فإذا وضعت ولم نرقي زمان الحمل دمًا فإنها تأتي ببقية عدتها بعد وضع الحمل وانقضاء نفاسها فله الرجعة في الباقي من أقراء الطلاق بعد وضع الحمل وعليه النفقة، وفي مراجعتها ووجوب نفقتها قبل وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لا تجوز الرجعة [ق ١١٨ أ] ولا تحب النفقة لأنها عدة من وطء شبهة، فعلي هذا إن وطئها في الحمل حُدَّ.
والثاني: تجوز الرجعة وعليه النفقة؛ لأنه لما تعقب الحمل عدة الطلاق جرى علي مدة الحمل أحكام عدة الطلاق، فعلي هذا إن وطئها في الحمل لم يُحدّ.
وإن رأت الدم قبل الحمل. فإن قلنا: لا يكون حيضًا فالحكم علي عدتها إذا لم تر الدم أصلًا.
فإذا قلنا: يكون حيضًا اعتدت بالأقراء علي الحمل من عدة الطلاق وبوضع الحمل من عدة الوضع، فإن سبق وضع الحمل أفضت به عدة الوطء وأتت بالباقي من أقراء الطلاق وحكم الرجعة والنفقة علي ما مضي، وإن سبقت الأقراء علي وضع الحمل انقضت بها عدة الطلاق وانقضت بوضع الحمل عدة الوطء، وفيه آخر أنها تحتاج أن تأتي بالباقي بعد وضع الحمل والنفاس بكل حالٍ؛ لأن زمان الأقراء علي الحمل لا يحتسب من العدة، وهذا ضعيف والمذهب الأول، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما لو طلقتها وهي حامل فحاضت عل الحمل لا تعتد بالأقراء، وإن كان الحيض صحيحًا؟ قلنا: الفرق أن هناك لا عدة عليها إلا عدة واحدة فلم تعتد إلا بالحمل الذي هو أقوي في البراءة، وههنا عليه عدتان أحدهما: بالحيل فجاز أن تكون الأخري بالأقراء التي هي علي الحمل.
وإن كانت حاملًا عند الطلاق، ثم وطئها يجب عليها به ثلاثة أقراءٍ، وهل دخل في عدة الحمل؟ وجهان علي ما ذكرنا.
فإذا قلنا: تدخل فإذا وضعت انقضت العدتان وله أن يراجعها في زمان الحمل.
وإذا قلنا: لا تدخل فإن كانت تري الدم علي الحمل، وقلنا: إنها تحيض تكون عدتها من الطلاق بوضع الحمل، وعدتها من الوطء تكون بالأقراء التي علي الحمل وحكم الرجعة (على) ما ذكرنا.
[ ١١ / ٣٥٦ ]
[ق ١١٨ ب] فرع آخر
إذا راجع الرجعية تنقطع عدتها بنفس الرجعة، وقال مالك: لا تنقطع عدتها حتى يطأها، وهذا خطأ لأن العدة حظر والرجعة إباحة فهما ضدان لا يجتمعان.
فرع آخر:
لو مات علي الرجعة وكانت تزوجت في العدة وهي حامل، وحملها يجوز أن يكون من الأول ويجوز أن يكون من الثاني ففي التوارث بينهما في عدة القرءين بعد وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لها الميراث، لأن الأصل بقاء العدة.
والثاني: لا ميراث لها لأن الميراث لا يستحق بالشك.
فرع آخر:
لو تزوج بأمٍة علي أنها حرة فوطئها علي أنه يطأ امرأته الحرة، ثم بان أنها كانت أمة تعتد بقرءين، والاعتبار بحالها لا باعتقاده؛ لأن عدة الزوجية معتبرة بحال الموطوءة دون الواطئ. وكذلك لو تزوجها علي أنها أمة فوطئها علي ذلك، ثم بان أنها حرة تعتد بثلاثة أقراء. وكذلك لو وطئت الحرة بشبهة ملم فعليها عدة مثلها ولا تنقلب عدتها إلي الاستبراء بالظن، ولو وطئت الأمة بشبهة ملك فعليها استبراء مثلها؛ لأن الوطء بشبهة الملك كالوطء بالملك الصحيح في حكم الاستبراء، والوطء بشبهة النكاح كوطئها بالنكاح الصحيح في العدة. وعلي هذا لو وطء أمة غيره ظنها زوجته يكفيها استبراء أمةٍ بحيضةٍ اعتبارًا بالموظوءة.
ومن أصحابنا من قال: إذا وطء حرة واعتقد أنها أمة يلزمها عدة حرة بلا إشكال، ولو وطء أمة بنكاح واعتقد أنها حرة فيه وجهان:
أحدهما: تعتد عدة أمة.
والثاني: تعتد عدة حرة؛ لأن اعتقاد الواطئ لما غير حكم الولد حتى حكمنا بحريته كأنه ولد حرة، وكذلك يجب أن يغير حكم العدة أيضًا. وعلي هذا لو وطء أمة [ق ١١٩ أ] ظنها زوجته يلزمها عدة الزوجية. ذكره ابن سريج، وهذا غلط لأن نسب الولد وحريته بحقه فاعتبر علمه وجهله، والعدة حق عليها فكان الاعتبار بها دونه.
فرع آخر:
إذا تزوج امرأة بنكاح فاسد وخلا بها ولم يطأها هل تصير بهذه الخلوة مع النكاح الفاسد فراشًا كما نجعلها بالوطء فراشًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح لا تصير فراشًا ما لم يطأها؛ لأن العقد في الأصل فاسد.
والثاني: تصير فراشًا؛ لأن الخلوة تسليط علي الإصابة، فصارت كالإصابة. ذكره
[ ١١ / ٣٥٧ ]
بعض أصحابنا بخراسان.
مسألة:
قال: "وَإِنْ كَانَ أَوْصَي لَهُ بِشَيء وَقِفَ حَتَّى يَصْطَلحَا فِيْهِ".
أراد به إذا كان الحمل مشكلًا وأمكن أن يكون من ألأول، ومن الثاني فأوصي رجل له بمال فالوصية صحيحة، لأن الوصية لما في البطن تصح.
فإذا ثبت هذا لا يخلو من أن تلده حيًا ثم يموت أو تلده ميتًا، فإن ولدته فالوصية باطلة، لأنه لم يثبت له حكم الحياة، وإن ولدته حيا ثم مات لا يخلو موته من أحد أمرين؛ إما أن يكون قبل قبول الواطئين لهذه الوصية، أو بعد قبولها، فإن قبلها الواطئان فقد استقرت الوصية وملكها الطفل في حياته؛ لأن أحدهما أب فإذا قبلاها تيقنا أن الأب قد قبل الوصية للطفل، فكذلك لو ترك حتى يبلغ فينتسب فبلغ وقبل، ثم ما قبل أن ينتسب ملك ذلك، ثم ينظر فإن لم يحف مع الواطئين أمه وقف جميع ماله بين الواطئين حتى يتبين الأب منهما أو يصطلحان، وإن حلفت معهما فإن الأم لها ثلاثة أحوال ههنا:
أحدها: تستحق فيه الثلث بيقين، وهو إذا لم يكن لها ولد ولا للواطئين ولد، فيدفع إليها بالثلث ويجعل الباقي [ق ١١٩ ب] موقوفًا بين الواطئين.
والثاني: تستحق السدس بيقين، وهو أن يكون للأم ولدان أو لكل واحد من الواطئين ولد فيكون لها السدس ويجعل الباقي موقوفا.
والثالث: يكون ما تستحقه مشكوكًا فيه وهو أن يكون للأم ولد واحد، ولأحد الواطئين ولد آخر؛ لأنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولد فيكون للأم السدس لأنه خلف أبوين وأخوين، ويحتمل أن يكون أبوه الذي لا ولد له فيكون له أخ واحد فلا تحجب الأم من الثلث. والثاني: كان لأحد الواطئين ولدان ليس للآخر ولا للأم ولد، فإنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولدان فيكون للأم السدس ويحتمل الآخر فيكون للأم الثلث، فإذا أمكن ذلك.
قال أبو إسحاق، وابن هريرة: يحتمل وجهين أحدهما: يكون لها الثلث ويوقف الباقي ولا يحجبها من الثلث إلي السدس إلا بيقين الحجب وليس ههنا يقين.
والثاني: لها السدس لأنه يتعين وما زاد عليه مشكوكًا فلا يثبت بالشك.
وإن مات الطفل قبل أن يقبل الواطئان فالورثة يقومون مقامه في القبول فيجب أن يقبل الأم والواطئان، فإن قبلوا صحت الوصية واقتسموها علي ما بيناه وإن ردوها بطلت الوصية ورجعت إلي ورثة الموصي هذا إذا قال: أوصيت لهذا الحمل هكذا. فأما إذا قال: أوصيت
[ ١١ / ٣٥٨ ]
لهذا الحمل الذي هو ولد فلان هكذا فسمي أحد الواطئين، فإن ألحق به صحت الوصية وكان المال للطفل، وإن ألحق بالآخر بطلت الوصية؛ لأن الصفة وهو قوله ولد فلان بمنزلة الشرط لم يستحق مع عدمه. وإن ألحق بالذي سماه إلا أنه نفاه باللعان، قال أبو إسحاق: تصح الوصية لأن نفي اللعان لا يعتدي من الزوج إلي غيره، وهو اختيار أبي حامد [ق ١٢٠ أ] ومن أصحابنا من قال: تبطل لأنه لما نفاه باللعان حكمنا بأنه ليس بابن له
في الظاهر فلم يوجد الشرط، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوصايا.
مسألة:
قال [١] " " وَالنَّفَقَةُ عَلَي الزَّوْج الصَّحِيح النَّكَاح".
الفصل:
أراد به أن اقلنا: إذا نكحت في عدتها وظهر بها حمل يمكن أن يكون من كل واحدٍ منهما فلا يؤخذ الزوج بنفقتها حتى تضع؛ لأنه يمكن أن يكون من الزوج فيلزمه نفقتها ويمكن أن يكون من الواطئ فلا يلزمه نفقته، ولا يلزم الزوج المطلق أيضًا لأن الحمل إذا كان من غيره لم يلزمه أن ينفق عليها، وإنما أجاب الشافعي به علي القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل فيختص بوجوب النفقة علي هذا القول الزوج المطلق دون الواطئ بالشبهة.
فأما إذا قلنا: إن النفقة للحمل وجب علي كل واحد منهما أن ينفق علي الحمل، فإذا ثبت هذا وولدته فإن ألحق الزوج أخذت منه نفقتها من يوم طلقها وإن ألحق بالثاني
لم يجب لها عليه شئ ويلزمه أن ينفق علي الولد بعد الولادة.
وقال: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ لَمْ آخُذُهُ بنفَقَتِه حَتَّى يَنتْسَبَ إلَيْهِ".
قال أصحابنا: معناه إذا لم يكن قافة أو كانت قافة وأشكل عليها وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، قالوا: ويجب علي كل واحد منهما أن ينفق عليه نصف النفقة؛ لأنه يجوز أن يكون من كل واحد منهما بدلا من آخر، ومعني قول الشافعي: " وَإِنْ أَشْكَل أَمْرُهُ لم آخُذْهُ بنَفَقَته حَتَّى ينَتْسِبَ إِلَيهِ". أي لا آخذه بنفقته تامة، وإنما أخذه بنصف نفقته.
ومن أصحابنا من حم هذا الكلام علي ظاهرة وقال: " لا تحب عليها النفقة، لأنه إيجاب النفقة بالشك [ق ١٢٠ ب] فأشبه الزوج في حال الحمل لا يجب عليه أن ينفق عليها إذا قلنا: إن النفقة للحامل لأنه لا يجوز أن يكون الحمل لغيره، فكذلك ههنا والمذهب الأول والتأويل ما ذكرنا. والفرق بين الزوج في حال الجمل وبينه بعده الولادة أنها إذا
[ ١١ / ٣٥٩ ]
ولدت فنفقة الولد واجبة علي أحدهما لا محالة، فإذا أشكل أوجبنا عليها نصفين. وليس كذلك في حال الحمل إذا قلنا إن النفقة للحامل؛ لأنه لا يجوز أن لا يكون علي واحدٍ منهما نفقتها في حال فدل علي الفرق. هذا تفسير كلام المزني.
فأما شرح هذه المسألة فإن لها تفصيلًا طويلًا، وجملته أن الرجل إذا طلق امرأته فإن كانت رجعية فلها النفقة حائلًا كانت أو حاملًا، فإن كانت حائلًا فلا نفقة وإن كانت حاملًا فلها النفقة قولًا واحدًا، فهل النفقة للحمل أو للحامل؟ قولان: فإذا قلنا: للحامل أنفق عليها في حال الحمل.
وإذا قلنا: للحمل فهل ينفق عليها في حال الحمل يومًا بيوم، وإذا وضعت؟ قولان:
أحدهما: ينفق عليها في حال الحمل، والثاني إذا وضعت إليها جميع النفقة للأيام الماضية. وهذا إذا لم تتزوج، فإن تزوجت [في] عدنها فإن كانت رجعية أسقطت نفقتها من يوم زوجت لأنها صارت ناشزة، ثم إذا فرق الحاكم بينهما فإن لم يظهر بها حمل أكملت عدة الأول ولزمه أن ينفق عليها من هذا الوقت إلي تنقضي العدة وإن ظهر بها حمل يحتمل أن يكون من كل واحد منهما.
فإن قلنا: إن النفقة في حال الحمل للحامل دون الحمل فلا نفقة علي واحد منهما؛ لأن الثاني ليس بزوج حتى يجب أ، ينفق عليها في عدتها، وأما الأول وهو الزوج المطلق فإن النفقة إنما تلزمه إذا كان الحمل منه، وإذا كان من غيره لا يجب [ق ١٢١ أ] فإذا أمكن أن يكون منه ومن غيره لم نوجب عليه النفقة بالشك، فإذا وضعت فإن كان هناك قائف أريناه، فإن ألحقه بالمطلق دفع ما مضي من النفقة وعليها أن تأتي بثلاثة أقراء للثاني ولا نفقة فيها لها عليه؛ لأنه ليس بزوج. وإن ألحق الولد بالواطئ، فإن عليه أن ينفق علي الولد من حين ألحق به، وقد انقضت عدتها منه ولا يلزمه نفقة مدة الحمل، وعليها أن تتم بقية عدتها من المطلق، وعليه أن ينفق عليها بقية العدة. وهل يلزمه أن ينق عليها في مدة النفاس؟ وجهان:
أحدهما: يلزمه أن ينفقه عليها كما إذا راجعها في مدة النفاس صحت الرجعة، ولأنها خرجت من عدة الثاني ودخلت في بقية عدتها منه فعليه النفقة، وليس إذا لم تحتسب به من العدة ما يدل علي أنه لا نفقة لها، كما لو طلقها في حال الحيض لا تحتسب بزمان الحيض من العدة ولها النفقة فيه لأنها من العدة، والثاني: لا نفقة لها لأن النفاس لا تعتد به من بقية العدة، وإنما هو تابع لزمان الحمل ويستولد منه ولم نوجب طلاقة فلم يجب عليه النفقة فيه وإن لم يكن هناك قائفًا أو كان أشكل عليه وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، فأما هذه فإنها ترجع علي المطلق بنفقة أقل المدتين من حين فرق بينهما إلي أن وضعته، ومن بقية عدتها بالأقراء من المطلق، فأيهما كان أقل رجعت علي المطلق بنفقته؛ لأن ذلك واجب عليه بيقين، فإن الحمل إن كان من الأول فنفقتها في زمان الحمل عليه، وإن كان في الثاني فنفقتها في بقية العدة عليه. وأما نفقة
[ ١١ / ٣٦٠ ]
الولد فإنها تجب علي المطلق والواطئ بالشبهة نصفين حتى يبلغ فينتسب. والفرق بين زمان الحمل وبين هذه الحالة قدمناه، وهذا كله في الرجعية. فأما إذا كانت بأنا فالحكم علي ما بيناه [ق ١٢١ ب] في الرجعة إلا في رجوعها علي المطلق، فإنها إذا وضعت وقلنا: إن النفقة للحامل وكان الأمر مشكلًا، وقفنا الولد حتى يبلغ فينتسب ولا ترجع هي علي المطلق بنفقة أقل المدتين؛ لأن الحمل إن كان من الثاني فلا نفقة لها في بقية عدتها من الأول، لأنها تكون فيها بائن حائل فلا نتقيهن وجوب النفقة لها عليه ويجب عليهما أن يتفقا علي الولد حتى يبلغ فينتسب، فإذا بلغ وانتسب نظر، فإن انتسب إلي المطلق فإن المرأة ترجع عليه بنفقة زمان حملها، وأما رجوع الواطئ بالشبهة عليه فيما أنفق علي الولد إلي أن انتسب إليه لا يخلو إنفاقه من أحد أمرين:
إما أن يكون بأمر الحاكم أو بغيره أمره، فإن كان بغيره أمره فهو متطوع بالإنفاق فلا يرجع عليه، وإن كان بأمره لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مدعيين، أو منكرين، أو أحدهما مدعيا للولد والآخر مكرًا، فإن كانا مدعيين لم يرجع الواطئ بالشبهة علي المطلق؛ لأن الواطئ بالشبهة يقول: إنه ولدي وقد أنفقت عليه ولا أستحق به الرجوع علي أحد، وإنما غلط الصبي بالانتساب أو القافة بالإلحاق، وإن كانا منكرين فإنه يرجع عليه لأنه أنفق بأمر الحاكم علي ولد المطلق، وإن كان أحدهما منكرًا والآخر مدعيًا، فإن كان المنكر الواطئ بالشبهة رجع عليه، وإن كان مدعيًا لم يرجع، وإن انتسب إلية الواطئ بالشبهة، فإن رجع المطلق عليه علي ما بيَّناه، وإن مات هذا الصبي قبل أن ينتسب فعليهما تكفينه؛ لأنه لما لزممهما الإنفاق عليه في حياته لزممهما تكفينه بعد موته، فإذا انكشف الأمر كان حكم التراجع علي ما بينَّاه.
قال المزني: خالف في إلحاق الولد في أكثر من أربع سنين بأن له الرجعة، وأراد به الشافعي قال فيما مضي: فإن كانت وضعته لأكثر من أربه سنين [ق ١٢٢ أ] من يوم فارقها الأول وكان طلاقه لا يملك فيه الرجعة فهو للآخر، فإن كان يملك فيه الرجعة وتداعي أو لم يتداع له ولم ينكراه ولا واحد منهما أريه القافة فإن ألحقه بالأول، فقد انقضت عدتها منه فألحق الولد بالزوج من الرجعية لأكثر من أربع سنين، وقد بيَّنا ذلك فيما مضي وقلنا إن المسألة علي قولين فأغني عن الإعادة.