مسألة:
قَالَ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّه قَالَ فِي أُمِّ الوَلَدِ يُتَوَفي عَنْهَا سَيِّدُهَا تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ".
إذا مات السيد عن أم ولده أو أعتقها استبرأت بقرءٍ واحدٍ. وكذلك إذا مات مدبرةٍ وكان يطأها، وكذلك الأمة المشتراة والمسببة تستبرأ بقرءٍ واحدٍ، وبه قال ابن عمر، وعائشة، والشعبي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد، والفقهاء السبعة والزهري ﵃. وقال أبو حنيفة: إذا مات السيد عن أم ولده أو أعتقها اعتدت بثلاثة أقرا ولا تعتد عدة الوفاة.
[ ١١ / ٣٧٥ ]
وروي هذا عن علي، وابن مسعود ﵄، وبه قال عطاء، والنخعي، والثوري، وقال في المدبرة لا استبراء عليها أصلًا.
واحتجوا بأنها عدة وجبت على حرة فكانت بثلاثة أقراء، وهذا غلط لأنه استبراء وجب لزوال ملك اليمين فأشبه استبراء الأمة المشتراة.
وأما ما ذكروه لا يصح؛ لأن هذا الاستبراء، وإن وجب على حرة وجب بسبب ملك اليمين فصار كالاستبراء الذي ذكرنا.
وقال عمرو بن العاص: إذا مات سيد أم الولد تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا.
وروي هذا عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا، وهذا غلط؛ لأن عدة الوفاة إنما تجب عند زوال الفراش عن زوجية صحيحة، ألا ترى أنها لا تجب على الموطوءة بشبهة [ق ١٣٢ ب] ولا على المنكوحة نكاحًا فاسدًا وليس لأم الولد زوجية.
فإن قيل: روى خلاس بن عمرو، عن علي ﵁ أنه قال: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر، قلنا: فدل رواية خلاس من الصحيحة. قال وكيع: معناه إذا مات زوجها بعد سيدها فإن قيل: قال عمرو بن العاص: لا تلبسوا علينا بسنة نبينا عدة المتوفي أربعة أشهر وعشر، يعني أم الولد، فدل أنه يروي أيضًا عن الرسول ﷺ قلنا: أراد اجتهادًا على معنى السنة في الحرائر، ولو كان عنده نص لأظهره ولا يقع التلبيس في النصوص وقيل تأويلها أعتق أم ولده ثم تزوجها، ثم مات.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا تَحِلُّ أَمُّ الوَلَدِ لِلأَزْوَاجِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرِ مِنَ الحَيْضَةِ".
ظاهر ما قاله ههنا أن الاستبراء يكون بالحيض، وقال في الإملاء على مسائل مالك: إذا استبرأ جارية لا يجوز له أن يطأها حتى تحيض حيضة يتقدمها طهر فالمسألة على قولين:
أحدهما: أنه بالحيض، وهو الصحيح لأنها أدل على براءة الرحم واقتصر على قرءٍ واحدٍ فكان الحيض بخلاف العدة، وعلى هذا يدل قوله ﷺ: "لا توطأ الحامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض، فاعتبر الحيض.
والثاني: أنه بالطهر كالعدة، فإذا قلنا: أنه بالطهر نظر إذا مات المولى، فإن كانت حائضًا، فإذا طهرت، ثم حاضت حلت للأزواج لأنه قد مرّ بها طهر كامل، وإن كانت
[ ١١ / ٣٧٦ ]
طاهرًا. قال أصحابنا: تحتسب ببقية هذا الطهر، إلا أنه لابد من حيضة كاملة، بعده، فإذا حاضت، ثم طهرت فقد حلت، ويكون الاعتبار بالطهر الذي قبل الحيضة، إلا أن الطهر لمالم يكمل اعتبرنا أن تكمل الحيضة بعده ليدل على براءة الرحم.
وقال بعض مشايخ خرسان: تحتسب ببقية الطهر، وإن كان ساعة [ق ١٣٣ أ] فلا تحتاج إلى الحيضة بعده، فإن كانت جارية لا يحل الاستمتاع بها لأجل الحيض، وإن كانت معتقة يحل لها النكاح؛ لأن الحيض لا يمنع النكاح، وهذا اختيار القفال وهو القياس، وظاهر مذهب الشافعي ما تقدم.
وإذا قلنا إنه بالحيض، فإذا كانت طاهرًا فحاضت، ثم طهرت، فقد حلت، وإن كانت حائضًا لا تحتسب ببقية الحيض، فإذا طهرت، ثم حاضت، ثم طهرت، فقد حلت وهذا لأن الظاهر من قوله ﷺ: "ولا حائل حتى تحيض" أن تبتدئ الحيض فإن قيل: هلا قلتم إن بقية الحيض قرء على هذا القول كما قلتم على القول الآخر إن بقية الطهر قرء؟ قلنا: لأن بقية الحيض يتعقبها طهر والطهر لا يدل على براءة الرحم وهي الحيضة فجعلنا بقية الطهر قرءًا، وظهر الفرق.
وقال صاحب "الحاوي": عندنا يلزمها قرء بلا خلاف وفي هذا القرء هل يكون المقصود الطهر والحيض فيه تبع كما في العدة أو المقصود الحيض والطهر فيه تبع بخلاف العدة أوجه، لأن كلام الشافعي محتمل للكل أحدها أن المقصود فيه الطهر والحيض، فإن كانت حائضًا فطهرت، ودخلت في قرئها، فإذا رأت الحيضة الثانية حلت، وإن كانت ظاهرًا ففي بقية هذا الطهر وجهان.
قال أصحابنا البغداديون: يكون قرءًا كما في العدة ولكن يضم إليه حيضة كاملة ليعرف بها براءة الرحم ببقية الطهر.
وقال البصريون من أصحابنا: لا تعتد بهذا البقية، وإن كانت في العدة قرءًا لأنه لو كان قرءًا لاقتصر عليه ولا يقول به أحد ولا في العدة قرء لكونه تبعًا لأٌقراء كاملة بخلاف الاستبراء فعلى هذا يحتج أن تحيض بعدها، ثم تطهر، ثم ترى الحيضة الثانية.
والوجه الثاني: المقصود في هذا القرء الحيض والطهر فيه تبع [ق ١٣٣ ب] بخلاف العدة، والفرق أن في أقراء العدة حيضًا كاملًا يقوى طهرها في الاستبراء فكان الطهر فيها مقصودًا وطهر الاستبراء ضعيف بانفراده من براءة الرحم فصار الحيض مقصودًا فيه، لأن الطهر لا ينافي الحمل وإنما ينافيه الحيض فعلى هذا إذا كانت حائضًا لم تعتد ببقيتها بالإجماع، وهذا حجة البصريين في بقية الطهر وفرق البغداديون بينهما بما ذكرنا، قال: هذا الفرق تدقيق وليس بتحقيق ولو عكس لكان أشبه.
وقال مالك: إن مات سيدها في أول حيضها اعتدت بتلك الحيضة، وإن جاءت في
[ ١١ / ٣٧٧ ]
آخرها لم تعتد بها لأن قوة أولها يمنع علوق الولد فبرئ الرحم وضعف آخره لا يمنع من علوق الولد فلم يبرأ به الرحم، وهذا فاسد لأنه لو برئ به الرحم في الاستبراء لبرئ به الرحم في العدة ولأنه لو برئ الرحم بأوله لم يحتج فيه استكمال آخره.
والوجه الثالث: تفرد به البصريون الطهر والحيض مقصودان معًا في قرء الاستبراء وإن لم يقصدا معًا في أقراء العدة، والفرق أنهما في أقراء العدة. يجتمعان فجاز أن يكون أحدهما مقصودًا فعلى هذا إن كانت حائضًا فإذا انقطع دمها دخلت في العدة، فإذا تمّ طهرها، ثم رأت حيضة كاملة ودخلت في الطهر الثاني حلت، وإن كانت طاهرًا هل تعتد البقية وجهان:
أحدهما: لا تعتد كما لا يعتد بقول البصريين إذا كان الطهر وحده مقصودًا فعلى هذا إذا رأت الدم بعد بقية هذا الطهر دخلت في قرئها، فإذا كملت حيضها، ثم طهرًا كاملًا، ثم رأت الحيضة الثانية حلت.
والثاني: تعتد ببقية هذا الطهر إذا كانا مقصودين ولا تعتد به إذا كان أحدهما مقصودًا [ق ١٣٤ أ] لقوته إذا قرن بغيره وضعفه إذا انفرد بذاته فعلى هذا تدخل في قرئها في نية طهرها، فإذا حاضت حيضة كاملة ودخلت في الطهر حلف وهذا كله حسن، وهذا كله إذا كانت من ذوات الأقراء، فإن كانت آيسة تستبرئ بشهر نص عليه في كتاب النكاح والطلاق، لأن كل شهر بمنزلة قرءٍ وهذا أصح، وفيه قول آخر نص عليه في كتاب عتق أمهات الأولاد أنها تستبرئ بثلاثة أشهر؛ لأن براءة الرحم بالشهور لا تحصل بأقل من ثلاثة أشهر، فإن الولد لا يتحرك في البطن وراء ثلاثة أشهر.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِأَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا"، وهذا صحيح لأنه براءة الرحم لا تحصل إلا بالرضع فاستوى فيه الحرة والأمة والمطلقة والمتوفي عنها. ثُمَّ قَالَ:"وَإِنْ اسْتَبْرَأَتْ فَهِيَ كَالحُرَّةِ المُسْتَرِيبَةِ" وقد بينا حكم الحرة إذا ارتابت وحكم أم الولد حكمها فيما ذكرنا ولا فرق بين أن تكون الريبة قبل وضع الولد أو بعده وضعه لأنها ربما تلد ولدًا، وفي بطنها ولد آخر ينفصل بعد شهر أو شهرين أو أربعة أشهر، ولهذا عطف الشافعي مسألة المستبرأة على الحامل إذا وضعت حتى يعلم أن هذا الشك غير مختص بالحائل، وأنه ربما يشك الحامل كما تشك الحائل والحكم أنها تتربص حتى تستيقن زوال الريبة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ أَوْ فِي عِدَّةِ مِنْ زَوْج فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا".
[ ١١ / ٣٧٨ ]
أجاب الشافعي على القول الذي يقول: تزويج أم الولد جائز، وقد ذكرنا ما قيل فيه في كتاب النكاح، فإذا زوجها، ثم ماتت المولى بعد تزويجها وعتقت فلا يجب عليها الاستبراء؛ لأنه لما زوجها صارت فراشًا لزوجه، وحرمت على مولاها ومحل المولى منها محل الأجنبي، فلم يجب عليها بموته الاستبراء، وكذلك [ق ١٣٤ ب] إذا طلقها أو مات عنها، ثم مات المولى وهي في عدة من زوجها لم يجب عليها الاستبراء لما ذكرنا، فإذا انقضت عدة الزوج والمولى حتى عادت فراشًا له؛ لأن الفراش قد زال بالتحريم الذي طرأ عليها النكاح، فإذا زال التحريم عادت فراشًا كما كانت وقد نص الشافعي على أن المولى يطأها قبل أن يستبرئها لأن المنع لأجل ماء الزوج، وقد حكمنا ببراءة رحمها من ماء الزوج فلم يجب على المولى استبراء آخر. وذكر ابن خيران قولًا آخر عن الشافعي في القديم أنه يجب استبرائها ولا يحل له وطئها قبل ذلك لأنها استباحة تجددت في ملك، ولأن الاستبراء والعدة حقان فلا يتداخلان وعلى هذا لا تصير فراشًا للسيد بانقضاء العدة، فإن استبرأها السيد ووطئها صارت بهذا الوطء فراشًا، فإن مات السيد بعد ذلك لزمه الاستبراء بموته، وإن لم يطأها حتى مات قبل الاستبراء أو بعده، فقد مات وهي غير فراش له فلا يلزمها الاستبراء منه.
وقال في الحاوي في وجوب الاستبراء ههنا على قول ابن خيران وجهان بناء على الوجهين في استبراء أم الولد هل وجب لحرمة الولد أو لرفع الفراش.
قال الاصطخري: يجب لحرمة الولد فعلى هذا يلزمها الاستبراء، وقال غيره: يجب لرفع الفراش فعلى هذا لا يلزمها الاستبراء لأن الفراش لم يعد وعلى هذا لو زوج أمته بعد الاستبراء، ثم طلقها واعتدت من طلاقه هل يستبيحها السيد قبل استبرائها وجهان:
أحدهما: لا استبراء لأن براءة الرحم حصلت.
والثاني: يلزمها الاستبراء لأن العدة للزوج والاستبراء يحل استمتاع السيد.
وقال البندنيجي نص الشافعي عليه وعلى كلا الوجهين لا تصير فراشًا إلا بالوطء لأن فراش أم الولد أثبت لأن ولدها بعد ستة أشهر [ق ١٣٥ أ] من استبرائها يلحق بالسيد ولا يلحق به ولد الأمة، فإذا مات على الأمة لم يلزمها الاستبراء بموته ويلزم أم الولد فافترقا.
وإذا قلنا بالمذهب المشهور أنه لا استبراء عليها بعد انقضاء عدتها، وصارت فراشًا للسيد فمات السيد في الحال يلزمها الاستبراء عن السيد لزوال ملكه عنها وهي فراش نص عليه الشافعي:
وقال القفال: إنما يجب الاستبراء على أم الولد عند موت السيد أو إعتاقها إذا لم
[ ١١ / ٣٧٩ ]
يكن السيد استبرأ هل قبل الموت أو الإعتاق، فإن كان قد استبرأها أو أعتق فهل يلزمها الاستبراء وجهان، وأصل الوجهين ما ذكرنا من قبل أن أم الولد هل يزول عن كونها فراشًا بالاستبراء أو ولادة يحصل، وهل تعود فراشًا بعد زوج من غير وطء جديد.
فإن قلنا: هي فراش بكل حال فلا بد من استبراء بعد زوال الملك، وإن قلنا بالآخر فالذي قبل الإعتاق محسوب، فإذا قلنا: لو استبرأها، ثم أعتقها لا يلزمها الاستبراء لا يعتد هذا التفريغ لأن استبرأها قبل أن زوجها لا محالة إذ يجوز أن يطأها، ثم يزوجها من غير استبراء فلا يحصل للعقد أو العدة منه تأثير في هذا الحكم. وإذا قلنا إنه لا يحتسب بالاستبراء قبل الإعتاق يفيد الكلام من هذا الفرع، وهذا حسن ولكنه غير مشهور.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ مَاتَا فَعُلِمَ أَنْ أحدهما مَاتَ قَبْلَ الآخَرِ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا أَوَّلًا اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الآخَرُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الفصل:
وهذا تفريع على القول الصحيح أنها تعود فراشًا له من غير استبراء جديد، وجملة هذا أنه لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون بين موتهما شهران وخمس ليال فما دونهما أو أكثر من شهرين وخمس ليال إذا شكل الأمر فلا يدري كم كان بينهما [ق ١٣٥ ب] فإن علم أن بينهما شهرين وخمس ليال أو أقل من ذلك، فإن عليها أربعة أشهر وعشرًا من غير حيضة من أخرهما موتًا، وإنما لا تجب الحيضة لأنه لا يخلو من أن يكون الزوج هو الذي مات أولًا أو السيد وأيهما تقدم موته فلا استبراء عليها من السيد؛ لأن السيد إن كان قد تقدم موته فهي تحت زوج، وإذا مات السيد عن ام ولد وهي تحت زوج لا تجب عليها الاستبراء وإن كان قد تقدم موت الزوج، ثم مات السيد صادف حال عدتها من زوجها، وقد بينا أنها إذا كانت في عدة من زوجها لا يجب عليها الاستبراء من سيدها، وأما أربعة أشهر وعشر فإنما أوجبنا عليها احتياطًا فإنه يجوز أن يكون السيد مات أولًا فعتقت هي، ثم مات الزوج عنها وهي حرة فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا وإن كان بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال، ثم مات السيد فيلزمها أن تستبرئ نفسها بحيضة وإنما أوجبنا عليها أربعة أشهر وعشرًا احتياطًا بجواز أن يكون السيد مات أولًا، ثم مات الزوج وهي حرة فوجبت عليها عدة الحرائر. وأما قول الشافعي ههنا: "وهو أكمل ما وجب عليها" لم يرد بذكر الكمال أن الجمع بين الأشهر والحيضة من المستجاب بل يلزمها ذلك، وكذلك قال
[ ١١ / ٣٨٠ ]
عليها وهي كلمة إيجاب وإلزام.
وحكي عن أبي إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: يجب أن تكون الحيضة في الأربعة الأشهر بعد شهرين وخمس ليال لأن الشهرين وخمس ليال عدة من الزوج فالاستبراء بحيضة يجب أن يكون بعدها، قال: وهذا غلط لأنا لا نحتسب بما بين الموتتين من العدة، وإنما نوجب عليها أربعة أشهر وعشرًا من عند آخرهما موتًا فعلى هذا في أي زمان حصلت الحيضة في أربعة أشهر وعشرًا [ق ١٣٦ أ] في أولها أو في آخرها فقد صح الاستبراء، وإن لم يعلم مقدار ما بين فالاحتياط أن يكون بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة على ما بيناه.
ثم إن المزني قَال: هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ لَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَوْتَيْهِمَا إِلَّا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ فَلَا مَعْنَى لِلْحَيْضِةِ" قلنا له: صدقت ومثل هذا لا تخفي على الشافعي ولما نقله تأويلان:
أحدهما: أن الشافعي جمع بين مسألتين:
إحداهما: أن يكون بين موتيهما أقل من شهرين وخمس ليال أو أكثر ثم أجاب عن الثاني: منهما وترك الجواب عن الأولى اكتفاء بما قد بينه في المسألة قبلها.
والثاني: أنه صور المسألة فيما سكت فلم يدل على أن بين موتيهما قدر عدة الإماء أو أقل أو أكثر فكأنهما شكت من وجهين في أولهما موتًا، وفي قدر المدة بين الموتين فالحكم يكون بالاحتياط على ما ذكرنا.
وإن علم أنه مات الزوج والسيد فعليها أربعة أشهر وعشر بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا يَقْرَبُ زَوْجِهَا حَتَّى تَسْتَيْقِن أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ قَبْلَ زَوْجِهَا".
أراد به إذا ماتا جميعًا ولم يعلم أيهما مات أولًا، فلا ميراث لها من زوجها، لأن الأًصل أنها رقيقة ليست من أهل الميراث، وقد شككنا هل يغير حكمها فصارت من أهل الميراث من زوجها أم لا فلا يجوز أن نزيل اليقين بالشك".
فإن قيل: لم يوقفوا الميراث حتى ينكشف الحال كما قلتم في الرجل إذا كانت له امرأتان مسلمة وكتابية، فطلق إحداهما لا بعينها ومات قبل البيان يوقف ميراث زوجه إلى أن تنكشف [ق ١٣٦ ب] المطلقة هل هي الذمية فترثه المسلمة أو المسلمة فلا ترث الذمية ولا المسلمة، قلنا: الفرق أن الأصل أن المسلمة وارثته وقد شككنا هل حكمها وبطل استحقاقها أم لا، والأصل أنها مستحقة للميراث فلا يزيل اليقين بالشك وههنا الأصل أن أم الولد غير مستحقة للميراث، وقد شككنا هل صارت مستحقة فلا يزيل اليقين بالشك،
[ ١١ / ٣٨١ ]
فإن ادعت علم الورثة أنه عتقها، كان قبل موت قريبه فعليهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون ذلك.
ثم قال الشافعي: "وتعتد عدة الوفاة كاملة للاحتياط حتى تحل بيقين، وعلى هذا إذا طلق العبد امرأته الأمة طلقة رجعية فأعتقت في عدتها، ثم أعتق العبد، ثم مات فإن كانت الأمة لما أعتقت اختارت الفسخ فلا ترثه لأنها صارت بالفسخ بائنًا وإن كانت لم تختر الفسخ فهي رجعية جارية في العدة فيلزمها عدة الوفاة ورثته.
مسألة:
قَالَ: "وَالأَمَةِ يَطَأَهَا سَيِّدَهَا تُسْتَبْرأَ الحَيْضَةِ، فَإِنْ نَكَحَتْ فَفَسْق".
أراد به إذا كانت جارية فوطئها ولم يستبرئها لم يجز له تزويجها قبل الاستبراء، فإن زوّجها كان النكاح فاسدًا، وإن باعها قبل الاستبراء صح البيع لأن المقصود من البيع هو الملك دون الوطء بخلاف النكاح ولا يجوز للمشتري وطئها حتى تستبرئها وكذلك لا يجوز للمشتري قبل الاستبراء كان التزويج فاسدًا.
وقال أبو حنيفة: له تزويجها قبل الاستبراء، وهذا على اصله أنها لا تصير فراشًا بالوطء ولا يلزمه الولد بذلك ما لم تقر بعين الولد فهو كما لو لم يطأها فيقول: كل وطء لو أتت منه بولدٍ وأٌرت به ثبت النسب فذلك الوطء يوجب تربصًا كالوطء بالشبهة [ق ١٣٧ أ] وزاد أبو حنيفة على هذا فقال: لو وطء أمته، ثم زوجها في الحال ووطئها الزوج في الحال جاز فيجتمع من ساعتين وطئان من رجلين وهذا بيع في الشرع. وأما إذا وطئها ثم استبرأها له تزويجها، وجاز له بيعها، فإن باعها وجب على المشتري أن يستبرئها استبراء آخر لحدوث ملكه عليها ألا ترى أنه لو اشترى جارية من خصي أو امرأة كان عليه أن يستبرئها وإن كانت رحمها بريئة ولكن يجوز للمشتري تزويجها قبل الاستبراء، لأن الاستبراء لحدوث الملك لا يمنع التزويج، وإنما يمنع من التزويج الاستبراء يجب لأجل وجود الوطء، وإنما قلنا كذلك؛ لأن رحمها برئ في الظاهر فجاز له تزويجها وليس لذلك الوطء لأنه وإن كان رحمها برئ في الظاهر ربما أنه يتولد بعد وطئه فعلم أنه ليس منه فلا يمكن نفيه بأن يدعي الاستبراء، فإذا لم يستبرئها لا يمكن أن يدعيها وأيضًا الاستبراء للنكاح مقدم النكاح فاكتفي بالاستبراء المتقدم والاستبراء للوطء لا يتقدم الملك فلم يكتف بالاستبراء المتقدم من البائع، والفرق بين هذه يجوز تزويجها وبين مسألة الخلاف أن في تلك المسألة رحمها مشغول غير بريء في الظاهر وههنا رحمها بريء في الظاهر فافترقا، وإن كانت له جارية فوطئها، ثم أعتقها لم يجز لها أن تتزوج حتى تستبريء بحيضة وكذلك إذا وطئها ثم باعها، ثم أعتقها المشتري قبل
[ ١١ / ٣٨٢ ]
الاستبراء لا يجوز لها أن تتجوز إلا بعد الاستبراء، وكذلك أم ولده إذا أراد تزويجها. وقلنا: يجوز ذلك [ق ١٣٧ ب] كان عليه أن يستبرئها بحيضة، فإن زوجها قبل الاستبراء فالتزويج فاسد، ولو كانت له جارية فأعتقها ولم يكن وطئها لم يجب عليها الاستبراء، وكان لها أن تتزوج في الحال وكذلك إذا وطئها واستبرأها ثم أعتقها لم يجب عليه استبراء آخر لأن عليه وجوب الاستبراء، أما وجود الوطء أو حدوث الملك على الاستمتاع بعد التحريم وليس ههنا واحد منهما، وبه قال أحمد، وعلى ما ذكرنا لو اشترى أمةً من صبي أو خصي أو امرأة يجوز له أن يزوجها قبل الاستبراء ويحل للزوج وطئها عقيبه ولا يجوز للمشتري وطئها حتى يستبرئها.
وقال القفال: نص الشافعي هكذا أنه لو اشترى أمةً ولم يطأها حتى أعتقها فلا استبراء عليها، ولكن قال أصحابنا: صورته أن البائع كان قد استبرأها قبل أن باعها، أو لم يكن وطئها أو المشتري استبرأها، ثم أعتقها.
ومن أصحابنا من قال: وإن استبرأها البائع، ثم أعتقها لابد من استبراء جديد بعد التزويج، قال: وعلى هذا أكثر أصحابنا، وعندي يجوز له تزويجها، وهذا غريب بعيد ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق والله أعلم.
وقال أبو حنيفة: إذا أعتقها سقط الاستبراء بكل حالٍ.
وحكي أن هارون الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه إلى جماعها قبل أن يستبرئها فقال لأبي يوسف: هل تجد لي حيلة في ذلك؟ فقال: نعم أعتقها وتزوج بها وقد حلت في الحال، ففعل ذلك وأجزل العطاء لأبي يوسف. وقيل: هذا ليس بمذهب أبي حنيفة بل هو اختيار أبي يوسف.
واحتجوا [ق ١٣٨ أ] بأن له أن بيبعها فله أن يزوجها كما لو كان استبرأها، وهذا غلط لقوله ﷺ: "لا تسق بماء له زرع غيرك، والبائع قد زرع فلا يجوز للزوج أن يسقيه ولأن هذا وطء له حرمة فلا يجوز تزويجها من غير الواطئ قبل الاستبراء كالموطوءة بشبهة، ويخالف البيع لأنه يصح في المعتدة والمحرمة بخلاف النكاح.
فإذا تقرر هذا فإذا زوجها، ثم طلقها زوجها قبل الدخول بها فعليه استبراء جديد؛ لأن الحيلولة التي وقعت بينه وبين بضعها بالتزويج كزوال الملك؛ لأنه يزيل ملك الاستمتاع وإن طلقها بعد الدخول تعتد بحيضتين وهل يدخل الاستبراء في تلك العدة أو يجب الاستبراء؟ من وجهين.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَطِئَ المُكَاتِبُ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ".
[ ١١ / ٣٨٣ ]
الفصل:
المكاتب لا يتسرى على قوله الجديد، وأما على قوله القديم ليس له ذلك دون إذن السيد، وبإذنه هل يجوز؟ قولان كما نقول في تبرعاته، ثم سواء قلنا يتسرى أم لا وطء فجاءت منه فالولد مكاتب عليه ولا نعني به أنه يصير مكاتبًا مثله أو يلزمه من النجوم وإنما نعني به أنه لا يجوز له بيعه وإزالة الملك عنه ويكون موقوفًا على حكمه، فإن عتق عتق، وإن رق رق. وأما الجارية فيها قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له ولا يبعها بحال وهو الأصح لأنه ثبت لولدها حرمة حرية منتظرة فثبتت للأم أيضًا؛ لأن حكم الأم حكم الولد ولا نريد به أنها تصير أم ولده في الحال؛ بل تريد به أنه في الحال لا يبيعها، فعلى هذا إن رق المكاتب رقًا جميعًا؛ لأنه يجوز حينئذٍ بيع الولد وحرمتها بالولد فيجوز بيعها أيضًا وإن عتق كانت أم ولده وتعتق بموته [ق ١٣٨ ب].
والثاني: يبيعها ولا تصير أم ولدٍ به خاف العجز أو لا لأنها علقت بمملوك فلم تصر أم ولد، كما لو أولدها في النكاح ثم استبرأها لا تصير أم ولدٍ له، والأول اختيار المزني وهذا على أصله صحيح؛ لأن عنده الحر إذا استولد جارية بالنكاح قم ملكها صارت أم ولد أيضًا وههنا أولى.
وقال مالك: إن خاف العجز باع هذه الجارية، وإن لم يخف العجز لا يبيعها، وقال أبو حنيفة: إن مات الولد حل له بيعها، وإن كان حيًا لا يبيعها، وهذا غلط لأنها لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون أم ولدٍ فلا يجوز بيعها بحالٍ كسائر أمهات الأولاد.
وإما أن لا تكون أم ولد فيجوز بيعها على كل حال كالأمة القن لا وجه للفرق الذي ذكره مالك ولا للذي ذكره أبي حنيفة.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: لو خاف العجز إن لم يبع الولد له بيعه لأن عجزه يفضي إلى رقهما معًا فكان بيعه في عتق الأب أولى من استرقاقه مع الأب، وهذا خلاف مذهب الشافعي؛ لأن العتق بيعه مظنون، ويجوز أن يتلف ثمنه قبل أدائه في مال الكتابة فلا يجوز أن يسقط به ما استحقه على أبيه من العتق بعتقه، ويقابل هذا التجويز أنه يجوز أن يكتسب مالًا قبل تعجيزه من لقطةٍ أو هبةٍ فيعتقان معًا.